مجلة الرسالة/العدد 723/هذا العالم المتغير:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 723/هذا العالم المتغير:

مجلة الرسالة - العدد 723
هذا العالم المتغير:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 05 - 1947


دمك يؤثر على تفكير عقلك

للأستاذ فوزي الشتوي

مخك يتأثر بغذائك:

إلى أي مدى يظل عقلك أداة مفكرة تسيطر على عضلات جسمك، إذا تعرض للحرارة أو البرودة أو نقص غذاؤه من الأوكسجين أو السكر أو الكالسيوم أو غيرها من المواد؟

موضوع جديد، واسع الآفاق، عسير الفهم. ولكن العلماء يد ركون أهميته البالغة، ويعرفون إن المخ البشري مثل جهاز اختبار محكم لا يكل لحظة عن الحركة. فهو يتلقى المؤثرات الخارجية أو الداخلية المختلفة، ويحللها واحدة واحدة ثم يعطى أوامره للاستجابة المناسبة لكل منها أيضاً. ودراسة هذه الحركة الدائمة تتبع علماً حديثاً نسميه بكيمياء العقل. فكلما تغيرت نسب المواد الكيميائية في المخ تغيرت أيضاً استجابات الإنسان، وآراؤه، وشخصيته وأخلاقه، وقدرته العقلية من ذكاء أو غباوة فهل تعرف مثلاً إن مخ الوليد أفقر في المواد الحديدية من مخ البالغ؟ وإن أقصر العقل عن أداء وظائفه إنما ينطوي على نقص في عناصره المعدنية؟

أكتشف ابراهام ميرسون وليو الكسندر الأخصائيان في الأمراض العقلية هاتين الحقيقتين بتعريض أنسجة المخ إلى أشعة المرقب الطيفي الكاشفة: وقاس آخرون مواد العقل الكيميائية في حالات اضطرابه فوجدوها ناقصة في بعض أنواع الكبريت والحديد.

الماء في المخ

وكميات الماء في المخ عامل جوهري في أداء وظائفه وتقرير ملكانه. فإن زاد أو قل عن النسب المعقولة أدى إلى كوارث لا يقتصر أمرها على نقص القدرة العقلية بل يسفر عن هذيان وذهول وإغماء. فإن الماء في المخ يحتفظ بالمواد الكيميائية في محاليل ذات نسبة معينة من التركيز، وأي زيادة أو نقص في كمية الماء تزيد تركيز المحاليل الكيميائية أو تنقصها مما يؤدي إلى اضطراب التفكير.

وزيادة الحوامض أو القلويات في المخ ذات تأثير وقتي في الغالب، ولكن المخ القلو يعرض صاحبه للصرع، ويقلبه بين حالات التشنج واضطراب الأفكار. أما المخ الحامضي فيعرض صاحبه لمرض السكر، فعندما تتركز الجسيمات الحامضية يضعف المخ ويسفر عن الذهول ثم الإغماء أو يتوقف تماماً عن كل نشاط.

الأوكسجين والذكاء

والأوكسجين بالنسبة للذكاء من أهم العناصر في المخ. وقد برزت هذه الحقيقة عام 1862 حين قام العالم الطبيعي جليشر يصحبه كوكسول الأخصائي في المناطيد برحلتهما المشهورة في طبقات الجو العليا. ففي 48 دقيقة صعد بهما المنطاد إلى ارتفاع 28. 000 قدم. وعندئذ أدرك جليشر انه لا يستطيع قراءة أرقام مقياس الحرارة أو ساعته. ولاحظ كوكسول حالة زميله فهبط بمنطاده وعندئذ استعاد جليشر قدرته العقلية.

وتمادى هالدان وكالاس في دراسة هذه الظاهرة فدخلا غرفة محكمة من الصلب، وتولى آخرون إفراغها من هوائها حتى هبط الضغط داخلها إلى 320 ملليمتراً من الزئبق أي ما يوازي ارتفاع 24. 500 قدم. وعندئذ تعذر على هالدان أن يقرا أو يبدي أية ملاحظة وكانت إجابته على أي سؤال يوجه إليه (دعه على 320) وبعد ساعة وربع استولى القلق على زملائهما خارج الغرفة فكتبوا رسالة وضعوها أمام نافذة الغرفة ولكن أجابتهما لم تكن سوى إجابة أناس تعطل تفكيرهم بسبب الحاجة إلى الأوكسجين.

