انتقل إلى المحتوى

عبقرية الامام علي (دار الكتاب العربي 1967)/ثقافته

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

٩

ثقافة

السنة الخلق أقلام الحق ..

كلمة سائغة ليس أصدق منها ان صدقت ، وهي صدق في كثير من الأحيان ..

ونحن نعلم صدقها الأصيل حين نسمع الكلمة من هذه الكلمات التي ينقلها لسان عن لسان ويتلقاها جيل عن جيل ، فيخيل الينا انها خاطر عابر يسمع ويستملح ويشفع له القدم .. فتقبله كرامة له كما تقبل الثمين والغث أحيانا من وقار المشيب ، ولكنه بعد هذا لا يثبت على النقـد ولا يصبر على مراجعة العلم والقياس، ثم نعرضه اتفاقا على العلم والقياس .. فاذا به قد احتمل من النقد العسير مـا ليست تحتمله آراء العلماء وقضايا الحكماء ، واذا بالخطأ في هذه القولة الشائعة أو في هذا اللقب المرتجل أقل من كل خطا يحصى على كلام مخلوق ..

من هذه الألقاب الشائعة ، لقب الامام الذي اختص به على بين جميع الخلفاء الراشدين ، والذي يطلق اذا أطلق فلا ينصرف الى أحد غيره ، بين جميع الأئمة الذين وسموا بهذه السمة من سابقيه ولاحقيه .. ولم وليس هو بفرد في الإمامة بجملة معانيها ؟ .. ألم يكن الصديق اماما كعلي ؟.. ألم يكونوا خلفاء راشدين اذا قصدت الخلافة الراشدة بعد النبوة ؟ .. بلي كانوا أئمة مثله ، وسبقوه في الإمامة ... ولكن الإمامة يومئذ كانت وحدها في ميدان الحكم بغير منازع ولا شريك، ولم يكتب لأحد منهم أن يحمل علم الإمامة ليناضل به علم الدولة الدنيوية ، ولا أن يتحيز بعسكر يقابله عسكر ، وصفة تناوئها صفة ، ولا أن يصبح رمزاً للخلافة يقترن بها ولا يقترن بشيء غيرها .. فكلهم إمام حيث لا اشتباه ولا التباس ، ولكن الامام بغير تعقيب ولا تذييل هو الامام كلما وقع الاشتباه والالتباس.. وذاك هو علي بن أبي طالب، كما لقبه الناس وجرى لقبه على الألسنة .. فعرفه به الطفل وهو يسمع أماديحه المنغومة في الطرقات ، بغير حاجة الى تسمية أو تعريف ...

