مجلة الرسالة/العدد 272/على هامش أبحاث التيسير

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 272/على هامش أبحاث التيسير

مجلة الرسالة - العدد 272
على هامش أبحاث التيسير
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 09 - 1938


ملاحظات انتقادية على قواعد اللغة العربية

للأستاذ أبي خلدون ساطع الحصري بك

مدير دار الآثار العراقية

- 1 -

هذه ملاحظات انتقادية، كانت قد عنت لي في أوقات مختلفة خلال دراستي للكتب المدرسية الموضوعة لتعليم قواعد اللغة العربية في المدارس الابتدائية والثانوية؛ وكنت سردتها على بعض علماء اللغة ومعلميها، غير أنني أحجمت عن جمعها ونشرها على صفحات الصحف. . إلى الآن.

أما الآن، فبعد أن أطلعت على تقرير اللجنة التي ألفتها وزارة المعارف المصرية لدرس وسائل (تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة) وبعد أن قرأت طائفة من الملاحظات التي أبدتها بعض المحافل اللغوية على المقترحات المدونة في التقرير المذكور، رأيت من المحتم علي أن أجمع وأنشر هذه الملاحظات والانتقادات.

ولهذا السبب جئت أرجو صديقي الأستاذ الزيات أن يتوسط في عرضها على أنظار قراء الرسالة بوجه عام، وعلى أنظار علماء اللغة ومؤلفيها بوجه خاص.

(أبو خلدون)

كلمة تمهيدية

إن الغاية التي استهدفتها في بحثي هذا، تنحصر في مناقشة (قواعد اللغة العربية: الصرفية والنحوية) وحدها، ولا تتضمن شيئاً في انتقاد (اللغة العربية) نفسها.

لأنني أعتقد أن (اللغة العربية) شيء، و (قواعد اللغة العربية) شيء آخر. . .

فإن (اللغة) - بوجه عام - تتكون تحت تأثير الحياة الاجتماعية، وتتطور بتطورها؛ في حين أن (قواعد اللغة) تتولد من الأبحاث التي يقوم بها العلماء، وتتبدل بتبدل النظريات التي بضعها هؤلاء. . .

فنستطيع أن نقول: إن (خصائص اللغة) تدخل في نطاق (الأمور الطبيعية) التي لا يمكن أن تقاس بمقاييس العقل النظري والمنطق الموجود، في حين أن (قواعد اللغة) لا تخرج عن نطاق (الأمور الاجتهادية) التي يجب أن تبقى خاضعة لحكم العقل والمنطق على الدوام.

إنني لا أعترض - في مقالي هذا - على من يقول بوجوب التمسك (بخصائص اللغة) على علاتها؛ غير أني أقول في الوقت نفسه: إن (قواعد اللغة المدونة في الكتب) لا تدخل في نطاق (خصائص اللغة)؛ فمهما تطرقنا في الأخذ بمبدأ (التمسك بخصائص اللغة على علاتها)، ومهما استرسلنا في الدفاع عن نظرية (المحافظة على تلك الخصائص بدون تبديل وتحوير). . . يجب أن نسلم في الوقت نفسه بأن ذلك لا يستلزم - بوجه من الوجوه - (التمسك بقواعد اللغة) على أشكالها الحالية. فيجب أن نتذكر على الدوام أن هذه القواعد من وضع علماء اللغة الأقدمين، وهي تمثل - بطبيعة الحال - طرق تفكيرهم في مسائل اللغة، وأساليب استنباطهم لقواعدها. لذلك لا يجوز لنا أن نقبلها بدون مناقشة وتفكير؛ بل يجب علينا أن نعيد النظر فيها، ونطيل التفكير حولها، لنكشف مواطن الخطأ والصواب فيها، فنسعى إلى إصلاحها وتصحيحها وفقاً للطرق المنطقية المتبعة في الأبحاث العلمية بوجه عام. . .

