عبقرية محمد (1941)/الرجل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
الرجل
المؤلف: عباس العقاد


[142]

الرجل


المختار عاش في العصور الماضية كثير من العظماء الذين تواترت (۱) الأنباء بأوصافهم السماعية ، و أوصافهم المرسومة في المور والتماثيل ، غير أننا لا نعرف أحدا من هؤل العظماء تمت صورته السماعية أو المنقولة كما تمت صورة محمد عليه السلام من رواية أصحابه ومعاصریه ، فنحن نعرفه بالوصف خيرا من معرفتنا لبعض المخلدين بصورهم وتماثيلهم التي نقلت عنهم نقل الحكاية و المطابقة ، لأن هذه الصور والتماثيل قد تحكي للناظرين ملامح أصحابها ومعارفهم الظاهرة ، وقد تعكي للمتفرسين شيئا من طبائعهم التي تنم (۲) عليها سيماهم ، الا أنها لا تحفظهم لنا كما حفظت الروايات المتواترة أوصاف النبي في كل حالة من حالاته ، وكل لمحة من لمحاته : في سياه وفي هندامه ، وفي شرابه و طعامه ، وصلاته وصيامه ، وحله ومقامه و سکوته وكلامه ، لأن الذين وصفوه وأحبوه وأحبوا أن يقتدوا به فتحرجوا في وصفه كما يتحرج المرء في الاقتداء بصفات النجاة والأخذ بأسباب السلامة ، فكانت أمانة الوصف هنا مزيجا (۳) من العطف والتدين ، وضربا من اتباع السنن وقضاء الفروض، لم يختلف الوصف مرة الا كما تختلف نظرة الناظر إلى وجه واحده بين ساعة وأخرى . فيقول غير ما قال أنفسا (۶) ثم لا يبدو التناقض ولا قصد التحريف بين القولين وخلاصة المحفوظ من الروايات المتواترة : أن النبي ، عليه السلام كان مثلا نادرا لجمال الرجولة العربية ، كان كشانه في شمائله مستوفيا للصفة من جميع نواحيها ، فرب رجل وسيم غير محبوب ، ورب رجل وسيم محبوب غير مهيب ، وربا رجل وسيم يحبه الناس و بها يو نه وهو لا يحب الناس، ولا يعلف 6 9 ا- أي تتابعت ۴- المراد : تكشف وتدل ۴- خليطا - اي معابقا • [143]عليهم ، ولا يبادلهم الولاء والوفاء، أما محمد عليه السلام فقد استونی شمائل الوسامة والمحبة والمهابة والعطف على الناس فكان على ما يختاره واصفره ومحبوه، و كان نعم المسمى بالمختار • اذا نظر إليه الناظر رأى رجلا أزهر (۱) اللون، عظيم الهامة (۲) مفاض (۳) الجبين ، سبط (4) الشعر ، ازج (2) الحاجبين بينهما عرق يدره الغضب، ادعج (1) العينين في كحل ، أقنى (۷) الأنف يحسبه من لم يتأمله أشم (۸) العرنين ، أسيل الخد ، ضليع (۹) الفم، غزير (۱۰) اللحية ، جميل الجيد (۱۱)، عريض الصدر، واسع ما بين المنكبين ضخم الكراديس (۱۲)، طويل الزندين (۱۳)، رحب الراحة، شئن الكفين والقدمين ، لا بالمشذب ولا بالقصير ، مر بوعا أو أطول من المربوع، معتدل الخلق متماسكا لا بالبدين ولا بالنحيل واذا أقبل يتحرك نظر اليه الناظر فرأى رجلا يصفه الأقدمون بأنه القلب » ويصفه المحدثون « بالحركة الحيوية • يمشي فكأنما ينحدر من جبل وينحط من صبب ، و يرفع قدمه فيرفعها تقلعا كأنما ينشط بجملة جسمه، ويلتفت فيلتفت كله ويشير فيشير بكفه كلها، ويتحدث فيقارب يده اليمنى من اليسرى ويضرب با بهام اليمني وراحة اليسرى، ويفتع الكلام بأشداقه