وخاصة أخرى من خواص الإمامة ، ينفرد بها علي ولا يجاريه فيها امام غيره ، وهي اتصاله بكل مذهب من مذاهب الفرق الاسلامية منذ وجدت في صدر الاسلام ، فهو منشىء هذه الفرق أو قطبها الذي تدور عليه . وندرت فرقة في الإسلام لم يكن علي معلماً لها منذ نشأتها ، أو - ١٨٨ $ لم يكن موضوعاً لها ومحوراً لمباحثها ، تقول فيه وترد على قائلين . وقد اتصلت الحلقات بينه وبين علماء الكلام والتوحيد ، كما اتصلت الحلقات بينه وبين علماء الفقه والشريعة ، وعلماء الأدب والبلاغة .. فهو أستاذ هؤلاء جميعاً بالسند الموصول.. أما الفرق التي جعلته موضوعاً لها ومحوراً لمباحثها ، فحسبك أن تذكر الخوارج والروافض والشيعة والناصبين وأهل السنة ، فتكون قد ذكرت جميع الفرق الاسلامية بلا استثناء أو باستثناء جد يسير . وهنا تشتبك الفروع وتتأشب الأفانين ، فترى الفرقة الواحدة مزيجاً من التصوف والسياسة ، كالباطنية على اختلافها .. وقد تترامى بها الفروع حتى تصل الى القائلين بمذهب الباب أو مذهب البهاء ، وهم طرف مقطوع أو موصول ، من تلك الأصول ... فالامام أحق لقب به ، وهو أحق الأئمة بلقب الامام ! ... ولقد كانت له آية من آيات الشهداء في كثير من صفاته ، وكثير من معارض حياته ، وطوارىء أوقاته . وكانت له في الإمامة آية أخرى من هذه الآيات .. فآية الشهداء انهم يبخسون حقهم في الحياة، ثم يعطون فوق حقوقهم بعد الممات .. أو هم يعرضون لنا عجائب الدنيا في اقبالها وادبارها ، كما قال الامام رضي الله عنه : « انها إذا أدبرت عن انسان سلبته محاسن نفسه ، وإذا أقبلت -- ١٨٩ عليه أعارته محاسن غيره » وكذلك اتفق للإمام في صفة الإمامة ، كما اتفق له في معظم صفة الإمام الصفات فقل ان سمعنا يعلم من العلوم الاسلامية أو العلوم القديمة لم ينسب إليه ، وقل أن تحدث الناس بفضل لم ينحلوه اياه ، وقل أن توجه الثناء بالعلم الى أحد من الأوائل إلا كانت له مساهمة فيه تحلوه ديواناً من الشعر فيه عشرات من القصائد ، وليس بينها إلا عشرات من الأبيات تصح نسبتها إليه .. وتحلوه علماً سموه علم الجفر ، وزعموا انه علم النجوم والازياج الذي يكشف عن حوادث الغيب إلى آخر الزمان . و تحلوه مقامات تخلو من أشيع الحروف في الكلمات وهو حرف الألف ، ولا يعقل أن تظهر أشباه هذه المقامات قبل عصر الصناعة في أيام العباسيين وما تلاها . ونحلوه من مصطلحات علم الكلام أقوالا لم تعرف، ولا يعقل أن تعرف قبل ترجمة المفردات الاغريقية بما لها من غرائب النحت والاشتقاق . وبعض ما نحلوه يزيده قدراً ويرفعه شأناً ، ألا تصح نسبته اليه .. ؟ وبعض ما بقي له غير مشكوك فيه ولا مختلف عليه .. كاف لتعظيم قدره واثبات امامته في عصره ، وبعد عصره وعندنا انه رضي الله عنه كان ينظم الشعر ويحسن النظر فيه ، وكان -190- ! Y نقده للشعراء نقد عليم بصير ، يعرف اختلاف مذاهب القول واختلاف وجوه المقابلة والتفضيل على حسب المذاهب ، ومن بصره بوجوه المقابلة بينهم أنه سئل : ( من أشعر الناس ؟ ، قال : ( ان القوم لم يجروا في حلقة تعرف المقابلة إلا بين أشباه وأمثال ولا يكون التعميم بالتفضيل إلا على التغليب .. وهذا فيما نعتقد أول تقسيم لمقاييس الشعر على حسب ( المدارس » والأغراض الشعرية بين العرب. فلا تكون المقابلة إلا بين أشباه وأمثال ولا يكون التعميم بالتفضيل إلا على التغليب . لكنه رضي الله عنه لم يرزق ملكة الاجادة في شعره، والنبي عليه السلام يرى ذلك حيث سألوه أن يأذن لعلي في هجاء المشركين فقال : ليس بذاك ، .. وأحالهم الى حسان بن ثابت ، وندب له من يبصره بمثالب القوم وكل شعره الذي رجحت نسبته إليه من قبيل هذه الأبيات التي وصف بها قبيلة همدان في وقعة صفين : ولما رأيت الخيل ترجم بالقنا فوار سها حمر النحور دوام وأعرض نقع في السماء كأنه عجاجة دجن ملبس بقتام ونادى ابن هند في الكلاع وحمير وكندة في لحم وحي جذام تیممت همدان الذين هم هم اذا ناب دهر جنتي وسهـ فجاوبني من خيل همدان عصبة فوارس من همدان غير لنام -١١فخاضو الظاها واستطار وا شرارها وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام فلو كنت رضواناً على باب أو من قبيل هذه الأبيات : لقلت لهمدان : ادخلوا بسلام محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي و بنت محمد سكني وعرسي منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فايكم له سهم كسهمي سبقتكم الى الاسلام طرا صغيراً ما بلغت أوان حلمي وصليت الصلاة وكنت فرداً فمن ذا يدعى يوماً كيومي وقد نظم شعراً ولا ريب ، كما يدل سؤالهم النبي عليه السلام أن يأذن له في هجاء من هجاهم ، ولم ينسب إليه شعر .. صح أو لم يصح ، أجود مما قدمناه . وليس فيه ما يسلكه بين المجودين من الشعراء ، أو يلحق بطبقته بين الكتاب والخطباء أما كتاب الجفر أو علم الجفر ، فالقول الفصل فيه أقرب من القول الفصل في جميع ما نحلوه وأضافوا إليه ... فمثل علي في تقواه وفضله يشتغل بعلم مزعوم هو السحر القديم بعينه ، وليس هو مما يليق بورعه ولا ذكائه . وقد نهى وشدّد النهي عن تعلم النجوم واستطلاع الغيب بأمثال هذه العلوم ، ومن المحقق الذي لا خلجة فيه من الشك عندنا أن النبوءات التي جاءت في نهج البلاغة عن الحجاج بن يوسف !