إن الملاحظات الانتقادية المعروضة في هذا المقال، مستندة على هذا الرأي الأساسي، ومنبعثة عن هذا الاعتقاد الصريح، وهي تقوم بحملة على (قواعد الصرف والنحو المدونة) وتطلب إصلاحها إصلاحاً جوهرياً. . . دون أن تتجاهل (الخصائص) التي تختص بها اللغة العربية، ودون أن تدعو إلى إهمال تلك الخصائص أو الخروج عليها

هذا، ومما يجب ألا يغرب عن البال في هذا المقام أن العلماء الذين توغلوا في استنباط قواعد اللغة العربية وتدوينها لم يتفق بعضهم مع بعض في جميع المباحث والأمور؛ بل كثيراً ما اختلفوا في عدد غير قليل من المسائل والقواعد؛ واختلافهم هذا أدى إلى تكوين مذاهب لغوية شتى

إنني لم أر داعياً لاستعراض جميع الآراء والمذاهب اللغوية خلال هذا الانتقاد؛ بل رأيت أن أحصر بحثي وانتقادي على (قواعد اللغة العربية) التي أصبحت (رسمية نوعاً ما) لدخولها في الكتب المدرسية واندماجها تقاليد التدريس وأعتقد أن الكتب المدرسية التي تمثل (القواعد الرسمية) أحسن تمثيل، هي السلسلة المطبوعة في مصر بعنوان كتاب (قواعد اللغة العربية)، لأن هذه السلسلة تدرس في جميع المدارس المصرية بناء على قرار (وزارة المعارف العمومية) منذ عدة سنوات؛ وهي تحمل توقيعات عدد غير قليل من كبار الأساتذة والمفتشين؛ فقد ألفتها لجنة مكونة من خمسة أساتذة، (ووضعت خطتها وراجعتها لجنة مؤلفة من) خمسة آخرين، وبين هؤلاء المؤلفين والمصححين ثلاثة من أساتذة الجامعة المصرية ومدرسيها: (طه حسين، أحمد أمين، إبراهيم مصطفى)، وثلاثة من أساتذة دار العلوم: (محمود السيد عبد اللطيف، عبد المجيد الشافعي، علي عبد الواحد وافي)، وثلاثة من المفتشين: (محمد عطية الإبراشي، محمد مهدي علام، ومحمد أحمد جاد المولى)؛ وقد ساعدت المكانة العلمية والأدبية التي اشتهر بها هؤلاء الأساتذة والعلماء على انتشار سلسلة هذه الكتب خارج القطر المصري أيضاً، حتى إن هذا الانتشار أخذ في آخر الأمر شكلاً رسمياً في العراق إذ اقتفت وزارة المعارف العراقية أثر وزارة المعارف المصرية في هذا الباب، فقررت تدريس الكتب المذكورة في جميع المدارس الابتدائية والثانوية

فإذا اعتبرنا (قواعد اللغة) المدونة في سلسلة هذه الكتب - المقررة في مصر والعراق - بمثابة (القواعد الرسمية) كنا قد عبرنا عن الحالة الراهنة أحسن تعبير

إن الملاحظات الانتقادية في هذا المقال تحوم حول الخطط المتبعة في الكتب الرسمية المذكورة وقواعد اللغة المدرجة بها

1 - تبويب المباحث

إن أبرز المآخذ التي تلفت أنظار الباحث في كتب (قواعد اللغة العربية) تعود إلى الطريقة المتبعة في (تبويب المباحث وعرضها) فان هذه الطريقة تخالف أصول التربية والتعليم مخالفة صريحة، كما تنافي العقل والمنطق منافاة تامة

وأعتقد أن الأمثلة التالية تكفي لإظهار هذه الحقيقة بكل وضوح وجلاء:

1 - من المعلوم أن مفهوم (المضاف) مرتبط بمفهوم (المضاف إليه) ارتباطاً وثيقاً، لأن كل واحد منهما يكون ركناً أصلياً من ركني (الإضافة). فلا نستطيع أن نتصور أحدهما دون أن نفكر في الآخر؛ ولا يمكننا أن نعطي فكرة واضحة عن أحدهما دون أن نتطرق إلى الآخر.

