مجلة الرسالة/العدد 441/قيمة الحرية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 441/قيمة الحرية

مجلة الرسالة - العدد 441
قيمة الحرية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 12 - 1941

2 - قيمة الحرية

للصحافي العالمي ويكهام استير

بقلم الأستاذ زين العابدين جمعة المحامي

لقد زعموا أحياناً أن الجماعات التي يتولى أمرها سلطان يملي إرادته على الجميع هي أقوى من الجماعات التي يمنعها اختلاف الرأي فيها عن الاتحاد في العمل. وأصحاب هذه الدعوى يزعمون أيضاً أن التسامح آية الضعف، وأن التعصب سجية من سجايا القوة، وأغلب ظني أنها دعوى خاطئة، فلقد يكون لمثل هذه الدعوى ما يبررها لو أنه كان من الممكن أن تظفر بحقيقة سياسية واحدة لا تقبل النقاش أو بمبدأ قاطع بات لا يحتمل الجدل، ولكن ما دام واقع الأمر على النقيض من ذلك إذ يعتذر اقتراض شئ من عصمة الرأي البشري، فإن محاولة القضاء على وجهات النظر المختلفة وتتويج رأي غير معصوم من الزلل بحيث لا يرتفع إليه النقد ولا يسمو إليه الجدل هو في الواقع من دون الرأي القائل بأنه ما دامت جميع الحقائق السياسية حقائق نسبية فمن صالح الجماعة أن تختار لنفسها من هذه الحقائق ما يصادف من ذوي العقول الحرة القبول العام باعتباره أسلم القواعد التي يجب أن تتحكم في المصالح البشرية.

والضعفاء من الناس هم أولئك الذين يستبيحون في حق أنفسهم أن يقضي على رأي الفرد فلا يسمع له صوت ولا يقام له وزن، أو أولئك الذين يتلمسون الفرار من مضلات المعترك الإنساني بأن يعتصموا ببعض النظريات أو المذاهب الاستبدادية المطلقة التي يجدون في قبولها نجاة لهم مما يضطلع بها المواطنون الأحرار من معاناة نقد الآراء وتقصي أوجه النظر ومن التردد بين الآراء وما يلازمه من قسوة الشك وألم الحيرة، ومقياس النظم السياسية مائل فيما يخلفه على المواطن الحر من طابع. ذلك المواطن الذي هو غرس يدها ونتاج تعاليمها، والنظم التي تحرم تنوع الآراء وتعدد المذاهب وتخنق حرية النقد تنتهي بأن تسير أبناء البلاد على نمط واحد مطرد، فتقضي بذلك على مرونة العقول البشرية وتنزل بها إلى الحضيض من ركود الحياة وجمود العقل، وتقف حجر عثرة في سبيل تقدم الخلق الإنساني. فقضية النقد إذن هي قضية خطيرة الشأن عظيمة الأثر بحيث لا يتسنى للمدنية أن تصادف نجاحاً بدونها؛ ولذلك كان حتماً على الجماعة إذا ما تأبت عار الخضوع ووصمة الجمود أن تبيح النقد إباحة لا يعطلها عقاب ولا يتهددها ضرر.

ومع ذلك يوجد هنا فارق هام بين حرية النقد وحرية النهج، إذ - كما لاحظ مستر (برناد شو) في إحدى مقدمات كتبه - لا يسمح له أن يغير سلوكه الاجتماعي ما لم ينجح نده في أن يغر القانون إذ استطرد قائلاً: (وإننا لعلى جهل خطير بأصول مدنيتنا حتى أن غالبيتنا لتحسب أن لها حقاً في أن تغير منهجها فور الوقت الذي تغير فيه آراءها).

ومن أعقد المسائل التي تواجهنا في حياتنا الاجتماعية والتي قد يتيسر التغلب عليها وحل معضلاتها في المجتمعات الحرة بطريق الثقافة وحده أن نميز بين النقد النزيه مجرد الثورة على الأوضاع الاجتماعية، وأن نفرق بين حرية الرأي المبدأ وبين رخص النهج الاجتماعي.

وإذا قدر أن يكون فعالاً منتجاً لا مجرد هدام للنظم والعادات التي تمت في ظروف غير تلك الظروف التي تغشى الناس في وقت معين أصبح لزاماً أن تتوفر للشعب حرية البحث وحرية المعرفة وحرية الكلام وحرية الكتابة، وصار واجباً أن تناقش الآراء وتمحص الأصول التي أسست عليها تلك الآراء، وهذا أمر لا يتسنى وجوده، كما اعترف بذلك الكتاب النازيون ما لم يقم على دعامة من حرية الصحافة التي تنطوي فيها حرية المعارف علمية كانت أو أدبية. ولقد سجل هتلر نفسه هذه النظرية في كتابه (كفاحي) فقال: (يجب أن يكون هدف الحكومة أن تنشئ (هيئة اجتماعية من الكائنات الحية يتشابه أفرادها مادياً وعقلياً). وزعم الدكتور (ديتريش) وهو الموظف الحكومي المتولي الإشراف على الصحافة النازية أن (رأي المجموع) لا رأي الفرد هو ما يجب أن يكون مصدر الثقافات جميعاً بما يتبعها من الدراسات العلمية. كما سودت الدكتور (أوتوكيلويتر) وهو أستاذ نازي جامعي (فكرة الجماعة) على فكرة الفرد.

