عبقرية محمد (1941)/العابد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
العابد
المؤلف: عباس العقاد


[135]

العابد


الطبائع الأربع

طبيعة العبادة ، وطبيعة التفكير ، وطبيعة التعبير الجميل ، وطبيعة العمل والحركة هذه طبائع أربع تتفرق في الناس ، وقلما تجتمع في انسان واحد على قوة واحدة ، فاذا اجتمعت معا فواحدة منهن تغلبه سائر هن لا محالة ، وتلحق الأخريات بها في القوة والدرجة على 9 شيء من التفاوت تدعو 9

طبيعة العبادة : تدعونا إلى الاتصال بأسرار الكون للمعاطفة والتألف بيننا وبينها : تدعونا إلى الحلول من الكون في أسرة كبيرة وطبيعة التفكير : تثير في نفوسنا ملكات الكشف والاستقصاء: نا الى الحلول من الكون في معمل كبير وطبيعة التعبير الجميل : تشب النار المقدسة في سرائرنا ، فتصهر معادن الجمال من هذه الدنيا وتفرغها في قوالب حسناء من صنع قرائحنا (۱) و ألسنتنا ، أو صنع قرائحنا وأيدينا ، أو صنع قرائحنا و أوصالنا (۲) ، تدعونا إلى الحلول من الكون في متحف كبير - و طبيعة العمل و الحركة : تعلمنا كيف تتأثر بدوافع الكون ، و كيف نؤثر فيها، وتجذ بنا اليها فتستمد منها القدرة التي تجد بها الينا : تدعونا إلى الحلول من الكون في ميدان مصراع ، ومضمار (۳) سباق و قلما تشعر بالكون بيتا لأسرة ، ومعملا لباحث ، ومتحف فن ، ومضمار سباق في وقت واحد . انما حالة من هذه الحالات تجب (4) سائر الحالات ، وقد تلحقها بها الحاق التابع بالمتبوع، والمساعد بالعامل الأصيل • ا- القريحة : اول كل شيء، وملك ، طبعك - مفاصلان - غاية ا الفرس في السباق 4 - الجب : القطع . . ۱۳۵ [136]6 محمد بن عبد الله كانت فيه هذه الطبائع جميعا على نحو ظاهر في كل طبيعة : كان عابدا ، ومفكرا، وقائلا بليغا ، و عاملا يغير الدنيا بعمله ، ولكنه عليه السلام كان عابدا قبل كل شيء، ومن أجل العبادة قبل كل شيء كان تفكيره وقوله وعمله ، وكل سجية (۱) فيه . تهيأ للعبادة بميراثه و نشأته وتكوينه . فولد في بيت السدانة (۲) والتقوى ، وتقدمه آباء يؤمنون و یوفون بايمانهم ، و يعتقدون ويخلصون فيما اعتقدوه ونشأ يتيما من طفولته ، فانطوى على نفسه، وتعود التأمل والجد والعزوف عن عبث الصغار ، والنظر إلى ما حوله بمين الناقد المترفع عن الدنايا، الجانح (۳) الى الطهر واستقامة الضمير و تكون في بنيته عابدا من صباه قيل : انه في الثانية أو الثالثة من عمره قد أدركته حالة يختلف شراح التاريخ في تفسيرها ، و پر و بها من سمعوا بها على روایات مختلفات لا ندري ما هو الواقع الصحيح منها ، ويتعجل بعض المؤرخين الأوربيين فيحسبها ضربا من الصرع على غير سند علمي أو تاريخي محقق يستند اليه كل ما يمكن أن نجزم به من هذه الحالة أو من غيرها أن محمدا قد تكون ليلتقي الوحي الإلهي ، وان لهذا التكوين استعدادا لا بد أن يلحظ من أوائل صباه ، لأن البنية الحية لن تتهيأ له في أيام ولا في شهر ولا في سنوات ، ولن تستطيعه الا إذا تمت أهبتها له والمولود في صلب أبيه ، ولا تقول في المهد او في الرضاع ، فمن الأقوال المتواترة : أنه كان عليه السلام اذا نزل عليه الوحي نكس رأسه ، و كرب لذلك و تر بد (4) وجهه ، و أخذته البرحاء (2) حتى انه ليتحدر منه مثل الجمان في اليوم الشاتي ، و سميع عند وجهه كدوي النحل ، وقد يصدع (۹) فيغلف رأسه بالحناء وقد شاب فقال : «شيبتني هود وأخواتهاه وعدد حين سئل عن أخواتها سورا أخرى من القرآن الكريم < ا- طبيعة - خدمة الكعبة ۳ - اي المائل - اغبر و - برج به الأمر تجريها : اي جهده 1 - يصيبه الصداع • [137]6 وليس هذا من خليقة كل بنية انسانية ، انما هو خليقة البنية التي تتلقى وحيا ، وتستوعب سرا، وتهتز لنبا عظيم • صفة العابد وكانت أوصافه في غير حالة الوحي توافق الاستعداد الذي يرشحه لتلقي الوحي والنبوة، فكان حسا كله، وحياة كله - پیراه من ينظر اليه فيرى فؤادا يقظا يتنبه لكل خالجة نفسية ، وكل نبأة خفية - يسرع في مشيته و يلتفت فیلتفت بكل جسمه ، ويشير فيشير بكل كفه ، و يفكر فلا يزال يطرق الى الارض، أو يرفع بصره الى السماء، ويدعو فيرفع يديه حتى يرى بياض ابطيه ، ويغضب فتحمر عيناه ووجنتاه (۱)، و يمتليء عرق جبينه و ينام وقلبه يقظ لا ينام : حس مرهف يدني اليه ما وراء الحجاب، و يوقظ سريرته الأخفى البواطن ، و يجعله أبدا في حالة قريبة من حالة الوحي حیشما هبط الوحي عليه هذه صفة عابد يفكر ويعبر ويعمل، وليست بصفة عابد ينقطع للعبادة أو ينقطع للتفكير ، أو يعمل كما يعمل بعض النساء (۲) الذين هزلت بنيتهم الجسدية فلم يبق لهم الا عکسوف (۳) الصومعة (4) ، أو رحلة الزهادة كانت عبادة محمد خلوا بالنفس إلى حين ، أو عجبا من بدائع الكون التي ألفها الناس، لأنهم لم يوهب لهم في أبصارهم و بصائرهم تلك النظرة الجديدة التي ترى كل شيء كأنه في خلق جدید ما أعظم دهشة الناظر أن يرى الشمس قد خلقت اليوم أمام عينيه دهشة لا تعدلها دهشة و هي هي دهشة العين التي أبت أن تكل (5) من الالفة ، لأنها أبدا في نظر جديد ، أو في نظر الى كل منظور كأنه مخلوق جديد - و هكذا كانت عبادة محمد عليه السلام: عجب من بدائع الكون في كل نظرة كأنه يراها لأول مرة، وتفكير في الخلق ينتهي الى الايمان لأنه يبدأ بالعجب ، ولا يزال أبدا بين العجب والايمان . - ما ارتفع من فديه - العباد ۲- عكف : عبد يع - بيت عبادة للنصاری ه - كله : أعياه ۱۳۷ [138]- وأن محمدا باعث الايمان إلى القلوب. لقد كان يجدد ایمانه كما يجدد عجبه كل يوم و كان يدعو الله فيقول: « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ۰ ۰ و قيل له في ذلك فقال: «انه ليس آدمی الا وقلية بين اصبعين من أصابع الله ، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ» حركة متجددة في الحسو في الفكر وفي الضمير فلا انقطاع عن الحس للعبادة كل الانقطاع ولا انقطاع عن الحس للتفكير كل الانقطاع وانما هو تفكير من ينتظره العمل ، وليس بتفكير من رك العمل ليوغل (۱) في الفروض و مذاهب الاحتمال والتشكيك : ثلث أيامه