وخفف الصحب الضغط لأي 350 ملليمتراً أي ما يوازي ارتفاع 21. 000 قدم. ومعنى هذا زيادة كمية الأوكسجين في الغرفة وان القوة العقلية تسترد جزءاً من قدرتها لا كلها، والدليل على ذلك أن هالدان أراد أن يرى شفتيه في مرآة تناولها ولكنه بدل أن ينظر إلى سطح المرآة العاكس حدق في ظهرها.

وخفف الضغط مرة أخرى إلى 450ملليمتراً (14. 500 قدم) فأنجلى ذهن هالدان تماماً. ولكنه لم يحس بمرور الوقت كما إن ذاكرته لم تع شيئاً مما مر به في تلك الفترة الطويلة.

ينام في ثلاجة:

وأجرى السير جوزيف باركروفت عدداً من التجارب ليعرف تأثير التبريد على المخ. وهو كما تعرف أحد العمليات الهامة في الكيمياء. فخلع ملابسه ودخل ثلاجة رقد على أرضها ليرى النتيجة. وكان يعرف إنه يعرض نفسه باختياره للتجمد ليدرك استجابات العقل في مثل هذه الحالة وكان يرقبه خارج الثلاجة أحد اتباعه، فلما رآه يفقد وعيه لفه في أغطية صوفية وأسقاه مشروبات ساخنة ليفيق. وقد كرر السير باركروفت تجربته.

ووصفها يقوله إن ما ذكره عن محاولتي خفض درجة حرارة جسمي قليل. ففي كل من التجربتين اللتين قمت بهما أحسست بلحظة تغير خلالها كل مظهري العقلي. فعندما كنت راقداً عاريا في الثلاجة كنت ارتعش، وكانت مفاصلي تنتفض رغماً عني في محاولاتها القيام كما أحسست تماماً بالبرد الشديد.

(وجاءت فترة مددت فيها ساقي، وغادرني الإحساس بالبرد وأعقبه شعور لطيف بالدف. ولعل كلمة (تشميس) أو (اصطلاء) هي انسب تعبير لحالتي فقد كنت أتشمس بالصقيع. وفي اللحظة التي توقف فيها ارتعاش جسمي بدأت الطبيعة البشرية في قتال عنيف لتقاوم استمرار التجربة. استيقظت كل غريزتي وكان من الضروري بذل جهد جبار حتى استمر. ومضت هذه اللحظة فرضيت عن نفسي في غبطة لأن تأثير الغريزة زال.

وشعرت بأنني وصلت إلى ذروة الحالة التي يصل إليها المسافرون حينما يكرهون على النوم في الصقيع في أقسى برودته وهم واثقون انهم لن يستيقظوا أبدا)

(وأدركت تغييراً أخرا في حالتي العقلية العامة، فإن الخجل الطبيعي من إن شخصاً يشترك في التجربة سيدخل الغرفة ليجدني عارياً قد اختفى تماماً. لقد تغير الحياء الطبيعي لأي شي لا أدري ما هو. ونم الجلي إن الإنسان يجب أن يكون شديد الحذر من انطلاق العقل. وهذه هي النقطة التي عرفتها فإن أرقى أجزاء الجهاز العصبي المركزي كانت أول ما تعرض للإرهاق حتى زالت موازينها.

تأثير الحرارة

أما ما يحل بالمخ إذا حدث العكس ورفعت درجة الحرارة، فكان موضوع التجربة التي قام بها هارفي ستون، وأسفرت عن استرخاء العضلات والنعاس واسترسال العقل في سبات عميق وما تحولت عنه إلى نوبات اضطراب وقلق.

وقد وصف التجربة بقوله (إن قراءة كتاب أو الجلوس في وضع واحد كانت من الأشياء المرهقة، وكان البقاء في وضع مريح يحتاج إلى قوة إرادة ملموسة. كما أن تلمس الراحة استلزم الحركة البطيئة الدائمة لكي يغير الإنسان وضعه)

وتؤثر كمية ثاني أو كسيد الكربون التي في الدم أيضاً على المخ. وقد جرب هالدان وعالمان آخران البقاء لمدة عشرين دقيقة في جو نسبة ثاني أوكسيد الكربون فيه 7. 2 في المائة، وهي تعد نسبة كبيرة، فأحسوا بعوارض الإجهاد العقلي. فلم يكن في وسع هالدان مثلاً أن يركز تفكيره أو ينتبه إلى ما يدور حوله من حديث بغير عناء كبير. ولم يستطيع قراءة جريدة ويدلرك معنى عباراتها. كان تعباً كأنسان اقبل على الفراش بعد إن أمضى أسبوعا بغير نوم. وكان يحس ذهنه كصفحة بيضاء لا تعي شيئاً مما يدور حوله.

