مجلة الرسالة/العدد 457/أثر الآداب الأجنبية في الأدب الفرنسي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 457/أثر الآداب الأجنبية في الأدب الفرنسي

مجلة الرسالة - العدد 457
أثر الآداب الأجنبية في الأدب الفرنسي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 04 - 1942


للأستاذ صلاح الدين المنجد

أن لامتزاج الآداب بعضها ببعض، أثراً بالغاً في ازدهارها ونموها، لما في ذلك من لقاح مثمر وإحياء باهر، ولما تكتسبه من أناقة في العرض، وطرافة في التصوير، وبراعة في الخيال، ورهافة في الذوق

ولعل ازدهار الأدب العربي في العصر العباسي آية على فائدة اللقاح في الأدب وطيب جناه، فقد حليت نغماته، وطرُفت ألوانه، وتدفقت الحياة في صوره وتهاويله، وخرج من الجمود إلى الحركة، ومن القيود إلى الانطلاق

وقد كان الأدب الفرنسي اكثر الآداب تأثراً بالآداب الأجنبية، ولعل اعظم رائعاته كانت من وحي البلدان المجاورة وآدابها. على أن هذا التأثير كان يقتصر على الفكرة، لا على الشكل في اكثر الأحايين

بدأت فرنسا تستمد من آداب الأمم المجاورة مادة لأدبها، منذ أوائل القرن السادس عشر. فقد كان القصاصان (مرغريت دُ فالوا و (برانتوم ينهجان نهج (بوكاتشيو) القصصي الإيطالي: حتى إذا كان النصف الثاني من هذا القرن ازداد هذا التأثير واتسع. فأسست طائفة من الأدباء مجمعاً لبعث الأدب الفرنسي سموه ورأسهم (رونسار) الشاعر، وكانوا معجبين بالشاعر الإيطالي (بترارك فتتبعوا أشعاره بالدراسة والترجمة والنشر، ونهجوا نهجه في نظمه وأفكاره. وفي الحقبة نفسها، أي في النصف الثاني من القرن السادس عشر، قامت في مدينة (ليون) في الجنوب، مدرسة خاصة لتمجيد آراء ذلك الشاعر الإيطالي وتقليد أشعاره

فلما جاء القرن السابع عشر، عكف (موليير) على المسرح الإيطالي يقتبس منه. وهذا الاقتباس واضح في ' وغيرها. وكان يحتفظ في أحايين كثيرة، بالنماذج الإيطالية نفسها

وظل تأثير الأدب الإيطالي في الأدب الفرنسي مستمراً. ففي القرن الثامن عشر، أولع الأدباء الفرنسيون بالآثار الإيطالية المسرحية (كرينار و (لوساج و (ماريفو أما في الشعر، فكان بعض المحدثين آنئذ، يقلدون (تانسيل ويستقون من (لوتاس

على أن القرن السابع عشر قد عرف أدباً آخر، أثَّر في الأدب الفرنسي؛ وكان ينبوعاً ارتشف منه الاتباعيون مادة لروائعهم؛ وهو الأدب الأسباني. فقد عبّ منه كثيرون ومنهم (كورنيل في مأساته (السيد وأعجب الأدباء الفرنسيون (بلوب دُ (آلاركون و (تيرسو دُ مولينا واقتبسوا من آثارهم، ونقلوا إلى الفرنسية بعضها. وقد استمر هذا التأثير حتى القرن الثامن عشر؛ فقد اقتبس (لوساج) من المسرح الأسباني فكرة روايته (الشيطان الأعرج) كما اقتبس (بومارشيه) منه روايته (زواج الفيجارو)

