عبقرية الامام علي (دار الكتاب العربي 1967)/في بيته
١٠
في بيته
خلاصة رأي الامام في المرأة أنها « شر كلها .. وشر ما فيها انه لا بد منها ، ..
كان يرى لها فضائل خاصة تليق بها غير الفضائل التي تليق بالرجل وتحمد منه .. « فخيار خصال النساء شرار خصال الرجال .. الزهو ، والجبن ، والبخل . .. فاذا كانت المرأة مزهوة لم تمكن من نفسها ، واذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال بعلها ، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء يعرض لها ، . .
والإمام صائر الى رأيه هذا في المرأة من كلنا طريقيه ، وهما طريق الحكيم الذي ينظر اليها على سنة الحكمة القديمة ، وطريق العـابد الذي ينظر إليها على سنة العبادة في جميع العصور .. ولكنه لا رأى الحكيم ولا حس العابد قد حجبه قط عن فطرته الغالبـة عليه ، وهي فطرة الفارس المطبوع في آداب الفروسية ، ومنها التلطف بالمرأة والصفح عن عدوانها .. فما انتقم قط من امرأة لأنها أساءت إليه ، ولا غفـل قط عن 1.111 الوصية بها في موطن يستدعي هذه الوصية . ومن أمثلة وصاياه في هذا . المعنى خطبته بين جنوده قبل لقاء العدو بصفّين، حيث يقول : لا تهيجوا النساء بأذى وان شتمن أعراضكم وسبين أمراءكم، فانهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول، ان كنا لتؤمر بالكف عنهن وانهن المشركات ، وان كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالقهر - أي الحجر - أو الهراوة فيعيّر بها وعقبه من بعده .. وقد كانت ميوله نحو المرأة قوية ، كما يظهر من غير حادث واحد ومن ذاك صبية السبي التي استولى عليها وبنى بها لساعتها ، وجعلها قسمه من الخمس قبل تقسيمه .. فرأى بعض أصحابه في ذلك ما شكوه الى النبي عليه السلام من أجله ، وربما كان هذا سبب تحذيره منها في الغزوات خيفة على الجيش من شواغلها ، فكان يقول لسراياه وجيوشه اذا شيعها : ( أعز بوا عن النساء ما استطعتم » ويوصي في أمثال هذه المواطن باجتنابها . . الا أنه كان يرى على ما يظهر ان امرأة تغني عن سائر النساء ، فلم يعرف له هوى لامرأة خاصة من نسائه غير الهوى الذي اختص به السيدة فاطمة رضي الله عنها كرامة لمنزلتها عنده ومنزلتها عند أبيها ، وهو غير الهوى الذي تبعثه المرأة بمغريات جنسها . كان جالساً في أصحابه ، فمرت بهم امرأة جميلة ، فرماها القوم بأبصارهم .. فقال رضي الله عنه : ( أن أبصار هذه الفحول طوامح، وان ذلك سبب هياجها .. فاذا نظر أحدكم الى امرأة تعجبه قليلاً مس أهله ، فانما هي امرأة كامرأة ) . وعلى الجملة ، يمكن أن يقال أن آراء الامام في المرأة هي خلاصة الحكمة القديمة كلها في شأن النساء . فهن شر لا بد منه باتفاق آراء الأقدمين ، سواء منهم حكماء الهند واليونان أو الحكماء الذين نظروا الى المرأة بعين الدين من أبناء بني اسرائيل وآباء الكنيسة المسيحية وأئمة الاسلام لأنهم كانوا جميعاً يمزجونها بالشهوات التي تثيرها عامدة أو غير عامدة ، ويلقون عليها تبعة الشرور التي تنجم عنها بمكيدتها أو على الرغم منها، ولم تتغير هذه النظرة بعض التغير الا في الأزمنة الحديثة التي نظرت في استقلال التبعات على أساس ( الحرية الشخصية » .. فحاسبت المرأة بما تجنيه ، وأوشكت أن تبالغ في تبرئتها من جناياتها . فمن السهو عن الحقيقة، أن تتخذ آراء الأقدمين دليلاً على نصيبهم من الغبطة او السكينة في حياتهم البيتية لأننا خلقاء أن نحسبهم جميعاً من الأشقياء المعذبين في بيوتهم، وهو ما تاباه البداهة وتأباه أنباء التاريخ عن كثير من الأزواج والزوجات النابهات . وليس من اللازم في حياة الامام خاصة أن يستمد آراءه في المرأة من حياته البيتية . فقد كانت تجاربه في الحياة العامة مدداً لا ينفذ لهذه الآراء التي شاعت بين الأقدمين حتى أوشكت ألا تحتاج الى تجربة - ٢١١ مكررة ، وشاءت المقادير أن تنقضي حياة الامام علي وللمرأة يد في القضاء عليها ، فكانت حياته الغالية مهراً لقطام التي قال فيها ابن أبي مياس المرادي : ولم أر مهراً ساقه ذو سماحة كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة وضرب على بالحسام المسمم فلا مهر أغلى من على وإن غلا ولا فتك الادون فتك ابن ملجم والذي يجزم به مؤرخ الامام ان حياته البيتية خلت من شكاة لم يألفها الأزواج في زمانه ، وانها كانت على أحسن ما وصفت به الحياة الزوجية بين أمثاله .. عاش مع فاطمة رضى الله عنها ، لا يقرن بها زوجة أخرى .. حتى ماتت بعد موت النبي عليه السلام بستة أشهر .. وهي رعاية لها ورعاية المقام أبيها