لربه و ثلثها لأهله ، و ثلثها لنفسه ، وما كان في فراغه لنفسه ولا لأهله شيء يخرجه من معنى عبادة الله، والاتصال بالله، على نحو من التعميم : < 9 < بهره الجمال من صباه: جمال الشمس والقمر والنهار والليل والروض والصحراء ، و جمال الوجوه التي يلمح عليها الحسن فيطلب عندها الخير - انما هو الخير على كل حال ما قد طلب من الجمال . وانما جمال الله هو الذي قد كان يدعوه اليه ، كلما نظر إلى خلق جميل . فكر في الخلق فآمن بالخالق ، واستقر هنالك لا يتقدم ولا يتأخر . فقال : «ان الشيطان يأتي أحدكم فيقول : من خلق السماء؟ فيقول : الله ، فيقول: من خلق الأرض ؟ فيقول : الله - فيقول: من خلق الله؟ فاذا وجد ذلك أحدكم فليقل : آمنت بالله ورسوله » تلك هي نهاية التفكير التي ينتهي اليها عقل مستقيم خلق العبادة عامل ، وتعليم الناس عبادة وعملا، ولم يخلق ليوغل في الفروض ، ويتقلب بين الشكوك وانا لنسأل مع هذا: إلى أين انتهى المفكرون الذين أو غنوا في شکو کهم وتطرحوا (۲) بها الى قصوى (۳) ما تفرضه الفروض ؟ = ه أ. کد خل في الارض : انا مار فيها وابعد 1- ای کاموا ولهموا ۲ - ابعد . ۱۳۸ [139]9 6 الى اين انتهى كانت» Kam أمام المفكرين في هذا الباب بين فلاسفة العصر الحديث ، إن لم نقل الحديث والقديم ؟ انتهى إلى أن النفس نفسان ، والوجود وجودان : نفس حسية ونفس حقيقية ، ووجود محسوس ووجود حق هو ذات الوجود • النفس الحقيقية تدرك الوجود الحقيقي عندما ترجع إلى قرارها ، ثم لا تتخطى بادراها عالم الباطن إلى عالم المحسوسات التي يتناولها التعبير وتصدير الكلام أليس معنى هذا أن ايمان النفس الباطنة أمر لا يتعلق بالبرهان ؟ و أن المرجع غاية المرجع انما هو الايمان ولا شيء غير الايمان ؟ بل حتى البرهان الأكبر على وجود الله نعود اليه الغساله ونسمع منه فماذا يقول؟ يقول لنا : ان العدم معدوم ، فالوجود اذن موجود ، وانك اذا آمنت بالوجود فلا مناص لك من الايمان به في صفته المثلى ، لأنك تحتاج إلى مقتض لفرض النقص ، ولا تحتاج الى مقتض الفرض الكمال في وجود لا يتطرق اليه العدم وما الفارق بين الايمان بالله ، والايمان بالوجود في میفته المثلي ؟ هنا ينتهي الايفال في الفروض والشكوك وهناك انتهى الإيمان ، بغير ايغال في فروض ولا شكوك • ألا تتلاقى النهایتان؟ • . او لا تضل الفروض والشكوك حيث تضل ، ثم لا يخطو لها قدما وراء خطر الايمان ؟ لهذه السنة التي استنها النبي عليه السلام في عبادته الروحية کثرت وصاياه بادمان التفكير في خلق الله ، واجتناب التفكير في ذات الله . فقال في حديث : « تفكروا في آلاء (1) الله ، ولا تفكروا » وقال في هذا المعنى : « تفكروا في خلق الله ، ولا تفكروا في الله فتهلكوا ، وقال في حديث قدسي :« کنت کنزا مخفيا فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق فعرفت » أو كما جاء في رواية: « فخلقت الخلق ، فبي عرفوني » 6 5 ا- اي نعمة ۱۳۹ [140]طريق الوصول وخلاصة هذه الأحاديث وما في معناها : أن