مجلة الرسالة/العدد 778/حول دولة صهيون المزعومة:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 778/حول دولة صهيون المزعومة:

مجلة الرسالة - العدد 778
حول دولة صهيون المزعومة:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 05 - 1948


بيت العنكبوت!. . .

للأستاذ صبحي إبراهيم الصالح

(مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت

بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون).

قرآن كريم

تزعم أسرة العناكب أنها عاشت حيناً من الدهر في بيت تام البناء، مكتمل الأثاث، كثير المتاع؛ وأن صروف الزمان وعودايه أخرجتها من بيتها بغير حق، فتقطعت بها الأسباب، وسُدَّت في وجهها الأبواب، وأصبح شملها مشتتاً بعد اجتماع، وأمسى حبلها مبتوتاً بعد اتصال. . .

وتزعم أسرة العناكب - فوق ذلك - أن طائفة منها طوفت في الآفاق، فما ثُقِفتْ في بلد إلا سامها أهلوه سوء العذاب، حتى انتهى بها التطواف إلى البقعة المباركة التي أُخرجت منها، فبدا لها أن تتخذ فيها بيتاً واحداً يضم (قومها) فحشرت ونادت فيما أجابها منهم إلا أصوات بعيدة في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، فأوحت إليهم أن انسجوا خيوطكم بكرةً وعشياً، ثم هاجروا إلينا لواذاً، ثم ائتونا صفاً، فسنبني معاً بأيدينا ذلك البيت الذي حرمتنا منه الحياة، في الأرض المقدسة التي أخرجنا منها شرَّ إخراج!

وانهمكت طائفة العناكب في إعداد تصميم البناء، وراحت تعمل في ضمير الخفاء، بينما أنشأت أخواتها تنسج لها الخيوط تباعاً ثم تمدها إليها من كل مكان، فتجمع بعضها على بعض وتفتله فتلا محكما لتجعل منها حبالا تستطيع أن تصطاد بها إذا احتالت ما تشاء.

وصبرت العناكب طويلا على الذلة مضروبة عليها، والمسكنة محيطة بها. . . ولكن حبالها التي تجمعت لديها بالصبر، سهلت عليها بالمكر أن تصطاد الثعلب الذي يخدع ولا يخدع، والذئب الذي يأكل ولا يشبع، والحرباء التي تتلون ولا تخشع، فامتطت ظهورهم إلى غايتها، وسخرتهم جميعاً لخدمتها، فأسقطوا من كرامتهم لإعزازها، وذلوا أمامها ذلة العبيد للسيد الجبار! وعجب الناس للثعلب كيف خدع وهو الذي لم يتقن إلا الخديعة والمكر، وللذئب ما الذي أرضاه فقنع وإنه لا يقنعه إلا الفريسة البكر، وللحرباء لم شحب لونها وامتقع وإن وجهها ليتخذ ألف لون في كل شهر. . . وخف عجب الناس حين تبين لهم أن خيوط العنكبوت التي استحالت حبالا قد سولت للثعلب الماكر أن في مكنتها أن تصنع له المعجزات فواعدها سراً وعده المشئوم؛ وللذئب الكاسر أنها ستقتنص له الفرائس السمان فساعدها علانية على بيتها المزعوم؛ وللحرباء المتلونة أنها ستكون ملك يدها وطوع إشارتها فأيدت الباغي الغشوم، وانتصرت للظالم على المظلوم!

ولم يدر الثعلب على مكره، ولا الذئب على حذره، ولا الحرباء على نفاقها، أن العنكبوت على وهن خيوطها كانت أسرع منهم مكراً، وأكثر منهم حذراً، واشد منهم نفاقاً. . .