لا شك فيها ، فقد كان النبي عليه السلام كما جاء في الأثر يغار لبناته غيرة شديدة ، وروي عنه انه قال وهو على المنبر مرة : « ان بني هشام ابن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم عليا بن أبي طالب ، فلا آذن ، ثم لا آذن ، ثم لا آذن ، إلا ان يريد علي بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم .. فانها بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني مــــا آذاها " . وربما كان من وفائه لها غضبه لغضبها ، فأحجم عن مبايعة أبي بكر الى ما بعد وفاتها على بعض الروايات ، وهجره كما هجرته مدة حياتها. - ٢١٢ وقد ولدت له أشهر أبنائه وبناته : الحسن ، والحسين ، ومحسن ، وأم كلثوم، وزينب ، وماتت ولم تبلغ الثلاثين . وتزوج بعدها تسع نساء رزق منهن أبناء وبنات يختلف في عدهم المؤرخون ، ويؤخذ من احصائهم في ( الرياض النضرة ، للمحب الطبري انه رضي الله عنه وافر الحظ من الذرية ، بقي منهم بعده كثيرون . وكان على ما يفهم من خلائقه ، ومن سيرته وأخباره أبا سمحاً يستريح الأبناء الى عطفه، ويجترثون على مساجلته الرأي في أخطر ما ينوبه من الأحداث الجسام ... لما توجه طلحة والزبير نحو العراق، ومعهما السيدة عائشة رضي الله عنها، جاءه ابنه الحسن بعد صلاة الصبح فقال له : « قد أمرتك فعصيتني ، فتقتل غداً بمعصية لا ناصر لك فيها ، فسأله : « وما الذي أمرتني فعصيتك ؟ ، قال : (أمرتك يوم أحيط بعثمان رضي الله عنه أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها ، ثم أمرتك يوم قتل ألا تبايع حتى تأتيك وفود العرب وبيعة أهل كل مصر .. فانهم لن يقطعوا أمراً دونك فابيت .. ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحا .. فان كان الفساد كان على يدي غيرك ، فعصيتني في ذلك كله ! » .. فلم يأنف أن يساجله الرأي ليقنعه، وجعل يقول له : ( أي بني" !.. أما قولك لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان فوالله لقد أحيط بنا - ٢١٣ كما أحيط به، وأما قولك لا تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار فان الأمر أمر أهل المدينة وكرهنا أن يضيع هذا الأمر ، وأما قولك حين خرج طلحة والزبير فان ذلك كان وهنا على أهل الاسلام .. وأما قولك : اجلس في بيتك فكيف لي بما قد لزمني .... من تريدني ؟.. أتريد أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها ويقال دباب دباب .. ليست هنا حتى يحل عرقوباها ثم تخرج .. واذا لم أنظر فيما لزمني من الأمر ويعنيني ، فمن ينظر فيه ؟ فكف عنك أي بني ... هذه معاملة ( أخوة تستغرب في الأجيال الماضية التي كان للأبوة فيها على البنين سيادة تقرب من سيادة المولى على الرقيق ، ولا ينقضها انه لطم الحسن يوماً لأنه ظن به تقصيراً في الدفاع عن عثمان .. فتلك سورة الغضب في موقف من أندر المواقف التي لا يقاس عليها في سائر الأحوال .. وكان رضي الله عنه ، يزهيه أن يحيط به أبناؤه في محافل الروع ومشاهد الزخرف .. فيخرج اليها وهم حافون به عن يمينه وشماله ، ومنهم من يحمل اللواء بين يديه ، وذلك زهو الشجاع الفخور بأشباله الشجعان .. واشتهر بالعطف على صغارهم ، كما اشتهر بمودة كبارهم .. فكان أحب شيء إليه أن يداعبهم أو يرى من يداعبونهم ، وكانت له طفلة ذكية ولدتها له زوجة من بني كلب يخرج بها الى المسجد ويسره ان -يسألها اصحابه : من أخوالك ؟ .. فتجيب . وه » محاكاة لعواء الكلاب وكان يقول : ( ان للوالد على الولد حقاً ، وان للولد على الوالد حقاً .. فحق الوالد على الولد ان يطيعه في كل شيء الا في معصية الله سبحانه ، وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن ادبه ويعلمه القرآن .... ومن احسان التسمية ، انه هم بتسمية ابنه حرباً لأنه يرشحه للجهاد وهو أشرف صناعاته، لولا ان رسول الله سماه الحسن ، وهو أحسن .. فجرى على هذا الاختيار في تسمية أخويه الحسين والمحسن . واتم حق أبنائه في احسان أسمائهم فاختار لهم أسماء النبي واسلافه من الخلفاء : أبي بكر ، وعمر ، وعثمان . أما معيشته في بيته بين زوجاته وأبنائه ، فمعيشة الزهد والكفاف.. وأوجز ما يقال فيها أنه كان يتفق له أن يطحن لنفسه ، وأن يأكل الخبز اليابس الذي يكسره على ركبته ، وان يلبس الرداء الذي يرعد فيه ، وان أحداً من رعاياه لم يمت عن نصيب اقل من النصيب الذي مات عنه وهو خليفة المسلمين .. وكان الخليفة يوم كانت الخلافة تناقض ملك الدنيا . . فكان بيته نقيض القصر الذي تعرض الدنيا المملوكة بين أركانه وزواياه .. - ٢١٥