مجلة الرسالة/العدد 457/أحزان الأسود وأفراح القرود

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 457/أحزان الأسود وأفراح القرود

مجلة الرسالة - العدد 457
أحزان الأسود وأفراح القرود
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 04 - 1942


يوم فضيحة (آدم) و (حواء)

للدكتور زكي مبارك

سارت الأمور إلى ما شاء القدر أن تسير إليه، وذاق آدم لأول مرة لذعة الندم الأليم، فقد كان يملك زجر حواء عن قرب شجرة التين، لو قدرَّ له أن يتماسك فلم يخضع لسلطان حسنها الوهَّاج. . .

وانزعجت حواء لما أصاب الجنة من زلزال، فعرفت من أخطار الخطيئة ما لم تكن تعرف، وأدركت أن المزاح في تفسير

الحرام والحلال عَبَثُ أطفال

- آدم، لا تبتئس، فقد عجل الله بالعقوبة، ولم يبق إلا أن نأنس بالاطمئنان

- وما هي العقوبة التي عجل بها الله يا حواء؟

- هي ما أصاب الجنة من زلزال، فقد هدأت العواصف والقوا صف، وعاد كل شيء إلى قراره المألوف

- الزلزال الخطر هو البلبلة التي تثور في صدري، وما احسبني سأستريح، وهل أنت مطمئنة يا حواء؟

- لا، وإنما أردت أن أهون عليك وقع ما نحن فيه، فما زال قلبي يرتعد من هول الصدمة، وليتني مت قبل الخطيئة وكنت نسياً منسياً!

- أرأيت يا حواء عواقب الإصاخة لأقوال المفسدين؟

ألم أنهك عن صحبة الحية؟ ألم أخوّفك من الاستماع إلى إبليس؟

- ليتني أطعتك! ليتني أطعتك!

- وهل تنفع شيئاً ليت؟

- في ليت تعزية للخائبين، فلنتعزّ بها إلى حين!

وفي أثناء هذا الحوار كان آدم يلاحظ أن أسراباً من الطير والحيوان تنظر إليه والى حواء باستغراب ثم تنصرف، فما الذي جد عليه وعلى حواء بعد الزلزال حتى يقع ذلك الاستغراب؟ وحانت من آدم التفاته فرأى سوءة حواء بادية، واطرق فرأى سوأته قد انكشفت والعياذ بالذوق، وكذلك أدرك أن أسراب الطير والحيوان قد هالها أن يمسي آدم وحواء وهما في حال تسر العدو وتحزن الصديق

كانت الفاجعة أعنف مما يتصور الخيال، فقد فُطر آدم على الحياء، ألم يكن أول مخلوق ستر ذلك الشيء؟ أما الكلام عن حياء حواء، فهو حديثٌ مُعاد، فما استطاع أحد من سكان الفردوس أن يتوهم صورة المنطقة المحرمة من جسمها الجميل

- أتصنع المعصية كل هذا يا آدم؟

- وأشنع من هذا، فقد يعاقب العصاة بالقتل

- الفضيحة ابشع من القتل

- أنا لا أراها كذلك، فالقتل اخطر وأعنف

- الرجل يُقتل بالسيف، والمرأة تقتل بالفضيحة، فأنا وحدي المقتولة بعقوبة اليوم

- وما المخرج يا حواء؟

- نخصف على هاتين السوءتين من ورق الجنة، إلى أن يقضي الله في امرنا بما يشاء

لا موجب للإطالة في تصوير جزع آدم وفزع حواء مما صارا إليه، فالوصف لا يحيط بصورة الحزن الذي يساور النفس النقية حين تسقط أول مرة، فهي تتخيل أن شبح الفضيحة يلاحقها في كل طريق، وأن الموجودات كلها عيون تنظر إليها باحتقار وازدراء، ولا كذلك النفس الخبيثة، فهي لا تتأثر بالفضيحة إلا بمقدار ما يتأثر الصخر الأصم بهبوب الريح

كان آدم على فطرته الأولى يوم اقترف ما اقترف، وكان وحيداً في بلواه، فلم يجد من أصدقاء السوء من يهون عليه مصيبته العصيان

وحواء؟ وحواء؟

كانت زهرة نضيرة لم تسمع بأن في الوجود لوا فح ترزا الأزهار بالذبول

وهل كانت حواء تجدّ وهي تدعو رفيقها إلى قرب الثمر الممنوع؟

إن شيث حدثنا أن تمردها على الأوامر الربانية لم يكن إلا فنًّا من فنون الدلال. ولعل هذا هو السبب في أن الجنة لم تصب بأذى بعد أكلها من شجرة التين، وإنما وقع ما وقع حين هفا آدم، لأنه رزق من العقل ما يكفي للتمييز بين المحرَّم والمباح

وزاد في هم حواء عرفانها بخطورة النزق بعد الذي كان، فصارت تصرخ من وقت إلى وقت صراخاً يصل إلى مسامع سكان الفردوس بأعنف مما يصل صوت المظلوم إلى آذان القضاة العادلين. . . وكذلك لطف الله بحواء، فأمر ورق الجنة أن يكون عندما تريد ليحميها من فضول العيون