'

وفتنة الزنج وغارات التتار وما إليها ، هي من مدخول الكلام عليه ... ومما أضافه النساخ الى الكتاب بعد وقوع تلك الحوادث بزمن قصير أو طويل .. ولا نجزم مثل هذا الجزم في أمر المقامات التي خلت من بعض الحروف ، لأن العقل لا يمنعها قطعاً كما يمنع استطلاع الغيب المفصل من ازياج النجوم ، ولكننا نستبعد جداً أن تكون هذه المقامات من كلام الامام لاختلاف الأسلوب واختلاف الزمن ، وحاجة النسبة هنا الى سند أقوى من السند الميسر لنا بكثير .

وكذلك نستبعد انه قال لكاتبه ليظهر علمه بغريب اللغة : ( ألصق روانفك بالحبوب وخذ المزير بشناترك واجل حندورتيك الى قيهلي حتى لا أنفي نفية الا أودعتها بحماطة حلجلانك » . • أي ( الصق مقعدك بالأرض وخذ القلم بين أصابعك واجعل عينيك الى وجهي حتى لا ألفظ بلفظة الا وعيتها في سواد قلبك ) . • فان الولع باظهار العلم بالغريب بدعة لم تعرف في صدر الاسلام ، ولم يلتفت الناس الى ادعائها إلا بعد استعجام العرب وندرة العارفين . ومثل هذا ، ما نسبوه اليه حيث زعموا انه قال : ما تربعلبنت قط ) أي ما أكلت السمك يوم السبت .. ( وما تسر و لقمت قط ، أي ما لبست السراويل قائماً .. الى أشباه هذه المخترعات التي تستغرب لفظاً ومعنى عبقرية الامام علي (١٣) واعتقاداً من رجل كالإمام في صدر الاسلام . إلا اننا نسقطها جميعاً ، فلا نسقط بها فضلاً ترجح به موازين الامام في حساب الثقافة . بل نحسبها فضلاً - ان شئنا - ونسقطها فيبقى له بعدها السهم الراجح في تلك الموازين . تبقى له الهداية الأولى في التوحيد الاسلامي ، والقضاء الاسلامي ، والفقه الاسلامي ، وعلم النحو العربي، وفن الكتابة العربية .. مما يجوز لنا أن نسميه أساساً صالحاً لموسوعة المعارف الاسلامية في جميع العصور ، أو يجوز لنا أن نسميه موسوعة المعارف الاسلامية كلها في الصدر الأول من الاسلام ... وتبقى له مع هذا فرائد الحكمة التي تسجل له في ثقافة الأمة الاسلامية ، على تباين العصور ... ففي كتاب نهج البلاغة ، فيض من آيات التوحيد والحكمة الإلهية تتسع به دراسة كل مشتغل بالعقائد وأصول التاليه وحكمة التوحيد وربما تشكك الباحث في نسبة بعضها الى الامام لغلبة الصيغة الفلسفية عليها وامتزاجها بالآراء والمصطلحات التي اقتبست بعد ذلك من ترجمة الكتب الاغريقية والأعجمية ، ولاسيما الكلام على الأضداد والطبائع والعدم والحدود والصفات والمواصفات ، ولكن الذي يقرؤه الباحث - ١٩٤-