التفكير في حقائق الوجود و هو طريق الوصول الى الله ، ولا طريق غيره للحواس ولا للعقل ولا للبديهة : ايه ان بالوجود الابدي في صفته المثلى ، و تفكير في حقائق الوجود کما نراها و نحسها و نعقلها ، و ذلك قصاری(۱) ما عند العقيدة ، وقصارى ما عند الفلسفة ، وقصاری با عند العلم إذ يقف العلم وهذا هو العلم الذي فرضه الاسلام على كل مسلم ومسلمة ، وقال النبي في رواية ابن عباس : وأنه أفضل من الصلاة والصيام والحج والجهاد في سبيل الله ، لأنه سبيل الوصول الى الله عن حله ) t ومن الواجب أن نذكر بعد هذا جميعه أن محمدا نبي ، وأن النبي يعلم جميع الناس الإيمان ، و تلك سبيل جميع الناس فيما يفتح لهم من أبواب التفكير و أبواب الاعتقاد، فهم يضلون في تيه الشكوك والمناقضات التي يتعمق فيها الفلاسفة والمنطقيون ، ولا يبلغون الى هداية أقوم وأسلم من هداية الايمان بالخالق والتفكير في الخليقة (۲) ، فأما هذه الهداية ، وأما الضلال الذي لا هداية وراءه ، وليس لنبي أن يحجب طريق الهداية ويفتح طريق الضلال • وقد تكلمنا في هذا الفعل عن روح العبادة أو عن فطرة العابد التي توحي اليه « عبادته الروحية » أما عبادة الشعائر الظاهرة : فهي عبادة الاسلام كما فرضت على جميع المسلمين : يصلي النبي ويصوم ويحج ويؤدي الزكاة على الشريعة التي يتبعها كل مسلم ، وقد يطلب الى نفسه في هذه العبادات ما ليس يطلبه إلى غيره ، على سنة السماحة والتيسير التي أثرت عنه في كل عمل من أعماله و كل سجية (۳) من سجاياه • ا- اي غاية - المخلوقات ۳ - السجية : الخلق والطبيعة . [141]6 , فكان أخف الناس صلاة على الناس ، وأطول الناس صلاة لنفسه ، وربما قام الليل أكثره أو أقله ، ولا يدين (۱) أحدا بالتهجد، كما كان يتهجله ، أو بالصلاة والصيام كما كان يصلي ويصوم ، بل قد نهى الناس أن يشتدوا في العبادة فيصبحوا كالمنبت (۲) «لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى • لأن الناس جميعا يتلقون الأمر بالعبادة ، كما يتلقون الامر بفريضة واجبة ، فهم في حاجة إلى الرفق والتيسير أما النفس المفطورة (۳) على العبادة فالصلاة عندها، مناجاة حب وفرحة لقاء ، ومطاوعة لميل الضمير وميل الجوارح على السواء 6 a $ 2 وكان محمد « اذا حزبه (۶) امر صلی » - كذلك اذا حزب الأمر نفسا ، رجعت الى من تحب ، فخف وقرها (5) ، وانفرج كربها ، وانست بعد وحشة ، واهتدت بعد حيرة ومتى وجدت النفس « فرحة اللقاء » في الصلاة ، فلا اجهاد فيها لجسد ولا تضييق فيها لوقت ، بل فيها الترويح عن الجهد ، والتنفيس عن الضيق ، ولا سيما اذا كانت النفس من سعة الأفق بحيث تحيي ما تحيي من ليلها ونهارها في الصلاة والعبادة ثم تؤدي عملها ، وتفكر تفكيرها ، ولا يحسب أحد يعرفها أنها تنقطع بالصلاة والعبادة عن حق من حقوق

أو عن حق

من حقوق بني الانسان ا . أي يجازي ، والمراد : يطالب 2- الذي املك راحلته من الجد في السير ، فانقطع في وسط الطريی ۲ - المجبولة والمطبوعة - تابه واشتد عليه و- حملها •