ومهما ظهر للشعوب التي تربت في كتف الحرية من تعصب هذه الدعاوي، فهي من وجهة النظر الاستبدادية إصلاح منطقي سديد؛ إذ في البلاد التي ضيقوا الخناق على الحرية فيها لا يمكن احتمال الفكرة الفلسفية العميقة أو التحليل التاريخي الدقيق ما لم تنهر تلك الآراء التي فرضتها الحكومة المطلقة ونادى بها قائدها. فروسيا الشيوعية لا تقبل البحث الحرفي في مسائل كالتي تتعلق بملكية الأشياء؛ وألمانيا النازية لا تسمح للعقائد الخاصة بالدم والجنس أن تكون موضع بحث أو نقاش؛ وإيطاليا الفاشية لا تطبق النظر الحرفي في طبيعة الحكومة ووظائفها، أو في مكانة الأفراد بالنسبة للحكومة. وحسبها من شر أن أسكتت مثل هذا الفيلسوف العظيم (بنيد توكروس). ولشد ما تثيرني آراؤه عن الحكومة والحياة السياسية. ففي كتيبه (أورنيناتتي) قال: (إن حبنا للدولة هو أن نعمل مع الدولة، وأن تخص الدولة ونغمر حياتها السياسية بكامل ما يتوفر لنا من أسمى معانينا وأنبل مشاعر وأصدق ما يجرى في معتقداتنا من الحقائق، أي تلك الحقائق التي تصدر عن ولاء مكين وإيمان متين، وعما يتهيأ لنا أن نأمله من مثلنا العليا. واشتراكنا مع الدولة على ضوء هذه الاعتبارات هو ما نسميه بالحرية بتعبير آخر. وهذه الحرية ليست بمقاومة الدولة أو بالإساءة إلى هيبتها وعظمتها، ولكنها هي حياة الدولة بذاتها وإلا وسعنا أن نزعم أن الدم الذي يجري مجدداً نفسه بدورة مستعمرة في أوردتنا هي حركة متمردة على ما لنا من سلطان في ضبط حركة الوظائف العضوية من أجسامنا، لهذا لا تكون الحرية ملحوظة في الدولة ما لم تكن حرية سياسية مطبوعة على العمل مع مقتضيات حياة الدولة

والحق أن هذا الفيلسوف الإيطالي قد أثم في حق الثقافة الفاشية إذ أهمل النظر للدولة - كدولة مطلقة - ثم أسرف في الإساءة إلى النظام الفاشي، فلم يشأ أن يعتبر الدولة إلا عنصراً تنفيذياً للهيئة الاجتماعية وإلا مجموعاً كلياً للوظائف العامة التي تفوضها الأمة للهيئة التنفيذية لحماية الصالح العام وتدعيمه.

ولا يبعد هذا المذهب عما ذهب إليه (جون استيوارت مل) وقتما وفق لأن يلمس بعض الظواهر الإيجابية لحرية الأمة في رسالته الشهيرة عن الحرية فلقد أشار (مل) إلى أنه إذا عمل أي إنسان عملاً من شأنه أن يضر الآخرين كان من مقتضى العدالة أن يستوفي العقوبة التي فرضها القانون، أو أن يلقي جزاءه من الاستنكار والتحقير العام إذا كان ما فعله لا يقع تحت طائلة نصوص القانون، ثم استطرد قائلاً:

وقد تقضي العدالة إلى ذلك بإجباره على القيام بأعمال إيجابية كثيرة شرعت لصالح الآخرين، مثلما يلقي على عاتقه من عبء إثبات ما يدعيه في ساحة القضاء، أو ما يتحمله من نصيبه العادل في الدفاع العام أو ما يضطلع به من الأعمال الاشتراكية الأخرى اللازمة لصالح الجماعة التي ينعم بحمايتها. ومثلما يفرض عليه من أعمال خاصة شرعت لصالح الفرد كأن يتقدم لإنقاذ حياة إنسان أو يتدخل بين الضعيف الذي لا سند له والقوي الذي لا حجة معه لينتصف للمظلوم من الظالم. وهي أمور إذا ما اتضح أن من واجب الرجل أن يؤديها كان من مقتضى العدالة أن تناقشه الهيئة لاجتماعية الحساب عن عدم وفائه بها. فالإنسان قد يلحق الضرر بغيره بسبب ما يقدم عليه من عمل، أو نتيجة لامتناعه عما يجب عليه من عمل وفي كلا النهجين يجب حقاً وعدلاً أن يكون ملزماً بتعويض الضرر.