فالمنطق يقضي علينا بالبحث في المضاف والمضاف إليه بصورة مرتبطة، بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر

غير أن (قواعد اللغة العربية) الرسمية تهمل هذا الأمر البديهي إهمالا غربياً فلا تهتم بالعلاقة الوثيقة بين المضاف والمضاف إليه، وإنما تجعل من كل منهما بحثاً مستقلا يدخل في باب خاص

غير أن (قواعد اللغة العربية) الرسمية تهمل هذا الأمر البديهي إهمالا غربياً فلا تهتم بالعلاقة الوثيقة بين المضاف والمضاف إليه، وإنما تجعل من كل منهما بحثاً مستقلاً يدخل في باب خاص

فإذا تتبعنا جميع الأبحاث المتعلقة بالمضاف والمضاف إليه في سلسلة كتب القواعد التي نحن بصددها، نجد أن الجزء الأول منها يبحث في (المضاف إليه) وحده فهو يحاول تفهيم (المضاف إليه) عن طريق مقابلته بـ (النعت)، ويعرفه بهذا التعريف: (اسم يكمل معنى اسم سابق ولا يدل على صفة فيه) (ص - 45)

وأما الجزء الثاني فيذكر (المضاف) في أوائل أبحاثه مستقلاً عن (الإضافة) وعن (المضاف إليه). يتطرق إليه في بحث (المعرفة والنكرة) عندما يستعرض أنواع (المعرفة) تحت تعبير (المضاف إلى معرفة) (ص - 11). وأما (المضاف إليه) فلا يذكره إلا في أواخر أبحاثه في باب الأسماء المجرورة. وهناك فقط يذكر العلاقة بين (المضاف والمضاف إليه) (ص101)

إنني أعترف بأنه يصعب عليّ أن أتصور طريقة بحث وتبويب أبعد من منطق اللغة من هذه الطريقة، كما يستحيل علي أن أبتكر خطة عرض وتعليم أفعل في تصعيب الأبحاث وتشويش الأذهان من هذه الخطة. . .

2 - من المعلوم أن الأسماء تقسم من حيث شمول مدلولاتها إلى قسمين أصليين: أسم خاص أو أسم علم، واسم عام أو اسم جنس. ويعتبر هذا التقسيم من التقسيمات الأساسية والمباحث الأولية في جميع اللغات

غير أن قواعد (اللغة العربية) الرسمية (لا تذكر شيئاً عن اسم الجنس). وأما اسم العلم فتذكره في الجزء الثاني، دون أن تقابله بنقيضه. إنها تذكره في بحث (النكرة والمعرفة) كنوع من أنواع المعرفة، بين الضمير واسم الإشارة والاسم الموصول والمضاف إلى معرفة (ص - 11)

إنني أعتقد بأن من ينظر في هذه الخطة نظرة انتقادية مجردة عن تأثير (الألفة المخدرة)، يضطر إلى التسليم بأنها لا تتفق مع أصول التصنيف العلمية بوجه من الوجوه، كما أنها تنافي أساليب التعليم الصحيحة كل المنافاة

3 - لا يخفي أن الفعل ينقسم - من حيث المعنى - إلى قسمين: لازم ومتعد، ولا حاجة إلى البرهنة على أن المنطق يقضي بشرح هذا التقسيم في باب الأفعال. غير أن (قواعد اللغة العربية) لا تسير على هذه الطريقة المنطقية، بل تذكر ذلك عرضاً في بحث المفعول به، عند استعراض الأسماء المنصوبة في باب (إعراب الأسماء) (الجزء الثالث - ص106)

