مجلة الرسالة/العدد 779/منادمة الماضي:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 779/منادمة الماضي:

مجلة الرسالة - العدد 779
منادمة الماضي:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 06 - 1948

2 - زيارة لحصن الأكراد

أدب وحرب

للأستاذ أحمد رمزي بك

22 - لفت حصن الأكراد أنظار رجال الآثار والعلماء من أواخر القرن الماضي، وكتبوا الكثير عنه، ولهم المطبوعات والرسوم التي تدل على عملهم المتواصل.

23 - وكان آخر ما ظهر من عمل جدي إنشائي: هو عمل البعثة التي أقامت اكثر من عشر سنوات ابتداء من عام 1927 وظهرت نتيجة أبحاثها في المجموعة المسماة التي طبعتها مصلحة الآثار الفرنسية تحت عنوان وهو كتاب من أعظم الكتب الأثرية تأليف ويزيد من قيمة هذا العمل أن البعثة أعادت هذا الحصن إلى بعض رونقه القديم، وأخذت في هذا العمل سنوات عدة، ولذا جاء عملها في الوجهتين: الأثرية والعلمية من الأعمال الخالدة.

24 - وإني إذ أشير إلى هذا ارجوا أن أجد من السلطات المصرية والسورية اهتماماً يفوق هذا الاهتمام لإعادة قلاع القاهرة ودمشق وحلب إلى ما كانت عليه في إبان سطوتها وعزها على نمط لا يقل في قيمته العلمية والأثرية عما قامت به بعثة حصن الأكراد الفرنسية.

25 - وأخذ على البعثة الفرنسية هدمها لقبور من ماتوا من المسلمين ودفنوا داخل الحصن، ومنهم من كان يحكم هذا الحصن باسم مصر نائباً عن السلطة المصرية، أذكر من ذلك تربة الأمير صارم الدين قايماز الظاهري السعيدي أول نائب للسلطنة بعد الفتح، توفي سنة 673 ودفن بالحصن. وحقق سوبرنهيم الكتابة التي على شاهد القبر ورسمها، وليس لهذه التربة أثر بعد الترميمات، ولم يكن من حقوق البعثة أن تعبث برفات قائد مصري كبير بعد أن رقدت بالحصن الذي افتتحته جنوده مئات السنين.

26 - اعتاد الناس حينما يتحدثون عن أثر مثل حصن الأكراد أن يشيروا إلى الحروب الصليبية وأثرها ونتائجها وبعض حملاتها، وموضع هذا الأثر في تاريخ هذه الحروب: ولا شك في أن هذه الطريقة واجبة الاتباع، ولكني سأخالف هذه القاعدة من بعض النواحي.

27 - ذلك لأن أغلب حملات الحروب الصليبية قد أصبحت معروفة ومتداولة، ولم يعد من المفيد إعادة الكثير مما قرأه الناس عنها: ثم قد يتسع البحث إلى مناطق تبعدنا عن الغاية التي رسمناها لأنفسنا وهي حصن الأكراد وزيارته.

28 - ولذلك سنشير إلى المنطقة التي فيها حصن الأكراد وأثرها في الحروب الصليبية، ونأتي ببعض النتائج التي حصلنا عليها من أثر هذه الحروب فينا.

29 - يفسر الأتاتورك مصطفى كمال رئيس الجمهورية السابق تاريخ الحروب الصليبية بأنها الهجوم المضاد الأول من الدول المسيحية ضد الإسلام: لأن الفتوحات الإسلامية وانتصارات المسلمين أثارت بوقفتها هجوماً مضاداً فهو يرى أن حروب الصليبين الأولى كادت تقتلع ملك المسلمين بأكمله، وأن وقفة الحروب الصليبية في الامارات اللاتينية أوجد الحرب الثابتة في المراكز المحصنة، والتي دامت حتى أتم المسلمون أهبتهم، وجاءت هجماتهم التالية التي قدفت بالفرنج إلى الساحل: فكانت الرد على الهجوم المضاد المسيحي.

30 - ففي فترة الهدوء والاستجمام بين الهجومين أنشأ الصليبيون خطاً من الحصون والقلاع، يبدأ من خليج العقبة ويمر بالكرك والشوبك، ويلتقي مع سلسلة الحصون التي تحمي إنطاكية، وتنحدر مع جبال العلويين حتى جبل لبنان.