يرى كل شي مزدوجاً:

ويحدث أيضاً تفاعل كيميائي معروف بتأثيره السيء على المخ عندما تتمزق إحدى الأوعية الدموية. وقد وصف الدكتور لوسيان كلارك ما حدث له في إحدى هذه الحالات بأنه كان يقاسى من ارتفاع ضغط الدم الذي بلغ 230 وهي نسبة كبيرة الارتفاع. وكان يتوقع أن ينفجر أحد الأوعية الدموية في أي وقت.

وصدقت نبوءته فكتب يقول (في 2 نوفمبر سنة 1934 كنت عائداً بسيارتي من زيارة أحد مرضاي حتى وقفني ضوء إشارة المرور، فلما أردت متابعة السير ومدت يدي إلى مفاتيح السيارة رأيت يدين وبدل المفاتيح مفتاحين. وتولاني الاضطراب لمدة ثانية واحدة استعدت بعدها وعيي، ولكني أدركت ما حدث، فأسرعت إلى البيت قبل أن يستفحل الأمر. وكانت عيناي طول الفترة تريان مختلف ألوان الأضواء.)

(كنت أرى كل شي مزدوجاً ولم أستطيع القراءة لأن ارتباط الحروف أو الأرقام ببعضها لم يرسل أي معنى إلى ذهني. حتى أدواتي الجراحية التي استخدمها سنوات طوالاً بدت غريبة أمام ناظري. ومع إني كنت اعرف طريقها فإني لم أدرك طريقة استخدامها. وكانت الكتابة نوعاً من المستحيلات.

كان من العسير أن اكتب سطراً واحداً فلما وفقت إلى كتابة حرف لم أجد له أي معنى. وفي هذه المرحلة بلغ الاضطراب والارتباك العقلي اشده. ولا ريب إني فقدت توازني الجسماني، فعندما حاولت اجتياز الغرفة تعثرت بعدة أشياء واتجهت رغبتي إلى النوم طول الوقت.

الذكاء ودم المخ:

والتركيب الكيميائي للدم من العوامل الحيوية في تغذية المخ ونشاطه أو ركوده، وقد لجأ العلماء في السنوات الأخيرة إلى عدة وسائل علمية لدراسة كيمياء الدم الذي يغذي المخ بأجراء عملية بذل يحصل بها على الدم من أوعيته قبل المخ وبعده مباشرة.

وقد وصل العالمان ارهام ميرسون وهالوران إلى نتائج باهرة كشفت كثيراً من أسرار تغذية العقل. فوجدا مثلاً إن السكر في الدم يختفي بعد مروره بالمخ، أي إنه يتغذى بالسكر ويمتصه، فإذا زادت كميته أو قلت في الدم فإن نشاط المخ يختلف أيضا.

وقد لوحظ إن مخ الأصحاء يستهلك مقداراً كبيراً من السكر، فإذا قلت كميته في الدم انخفض نشاط العقل أيضا.

واثبت التركيب المعدني لدم المخ أهميته البالغة في تقديره ذكاء الفرد، فأعطانا مفتاحاً نتلمس به أسرار العقلية البشرية، فالكالسيوم والفسفور ضروريان لحفظ النشاط العادي لجميع أنسجة المخ فإذا قلت كميتها ظهرت عوارض البلادة الذهنية والخمول العقلي، فإذا زادا عن المعقول تجاوز النشاط الذهني حده العادي وربما بلغ حد الاضطراب مما دفع أطباء الأمراض العقلية إلى استخدامها في علاج مرضاهم.

وقد لا تمر فترة صغيرة حتى يحتل علم الكيمياء العقلية مكانه إلى جوار علم النفس ويساعد أخصائييه على فهم الطريقة الغامضة التي يعمل بها العقل البشري الكثير الغموض.

فوزي الشتوي