مجلة الرسالة/العدد 19/مواطن الحياة الأولى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 19/مواطن الحياة الأولى

مجلة الرسالة - العدد 19
مواطن الحياة الأولى
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 10 - 1933


للأستاذ السر آرثر طمسن

ترجمة بشير إلياس أللوس

(1) المواطن الساحلية

في وسعنا أن ننظر إلى عملية التطور السامية من ناحية جديدة، فقد سهلت للحيوان أن يخضع لسيطرته جميع الأماكن الملائمة للحياة، ويجعل المحيط خادماً لمصلحته ومصلحة نوعه.

يظن أن العضويات الحية استوطنت السواحل البحرية أولاً لما في تلك المناطق من ظروف ملائمة للحياة، فهي قليلة الغور غنية بالنور والهواء والغذاء ولاسيما أن الأعشاب البحرية النامية في تلك الأماكن تجهز المواد الغذائية بمقياس واسع. إن هذه المناطق مأهولة في الوقت الحاضر بممثلي جميع أصناف الحيوانات تقريباً من النقاعيات إلى الطيور الساحلية واللبائن.

(2) المواطن البحرية

إن الموطن البحري يشمل جميع سطوح المياه الغنية بالنور عدا المناطق الساحلية القحلة. ويظن أن الحيوانات استوطنت هذه الأماكن لتجانسها ووفرة ما فيها من خزيات مجهرية تصلح طعاماً لها. إن هذه النباتات المجهرية تستمكن في أجسام حيوانات دقيقة كالقشريات البحرية - التي تعتاش عليها الأسماك، وهذه بدورها تصبح طعاماً للسلاحف المفترسة والحيتان ذوات الأسنان. وبهذا الاعتبار يظن أن البحر المكشوف كان المواطن الأصلي للحياة. وقد يكون الأستاذ (شرش على صواب في تصوره أن الحياة البحرية تقدمت على الحياة الساحلية.

(3) أعماق البحار

يظن أن قعر البحار العميقة كان موطناً ثالثاً للحياة؛ ففي ذلك المحيط البارد وفي ذلك الشتاء الدائمي والظلام الدامس الذي لا يضيء فيه غير بريق الحيوانات الفسفورية الضئيل، وتحت ذلك الضغط الهائل - طنان ونصف طن على البوصة المربعة الواحد في عمق 15000 قدم - وبين ذلك السكون العميق وفي تلك الوحدة الرهيبة؛ أجل في تلك الظروف كانت الحياة تقضي شطراً من أدوارها. وربما جرى استعمار هذه اللجج العظيمة الغور في عصور حديثة العهد نسبة؛ لأن الحيوانات التي نعثر عليها في هذه الأماكن لا تشتمل أصنافاً قديمة جداً؛ ويرجح أن الحيوانات الساحلية هي التي استعمرت هذه الأماكن بتتبعها لبقايا الطعام خلال أجيال عديدة.

(4) المياه العذبة

تشمل المياه العذبة جميع الأنهار والبحيرات والبرك والمستنقعات والغدران، وربما حصل استعمار هذه المياه بهجرة بعض الحيوانات بصورة تدريجية إلى مصبات الأنهار، أو بالزحف المباشر في ساحل البحر إلى الغدير.

(5) استيطان اليابسة

قامت بعض الحيوانات الساكنة في البحر أو في المياه العذبة على مر العصور باستيطان اليابسة تدريجياً، ويجب أن نميز ثلاث غزوات كبيرة قامت بها الحيوانات وهي:

أ - غزوة الديدان: ونتيجتها إخصاب الأرض

ب - غزوة الحشرات: ونتيجتها تأسيس الرابطة بينها وبين الزهور.

جـ - غزوة البرمائيات: ونتيجتها نشوء الحيوانات البرية الراقية ونمو الذكاء والحب العائلي.

وهناك غزوات أخرى أقل من تلك شأناً ولكن جميعها تدلنا على أن الحيوانات المائية تميل إلى احتلال اليابسة وتحاول استعمارها بشتى الطرق. إن للنزوح إلى اليابسة مزايا عظيمة، ذلك لأنه كان بمثابة التوصل إلى محيط فيه مقدار من الأوكسجين أكثر مما هو مذاب في الماء. غير أن التسلط على أكسيجين الهواء أمر صعب نوعا ما، ولما كانت حياة اليابسة تكيف جسم الحيوان فتجعله أكثر صلابة وأفضل وقاية كان لابد من تكون سطوح داخلية في جوف الحيوان تمكن الدم من أخذ الأوكسجين وإيصاله إلى جميع أنحاء البدن وهكذا نشأت الرئتان. في أغلب الحيوانات يذهب الدم إلى السطوح المعدة لاتصال الأوكسجين، أما في الحشرات واتباعها فطريقة أخذ الأوكسجين إلى الدم أو إلى الأنسجة تختلف عن ذلك. ففي هذه الحشرات توجد أنابيب متشعبة تتوزع على جميع أنحاء البدن، ووظيفتها أخذ الهواء من المحيط. يفسر لنا هذا التنفس الكامل مغالبة هذه الحشرات التي تكون دمها نقياً على الدوام.