4 - كذلك لا يخفي أن الفعل ينقسم - من وجهة أخرى - إلى معلوم ومجهول، والمنطق يقضي بشرح ذلك في باب الأفعال بطبيعة الحال؛ غير أن (قواعد اللغة العربية لا تلتزم هذه الطريقة المنطقية، بل تذكر (المجهول) وحده، وذلك بصورة عرضية في بحث (نائب الفاعل) عند استعراض الأسماء المنصوبة في باب (إعراب الأسماء)! (الجزء الثاني ص45)

5 - من المعلوم أن (حرف التعريف) من أهم عناصر الكلام في اللغة العربية؛ وهو كثير الاستعمال جداً في التكلم والقراءة والكتابة؛ ومع هذا إذا تتبعنا كتب (قواعد اللغة العربية) نجدها لا تهتم به اهتماماً يتناسب مع كثرة استعماله:

فإن الجزء الأول منها لا يذكر شيئاً عن حرف التعريف بالرغم من كثرة وروده في عبارات الكتاب اعتباراً من صفحاته الأولى. والجزء الثاني أيضاً لا يلتفت إليه مع أنه يفرد بحثاً خاصاً للمعرفة والنكرة، ويذكر خمسة أنواع من المعرفة فيها الضمير، واسم الإشارة، والاسم الموصول، والمضاف إلى معرفة

إن حرف التعريف لا يثير شيئاً من اهتمام واضعي الكتب المذكورة إلا في الجزء الثالث منها، وهو الجزء الخاص بالصف المنتهي من الدراسة الابتدائية؛ وذلك في بحث أنواع المعارف تحت عنوان (المعرف بأل) (ص - 41) 6 - من المقرر أن التنوين من خصائص اللغة العربية التي تستعمل كثيراً، والتي تؤثر في معنى الكلمات تأثيراً كبيراً. ومن الغريب أن كتب قواعد اللغة العربية لا تذكر شيئاً عنه إلا في أواخر الجزء الثالث منها؛ وذلك في بحث (الممنوع من الصرف) - وفي صدد (إعراب الممنوع من الصرف) (ص - 61)

وإذا أجلنا النظر في ذلك البحث وجدنا فيه استعراضاً طويلا للكلمات التي لا يجوز أن تنون، ولكيفية إعراب تلك الكلمات دون أن نجد فيه إشارة إلى مواطن استعمال التنوين، والمعاني المستفادة من التنوين، والعلاقة الموجودة بين التعريف والتنوين. . .

7 - من الواضح أن أسماء الأعداد من أهم أركان اللغات؛ وهي من الكلمات التي تستعمل بكثرة خلال الحديث والقراءة والكتابة؛ غير أن كتب قواعد اللغة العربية لا تهتم بها ولا تذكر شيئاً عنها إلا في الجزء الثالث منها. كما أنها لا تفعل ذلك بصورة عرضية في بحث التمييز خلال استعراض الأسماء المنصوبة) في باب الأسماء المعربة. . . (ص - 130)

أنا لا أرى لزوماً حاجة إلى الإكثار من هذه الأمثلة، ولا إلى إطالة الشرح لإظهار مواطن الخطأ والشذوذ في كل واحدة منها غير أنني لا أود أن أختم ملاحظاتي على كيفية (التبويب والعرض) دون أن أشير إلى ما أعتقده في منشأ هذه المآخذ والأخطاء الغريبة وأسبابها - أعتقد أن أسباب كل ذلك تتلخص في نزعة واحدة وهي نزعة (الاهتمام بالأحكام النحوية وبمواطن الإعراب) أكثر من (الالتفات إلى المعاني المفهومة، ومواطن الاستعمال). كل شئ في الطريقة المتبعة في تبويب القواعد وعرضها يدل على أن الذين دونوا هذه القواعد وجهوا جل اهتمامهم إلى مسائل الإعراب، واعتبروها الغاية القصوى من دراسة اللغة، كأنهم ممن يعتقدون - ضمناً - أن جميع أبحاث قواعد اللغة يجب أن تبتدئ من وجهة نظر الإعراب، وتنتهي بتثبيت قواعد الإعراب، وتبوب حسب ما تقتضيه أحكام الإعراب؛ وأما المعاني التي تؤديها الكلمات والوظائف التي تقوم بها في تكوين العبارات فهي من الأمور الثانوية التي يجب أن تترك على الهامش، أو من الأمور التافهة التي يجب أن تهمل بتاتاً. . .