ويختمه بأشداقه ، وربما حرك رأسه وعض شفته في أثناء كلامه وهو على هذه الحركة الحية جم الحياء: أشد حياء من العذراء ، نفاح المحيا، اذا كره شيئا عرف ذلك في وجهه واذا و رضي تطلقت أساريره .. وتبين رضاه واقترن النشاط والحياء بالقوة والمضاء في هذه البنية الجميلة فكان عليه السلام يصرع الرجل القوي ، ويركب الفرس عاريا فيروضه على السير ، و يداعب من يحب بالمسابقة في العدو . قالت رضي الله عنها: «خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ، فقال صلى الله عليه وسلم للناس : تقدموا ! فتقدموا . ثم قال : تعالي حتى اسابقك فسابقته فسبقته ، فسكت . 4 ا- ابيض مشرق الوجه - الراس ۳- واسع ومستوي - همسترسل غير جعد - الزجج : دقة وطول في الحاجبين - وامع العينين أسودها ۷ محدود ۸ - الشهم ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء اعلاه ۹ - اول الانف هما پلي الفم ۲۰ - كتير شعرها ۱۱ - العنق ۱۴ - كل عظمين التقيا في مفصل از سه الزند : موصل طرفه الذراع في الكف [144]« حتى اذا حملت اللحم ، وكنا في سفرة أخرى قال صلى الله عليه و سلم للناس : تقدموا ! فتقدموا ثم قال تعالي اسابقك، فسابقته فسبقني فجعل صلی الله عليه وسلم يضحك ويقول : هذه بتلك ! » ۰ وهذا بعد أن قارب الستين - انها المسابقة تنم على فتوة (1) الروح فوق ما نمت عليه من فترة الأوصال و تجلت هذه الأريحية (۲) في علاقته بكل انسان من خاصة أهله أو من عامة صحبه . فرقته حاشية جده حتی عطفت على كل أسي ، ورحمت كل ضعف ، وامتزجت بكل شعور • مالك الله عنه : « دخل النبي عليه السلام على أمي فوجد أخي أبا عمير حزينا، فقال: يا أم سليم ! ما بال قال أنس بن رضي ابي عم حزينا ؟ 4 6 فقالت : يا رسول الله مات نغيره * تعني طيرا كان يلعب به فقال صلى الله عليه وسلم : أبا عمير ! ۰۰ما فعل النغير ؟ وكان كلما رآه قال له ذلك » وهذه قصة صغيرة تفيض بالعطف والمروءة من حيشما نظرت اليها ، فالسيد يزور خادمه في بيته ، و يسأل أمه عن حزن أخيه، ويواسيه في موت طائر ، ولا يزال يرحم ذكراه كلما رآه ومثل هذا : عطفه على الضعف البشري في رجل مثل عبد الله الخمار الذي لقب بهذا اللقب لما اشتهر به من السكر والدعابة فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحده في العمر ولا يتمالك أن يضحك منه • قبول للدعابة وكان نعیمان بن عمرو أشهر الأنصار بالدعابة ، لا يقيل منها أحدا ولا يراه النبي فيتمالك أن يبتسم ، وربما قصد النبي ببعض هذه الدعابات لطمعه في حلمه و علمه بموقع الفكاهة من نفسه : جاء أعرابي إلى رسول الله ، فدخل المسجد وأناخ راحلته بفنائه ، فقال بعض الصحابة لنعيمان : و لو نحرتها فأكلناها ؟ فانا قد قرمنا (۳) الى اللحم ، ويقوم النبي صلى الله عليه وسلم حقها ، فنحرها نعيمان ، وخرج الأعرابي فرای راحلته فصاح : ا. أي قوة 2- سعة الخلق ۲- اشتهيناه واشتقنا اليه 6 6 [145]