إن استيطان اليابسة أدى أيضاً إلى تكيف الحركة الانتقالية في الحيوان على النحو الذي نراه الآن. فصار الحيوان يدفع جسمه إلى الأمام مستنداً إلى الأرض، وتكونت في جسمه سلسلة من العتلات (الروافع) وهكذا تصلبت أجسام معظم الحيوانات البرية وأصبحت تستند إلى الأرض بمنتهيات صغيرة نسبياً (هي الأنامل) حتى لا تدع مجالا لانبطاح الجسم أو تدليه إلى الأرض، فحيوان كقنديل البحر - مثلاً يعيش في المياه ويستطيع أن ينتقل فيها بسهولة، ولكن يتعذر عليه أن يعيش في اليابسة لان تركيب جسمه لا يساعده على الحركة الانتقالية في البر. وربما تبادر إلى الذهن أن بعض الحيوانات البرية تشذ عن التكيف الذي تستلزمه حياة اليابسة - كديدان الأرض وأم الأربع والأربعين والأفاعي. إن شرح الحركة الانتقالية في هذه الحيوانات ليس بالأمر الصعب، فدودة الأرض تحفر طريقها في التربة كما يفعل اللولب، وجسم أم الأربع والأربعين يحمل على عدة أرجل قوية، كما أن الحية تدفع نفسها إلى الأمام بواسطة حراشف بطنية واسعة متصلة بمنتهيات عظمية متشعبة في العمود الفقري.

الضرورة حب الاستطلاع

ويهمنا أن نبحث الآن في مجازفات الحياة على اليابسة، لان ذلك يمكننا من فهم الدواعي التي حملت عددا عظيماً من الحيوانات البرية على حفر أوكارها في التراب، وعددا آخر منها على تسلق الأشجار، ولماذا رجع بعضها إلى الحياة المائية ولجأ البعض الآخر إلى الهواء، وربما تبادر إلى أذهاننا أن نتساءل لماذا استعمرت اليابسة رغما عما في ذلك من مجازفات ومخاطر عظيمة؟ الجواب على ذلك: (أن الضرورة وحب الاستطلاع هما أبوا الاختراع!) فقد تكون الدواعي التي حملت بعض الحيوانات على ترك الحياة المائية هي من قبيل جفاف الغدران أو ازدحامها بعدد لا تستوعبه من الحيوانات، أو الهرب من الأعداء الكامنة لها بالمرصاد، ولكن يجب ألا نتغاضى أيضاً عن غريزة حب الاستطلاع التي كانت ولم تزل عاملا مهما من عوامل التقدم.

(6) غزو الهواء

وأخيراً لجأت الحيوانات إلى الهواء فنجحت في غزوه الحشرات والعضايا المجنحة القديمة والطيور والوطاويط وأخفقت غيرها في تلك المحاولة كما نرى ذلك جلياً في الأسماك الطائرة التي تقفز في المياه إلى علو بضع ياردات، تساعد على ذلك زعانف كبيرة تنشرها عند القفز، وهذا ما نجده أيضاً في الضفادع الطائرة التي تطير من غصن إلى آخر. وهناك كثير من أمثال هذه الحيوانات التي يستدل منها على محاولة الحيوان في الماضي التغلب على الهواء ذلك الأمر الذي أدركه الإنسان عن بعد بطريقة أوجدها من عنده.

لاشك أن المقدرة على الطيران لها مزايا وفوائد عديدة، فالطير الذي يعتاش على ما في الأرض يستطيع أن يهرب من الكواسر الداهمة بارتفاعه السريع في الهواء، وفي وسعه أن يتتبع الأماكن التي يكثر فيها الطعام والماء مهما كانت بعيدة، وفي إمكانه أن يضع بيضه في مواقع أمينة لا تصل إليها أيدي الأعداء. وقد استطاعت بهجراتها أن تتغلب على الزمان والمكان فكثير منها لا يعرف شتاء طول حياته.

نظام الطبيعة المتطور

وللتطور صفحة واضحة أخرى وهي ميله لربط الأحياء بعلاقات حيوية مهمة، فالزهور مرتبطة بضيوفها من الحشرات ارتباطاً حيوياً وثيقاً فيه منفعة مشتركة للفريقين. وهناك طيور تعتاش على ثمر العليق فتنشر البذور. وهكذا يحافظ على نسل النيتة، ونعلم أيضاً أن الحلزون المائي النحيف يكون مأوى لدودة الكبد (التي توجد في الأغنام) في أدوار حداثتها، وأن البعوض يحمل جرثومة الملاريا وينقلها من شخص إلى آخر بواسطة اللسع.

ونستطيع أن نجد علائم التعاون ظاهرة بين بعض الحيوانات المتشابهة فتكون مستعمرات أو طوائف أو متجمعات كما هو بارز في النحل والنمل واللبائن، وفي كل ذلك مصلحة مشتركة للأفراد المتعاونة.

على أن هناك علاقات تكون فيها المصلحة لجهة واحدة كما هي الحالة في الحشرات التي تفسد العمليات التناسلية لبعض النباتات التي تحط عليها، وزيادة على ذلك أن الحلقات الغذائية تربط مجموعة من الحيوانات كما هي الحالة في سمك القد الذي يعيش على القوقع والقوقع على الدودة والدودة على البقايا العضوية في البحر.

نسيج الحياة لقد أصبحت العلاقات المسيطرة على النظام الطبيعي متناهية في التعقيد، وكان التطور العامل المشجع الأكبر لذلك التعقيد. فأمست بنية الإنسان أعقد من جميع الكائنات الحية، ويتراءى لنا أن نظام التطور قضى على الوحدة والتشابه، وكون تنوعات جديدة ذات صفات ومؤهلات تختلف في بعضها باختلاف المحيط الذي تعيش فيه، وهكذا سجلت خطوات الارتقاء على لوحة الطبيعة وأصبحت الكائنات الحية في مأمن من النكوص على الأعقاب في سلم التطور.