إن آثار هذه النزعة المخالفة لأهم أسس التربية والتعليم تظهر بكل وضوح وجلاء في الطرق المتبعة في قضايا (التبويب) كما شرحناها آنفاً، وتظهر بوضوح أكثر في الطرق المتبعة في أمور (التعريف) كما سنذكرها بعد. . .

2 - طريقة التعريف

إن معظم التعريفات المدونة في كتب (قواعد اللغة العربية) مخالفة للقواعد المنطقية التي يجب أن تراعى في كل تعريف، ومنافية للأسس التربوية التي يجب أن يبنى عليها كل تعليم. . .

وأبرز أمثلة هذه المخالفة تتجلى في تعريف (اللازم والمتعدي) من الأفعال. . . هذا التعريف مسطور في الجزء الثالث من كتب الدراسة الابتدائية والجزء الأول من كتب الثانوية. . فإذا راجعنا كتاب الدراسة الابتدائية وجدنا فيه هذا التعريف: (يسمى الفعل متعدياً إذا نصب مفعولا به، ويسمى لازماً إذا لم ينصبه) (ص 106) فهذا التعريف لا يدعو إلى التأمل في مدلولات الأفعال لتمييز اللازم والمتعدي منها، بل يطلب النظر في تأثيرها في إعراب الكلمات التي تليها دون ملاحظة طبيعة الحدث المفهوم منها

وإذا استعرضنا جميع التفاصيل التي تتقدم هذا التعريف نجد أن جميعها تسير على نفس النمط: المفعول به هو الاسم المنصوب الذي وقع الفعل على مسماه. . قد ينصب الفعل مفعولا واحداً. . وقد ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر. . . وقد ينصب مفعولين أصلهما ليس مبتدأ وخبراً. . . ويسمى الفعل متعدياً إذا نصب مفعولاً به، ويسمى لازماً إذا لم ينصبه. . . (ص105 - 106) هذه هي سلسلة الإيضاحات التي توصل إلى التعريف الآنف الذكر. . .

وأما إذا راجعنا الجزء الخاص بالدراسة الثانوية، وجدنا فيه أيضاً تعريفاً مماثلا للتعريف المذكور بعد كلمة عن رفع الفاعل ونصب المفعول به:

(إذا قلت انفتح البابُ، وفتح عليٌ البابَ، وتأملت الفعل في المثالين وجدت الأول رفع الفاعل فقط، ورأيت الثاني رفع الفاعل ونصب المفعول به. . . وكل فعل من النوع الأول يسمى لازماً، وكل فعل من النوع الثاني يسمى متعدياً. . . فاللازم مالا ينصب مفعولا به، والمتعدي ما ينصب المفعول به (ص - 68)