علي يا رسول الله هم رسول الله و فقال لهم د واعتراه یا محمد ! ۰۰» فخرج النبي يسال : « من فعل هذا ؟ قالوا : «نعیمان» ۰ ۰ فاتبعه النبي حتى وجده بدار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد اختفى في خندق وجعل عليه الجريد : فأشار اليه رجل ورفع صوته : «ما رأيته يا رسول الله، وهو بشیر باصبعه إلى حيث هو ، فأخرجه رسول الله وقد تعفر وجهه بالتراب فقال : «ما حملك على ما صنعت؟» قال : والذين دلوك الذين أمروني ! » فجعل ره عن وجهه التراب ويضحك ، ثم غرم ثمن الراحلة ونعيمان هذا هو الذي باع عاملا لأبي بكر الصديق وهو يعلم أن النبأ وصل إلى النبي لا محالة سافر أبو بكر الى بصری تاجرا ومعه نعیمان و سويط بن حرملة عامله علی زاده ، فجاءه نعیمان ، وطلب اليه طعاما قاباه عليه حتى يأتي أبو بكر ، فأقسم نعیمان ليغيظنه ، وذهب الى قوم

« تشترون مني عبدا لي ؟ قالوا : « نعم ! و قال :

« انه عبد له كلام ، و هو قائل لكم : لست بعبده • أنا رجل حر فان كان اذا قال لكم هذا تركتموه فلا تشتروه ولا تفسدوا علي عبدي ۰۰ » قالوا : «لا بل نشتريه ولا ننظر في قوله ، فاشتروه منه بشر قلائص (۱)، ثم أداهم اياه فوضعوا عمامته في عنقه ، ولم يحفلوا بقوله ، وجعلوا كلما قال لهم : « أنا !انه يتهزا ولست أنا بعبده » سخروا منه وقالوا : بل عرفنا خبرك فدع عنك اللجاجة (۲)۰۰ فلما جاء أبو بكر سال عنه ، فقص عليه نعيمان قصته ، وذهبوا جميعا ليلحقوا بالقوم قیفتدوه ويعبدوه . ثم قدموا على رسول الله فضحك من فعلة نعيمان ، و جمل يذكرها حولا كاملا كلما رآه من سعة النفس أن ينهض الرجل بعظائم الأمور ، بل بأعظمها جدا ووقارا : و هو اقامة الأديان ، واصلاح الأمم، وتحويل مجری التاريخ ثم يطيب نفسا للفكاهة ، و يطيب عطفا على المتفكهين ويشركهم فيما يشغلهم من طرائف الفراغ . فلابد صرامة (۳) تستغرق بعض النفوس فلا تتسع لهذا الجانب اللطيف من جوانب الى أشباه ذلك = 6 ا- الاقوص من الإبل : الشابة ، او الباقية على السير ، او اول ما يركب من اثاثها ؟- الخصومة ۳ - حدة وشدة . و۱ [146]الحياة ، ولكن النفوس لا تستغرق هذا الاستغراق الا دلت على شيء من ضيق الحظيرة (۱) و نقص المزايا وان نهضت بالعظيم من الأعمال . فاستراحة محمد الى الفكاهة : هي مقياس تلك الآفاق النفسية الواسعة التي شملت كل ناحية من نواحي العاطفة الانسانية، وهي المقياس الذي يبدي من العظمة ما يبديه الجد في أعظم الأعمال وكان محمد يتفکه و يمزح ، كما كان يستريح الى الفكاهة والمزاح ، و كان دابه (۲) في ذلك كدأبه في جميع مزاياه : يعطي كل مزية حقها، ولا يأخذ لها من حق غيرها، أو يعطي الفكاهة حقها ولا ينقص بذلك من حق الصدق والمروءة . فعبد الله الخمار كان يجد من قلب النبي عطف القلب الكبير على نقيصة (۳) الضعف في الرجل السكير ، ولكنه كان يجد من تأديب النبي جزاء الشارب الذي يخالف الدين ، و يخل تماديه بالشريعة . عطف يجمل بالنبي على أحسن ما يكون ، لأنه يجمل بالانسان على أفضل ما يكون • واذا مزح محمد فانما كان يعطي الرضى والبشاشة حقهما ، ولا يأخذ لهما من حق الصدق والمروعة .. فكان مزاحه آية من آیات