وهذا النظر الصائب أنسب لحرية الصحافة وأشد انطباقاً عليها من غيرها. وكم تخفق الصحافة في تأدية رسالتها للأمم الحرة، وفي القيام بواجبها على وجهه الصحيح، إذا هي مرت بالطغيان والظلم مرور الكرام، أو ذلت واستكانت فأغمضت عينيها عما يواجهها من سوء استعمال الحق ومن المتصرفات الضارة بالصالح العام. إذ واجب الصحافة أن تترصد الأخبار لتذيعها على الناس، وأن تتعقب الخفاء حتى يبرح، والخبئ حتى يظهر، وأن تواجه الشبه حتى تنجلي، وأن تفصح عن ذلك كله في عبارة حاسمة صريحة، فإذا بالصبح وقد تبين لدى عينين، وإذا هي لا تدين بولاء ولا تنفيذ بواجب إلا للشعب وللشعب وحده لا لأية سلطة تتولى الحكم في البلاد؛ وإذ الطريق الوحيد لكبح جماح الهيئة الحاكمة والحيلولة بينها وسوء استعمال الحق هو أن تذيع على الشعب كيف يتصرف رجال الحكومة بسلطانهم!

ووقتما أصر (مل) ذلك الفيلسوف الحر، على أن يسأل الرجال، وكذلكم الصحافة من باب أولى، لا عما يجترمونه من جرم فحسب، بل عما يترتب على امتناعهم عما يجب عليهم عمله، لم يكن نظره هذا ببعيد عن تلك العبارة الذائعة الواردة في تعاليم الكنسية الإنجليزية، وهي: (لقد عملنا ما كان يجب علينا ألا نعلمه، وأغفلنا عمل ما كامن يجب علينا أن نعمله، وافتقدنا رجاحة العقل وسداد الرأي)؛ وبعبارة أرى قد تكون جرائم الترك هوان للحرية كجرائم العمد

وإذا كان الانتفاع بالحرية والدفاع عنها بحاجة حقاً إلى مجتمع متمدن نشط يصدر في أفعاله عن إرادة حرة وعزيمة صادقة، فليس بأقل من ذلك وزناً ما نحن بحاجة إليه من إعادة النظر في آرائنا وتنقيح مناهجنا فيما ينظم حريتنا على ضوء ما نتبينه من مجريات الأمور وما ينتهي إلينا أو ننتهي إليه من تطور الأحوال وتغير الظروف. ومنذ قرن مضى كانوا يعتبرون ضريبة الدخل التي تستنفذ اليوم على ربع إيراد المواطن الحر، وتلك الواجبات والالتزامات المتوالية أو المتواترة التي قد يكون من شأنها أن تستأثر الدولة بنصف ما يفيده المواطن من ثروته. نقول إلى قرن مضى كانوا يعتبرون تلك الضرائب والقيود المالية غارة شعواء غير مشروعة على حق الملكية الخاصة وعلى الحرية الشخصية. أما اليوم فقد صارت هذه الضرائب أمراً مقبولاً أو نهجاً مقرراً لا يشق على الناس أمره ولا يتأذون به. ولأقل من عصر مضى تكلموا كثيراً عن حق المنتجين في ابتياع (جني الجهود الطليقة) في (سوق حرة) وكان أغلب ظن أولئك العمال الذين وسعهم أن يفيدوا أجوراً طيبة من بيع جهودهم أنهم قد أمسوا وهم ينعمون بكامل حريتهم؛ وتاريخ حركة الاتحاد العمالي التجاري في هذه البلاد (إنجلترا) هو تاريخ الجهود التي بذلت لتحقيق (هذه الحرية) وإصلاح شأنها عن طريق عقد الصفقات الاشتراكية الرابحة على الرغم من أن حقيقة نظام هذا الاتحاد التجاري ما كانت لتسمح للأفراد بأن يستقلوا عنها ببيع جهودهم مهما كان الثمن الذي يتهيأ لهم الحصول عليه

وما شرع للمصانع من قوانين كان له بلا ريب أثره في التدخل في حرية المنتجين وانتقاصها أصبح اليوم وهو يرى كأمر ضروري لحماية عمال من أي استغلال غير عادي يكون عليهم غرمه وللمنتجين غنمه. ولا زال لدينا من الأسباب ما يحملنا على الظن بأنه سوف يواجهنا يوم يحتاج الأمر فيه إلى إصلاح يعطل حرية المالك في التصرف في ملكه إذا لم يكب للإصلاح النجاح في القضاء على تلك الظاهرة المائلة في إحلال الماكينات محل العمال والقضاء على تلك الأيدي المبسوطة للعمل بان تساق إلى نوع آخر من الرق الاقتصادي وتنتهي بها حاجتها إلى العمل لأن تكابد شقوة البطالة الإجبارية.

للكلام صلة

زين العابدين جمعة