مجلة الرسالة/العدد 723/من نشيد الحرية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 723/من نشيد الحرية

مجلة الرسالة - العدد 723
من نشيد الحرية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 05 - 1947


للأستاذ محمود الخفيف

بالشرق غنيت وكم هزني ... وألهم الأسجاع قيثاريه

تعضنى الأغلال لكننى ... لاتعرف الأغلالَ أوتار يه

الحاضر المغلوب لم ينسنى ... روحاً به خالدة أيقظت،

بعد سبات حالك، دهره،

منىً بها رقرقت أشعاريه

والغرب كم في أفقه كوكب ... في ظلمات أطبقت، أومضا

يرقبه المدلج إذ يطلب ... هدى له في الدهر ممن مضى

لولاهم استوحش إذ يضرب ... في فلوات شد ما أوحشت

والعيش داج حوله عابس

والدهر كم من أمل قوضا

كم من أبيٍ عاف طعم الحياة ... ذليلة مذعنة ضارعه

غبية دانت بشرع الطغاة ... راسفة في جهلها راكعة

صماء ما إن أسمعتها شكاه ... خرساء ما أنت ولا استصرخت

عمياء ترعى الوهم منقادة

بلهاء في بأسائها رائعة

سقراط كأس الموت في كفه ... عن خمرها الشنعاء هل أحجما؟

أعجله اليأس إلى حتفه ... فأسلم الروح وما استسلما

مبتسم والموت في جوفه ... الظلمة الخرساء في حفرة،

أحلى له من باطل غاشم

في الأرض كم جرعه العلقما

وسيف روما الفاتح القاهر ... فتى الوغى فارسها قيصر

أرداه من شيعته جازر ... من دمه جنجره يقطر

يقول هذا غاضب جائر ... أضله الطغيان عن نهجه من حوله الحرية استصرخت

ألا فَتىً ذو نخوة ينصر؟

ما عدمت في دهرها نٌصْرَةً ... وما خبت شعلتها الساطعة

تمثلت ثائرة مرة ... في الحقل كانت زهرة وادعه

فانقلبت في حقلها ثورة ... عذراء في درع على ضامر

من حولها تحت غبار الوغى

أسنة ملء الفضا لامعه!

عن جانبيها جحفل واثب ... تلهبه الحرية الباسله

ساحرة كل لها خاطب ... ودونها نارٌ وغى آكله

النار ما إن هابها هائب ... كيف وهم في غمرات الردى،

يرونها إنسية بينهم

في درع (جندرك) لهم ماثلة!

تنقلت في ظلمات العصور ... الشعلة الوهاجة العاليه

كم ذائدٍ في كل عصر جسور ... فدى لها مهجته الغالية

هيهات لا يطفئ ما في الصدور ... قيد ولا خوف ولا غيلة

وكيف تخشى الموت نفس أبت

عيشتها في ذلة جاثيه؟

من الردى (لوثر) لم يفزع ... والغيظ نار حوله تضرم

ينزو به الخافق في الأضلع ... لو لم يبح أرداه ما يكتم

بِكرٌّ كَرَّ البطل الأروع ... بالرأي صوال على خصمه

وخصمه في الرأي ذاك الذي

يجود بالغفران أو يحرم!

والمارد الجبار في عصره ... الساحر المبتسم الناقم

يرتعد الطغيان من ذكره ... وما له من حربه عاصم

في نثره الويل وفي شعره ... (فلتير) والدهر له منصت ينقل للأجيال آياته

والظلم مستخذ له راغم

كأن في أضلاعه جمرة ... بنارها كم مهجة أشعلا

في كل قلب نافث ثورة ... مل كلَّ أو أبطأ أو بدلا

هاجر عن أوطانه هجرة ... نجت من (البستيل) آراءه

وا عجباً بالقلم المنتضى

بنيان هذا الحصن كم زلزلا!