i i ولا يشك في نسبته الى الامام أو في جواز نسبته اليه قسط واف لتحقيق رأي القائلين بسبق الامام في مضمار علم الكلام ، واعتراف المعترفين له بالأستاذية الرشيدة لكل من لحق به من أصحاب الآراء والمقولات . وهو على جملته خير ما يعرف به المؤمن ربه وينزه به الخالق في كماله ، ومن أمثلته قوله : ( الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالاً ، فيكون أولاً قبل أن يكون آخراً ، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً ، كل مسمى بالوحدة غيره قليل ، وكل عزيز غيره ذليل ، وكل قوي غيره ضعيف ، وكل مالك غيره مملوك ، وكل عالم غيره متعلم ، وكل قادر غيره يقدر ويعجز ، وكل سميع غيره يصم عن أطيف الأصوات ، ويصمه كبيرها. يذهب عنه ما بعد عنها، وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره باطن ، وكل باطن غيره ظاهر ، لم يخلق من خلقه لتشديد سلطان ولا تخوف من عواقب زمان، ولا استعانة على من شاور ، ولا شريك مكاثر ، ولا ضد منافر ، ولكن خلائق مربوبون وعباد داخرون - أي ضارعون - لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن ، لم يؤده خلق ما ابتدأ ولا تدبير ما ذراً ، ولا وقف به عجز عما خلق ، ولا ولجت عليه شبهة فيها مضى وقدر ، بل قضاء متقن ، وعلم محكوم وأمر مبرم مدري أما القضاء والفقه ، فالمشهور عنه انه كان أقضى أهل زمانه وأعلمهم بالفقه والشريعة .. أو لم يكن بينهم من هو أقضى منه وأفقه وأقدر على - ١٩٥ إخراج الأحكام من القرآن والحديث والعرف المأثور . وكان عمر بن الخطاب يقول كلما استعظم مسألة من مسائل القضاء العويصة : قضية ولا أبا حسن لها : لأنه كان في هذه المسائل يتجاوز التفسير إلى التشريع ، كلما وجب الاجتهاد بالرأي الصائب والقياس الصحيح .. الفطنة وفي أخباره، ما يدل على علمه بأدوات الفقه كعلمه بنصوصه و أحكامه .. ومن هذه الأدوات علم الحساب الذي كانت معرفته به أكثر من معرفة فقيه يتصرف في معضلات المواريث، لأنه كان سريع الى حيله التي كانت تعد في ذلك الزمن ألغازاً تكد في حلها العقول ، فيقال ان امرأة جاءت اليه وشكت اليه أن أخاها مات عن ستمائة دينار ، ولم يقسم لها من ميراثه غير دينار واحد .. فقال لها : لعله ترك زوجة وابنتين وأما وإثنى عشر أخاً وأنت ؟ فكان كما قال . وسئل يوماً في أثناء الخطبة عن ميت ترك زوجة وأبوين وابنتين . فأجاب من فوره صار ثمنها تسعاً . وسميت هذه الفريضة بالفريضة المنبرية ، لأنه أفتى بها وهو على منبر الكوفة .. وفي هذه الاجابات ، دليل على الذكاء وسرعة البديهة .. فضلاً الدلالة الظاهرة على العلم بالمواريث والحساب . عن واذا قيل في قضائه انه لم يكن أقضى منه بين أهل زمانة ، صح أن يقال في علم النحو انه لم يكن أحد أوفر سهما في انشاء هذا العلم من سهمه . وقد تواتر أن أبا الأسود الدؤلي شكا إليه شيوع اللحن على ' !

