مجلة الرسالة/العدد 457/صلوات فكر في محاريب الطبيعة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 457/صلوات فكر في محاريب الطبيعة

مجلة الرسالة - العدد 457
صلوات فكر في محاريب الطبيعة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 04 - 1942


(كتب كثير من هذه الخواطر في الرستمية بالعراق العزيز،

فهي مهداة إليه)

للأستاذ عبد المنعم خلاف

14 - حقول الشوك

أُنظر بعينيك وحاذر أن تَدمَي من مواقع النظر. . . واجمع أطراف ثيابك لا تعلق بها حُماتُ الشوك فتتمزق. . . وناقِلْ الُخطى في حذر وخشية، حتى لا تقع القدم على هذه الأسِنَّة الُمشْرعَة. . .

لا بلابل هنا ولا فراشات، وإنما نمالٌ تسعى في حذر. . . ولا ورق يرقص مع النسمات، وإنما اهتزازاتُ حِرابٍ تُدمِى جسم النسيم!. . .

ومع ذلك فقد مددت يدي وقطفت عِذْقاً. . . فإذا هندسة بارعة، وإذا القلم الذي نسق الزهرة ونسج حريرها ووشَّى أفْوافَها قد

صنع هنا كذلك عجباً!

يد الخالق تُدبِّب الشوك ولا تَدَمي، وتَمُطُّ فَم الخنزير ولا تتنجس!

15 - جانيات الشوك

جاء الربيع وأخرجت الأرض نباتها من الزهر والثمر والشوك. . . وخرج كل مالك يقطف ويجني مما يملك من الحقول والبساتين

وخرجت جانيات الشوك إلى الأرض البور التي احتكرتها الطبيعة لنفسها لكي تخططها بالرياح وتسقيها بالسَّيْح والَمطر، وتنبت فيها ما تشاء. . .

خرجن يسعين حافيات قد لَفَّفْن سيقانهن بِخِرَقٍ بالية حفظاً للجمال الِّنسْوي من الخدش والتجريح. . . عليهن ثياب ممزقة، وفي أيديهن حبال رثة، يوزعن نظراتهن هنا وهناك على أديم الأرض باحثات عن أخصب البقاع بالشوك وأملئها بالعوْسج، فإذا وجدنه أعملن فيه فئوسهن الصغيرة ثم جمعنه وحزمنه وحملنه على ظهورهن وسرن به كالقنافذ! وطفن به في الأسواق فيشتريه بعض الناس بثمن بخس ليوقدوا به حماماتهم ومطابخهم.

ولا يبالين بالأزهار البرية الجميلة التي نبتت بجوار الأشواك، إذ هن مشغولات بجمع ما يجلب ثمن الخبز. . . إن الأزهار لا توقد ناراً فلا وزن لها في أيديهن وأعينهن. . .

هنا أمل وعمل من آمال القلوب وأعمال الأيدي يا أرباب الفكر!

هنا ملمس من ملامس الدنيا يا ذوي العيش الرافه الناعم. يا جامعات الزهور من روضات القصور. صافحن الأيدي الخشنة لأخواتكن جامعات الأشواك بأيديكن الناعمة. . . فتلك أيضاً صدقة!

16 - قذارة عليها طهارة

رأيت قذارة عليها أشعة الشمس! طهارة وصفاء يتنازلان إلى عالم النجاسة والكُدْرَة. . . الطهارة تمد يدها إلى النجاسة لتطهرها وترفعها إليها. . . العالي ينظر إلى السافل نظرة راثية مسعدة منقذة ولا يخشى أن يتلوث ويتسفل.

وهكذا النفوس الشمسية: تضيء للمظلمين، وتطهر المتنجسين وترفع السافلين. . .

17 - كما تنظر الحشرات

وضعت رأسي مرة بين الأعشاب مستلقياً، فغطت الحشائش وجهي، ونظرت السماء من خلالها، فرأيت مقطعاً من مقاطع الدنيا في بعض الأحياء الضئيلة القميئة. . .

نظرت الدنيا نظرة حشرة من تلك الحشرات التي تختبئ في الأعشاب. . .

صار كل شيء عظيماً جداً في عيني، حتى هذه الأوراق الصغيرة صارت في زيغ البصر كالجبال الشاهقة التي تناطح السحاب. . . وخيل إليّ أني في غابة هائلة كثيفة مظلمة. . . ورأيت الفرق الهائل بين الدنيا في نظر إنسان والدنيا في نظر حشرة وكل حي له دنيا رهينة بحواسه وهندسةِ وَضْعِه وقامَتِه.

فلو سجد بعض المتكبرين المتغطرسين برءوسهم إلى حيث يضعون إقدامهم لتغير نظرهم للحياة ولأنفسهم وللناس. . .

18 - مفارقات

سقطت فَرَاشةُ على زهرة؛ وسقط جُعَلُ على بَعْرَة، وسقطت عيناي عليهما!

كان كل منهما في شغل بعالمه عن عالم الآخر، ولكن قلبي كان في شغل شاغل بعالميهما. .

لقد رشفت الفراشة رشفة من رحيق الزهرة ثم شالت عنها إلى غيرها، ولكن الخنفساء لم تبرح مكانها، فرزقها كثير. . . إنها حيث تسير تجد العفونات والقذارات فتأكل وتتناسل أما الفراشة فمجهودة كالرغبات الطائرة. . . تسافر كثيراً حتى تظفر بملء أوعيتها. . .

لا شك أن جامع الخير والجمال من الدنيا يَلقُطُه لقطاً من ثنايا الشر والقبح ويتعب في تحصيله تعب هذه الفراشة المجهودة

19 - الوحوش المحبوبة

كانت عناكب كثيرة صغيرة آمنة في بيوتها تنسج الشباك للصيد. . . فانقضت عليها عصفور صغيرة وابتلعتها واحدة فواحدة أمام عيني. . .