ثم تصرمت الأيام، وقويت الصلات بين هذه العناكب وأصحابها الثلاثة، فتعاهدوا على أن يدبروا لأسد الغاب مكيدة يخرجونه بها من عرينه، فإن الله قد ضرب على أذنه سنين عدداً، فنام نومة اللَّغب بعد أيام ذات نصب وعذاب، وغط وغطيط التعب إذ يحلم بالأماني العذاب، ولم يدر بخلده أن العناكب قد صنعت من حبالها شباكا، وأنها اغتنمت فرصة نومه فألقت عليه هذه الشبلك، وامتعانت بحيلة الثعلب وقوة الذئب وتدبير الحرباء على زحزحته عن موضع وقاده؛ فصحا في استرخاء الكسول، وتثاءب تثاؤب الملول، ثم ردد بصره في حيرة وذهول، كأنه لا يصدق شيئاً مما يرى، فما كان للثعلب أن يسعى للمكر به، وما كان للذئب أن تطوع له نفسه الدنو منه، ولا كان للحرباء - بلك الحرباء الحقيرة التي ليس لها سلاح إلا التلون والنفاق - أن تجرؤ على الغدر به؛ فليحاول تمزيق الشباك بأنيابه ومخالبه، وليزأر زئيره المرعب، وليثر ثورته الغاضبة، فلعل أشباك تسمع زئيره فتُصرخه، ولعلها لا تكون بعيدة عن العرين الذي رباها فيه، ولا نائمة في الغاب كما كان نائماً، ولا هي تغط مثلما كان يغط؛ أو لعلها لا تكون مشغولة بأكلها وشرابها، تعدو على الفرائس فتلتهمها، وترد العنون لتشرب ماءها، لاهية عن عرينها وعرين آبائها وأجدادها فإن للصوص لغدراً تضل معه حكمة الحكماء، وأن للجبناء لمكراً تعجز عنه شجاعة الشجعان. .

ولما سمع الثعلب والذئب والحرباء زئير الأسد نكصوا على أعقابهم وقد أصاب قلوبهم من الهلع ما جعل دماءهم تجمد في عروقهم، وكادوا يلعنون للعناكب نقضهم لما أبرموا معها، ورجوعهم عما به وعدوها، وولائهم للأسد الذي يعرف كيف ينتقم لنفسه منهم ومنها، لولا أنهم رأوا أسرابها تغافل الأسد فتدب على ظهره، وتجري بين يديه، وتمشي فوق عينيه، وهو لا يكاد يحس بها لصغرها وحقارتها، فظن الأصحاب الثلاثة أن العناكب لم تعلُ رأس الأسد إلا لأنها أشد منه قوة، ولم تُقم من جسده حيث تشاء إلا لأنها أعظم منه بأساً؛ واستطاعوا أن يستعيدوا رباطة جأشهم، وطفقوا يهتفون للعناكب هتاف الإعجاب والتشجيع، بل استبد بهم الغرور، فنادوا الفيَلةَ والنمور، والدببة والقرود، حتى الغزلان والفهود، والبغال والحمير، والهررة والكلاب، لينقلبوا على سيد الغاب، ويعترفوا بعرينه للعناكب، فهذه شريعة الذئاب والحرباوات والثعالب!.

واجتمعت على أصواتهم الوحوش الشرسة، والحيوانات الأليفة: فمنها ما كان يعوي، ومنها ما كان يزمجر ومنها ما كان ينبح، ومنها ما كان ينهق، ومنها ما كان يخور؛ فاختلطت من أصواتها النكراء موسيقى عجيبة لا تطرب من الناس أحدا إلا ترومان الأحمق، وأتلى الطائش، وستالين المغرور.

بيد أن هذه الأصوات لن تغني العناكب شيئاً، فلقد سمع الأشبال زئير الأسد، فصحوا من نومهم كما صحا من نومه، وتناسوا أحلامهم كما تناسى أحلامه، وأقسموا لا يذوقون الأكل ولا الشراب، حتى يخرجوا العناكب من الغاب، ويلقوا درساً بليغاً على الثعالب والحرباوات والذئاب. . .

وإن سهول مصر وجبال لبنان، وبطاح سورية وواحات العراق، وأودية الأردن ونجود الحجاز، ورمال الجزائر ورياض اليمن، وإن كل بقعة تهتف بالإسلام، وكل أرض تنطق بالضاد لتنظر من بعيد إلى البلاد المقدسة. . . إلى فلسطين عرين العروبة لترى رأي العين كيف ينتصر أشبالها الأشاوس، وكيف يحفظون البيت لأسياده، وكيف يمزقون بنفخة واحدة ما نسجته يد العنكبوت.

يومئذ تندم بريطانيا التي ظنت أنها تخدع ولا تخدع، وتعض أناملها من الغيظ أمريكا التي عرفها العالم تأكل ولا تشبع، وتزهق نفس روسيا التي دمرت على النفاق ولم تخشع. . ويومئذ تعلم العنكبوت البلهاء أن الأولياء الذين اتخذتهم من دون الله لا يستطيعون أن يبنوا لها بيتاً، ولا أن يوطئوا لها كنفاً، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، و (يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

صبحي إبراهيم الصالح