لا موجب للإطالة بتلخيص الصفحات التي دوَّنها شيث ابن عربانوس في هذا المقام، فما نطيق ولا يطيق القراء مواجهة ما انطوت عليه من أحزان وكروب، فلننظر كيف تسامع سكان الجنة بفضيحة آدم وحواء في لحظات

في لحظات؟ وكيف؟

كان جمهور أهل الجنة في ذلك الوقت جمهوراً قليل الأهمية من الوجهة العدَدية؛ وللجماهير الصغيرة محاسن وعيوب، فمن السهل أن نكوِّن رأياً عاماً في الجمهور الصغير بخطبة أو خطبتين وأن نروضه على الفضائل المنشودة حين نشاء بأيسر عناء، ولكن من الصعب أن نصدّه تسمّع الأخبار السيئة، فهو يُقبِل عليها بشهية عجيبة، وهو يجد لذة في مضغ أحاديث الإفك والبهتان، وقد يتزّيد فيضيف المآثم إلى الأبرياء، ليظفر بالقوت المحبوب وهو الاغتياب، فما يطيب للرجل الحقير أو الجمهور الصغير غير الخوض في الأحاديث التي تشوه أقدار الأكابر من الرجال!

وعلى هذا وصلت أخبار آدم وحواء - أخبارهما المزعجة - إلى جميع سكان الجنة في لمحات معدودات، وصار الحديث عن مصيرهما الفاجع زاد الألسنة في كل مكان

فكيف تلقى الفردوسيون ذلك النبأ الفظيع؟

انقسموا إلى فريقين: فريق الجازعين وفريق الشامتين

فمن الذي جزِع؟ ومن الذي شَمِت؟

جزع الأسود، وفرح القرود، ولذلك حديث يستحق التسجيل:

لم يكد يتسامع الأسود بفضيحة آدم حتى صاموا عن الطعام حزناً لبلية ذلك المخلوق النبيل؛ ثم اجتمعوا في (غابة العَرِين)

ليسمعوا خطبة كبيرهم غَضَنْفَلُوث، وقد خطبهم فقال: (سُجَرائي وأشبالي

ترامت أليَّ وإليكم أخبار الفضيحة التي رُزئ بها آدم، وقد جزعتُ لها كما جزعتم، برغم اختلاف الجنس؛ فنحن نمشي على أربع وهو يمشي على اثنتين، وقوتنا بالظفر والناب، وقوّته بالقلب واللسان؛ ولكن هنالك آصرة تجمع بيننا وبين ذلك المخلوق، وهي الكرامة الذاتية، فهو يأبى الضيم كما نأباه، وهو يُزهَي ويختال كما نُزهَي ونختال. ولست اعرف قيمة شجرة التين حتى احكم له أو عليه، فنحن لحُّميون لا نباتيون، ومن الصعب أن ندرك ما في التين من دواعي الاشتهاء، وقد حلّ به ما حل، وذاق من علقم الفضيحة ما ذاق، وسيقضي الله في أمره بما يشاء، فهل ترون أن الجرأة على الله أن نعلن الحداد لمصيبة آدم المظلوم؟)

أحد الأسود: أنحزنُ لمصيبة مخلوق عصى الله؟

غَضَنْفَلوث: إذا كان مخلوقاً كريماً، وآدم مخلوقٌ كريم، فهو وحده الذي يستتر حين يلامس أنثاه، وما رايته أبداً في موقف ينافي الأدب والحياء

أسدٌ آخر: وكيف نجيب إذا عدّ الله حزننا لآدم ضرباً من العصيان؟

غَضَنْفَلوث: الله أكبر من أن يستظهر على عباده المذنبين بشماتة حيوان

أسدٌ ثالث: العطف على المذنبين إغراءٌ بالذنوب

غَضَنْفَلوث: هنا دقيقة تخفى عليك، وهي أن العطف على المذنب يجتثّ من صدره بذور العصيان، ويضيفه إلى أهل الطاعة والامتثال

أسد رابع: نحن مع الله في التنكيل بالمجرمين

غَضَنْفَلوث: ومن نحن حتى نشارك الله في الجبروت؟

أسد خامس: نحن أسود

غَضَنْفَلوث: والأسود تحفظ الأدب مع الله فتترك له التفرد بالثواب والعقاب

أسد سادس: لا يجوز العطف على مخلوق خدعته أنثاه

وهنا انبرت لَبَوْلوث زوجة غَضَنْفَلُوث فقالت في زئير يوقظ الأموات:

(لعلكم تريدون التعريض بحواء، فهل تعرفون حواء؟ اسألوني أخبركم: لقد كانت تجيء من لحظة إلى لحظة لتداعب الأشبال بأناملها اللطاف. وكنت اقدر أول الأمر أنها تفعل ذلك بسبب حرمانها من النسل، ثم عرفت أنها مفطورة على الرفق والحنان، وأنها لا تعيش إلا في ظلال الرفق والحنان. . . ويلي عليك يا حواء، فما رأيت ارخم منكِ صوتاً، ولا انضر وجهاً، ولا الطف مِشية! كنت أنظر إلى نهديك الكاعبين فأعجب وأطرب وأُشاق، ما اجمل نهديك يا حواء! وما اشد جزعي حين أتذكر انك لم تُرزَقي طفلاً يباغم حَلمَتْيك في جذل وانشراح! وهل أنسى أن حواء أرشق مخلوقة تمشي على اثنتين؟ لقد كان تثنيها وهي تتخطر فوق شط الكوثر يخلع قلبي)

غَضَنْفَلوث: حواء جميلة إلى هذا الدرجة؟

لبولوث: واجمل من الغزال المكحول بمرود السحر والفتون

- عطف الأنثى على الأنثى معروف!