النبوة، لأنه كان كذلك آية من آيات الانسانية ، ولم يكن بالنقيض الذي يستغرب من نبي کریم قال لسته صفية : لا تدخل الجنة عجوز !.. فبكت ، فقال لها وهو يضحك : الله تعالى يقول : «انا أنشأناهن انشاء - فجعلناهن . أبكارا • عربا أتراباه .. ففهمت ما اراد و ثابت (4) الى الرضی والرجاء . وطلب اليه بعضهم أن يحمله على بعير ، فوعده أن يحمله علی ولد الناقة ، فقال يا رسول الله ! ما أصنع بولد الناقة ! فقال : و هل تلد الا بل إلا الثوق ؟ وكان عليه السلام يقول لحاضنته السوداء ام ایمن وهي عجوز :« غطي قناعك يا أم أيمن ۱، ۰ وسمعها في يوم حنين تنادي بلكنتها الأعجمية : « سبت الله اقدامكم ! » فلم تنسه الغزوة القائمة أن يصغي اليها ، ويداعبها ا ا- أي القير - عادته وشانه ۳ . عيب - رهست ۱۹ [147]

بين نذر الحرب وصليل (1) السيوف، واقبل عليها يقول : «اسکتی يا أم أيمن فانك عسراء اللسان ! » فكانت هذه الدعابة في ذلك الموقف المرهوب كأنها تربیت (۲) سید الفصحاء على تلك اللكنة البريئة هي نه ويحبهم < وأنه . 4 أريحية محمد هذه الأريحية الفياضة هي الحلية الباطنة التي تمت بها حلية محمد في عيون الناس ، وهي جواب محمد لما كان له في قلوبهم من حب واعظام، أو الأسرة التي تجمع بين قلبه وتلك القلوب في نطاق الأسرة الانسانية : يحبو ، و يشعرون به ويشعر بهم ، وليس قصاري الأمر أنه محبوب وأنه مهیب سمت يقابل العيون بجمال و أريحية تقابل النفوس بجمال وقد سرت هذه الأريحية في صميم طويته ، فامتزجت طواعية وارتجالا بجمیع خصاله وجميع علاقاته بالناس ولا سيما الضعفاء والمكسورين • فكان أحرص انسان على جبر القلوب ، و تطبيبه الخواطر ، وتوخي المؤاساة ، واجتناب الاساءة ، يتفقد أصحابه كبارا وصغارا ويسأل عنهم ، ويتحدث الى ذوي الأقدار ، وعامة الناس ، فلا يحسب صغيرهم أن أحدا أكرم عليه منه ، ويتحدث اليه من شاء فلا يقطع عليه حديثه وان طال، واذا انتهى الى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ومن جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف ، وما أخذ احد بيده فأرسلها حتى يكون الأخذ هو الذي يرسلها ومن سننه التي اتبعها ، وأوصي باتباعها ، أن يجيب دعوة ، ولا يرد دعوة عبد ولا خادم ولا أمة ولا فقير ، وفي ذلك يقول من وصاياه في آداب الولائم والمحافل:« إذا اجتمع الداعيان فأجب أقر بهما بابا ، فان أقر بهما بابا أقر بها جوارا ، وان سبق احدهما فأجب الذي سبق » من دعاه اس آي موتها 2 - الربت : ضرب اليد على جنب الصبي قليلا لينام ؛ [148]يبدا من لقيه بالسلام ويمر بالصبيان فيقرئهم سلامه، وربما خفف صلاته اذا جاءه أحد وهو يصلي ليسأله عن حاجته ويلقاه بالتحية الغضب جهده ، ويعالجه اذا أحسه بعلاج من الروح ، فيقبل على الصلاة والتسبيح ، أو بعلاج من الجسد ، فيجلس اذا كان قائما ، و يضطجع اذا كان جالسا ، ويأبي الحركة التي ينزع اليها وهو غضبان 4 فلم پر < آدا به الاجتماعية وكان في آدا به الاجتماعية قدرة الرجل المهذب في كل زمان تل مادا رجليه