مجلة البيان للبرقوقي/العدد 48/نهضة الأمم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 48/نهضة الأمم

مجلة البيان للبرقوقي - العدد 48
نهضة الأمم
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 5 - 1919


تحت هذا العنوان ننشر أبحاثاً مستفيضة من الحين إلى الحين عن الشعوب الصغيرة التي كانت تعيش في زوايا الخمول، وضحية العزلة والسكون، ثم نهضت اليوم على الصوت الذي تردد في جميع أنحاء الأرض داعياً الدنيا إلى وئام عام، وسلام أبدي مقيم، وتحرير الشعوب الصغيرة، ومنح كل ذي من الأمم حقه غير مغبون فيه، أو مصروف عنه.

ونحن الآن نبدأ بنهضة شعب غريب لم نكن نعرفه من قبل ولم نسمع بخبره وهو شعب اليوجوسلاف، الذي من أجله وقعت المشكلة السياسية الكبرى في مؤتمر السلام على أثر حادثة فيوم والمطالبة بها، ولا يزال الخلاف قائماً.

شعب اليوجوسلاف

أو سلاف الجنوب

يسأل الناس ما تلكم ولايات اليوجوسلاف وأمة اليوجوسلاف التي لا تزال في طور التكوين في أوروبا الوسطى، وما هي الشعوب وما هي المملكة التي تتألف منها، وما مستقبلها في العالم وما مكانها من الدنيا في قادمة السنين وأخيراً ما منشأ هذا الخلاف الذي حمي وطيسه بين هذا الشعب الذي لا يزال في دور الطفولة وبين أمة الطليان حتى أرسل سحابة مظلمة كثيفة على سماء مؤتمر الصلح.

تلك هي الأسئلة التي تدور الآن على الشفاه. ونحن عليها مجيبون ولها شارحون في السطور الآتية:

نبدأ أولاً بشرح معنى لفظة اليوجوسلاف التي ولا ريب أدهشت مسامع القراء لغرابة تركيبها ووقعها في الأذن، فنقول أن هذه اللفظة معناها في اللغات السلافبة سلاف الجنوب أي الشعوب السلافية التي تقطن جنوب أوروبا تمييزاً لها عن سلاف الشمال من أجناس التشيك والسلوفاك والبولونيين والروس.

وسلاف الجنوب يبلغون نحواً من اثني عشر مليون نسمة، وهم منتشرون في الركن الغربي لشبه جزيرة البلقان وفي الحد الشرقي لسلسلة جبال الألب والحد الجنوبي لحوض نهر الدانوب (الطونة) ويحدها من ناحية الغرب بحر الإدرياتيك ومن الجنوب خط يلتقي بتخوم الجبل الأسود مما يلي سالونيك ثم من الشرق بمضيق يلتقي بجبال الفرداو الذي ينسرب في نهر الطونة من سهو المجر إلى سهولة مملكة رومانيا ثم أخيراً من الشمال القمم الأخيرة لجبال الألب ونهر الدراف، ذلكم النهر القوي الفضفاض الذي ينصب في نهر الطونة.

هذه هي حدود اليوجسلافيا على وجه التقريب، ونحن إنما نقول على التقريب لأن هذه الأمم والأجناس في أغلب المواقع تتعدى هذه الحدود، كما هي الحال في سفح جبل ترانسلفانيا، إذ يتنازعون ثمت الحق في تمسفار مع أهل رومانيا على حين ترى سواحل الأدرياتيك آهلة بخلق كثير منهم يعيشون تحت نير الطليان، وأنت تعلم أن سكان شبه جزيرة البلقان ما يفتأون على كر الأدهار ممتزحين بعض ببعض متداخلين، حتى لتجد في أغلب الأحايين الولايات متنازعة بين دولتين، بحق الرابطة اللغوية من ناحية، وبحق الرابطة الجنسية من الأخرى، وأحياناً تجد أمماً متعددة تطالب بالأحقية في ولايات آهلة بسكان مختلفي الأجناس والنحل واللغات، وكل يطالب بها، ويؤيد حقه بتقديم إحصاءات يراد به أن يبين أن الأغلبية من أهلها تنتسب له، ومن هذا ندرك أن من الصعب تحديد الحدود التي يقطن فيها جنس من الأجناس البلقانية.

