مجلة الرسالة/العدد 19/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 19/القصص

مجلة الرسالة - العدد 19
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 10 - 1933


زنبل

بقلم الأديب حسين شوقي

إذا كان المسيو هريو الوزير الفرنسي الكبير قد أبدى لدى عودته من موسكو إعجاباً شديداً بروسيا الشيوعية في أحاديثه إلى مندوبي الصحف، فأنني أعرف كائنا ما كان ليشاركه في إعجابه لو كان حياً، وهذا الكائن هو قطتنا زنبل، لأن زنبل كانت أرستقراطية بحقيقة معنى الكلمة، ويحسبها نبلا أنها من مخدرات قصر يلدز. . وإني محدثك كيف آلت إلينا: كنا في الأستانة بعد خلع السلطان عبد الحميد، وكان أثاث القصر يباع يومئذ بالمزاد العلني، فذهبنا نشاهد ما عرض من طرائف التحف ونفائس الكنوز لأن شهرة يلدز بهذه العجائب لا تقل عند الناس عن شهرة مغارة (علي بابا) في الف ليلة ذهبنا إلى القصر على غير نية الشراء لأن والدي كان يعارض في ابتياع شيء من يلدز احتراماً لذكرى عاهلها المخلوع. وكان يجله ويرى فيه رمزاً لمجد الإمبراطورية العثمانية التي بدأ ظلها يتقلص فعلاً بعد سقوطه، ولكن ما كادت أبصارنا تقع على زنبل القطة الأنقرية الجميلة حتى وقفت لا تريم عنها انصرافاً. . وانقسمنا فريقين فريقاً من الصغار (نحن) يتمسك بالشراء، وفريقاً من الكبار يعارض فيه، وانتهى الخلاف طبعاً بانتصارنا، إذ كان لابد من إنقاذ زنبل من الحالة المهينة التي كانت عليها في تلك الساعة، فقد وضعت في قفص ضيق حقير ليشاهدها الرائحون والغادون. . فدفعنا الثمن خمسة جنيهات وحملناها معنا. . أما طرائف القصر الأخرى فكانت عادية لا تزيد على نظائرها في سائر القصور الملكية.

ما زلت أذكر زنبل خلال ضباب الماضي البعيد، وهي جالسة على مقعد من القطيفة في الصالون الصغير بمنزلنا القديم بالمطرية، ترتل أناشيدها في هدوء وطمأنينة. . وكم كان شعر زنبل جميلا يحاكي بياضه الناصع الثلج الذي يجلل جبال الأناضول وطنها العظيم، وكانت نعومة شعرها أشبه شيء بنعومة الزنبق.

أما عيناها فكانتا تعكسان ما تشاهده على ضفاف البوسفور من خضرة زمردية بديعة. .

وكان لحم كفيها ناعماً طرياً إلى حد إننا كنا نجد لذة في القبض على تلك الأكف الظريفة. .

كان صيد الفيران والصراصير من الأمور الحقيرة التي لا تتعرض لها زنبل، كما تفع ذلك القطط الأخرى. .

لأن تسلية زنبل الوحيدة كانت أن تسحب أمامها خيطاً فتجتهد هي أن تقفه بضربات يدها الصغيرة. . وطالما جررنا لها ذيلها لنوهمها انه خيط عادي فكانت المسكينة تصدق ذلك فتوسعه ضرباً. .

وفي ذات يوم وقعت حادثة أدهشت من بالمنزل جميعاً وهي أن زنبل حامل! رباه! كيف زلت زنبل الأرستقراطية؟ كيف خالطت زنبل قطط الحي وهي كلها قطط عادية شعبية لا تمت لأنقرة بنسب؟ ولكن زنبل وكأنها شعرت بالخطيئة الكبيرة التي ارتكبتها ما كادت تضع حملها حتى هجرت صغارها، فاضطررنا أن نغذى هؤلاء الصغار تغذية صناعية. كانت زنبل على حق في هجر أطفالها لأن هؤلاء الصغار كن من الصعاليك لا يليق أبداً أن ينسبن إليها. .!

بعد مرور عامين على هذا الحادث، وعودة زنبل إلى حياتها الأولى الهادئة، عزمنا على قضاء بضعة أشهر في الخارج، فعهدنا إلى أحد الخدم برعاية زنبل، والعناية بوجه خاص بغذائها، وهو دجاجة مسلوقة كل يوم، وكانت زنبل لا تأكل منها إلا اللحم.

. . . ولكن لدى عودتنا من أوربا فوجئنا بخبر وفاة زنبل، على أثر مرض لم يمهلهما طويلا. . كما قال الخادم المكلف بخدمتها. . أما الحقيقة التي عرفناها بعد، فهي أن ذلك الخادم الخبيث كان يأكل دجاجة زنبل ويعطيها عظمها فترفضه زنبل. . وهكذا فقدت حياتها، ولكن في كرامة وأباء! كما يفعل الأرستقراطيون الأصلاء. . .

كرمة ابن هانئ