ثم جاء الأدب الإنجليزي يؤثر في الأدب الفرنسي. ولم تؤثر أمة في فرنسا تأثير إنجلترا فيها. فقد كان أثرها ظاهراُ في نواحي شتى: في الأدب، والفلسفة، والسياسة، والأذواق. وكانت ملجأ لكثير من الأدباء الفرنسيين ومنفى. فقد رحل إليها فولتير، ومونتسكيو، وبوفّون، وروسّو، وشاتوبريان، ومدام دُستال وغيرهم؛ فأقاموا فيها وأعجبوا بها. وقد أبان فولتير في (رسائله الإنكليزية عما أحس به في تلك البلاد. وتكلم ما راق له من الكلام، على الدين والفلسفة والأدب والشعر فيها. حتى انه حاول أن يقتبس من شكسبير بعض مشاهد رواياته. ثم نقلت روايات و (سويفت و (دُفوا فلقيت إعجاباُ وأثارت حماسة. ودبت الحياة في الشعر الفرنسي التثقيفي مذ قرأ الناس (تومسون و (جراي وكان شعر (أوسّيان مقدمة للشعر الإبداعي. وأثرت فلسفة (لوك و (هيوم في رجال الموسوعة الفرنسية. واصبح طراز الحكم الإنجليزي مثلاً أعلى عند سياسي فرنسة. فلما شبت الثورة الفرنسية، انقطع هذا الاتصال؛ على أنه عاد اشد قوة، واعظم شأناً بعدها. وانكب الشعراء الإبداعيون آنئذ على روائع (بيرون و (شيلي و (شكسبير يقلدونها مرة ويستوحونها مرات

وما كاد الهم يدرك القرن الثامن عشر حتى سرب الأدب الألماني إلى فرنسة. وكان لنقد (ليسنغ أثر بعيد فيها. ثم جاء (جوته) وننشر (فرتر) فألهبت المشاعر والعواطف؛ وهزت الناس، فانتحر منهم عدد كثير تقليداً لفرتر. ثم اخذ الفرنسيون يقلدون (شيلر وأخذت فلسفة الألمان تحل محل الفلسفات الأخرى. ولعل انطق صورة لهذا التأثير كتاب (مدام دستال) عن (ألمانية ثم عرّج الناس وأخذوا يتتبعون آثار (جوته) و (شيلر) و (هوفمان) و (هنري هاين)

وفي أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، اتجهت فرنسة نحو الآداب الاسكندنافية والروسية، فقد استهوى الفرنسيين نجاح الروايات الروسية، كما جذبتهم الروايات الإنجليزية من قبل، فترجمت روايات (غوغول) و (تورجنيف و (دستويفسكي حتى ألفها وتناقلها، ونحا بعض الأدباء في رواياتهم نحوها

على أن هذا التأثير قد اتسع منذ أوائل هذا القرن العشرين؛ لسرعة المواصلات، وانتشار المجلات، وازدهار المؤلفات. وغزت أسواق فرنسة مؤلفات الأمم كلها. فكيبلنغ ودانونزيو. وسلمى لاجرلوف، وبرناردشو، وأوسكار وايلد، أثروا في الكتاب المعاصرين وإن لم تظهر آثار هذا التقليد واضحة بعد.

وكذلك بدأت مؤلفات الكتاب العرب تظهر بالفرنسية أيضاً. فقد نقلت لها أعظم آثار الأستاذين توفيق الحكيم ومحمود تيمور، وبعض آثار الأستاذ الدكتور طه حسين وبعض مقلات للأستاذ الرافعي

أما في القرون الحالية فقد كان للشرق العربي أثر في بعض مؤلفات شعراء فرنسية وكتابها، كلامارتين، وبارّيس، ولوتي، ورينان، وجيرار دونرفال، وألاخوين تارود، ودورجليس، وغيرهم ممن زاروا بلاد الشام ومصر وتمتعوا بما فيها من روعة وجمال وسحر، فوصفوها وخصوها بالكتب. ولا ننس ما كان لكتاب ألف ليلة وليلة الذي نقل إلى الفرنسية منذ قرون، من أثر وما كان لكتاب السياحات والرحلات والعجائب التي نقلت من قبل وتأثير وإعجاب

وهكذا نجد أن الأدب الفرنسي قد استمد كثيراً من آداب الأمم الأخرى، فكان ذلك من أسباب ازدهاره ونموّه، ورقته وسموّه

(دمشق)

صلاح الدين المنجد

-