مجلة الرسالة/العدد 441/بعد منتصف الليل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 441/بعد منتصف الليل

مجلة الرسالة - العدد 441
بعد منتصف الليل
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 12 - 1941


للأستاذ م. دراج

الدقائق تمر بطيئة، وصبري يوشك أن ينفد، وكلما تطلعت إلى النافذة توهمت أننا أشرفنا على الصباح. . . وتعددت مني اللفتات حتى عز الأمل في انبلاجه أو كاد، فازداد قلقي، واشتد تبرمي بالفراش فنحيت عني الغطاء بعيداً، وفي حركة عصيبة انتصبت واقفاً، وقد صممت على أن أتنفس هواء الفضاء! فما عدت أتحمل قبلاتها الجائعة تنقض عليَّ في غير رحمة؛ لا، ولا موسيقاها الخبيثة تجفل مها الحواس كل غدو ورواح. وخير لي أن يجف دمي من البرد في الطرقات، ولا تمتصه هذه الحشرة الجائعة. ومن يدري؟ ربما قضت على أن ألازم (الملاريا) وأصادقها ولو لمدة أيام!

كنت لا أحمل ساعة، وأنا كذلك دائماً، وكان مبلغ تشاؤمي لا يتعدى أن الوقت حول الخامسة صباحاً. قلت لنفس هذا الوقت المبكر أصلح جويسري عن الإنسان همومه ومتاعبه، فيه تحتفل الطبيعة بالتقاء الليل والنهار فتلبس أبهى حللها، وتغني طيروها أعذب الألحان. وما ضرني لو شاركت الطبيعة أعظم أفراحها وشهدت كيف تمثل قصتها الخالدة عل مسرح الحياة! لا شئ. أجل، لا شئ.

وأسرعت فارتديت ملابسي وهممت بالانطلاق، ولكني غريب عن المدينة، وفي منزل ليس لي فيه كل الحرية، وليس من اللياقة أن أحرج مضيفي، فأجرح عزة نفسه، ولكن ماذا أصنع وهذه حالي، أنام. . .؟ لا أنام! أبقى. . .؟ لا أبقى، هذا مستحيل! إذن لا مفر من الخروج، وإذا كنت غريباً عن المدينة فأنا ضيفها فأنا في الوقت نفسه، وللضيف حقوق ولو حامت حوله الشبهات. . .! بهذا التفسير غير المقنع أقنعت نفسي، وأخذت أدلف من طريق إلى طريق، وأنعطف مع الشارع إلى الميدان متمهلاً في مشيتي لعلي ألمح تباشر الصباح؛ ولكن الطريق خالية، والناس نيام، والسكون يشمل الفضاء، حتى الطير قد أخلد إلى أوكاره، وأسلم نفسه للكرى، والحراس هنا وهنالك في شبه غفوة يحتاجون إلى من يحرس أسلحتهم من أيدي اللصوص الجبناء. . .! والساعة تدق الثانية بعد منتصف الليل.

ماذا تراني أصنع. . .؟ إني لا أعرف أين يقع الفندق إن كان ثمة فندق يقبلني في هذا القوت، ولا أعرف أيضاً كيف الطريق إلى (استراحة الحكومة) فأنا مشرد من أج في خدمة الدولة، والدولة لا يعنيها من أمري شئ. إنها لتكافئني بالحسرة والخسران على ما أبذل من جهد ونصيب، هي ترهقني ليستريح غيري من أرباب الحسب والنسب وذوي الألقاب والأرقام الضخمة وما أشبه هؤلاء في

مراكزهم بأصحاب (العزب والوسايا) أو هم تماماً كالمهرجات في الهند، كلما تضخمت ثرواتهم، هوت على العب نوازل الفقر والخراب، والشعب هنا أمثالي من الموظفين الصغار، (فالقانون المالي) لا يطارد إلا أمثالي بالحرمان من كل شئ، حتى حق الاطمئنان إلى بقائي لأقوم بواجبي في هدوء وانتظام. . .!

لم أوافق على العودة ثانية من حيث فررت، وإن خفت أن يصيبني سوء من طول الوقت واشتداد البرد في الهزيع الأخير من الليل، وأنا رجل يؤثر البرد في جسمه وأعصابي معاً. . .

الساعة تدق الثانية بعد منتصف الليل، وعليّ أن أظل هكذا أربع ساعات طوال!!

وقبل أن أفكر في حل لسؤالي، لاح لي شبح في الظلام، يمش مشية الحذر ثم يمض مندفعاً إلى الأمام، ثم يتوقف وكأنه جندي يستكشف مواقع الأعداء، وهكذا بدا لي أمره غريباً فحاولت أن استكشف سره.

يا الله! إنها إنسانة تحمل وليداً وقد احتضنته إلى صدرها وألقت وشاحها الممزق على الخرق المهلهلة المحيطة بجسمه. سألتها عن حالها فتوقفت ولم تحر جواباً. . . ثيابها الريفية الممزقة، وروحها الحائرة، وعقدة لسانها الظاهرة وصمتها البليغ وأخيراً ربيع حياتها. . .! كل هذا كشف عن حقيقة حالها، هي تبيع نفسها من أجل المال، المال الذي تشتري به الخبز، هل أعطيها شيئاً مما وهبني الله؟ وهل يحل هذا الشيء مشكلتها؟ لا. . . لن أعطيها شيئاً. . .! ولم أشفق على حالها فأتركها فريسة لمجتمع مملوء بالذئاب الجائعة فقد تتعود الاستجداء في مقابل ما. . .! وليس الناس ملائكة. . .

هذه الإنسانة لها على الدولة حقوق أهونها أن تكسوها وتطعمها، وإلا فكيف يمكن أن تعيش عيشة شريفة في مجتمع يقتتل فيه الناس من أجل المليم؟ وإذا كان الحكام دائماً من الأغنياء الذين لا يتصورن كيف تجوع المعد الآدمية، فلترسل لهم هذه الإنسانة عبرة الحق لعلهم يهتدون. . . وفجأة ظهر الشرطي بعد نومة طويلة بمظهر اليقظ اللبيب فأمسكت أنفاسي وظهر على شئ من الاضطراب. حاول أن ينال مني بالغمز واللمز، فنهرته بشدة وأنا أعلم أنه سيركب رأسه.

وهناك حيث (ينام) رجال الشرطة على مصالح الناس انتظرت الضابط طويلاً أين هو؟ أين هو؟ لا أدري، ولكني ألمح منطقته تتدلى من المشجب، وسترته تضيء بأزرارها اللامعة فوق كرسي مكتبه. وهو غائب على ثلاث ساعات طوال؛ وتبينت أخيراً أنها زوجة مات عنها زوجها لثلاثة شهور خلت، ولا تدري كيف تقطع الشقة بين الحياة والممات فهامت على وجهها بعد أن أرخى الليل سدوله، تفتش عن رغيف، ولو كسبته عن طريق غير شريف، نتركها بين محاضر التحري تنتظر مستقبلها المجهول.

وعدت إلى الشارع فوجدت الصبح قد غمر المدينة والناس يستقبلون الحياة في معترك لجب ليس فيه حدود، فإذا تساءلت لماذا؟ أجابوك: إنها الحرية التي تقدسها الدولة.

م. دراج

-