ففي منطقة الوسط تماماً يقع مثلث مكون من الحصون الثلاثة: في شمال مصياف، وفي الجنوب حصن الأكراد، وإلى الغرب صافيتا

31 - فهذا المثلث الواقع على منطقة جبلية يسيطر على عدة طرق حيوية بالنسبة لمقاطعة طرابلس الصليبية، وعلى مناطق زراعية خصبة تجعل المحتلين لهذه القلاع لا يهتمون بغير قلاعهم وأملاكهم، ويسهل عليهم الاتصال فيما بينهم بالنيران لتبادل المساعدة، ولصد كل عدوان يأتي إليهم. ولذلك استمرت هذه البقعة شوكة في جنب المسلمين منذ أيام صلاح الدين ومن قبله إلى أيام الملك الظاهر بيبرس.

32 - والحرب هي الحرب في كل الأزمان تتطور قواعدها وأساليبها ولا تتبدل أهدافها. فهدفها الأول: هو تحطيم قوة المقاومة لدى الخصم وتدميره.

ولا شك في أن الحملات الصليبية الأولى لم تصل إلى أغراضها؛ فإن قوة المسلمين لم تحطم في يوم من الأيام - وإن الفترة بين دخولهم فلسطين وإخراج صلاح الدين لهم من القدس بعد معركة خطين كانت من فترات الثبات والتركز كما قال مصطفى كمال. وقد دامت 90 عاماً - وكانت كل المعارك الصغيرة من قبيل الهجمات التعرضية التي يقوم بها جيش من وراء الاستحكامات ثم يعود إليها بعد إتمام غرضه.

33 - هذه الاستحكامات الدائمة هي القلاع التي أشرنا إليها والتي تمكن صلاح الدين بعد هجومه العام من انتزاع أكثرها من أيدي الصليبيين، ولكنه توفى قبل أن يتم العمل الذي بدأه لذلك وبقى حصن الأكراد لم يسلم إليه، وعادت حالة الاستقرار والهدوء من وراء القلاع، وإن كانت تغيرت عقلية ملوك الصليبيين فأصبحت مصر هدفاً لحملاتهم للقضاء عليها حتى يتم لهم تحطيم قوة المسلمين وتدميرها تدميراً تاماً.

34 - وهناك حقيقة لابد من إعلانها وهي تتلخص في إفلاس الخلافتين العباسية في بغداد والفاطمية في مصر في اتخاذ موقف يسمح لكل واحدة أو لكلتيهما معاً من البروز كقوة مجاهدة مكافحة تصلح لقيادة المسلمين في عراك يمثل الموت والحياة للعالم الإسلامي، فهذا الموقف السلبي انتهى بهما إلى النتيجة الطبيقية المحتمة وهي زوال الخلافة الفاطمية من الوجود وضعف الخلافة العباسية إلى أن صفيت على يد هولاكو.

35 - والقارئ لأخبار الصليبيين عند نزولهم لدمياط وخصوصاً لأخبار نشاطهم وحماسهم عندما وصلت لهم أنباء استيلاء التتار على بغداد يخيل إليه أن قواد الصليبيين قد وثقوا من أن العالم الإسلامي قد زال من الوجود بزوالها مع أن أثر الخلافة العباسية كان ضئيلا جداً في الحروب الصليبية لدرجة لا يصدقها العقل

36 - والفضل الأكبر في صد الحروب الصليبية وإعداد أول هجوم إسلامي على معاقل الصليبيين في فلسطين هو لمصر تحت قيادة صلاح الدين الذي ورث هذا النشاط عن نور الدين الشهير.

وهذا ما أدركه كتاب الصليبيين، وما شعر به قوادهم بعد وقت طويل، وما باح به الجنرال كاترو بقوله: إن مصر في مطالبتها بعودة الدستور والحياة النيابية في سوريا ولبنان إنما تريد أن أن تعلب الدور الذي لعبه من قبل صلاح الدين في شئون دمشق

37 - والعمل الحاسم لآخر هجوم إسلامي كان لمصر تحت قيادة الملك الظاهر بيبرس هذا الهجوم العام الذي سقطت فيه إنطاكية وحصون الشمال، وأخيراً حصن الأكراد وغيره من حصون الوسط.

38 - ولو أعقبت وفاة بيبرس فترة هدوء واستجمام لعادت الحروب الصليبية مرة أخرى، ولكن قلاوون وابنه الأشرف كانا أسرع إلى مداومة الزحف واستغلال الموقف، فلم يقف الهجوم الثالث حتى حقق ما كان يؤمله كل من صلاح الدين وبيبرس، فسقطت طرابلس ثم عكا التي قال عنها الشاعر في مدح الأشرف خليل بن قلاوون:

صدمتها بجيوش لو صدمت بها ... صم الجبال أزالتها ولم تزل

(البقية في العدد القادم)

أحمد رمزي