إن نزعة إهمال (المعنى) والاستناد على (الإعراب) تتجلى في هذه الشروح والتعريفات بكل وضوح وجلاء، وتؤدي إلى التباعد عن جادة المنطق تباعداً غريباً؛ لأن الأسماء التي تقع تحت أبصارنا عندما نقرأ في الكتب والجرائد لا تكون مرفوعة أو منصوبة في حد ذاتها، بل تكون مشكولة، فتحتمل الرفع والنصب على حد سواء. ونحن نحتاج إلى (قواعد النحو) لنعرف ما إذا كان يجب علينا أن نقرأ أواخر تلك الكلمات مرفوعة أو منصوبة. . . وكذلك الأمر في الكلمات التي تجول في خاطرنا عندما نفكر في موضوع ونحاول التعبير عنه، فإنها أيضاً لا تكون مرفوعة أو منصوبة في حد ذاتها؛ ونحن نقدم على رفعها أو نصبها حسب ما تعلمناه أو اعتدناه من قواعد النحو، لذلك نستطيع أن نقول: إن اعتبار (نصب المفعول به) واسطة لتعريف (الفعل المتعدي) يكون بمثابة قلب الأمور رأساً على عقب. . .

إن أبسط قواعد المنطق تقضي بتعريف اللازم والمتعدي من جهة، والفاعل والمفعول من جهة أخرى، حسب معانيها ومعاني العبارة التي تتألف منها، وذلك كما يفعل لغويو العالم بأجمعهم

وأما كيفية الإعراب فيجب أن تكون بمثابة (القاعدة التي نصل إليها، لا (الأصل) الذي نبدأ منه، أو (الأساس) الذي تبنى عليه. . .

فلا يجوز لنا أن نقول: هذا الفعل متعد، لأنه نصب مفعولا به، بل يجب أن نقول: هذا الفعل متعد فيحتاج إلى مفعول به؛ وهذا الاسم مفعول به، فيجب أن يعرب منصوباً

إن طريقة (تعريف الكلمة بالنظر إلى إعرابها) في كتب قواعد اللغة العربية ليست من الأمور المنحصرة في بحث (المتعدي واللازم)، بل هي من الطرق المتبعة في كثير من الأبحاث الأخرى أيضاً:

المبتدأ - اسم مرفوع يقع في أول الكلام (ج - 1 - ص30)

الفاعل اسم مرفوع يدل على الذي فعل الفعل ويذكر بعده (ج 1 ص32)

نائب الفاعل اسم مرفوع حل محل الفاعل بعد حذفه، وتقدمه فعل مبني للمجهول (ج2 - ص46)

المفعول المطلق اسم منصوب من لفظ الفعل يذكر لتوكيد فعله أو لبيان نوعه (ج 2 - ص71)

المفعول لأجله اسم منصوب يبين سبب حصول الفعل الذي قبله (ج2 - ص74) المفعول معه اسم منصوب يبين الشيء الذي قارن وجوده وقوع الفعل، ويكون مسبوقاً بواو بمعنى مع (ج2 - ص77)

ظرف الزمان اسم منصوب يبين زمن حصول الفعل (ج2 - ص80)

ظرف المكان اسم منصوب يبين مكان حصول الفعل (ج2 - ص80)

الحال - اسم منصوب يبين هيئة الفاعل أو المفعول به عند حصول الفعل (ج2 - ص85). . .

كل من ينعم النظر في هذه التعريفات على ضوء الملاحظات التي سردناها آنفاً حول تعريف اللازم والمتعدي يسلم بأنها لا تتفق مع (منطق التعريف) بوجه من الوجوه، كما أنها تخالف (أسس التعليم) مخالفة صريحة. في الواقع أنها لا تستند إلى أحكام الإعراب وحدها - مثل تعريف اللازم والمتعدي الذي انتقدناه آنفاً - ولكنها تجعل الإعراب ركناً أساسياً من أركانها، وتخلط - بهذه الصورة - بين التعريف والقاعدة، وبين الأصل والنتيجة، خلطاً غريباً. فإذا أردنا أن نرجع هذه التعريفات إلى مقتضيات المنطق العلمي، وجب أن نحذف منها كل ما يعود إلى الإعراب. أما مسألة الإعراب، فيجب أن نفرغها في قالب (قاعدة) مستقلة عن التعريف.