والناس يزعمون أن العصافير وديعة ويحبونها، ولكن من يدرس حياتها يعلم أنها شرسةُ مشاغبة مقلقة كثيرة التصايح من أول النهار إلى آخره، ولها وجه حاد الملامح ومنقارٌ جارح وطباع عصبية. وإنما يشفع لها جمال منظرها ورشاقة جسمها وضآلة حجمها. . .

وكم غَرَّ المنظرُ وفجعَ المْخبَر! وكم رحم الناس ضعفاً وهو أقسى على الحياة من الذئب!

20 - غضب الضعفاء

اشتبك عصفوران في عراك، وصارا يتصايحان صياحاً لفتني إليهما، ثم نقر كل منهما الآخر بمنقاره نقرة، ثم افترقا من غير دم

فقلت لقد فضحتما ضعفكما. . . فما كلن ينبغي لكما أن تقدما على غضب، لأنكما لا تمثلان قوته العنيفة

وينبغي للضعيف ألا يغضب، لأن غضبه يزيده ضعفاً بما ينال من نفسه، وما ينال من هزء الناس به. . .

إن الغضب يحتاج إلى قوة يُفجِّر بها الدم!

21 - شباك العنكبوت

لماذا هذا الترقب والانتظار للختل والاغتيال أيتها العناكب؟

لماذا تنسجين شباكك وتطرحينها في طريق الفراشات والنحل التي تحصل غذاءها بجهودها لتقنصيها وتشربي دماءها وأنت في مكانك؟

لماذا تقطعين الطريق على العاملات المجهودات أيتها المقعدة الكسيحة؟

بخيط خفي رقيق تلقينه للريح تستطيعين أن تقتنصي أجنحة رفافة عاملة!

تمتصين دماء الغافلات المخدوعات وترصّعين بحطام جثها وأشلائها بيوتك الواهنة التي لم تقم على أساس. . .

ولكن لا ملام عليك ولا تثريب. . . وإنما على أيْدٍ تملك المكانِسَ التي تستطيع أن تبطشَ بكِ وتدكَّ بيوتك وتخلص الضعفاء من أحابيلك، ثم لا تفعل!

22 - الهلوك

وهذا أيضاً نبات طُفَيْلي كسيح الساق لا يضرب بجذْرٍ في الأرض ليقوم عليه ويستغني به عن الاعتماد على الغير. رأيته يمد حباله وشباكه فيصطاد شجيرات من الورد والخشخاش ويقطع طرق غذائها ويسلبه لنفسها ويخنق أطفالها من الأزهار الجميلة ويلف قوام جسمه المتهالك على سيقانها ليعتمد عليها، ثم يزهر ويضحك وينظر إلينا بوقاحة!

لقد أصاب شجيرات الورد بالشلل فلم تزهر وأزهر هو. . . فلم أر بداً أن افصل بين الأصيل والدخيل الغاصب الوقح بضرة فأس وإعمال يد لأخلص أطفال الورد المختنق الجائع المغيظ

أبداً يرصد عالم الشر قريناً من جنود لكل فرد من عالم الخير يعلن عليه حرباً. . .

فعلى إنسان الخير أن يقف دائماً في مكانه من الصف، وأن يعمل فأسه دائماً في بستان الحياة يستأصل بها جذور الشر ويسحق أزهاره وثماره. وإلا لم يجد لنفسه غذاء ولعينه مسرحاً، ويفسد عليه عالم الشر كلَّ إحساس بجمال الحياة، ويسلبه متاعه بمعشوقاته من بنات الطبيعة الفاتنات

23 - السائرات المطرقات

سائراتٌ مكبوباتُ الوجوه الطويلة، تنظر إلى الأرض دائماً كاسِرَاتِ الجفون

كتل لحمية متجلدة ماتت أعصابها من فرط الضرب والحمل والإرهاق ووراثات الاضطهاد. . .

قطع من الصبر والبلادة وموت النفس والهوان والسآمة. . .

عيونها عميقة تنظر بهدوء لما حولها كأنها عيون فلاسفة فرغوا من حل جميع العقد والمشكلات وليس لها دموع تبكي بها وتعلن الشكوى. . .

تريد أن تفرج عن قلوبها فترسل صوتها لترتاح، فتخرج قلوبها مع همومها من حلاقيمها في صوت منكر فيأبى الناس عليها ذلك ويردون أصواتها وهمومها إلى نحورها. . .

اغفروا أيها المالكون للمملوكين إذا تنفسوا

ارحموا الأغبياء المحدودين فإنهم ما خلقوا أنفسهم حتى يعاقبوا أو يعاتبوا. . .

لا البلبل خلق نفسه ولا الغراب يا أولى الألباب!

ترى، متى يشعر الفلاحون والعمال بالرحمة لهذه المخلوقات فيعاملوها معاملة رفقة العمل؟ ولكن الفلاحين والعمال لا يشعر رعاتهم نحوهم برحمة. فهم كذلك لا يشعرون بها لرعاياهم. كْيلاً بكَيْلٍ. . . والموج دائماً ينحدر من الأعلى للأدنى. . .

متى يأتي اليوم الذي ترتاح فيه هذه المخلوقات وتتخذ للزينة والجمال وحدهما وتقتني في حدائق الحيوان كمخلوقات أثرية تدل على عهد باد من عهود شقاء الإنسان وشقوة سكان الأرض معه؟

هو اليوم الذي تقتني فيه كل فلاح وعامل حاجته من مخلوقات الحديد والفولاذ

عبد المنعم محمد خلاف