وجاءت الرجفة من بعده ... وجن بركان بها يفهق

وأذهل الطغيان عن عهده ... فحوله الهول الذي يصعق

والدم موج جد في مده ... يخوضه الفادون في موكب

عروسه الحرية، أدركت

من حولها ألوية تخفق

زلزلة في الغرب قد جاوبت ... أختا لها في الأفق النازح

أختاً لها نازفة غالبت ... منذرها بالعاصف الجائح

بالموت إذ أنذرها حاربت ... فالعيش في الأغلال موت وما

يخشى الردى إلا الذي يرتضى

قيوده في عيشه الرازح

وهاجة شعلتها لاتنى ... تضئ لا يحبسها حابسٌ

من موطن سارت إلى موطن ... خانقها من موتها يائس

نار سناها ليس في الأعين ... ملء أبيات النفوس السنا

أعْظَم ما ضوَّأ لأ لاؤها

والليل مرهوب الدجى عابس

قيثارتي كم بطل خالد ... غير الذي غنيت ضاحى الكفاح

وكم شهيد نازف جاهد ... غاب اسمه وهو وضئ الجراح

وخامل تحت الثرى هامد ... كان طليق الروح ذا عزة لو كشف الدهر مدى عزمه

شدا به العزم وغنى الطماح!

في الأفق النازح لاتغفلي ... عن كوكب قيثارتي ابلج

عن نور (إبراهام) لا تذهلي ... في كل دهر قبلة المدلج

الناشئ البادئ بالمعول ... محطم الأغلال في قومه

هدية الغابة مبعوثها

أندادَه الأمصار لم تخرج

غنى بابراهام واستلهمى ... رسالة في عرسها استشهدا

رسالة ابن الفطرة الملهم ... الصارم العزم الوثيق الفدا

الحامل الأعباء لم يسأم ... والفتنة السوداء من حوله

حتى محا الرقَّ بياض الضحى

وألف الأبيض والأسودا

من بعده الشعلة حارت فما ... تلوح حتى يحتويها السحاب

ثم توارت بعد حين كما ... يموت في الظلمة ومض الشهاب

الأفق الغربي قد أظلما ... لولا مصابيح به نورهم،

باق على الدهر وأسماؤهم

حاضرة ما إن لها من ذهاب

في الغرب عهد الموقنين انقضى ... كما انقضى في الشرق وحي السماء

احتجب النور الذي أومضا ... وأعتم الليل ومات الرجاء

وا أسفا! كم أمل قوضا ... وكم تراءى شفق كاذب

مخضبُ مٌنكَدِرُ أفقه

البغي فيه والخنا والدماء

استدبر النور فما استقبلا ... فجراً ولا بارقة أبصرا

يخبط في أوهامه معجلا ... يخطو وما يمشي سوى القهقري

يعيش عيش الغيلة الأولا ... الناب والظفر تغطيهما، أغطية ما إن يرى مبصرُ

أشقى له منها ولا أخسرا

في شغل أٌفٍ مل يفيق ... معبوده ذو وهج يبرق

النور ما يلقيه هذا البريق ... فليس ومض غيره يعشق

وهو شواظ من عذاب الحريق ... يهوى إلى لألائه دائباً

هذا الفراش المستهام الذي

يجذبه اللمح الذي يحرق!

وألقيت في السجن مكبولة ... حيري به الحرية الراغمة

معصوبة في القيد مغلولة ... في أسرها جاثية قائمة

موصولة الثورة مذهولة ... تعجب، من البسها غلها

وفيم هذا السجن تلقى به

بعد ضحى رفت به هائمة؟

تصيح بالسجان إني هنا ... فانظر غداً إذ ترجف الراجفة

ما كان هذا السجن لي موطنا ... قد أزفت يا آسري الآزفة

هذا ندائي الخافت استعلنا ... أصغ له. . . للريح مجنونة

صافرة من كل صوب، أتت

تنبئ عما تحشد العاصفة

إني هنا لكنما تجتلى ... روحي في كل عَتىٍ طليق

في البحر. . في البيداء روحي فلا ... توثق أو تخشى ظلاما يحيق

في هزمة الرعد إذا جلجلا ... في السحب السابحة استرسلت

في رعدة الأرض إذا زلزلت

في زفرة البركان عاتي الحريق!

روحي في رفرفة الطائر ... وفي تغنيه إذا حلقا

وجذوتي في مهجة الشاعر ... بنارها ضوء أو أحرقا

ويحك! طال الأسر يا آسري ... يا موثق الطين بأغلاله الروح نور الله. . . من غَلّها

هيهات يا آسر إن توثقا