بين أصحابه ، وتعود كلما زار أحدا ألا يقوم حتى يستأذنه ، ولم يكن ينفخ في طعام ولا شراب ولا يتنفس في اناء ، واذا أخذه العطاس وضع يده أو ثوبه على فيه ، وربما نهض بالليل فيشوص(۱) فاه بالسواك ، ولا يزال يستاكو يوصي بالاستياك بعد الطعام والتيقظ من النوم ، وكان يتطيب ويتحری النظافة ويقول لصحبه: «اغتسلوا الجمعة ولو كأسا بديناره • وقد تختلف العادات الاجتماعية بين جيل وجيل في شئون عرضية لا تتصل بلباب الذوق والشعور، فيأكلون في جيل بأصابع اليد ، و يأكلون في الجيل الآخر بالشوكة والسكين ، ويخرج أناس بالثياب السود ويخرج غيرهم بالثياب البيض ، وهي عرضيات يقاس بها عرف البيئة ولا يقاس بها تهذيب الطباع ، فلا ضير (۲) على الناس أن تختلف عاداتهم باختلاف بيئاتهم من أمة لأمة ومن جيل لجيل ، وانما الضير فيما يتناول الطبع السليم ، والذوق الحسن ، وهما الخصلتان اللتان كان عليه السلام قدوة فيهما لكل رجل مهذب في كل أمة وفي كل زمان .. فلم يكن يهفو (۳) في حق احد . ولم يكن أحد يشكو من محضره بانصاف ، وذلك هو ملاك التهذيب الكامل في أصدق معانيه صاحب هذا السعت رسول وصاحب هذه الآداب رسول 6 6 . ا. بلطف ۴- ضرر ۳- اي يخطىء ۱۶۸ [149]وخلاصة سنه و آدا به: أنها سماحة في الانظار ، وسماحة في القلوب. فالسماحة، هي الكلمة الواحدة التي تجمع هذه الخصال من أطرافها ، والسماحة هي العفة التي ترقت في محمد الي ذروة (۱) الكمال ومن يكون الرسول ان كان لا بد من تعريف وجيز لعلامات الرسالة ؟ الرسول: هو الذي له وازع من نفسه في الكبير والصغير مما يتعاطاه من معاملات الناس، لأن عمل الرسول الأول أن يقيم للناس وازعا يأمرهم بالحسن ، وينهاهم عن القبيح ويقرر لهم حدودهم التي لا يتخطونها فيما بينهم ، ومن كان هذا عمله الاول فينبغي أن تكون صفته الأولى - بل صفته الكبرى - أن يستفني عن الوازع، و أن يغني الناس عن محاسبته وطلب الحق منه ، وهذه هي السليقة (۲) الشاملة التي سرت في خلائق محمد وامتزجت بجميع أعماله وأقواله ، فلم يحاسبه أحد قط كما حاسب نفسه في رعاية حق الصغير والكبير ، وصيانة الحرمات للعاجز و القدير . هذه علامة رسالة لا علامة أصدق منها ولا أجدر منها بالقبول، لأنها علامة من داخل السريرة .. وليست علامة من خارجها قد تلازم أو تفارق من تعروه (۳) وليس للنوع البشري مقياس صحیح يقاس به محمد ، فيعطيه مرتبة دون مرتبة الحب والتبجيل يعطيه هذه المرتبة. من يدين بالاسلام ، ومن يدين بغير الاسلام ومن ليس له دين من أديان التنزيل فليس للنوع البشري أصل من أصول الفضائل پر مي الي مقصد أسمى وأنبل من تقديم تلك المناقب التي كان محمد قدوة فيها للمقتدين 6 عزيمة الزهد والايمان وليس أولى بالحب والتبجيل ممن يطلب خير الناس ويزهد في نعمة العيش وهي بين يديه فقد ثبت أن محمدا لم يستمتع بدنياه ، ولم يشبع ثلاثة أيام اس اعلاه ا . الطبيعة ۲. تغشاه + [150]< هر من هنا » رحی « تباعا حتى مضى لسبيله ، وقالت عائشة رضي الله عنها : « لقد كنت أبكي رحمة له مما أری به وأمسح