فلا يسوغ لنا أن نعرف الفاعل بقولنا: (الفاعل اسم مرفوع يدل على الذي فعل الفعل) بل يجب أن نعرفه بقولنا: (اسم يدل على الذي فعل الفعل) ثم نأتي بقاعدة في إعراب الفاعل مستقلة عن تعريفه، فنقول: (الفاعل يعرب مرفوعاً)

كما يجب أن نتبع خطة مماثلة لما ذكرنا في بقية التعريفات المذكورة آنفاً

ومما يلفت الأنظار في هذا الباب، بوجه خاص، هو أن واضعي كتاب (تكوين الجمل) - الذي يؤلف الجزء الأول من سلسلة كتاب (قواعد اللغة العربية) - كانوا عرفوا الفاعل على هذا النمط دون أن يدمجوا قاعدة إعرابه في تعريفه، وذلك في الطبعة الأولى من كتابهم؛ ولكنهم غيروا خطتهم هذه في الطبعة الثانية، كأنهم اعتبروا تعريفهم الأول خروجاً عن المألوف وغير واف بالمقصود، فأرادوا أن يصححوه بتعريف يستند إلى الإعراب قبل كل شيء. فقالوا: (الفاعل اسم مرفوع يدل على. . .). وبذلك أخرجوا هذا التعريف أيضاً عن جادة المنطق والصواب. . .

يظهر من هذه التفصيلات أن الخطة التي يمشي عليها المؤلفون في التعريفات تستمد اتجاهها من النزعة التي ذكرناها آنفاً، خلال تعليلنا للخطة المتبعة في أمر التبويب، وهي نزعة الاهتمام بالإعراب أكثر من الالتفات إلى المعنى والمفهوم

غير أني أعتقد أن لهذه الخطة - ولهذه النزعة - بعض العوامل التاريخية التي تعود إلى أدوار نشأة (قواعد الصرف والنحو)، فان من العلوم أن هذه القواعد دونت - في الدرجة الأولى - تحت تأثير حاجة الأعجام الذين لم ينشئوا على العربية، وذلك كما حدث في أمر تدوين القواعد في سائر اللغات بوجه عام؛ وكان القصد الأصلي من تعليم العربية لهؤلاء الأعجام تمكينهم من قراءة القرآن وتسهيل فهمهم لمعانيه. ومما لا يحتاج إلى إيضاح أن الأعجمي الذي يقرأ القرآن يرى أمام عينيه سلسلة كلمات مشكولة، بعضها مرفوع، وبعضها منصوب، وبعضها مجرور، وبعضها ساكن، فيرى ويقرأ هذه الكلمات قبل أن يفهم شيئاً من معانيها، فإذا اتخذ رفع الكلمة أو نصبها نقطة بدء لدرسه وبحثه فلا يكون قد سلك مسلكاً مخالفاً للعقل والمنطق، من الوجه العملية: فإذا قال: (هذا اسم مرفوع، وقع في أول الجملة فهو المبتدأ إذن. . .) وهذا اسم مرفوع أتى بعد الفعل، فهو الفاعل إذن، يكون قد سار على خطة لا تجانب الصواب - من الوجهة العملية - بالنسبة إلى حالته الخاصة

غير أن الاستمرار على اتباع خطة مماثلة لهذه في هذا العصر ولا سيما في تعليم أبناء الضاد الذين يتكلمون العربية ويقرءون الكتب والجرائد والمجلات المطبوعة - لا يمكن أن يتفق مع مقتضيات المنطق بوجه من الوجوه، ويخالف أصول التربية والتعليم من كل الوجوه

إنني لا أجد سبيلاً لتعليلها إلا بإرجاعها إلى تأثير الأحوال الخاصة التي أشرت إليها، وباعتبارها من تراث العصور القديمة التي نوهت بها. والمآخذ التي سأذكرها في بحث (العلامات) تؤيد هذا التعليل بوضوح أقوى

(يتبع)

ساطع الحصري