ولم يظفر بالاستقلال من بين سلاف الجنوب قبل نشوب الحرب إلا الشعب الصربي وشعب الجبل الأسود، وظلت الأجناس الباقية تحت نير النمسا والمجر، فلما انحلت الإمبراطورية النمسوية، وتخلصت هذه الشعوب من ذلكم النير، أرادت تلكم الشعوب أن تؤلف منها جميعاً أمة يطلق عليها أمة اليوجسلاف وهذه الأمة ستتصل بأمة التشيل والسلوفاك من ناحية جنوب الطونة، وستتألف وحدتها من جزء من النمسا والمجر ومن ولايات استيريا وكازنتيا وكارمنيول وكرواتيا وسلوفونيا ودلماسيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود.

ولكي يتجلى لك مستقبل الخريطة الأوروبية السياسية من جراء هذا التنقيح الذي يراد أن يتم اليوم ينبغي أن نذلل لك سبيل المقارنة، فنقول أن صربيا في عام 18904 كانت مساحتها ضعف مساحة سويسرا، وكان سكانها يبلغون أربعة ملايين ونصفاً، ولكن اليوجسلافيا ستحتوي نيفاً واثني عشر مليوناً أي نحواً من نصف سكان فرنسا.

وهذا الجنس السلافي يشتمل على ثلاث قبائل، ففي جبال الألب - أي من ناحية الشمال تجد قبائل (السلوفين) وفي السهول - بين نهري الدراف والساف وكذلك في دلماسيا، ترى القبائل الكرواتية ثم الصربيين في الصرب والبوسنة والهرسمك والجبل الأسود، فأما السلوفيين فيتكلمون رطانة خاصة بهم وحدهم، وأما الكرواتيون والصربيون فلهم لسان واحد، ورطانة مشتركة، على حين أن الأولين يكتبون الحروف اللاتينية، وأما الآخرون فيكتبون اللغة الروسية، وأضف إلى هذا أن السلوفيين والكرواتيين يتبعون الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بينا ترى الصرب ينتسبون على الكنيسة الرومية أو (اليونانية) وفي البوسنة والهرسك نحو نصف مليون من المسلمين، وإذا كان هذا هكذا فلا غرو أن تجد هؤلاء الشعوب على انقسام واختلاف وشحناء، ولا عجب أن يتنبأ السياسيون الكبار بالصعوبة الكبرى التي ستعترض توحيد هذه الأجناس وتليف أمة واحدة منها.

واعلم أن مملكة اليوجوسلاف من ناحية الجمال الطبيعي تعد من أجمل ممالك أوروبا، وأنضرها طبيعة وفتنة، ففي كرواتيا شمالاً ترى نهاية جبل الألب العجيبة وقممها المغطاة بالثلوج، وهذه الجبال ليست متناهية في السمو والاستطالة ولكنها متوسطة الارتفاع، تفرع خلالها الغابات الرائعة، والمراعي الفخمة، وتنسرب فيها الجداول النميرة تحت نور الشمس الوسطى المشرقة الساطعة، ثم من ناحية الجنوب ترى تلك الجبال منحدرة متدانية حتى تصبح سهولاً شاسعة، تتخللها الهاويات السحيقة، والوديان البطحاء العميقة، وقد شبه الشعراء تلك القطعة الجميلة البيضاء من الأرض بقطعة من القمر سقطت على الكوكب الأرضي، حتى لقد سماها بعض الناس أرض العرب.

ولا ترى لهؤلاء القوم أية صناعة هامة، ولا تراهم تعملون أو يشتغلون في أية حرف طيبة، ولا أهمية لتلك البلاد غلا من ناحية أنها الصلة بين الدول، والطريق الساربة إلى بلغراد والقسطنطينية وستكون تلك المملكة الطريق العظيم بين أوروبا الغربية وساحل البوسفور، ومن الآن بدلاً من أن ينفذ قطار إكسبريس الشرق من جنوب ألمانيا فالنمسا فالمجر، سينطلق القطار من نفق سمبلون إلى ميلان فالبندقية، ثم يشق تلك الأرض فيبلغ بلغراد ومنها إلى الأستانة.