بيدي على بطنه مما اری به من الجوع واقول : نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقوتك ، فيقول : « يا عائشة ! مالي وللدنيا اخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما أشد وقالت زوجه أم سلمة تصف ما وجدته في بيته ليلة عرسها : فاذا جرة فيها شيء من شعير ، واذا و برمة وقدر وكعب ، فأخذت ذلك الشعير فطحنته ثم عصدته في البرمة، و أخذت الكسب فادمته ، فكان ذلك طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أهله ليلة عرسه ! » • رآه عمر وقد أثر في جنبه حصير فقال له : « یا رسول الله ! قد أثر في جنبك رمل هذا الحصير، و فارس والروم قد عليهم وهم لا يعبدون الله ، فاستوى جالسا وقال:« أني شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ! • ولقد مات ودرعه مرهوتة ، ولا ميراث لأهله مما ترك من عقار ، وهو قليل أن يقول قائل في قدر هذا الرجل - آمن به او لم يؤمن ؟ ايقول : أنه رسول ، وانه كان يعلم أنه رسول ، فصدع بأمر ربه واحتمل ما احتمل في سبيل طاعته ، وفي سبيل اصلاح خلقه؟ تلك اذن منزلة الأنبياء التي تستوجب مقام أصفياء الله عند من يؤمن بالله ؟ أم ينكر النبوات و يقول : انه رجل أراد الخير وهو لا يعلم أنه رسول و لا أن الله مطالبه برسالته الى خلقه، ولكنه تجرد لهدايتهم في غير مارب (1) يناله ، ولا نعمة ينعم بها، لأنه لا يطيق لهم شرا ، ولا ينتظر في الدنيا ولا الآخرة من جزاء ؟ من قال هذا و غض (۲) من قدر رجل يحب الناس ذلك الحبه ويغار على هدا يتهم تلك الغيرة فهو انسان ممسوخ الضمير.. = ه فما عی اس مقصد وغاية 1- اي اخفي • = 1o. [151]6 & . فمحمد الرجل في المقام الأول بين الرجال : في المقام الأول بخلقته ، وفي المقام الأول بنيته ، وفي المقام الأول بعمله ، وفي المقام الأول بالقياس الى المشبهين له في دعوته ونرى عن يقين أنه لم يحرم نفسه ذلك الحرمان الا استزادة الأسباب الايمان ، وشحذها (۱) للعزيمة في سبيل ذلك الايمان واعذارا الى الله والى الناس فيما تجرد له من اصلاح لأن محمدا لم يكن كارها لطيبات الدنيا ، ولا حاضا (۲) الأحد على كراهتها والاعراض عنها . فاذا قنع بما قنع فعل ذلك ليرتفع بايمانه عن ظنه هو لا عن ظنون غيره كأنه بخشی اذا استوفی محظوظ النعيم الميسرة له أن يحسب تلك الحظوظ غرضا من الأغراض التي نظر اليها حين نظر الى هداية الناس فليكن الايمان اذن هو كل غرض و كل عمل وكل جزاء وتلك راحة ضميره ، ومن وراء راحة ضميره أن يظفر الناس بجهده كله في هدايتهم غير منقوص ولا مظنون اذا هدى الناس ، واستمتع بالعيش ، خشي أن يحسبا 6 من آماله

هي و - واذا هدى الناس و کفی ، كانت الهداية جملة الآمال وغاية الآمال فلينقص حفله من العيش ليكمل حظه وحظ أمته من ایمانه ، وليتم بذلك حسابه لنفسه ، وحسابه عند الله وحسابه بين الناس وما حساب أولئك جميعا ؟ حساب رجل هو وازع نفسه في السر والعلانية ، وهو احق الناس أن يقيم واز عا للناس رجلا ولا کمثله الرجال . ا- اي مضاء؟ - خفه : اي حقه 1 101