- وتحامُل الذكر على الأنثى لا يحتاج إلى تعريف. . . ويلي عليك يا حواء! أأنت تُفضَحين بين سكان الفردوس فضيحة جديدة؟

- وهل كانت لحواء فضائح قديمة؟

- من يومها وهي فضيحة الفضائح، فمشيتها فضيحة، ونظرتها فضيحة، ونبرتها فضيحة، ودلالها فضّاح فضّاح فضّاح. ويلي عليك يا حواء، ويلي عليك يا أختي!

- يظهر أنك مفتونة بحواء!

- وكيف لا أُفتَن بأنثى تفردت بالجسم الأملس إلا بعض شعرات. ولو جازت الغيرة على مثلي لأصبحت من الهوالك

ثم تعكّر هذا الحوار الرقيق بأصوات غليظة وصل صداها البغيض إلى ساحة العرين، فما تلك الأصوات؟

تلك أصوات القرود وقد شمتوا بآدم وحواء، فكانوا يثبون إلى الأشجار ثم ينزلون، في انجذاب يشهد بأنهم صاروا من الفرح مجانين، ثم بدأ لهم أن يضعوا أخشاباً في الكوثر ليركبوها، كما كان يصنع آدم وهو يداعب حواء

وسمع الأسد الأكبر بهذا الضجيج فاقبل يعنف شيخ القرود

- ما هذه الضجة، أيها القرد؟

- نحن نحتفل بعدل الله - وما ذلك العدل؟

- هو الحكم على آدم بما هو له أهل

- وما خطر ذلك الحكم الذي استوجب أن تقيموا من اجله هذا الاحتفال؟

- لقد كشفت سوءة آدم، ولله الحمد!

- إن سوءة آدم من أمام، فهو يسترها بلا عناء، وسوءتُك من خلف أيها القرد، وستظل إلى الأبد وأنت مفضوح، لأنك شمتّ بآدم المظلوم

- كيف يكون مظلوماً وقد عصى الله؟

- ذلك شرف لن تناله أبدأً. لأنك ضعيف

- وهل تحتاج المعصية إلى قدرة؟

- نعم، ولأجل هذا سأعصي الله كما عصاه آدم

- فتأكل من شجرة التين؟

- أي تين يا قرد؟ إن لي في العصيان مذهباً لا يخطر للقرود في بال

- وما هو ذلك المذهب؟

- هو أن ابطش بكم جميعاً في لحظة واحدة فأريح الوجود من وجوهكم القباح

- أنت إذن لا تخاف الله؟

- وكيف أخاف من يسمح بأن تكون للقرود دولة؟ أنا كافر بالله، كافر، كافر، إن جاز عنده أن تقوم دولة للقرود أو أشباه القرود؛ ففضوا هذا الاحتفال السخيف، وعودوا إلى حظائركم صاغرين، وإلا نكلت بكم أشنع تنكيل

- وهل صنعنا شيئاً يعاب؟

- إن الشماتة إثمٌ حقير وخسيس، وهي لا تقع إلا من ألا وشاب فانزووا أيها القرود قبل أن يحل عليكم غضبي، فأنتم أحقر من أن تبوءوا بغضب الله، ولعله منحني من الشراسة ما منح لأؤدب ما يجلّ عن تأديبه من القرود والثعالب والذئاب

حين وقع الزلزال في الجنة نظر رضوان فرأى الحية تزحف بسرعة تفوق المألوف من زحفها الممقوت، فأدرك أن عليها جانباً من المسئولية، فمنعها من الخروج إلى أن تنجلي الأمور. ونظر فرأى إبليس يهرول ليقتحم باب النجاة، فرده على عقبيه إلى أن يأذن الله بان يكون من الناجين

ثم سمع هاتف يصيح:

- ماذا تستفيد يا آدم من الاختباء في تلك الألفاف؟

- لأنجو من حسابك يا مولاي

- وكيف تنجو من حسابي، وأنت جان أثيم؟

- لك الأمر من قبل وبعد

- ولهذا أدعوك إلى الوقوف غداً في ساحة العدل، فأحضر من تريد من الشهود، ومن تشاء من المحامين، ليرتفع اللبس في تقدير مالك وما عليك

- أنت الشاهد وأنت الوكيل، فاقض بعدلك ورحمتك ما أنت قاض

- هو ذلك، ولكني أريد أن أقيم بنفسي أول محكمة في الوجود

(للحديث شجون)

زكي مبارك