والآن لنبحث في منشأ الخلاف الذي وقع فيه اليوجسلاف والشعب الطلياني فنقول أن إيطاليا تطالب بولاية استريا وثغر فيوم وجزء من دلماسيا، على حين تريد اليوجسلاف أن تحتفظ بتلك المواقع والولايات، وهذا الخلاف خطير، والمشكلة صعبة ودقيقة، لأن في الظفر بتلك البلدان الظفر بالإشراف على الإدرياتيك، وأنت ترى إذا ألقيت البصر إلى المصور الجغرافي، أن الأدرياتيك أشبه شيء ببحيرة مستطيلة الشكل تفصل إيطاليا عن البلقان ولا مخرج لها إلى البحر الأبيض المتوسط إلا من مضيق صغير، أي من كعب الحذاء الطلياني، (لأن إيطاليا أشبه بحذاء وذلك المضيق الكعب منه) إلى سواحل ألبانيا، حيث قناة أوترونتو، إذ يبلغ اتساعه نحواً من تسعين كيلومتراً، ومن هذا تدرك أن هذا البحر ليس إلا حوضاً مغلقاً، والاحتفاظ به وملكية السلطان عليه قد يسوق إلى نتائج سياسية خطيرة هي اليوم باعث الخلاف ومشكلة المشاكل.

ثم إذا تدبرنا الموضوع من وجهة أخرى، ألفينا السهول التي تمتد إلى تلك السواحل تقوم سوراً منيعاً يحجز الأرض الواقعة وراءها، ولا يوجد بين المملكتين إلا ممرات ومخارج نادرة قليلة، ثم لا تنس أن فينيسيا أو مدينة البندقية منذ القرون الغابرة كانت مركزاً عظيماً، وكانت في القرون الوسطى أول مدينة في التجارة وأهم ثغر في الغرب بأسره وبحكم الطبيعة استطاعت أن تلقي سلطانها على البلاد المقابلة لها في الشاطئ الآخر ففتحت في القرن العاشر من البلاد دلماسيا واستريا وكرواتيا، واستوطن أهلها بها زمناً طويلاً وبقيت جزءاً من الجمهورية الفنيسية حتى معاهدة كامبيو فورميو عام 1797، ومن هذا ترى أن هذه الأودية البحرية ظلت فينيسية الشكل لاتينية الشخصية وأن الزائر لها لا يشعر بانه قد غادر إيطاليا أو انحدر عنها إلى أرض أجنبية، ففي مدينة بولا وفي فيوم وفي إسبالاتو، لا يزال السائح يشهد آثاراً رومانية تدل على النفوذ الذي كان لإيطاليا في تلك البلاد، ونحن بصرف النظر عن تريستا التي لم يقم حولها شيء من الخلاف، نقول أن جميع موانئ أستريا وكرواتيا ودلماسيا لا تزال مستعمرات إيطالية كبرى وإن كانت آهلة باليوجسلاف، ثم لا تنس كذلك أن اللغة الإيطالية هي لغة الإدرياتيك وهي لها الحق في أن تعم جميع سواحل ذلك البحر، على أن إيطاليا لم تطالب إلا ببعض أقسام من السواحل الشرقية للأدرياتيك وأبقت لليوجوسلاف طائفة من المرافئ الخطيرة الطيبة، وأنت تعلم أن الطليان يقيمون مطالبهم على حجج كثيرة لها علاقة بالنظام الحربي وبواعث الحماية الأهلية، التي أظهرت الحرب الحاضرة خطورتها الكبرى، وهذه الحجج تتلخص في أن السواحل الشرقية معرضة لاستخدام الأعداء لها، وفي هذا البلاء على إيطاليا، ولا يزال موقف إيطاليا حيال الساحل الشرقي موقف إنكلترا حيال أنفرس في بلجيكا، إذ يقول فيه نابليون أن من يقبض على ساحل دلماسيا كالقابض على مسدس مصوب إلى قلب إيطاليا.