ألسنة العرب ، فقال له : اكتب ما أملي عليك، ثم أملاه أصولاً منها : ان كلام العرب يتركب من اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل .. وان الأشياء ثلاثة : ظاهر ، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر .. وانما تتفاوت العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر .. يعني اسم الاشارة على قول بعض النحاة ، ثم قال لأبي الأسود : انح هذا النحو يا أبا الأسود .. فعرف العلم باسم النحو من يومها . وهذه رواية تخالفها روايات شتى تستند الى المقاربة بين اللغات الأخرى في اشتقاق أصولها النحوية ، ولاسيما السريانية واليونانية ... ولكن الروايات العربية لا تنتهي بنا الى مصدر أرجح من هذا المصدر ، وغيرها من الروايات الأجنبية والفروض العلمية لا يمنع عقلا ان يكون الامام أول من استنبط الأصول الأولى لعلم النحو العربي من مذاكرة العلماء بهذه الأصول بين أبناء الأمم التي تغشى الكوفة ، حواضر العراق والشام ، وهم هنالك غير قليل، ولاسيما السريان الذين سبقوا الى تدوين نحوهم، وفيه مشابهة كبيرة لنحو اللغة العربية . وليس الامام علي أول من كتب الرسائل، وألقى العظات ، وأطال الخطب على المنابر في الأمة الاسلامية .. ولكنه ولا ريب أول من عالج هذه الفنون معالجة أديب ، وأول من أضفى عليها صبغة الانشاء الذى يقتدى به في الأساليب .. لأن الذين ١٩٧ سبقوه كانوا يصوغون كلامهم صياغة مبلغين لا صياغة منشئين ، ويقصدون إلى أداء ما أرادوه ولا يقصدون إلى فن الأداء وصناعة التعبير، ولكن الامام عليا تعلم الكتابة صغيراً ودرس الكلام البليغ من روايات الألسن وتدوين الأوراق، وانتظر بالبلاغة حتى خرجت من طور البداهة الأولى الى طور التفنن والتجويد .. فاستقام له أسلوب مطبوع مصنوع ، هو فيما نرى أول أساليب الانشاء الفني في اللغة العربية ، وأول أسلوب ظهرت فيه آثار دراسة القرآن والاستفادة من قدوته وسياقه، وتأتي له بسليقته الأدبية أن يأخذ من فحولة البداوة ومن تهذيب الحضارة ، ومن أنماط التفكير الجديد الذي أبدعته المعرفة الدينية والثقافة والاسلامية ... فديوانه الذي سمي ( نهج البلاغة ، أحق ديوان بهذه التسمية بين كتب العربية ، واشتماله على جزء مشكوك فيه لا يمنع اشتماله على جزء صحيح الدلالة على أسلوبه ، وربما كانت دلالة الأخلاق والمزاج فيه أقوى وأقرب الى الاقناع من دلالة الأسانيد التاريخية ، لأن طابع الشخصية العلوية ، فيه ظاهر من وراء السطور ومن ثنايا الحروف ، يوحي اليك حيثما وعيته أنك تسمع الامام ولا تسمع أحداً غير الامام ، ويعز عليك أن تلمح فيه غرابة بين صاحب التاريخ وصاحب الكلام .. على اننا نبالغ ما نبالغ في تمحيص المنحول وغير المنحول من أقوال الامام ومن فنون ثقافته العامة ، ثم تبقى لنا بقية تسمح لنا - بل توجب علينا أن نسأل : كيف يتسنى العلم بهذا لأي كان من الناس في مثل ذلك الزمان ؟ . . -111والسؤال لا بد منه ، ولا نظن قارئاً من قراء تاريخ الامام لم يخطر هذا السؤال بباله ولم يرد على لسانه . ذلك ولكن لا بد معه من تصحيح الباعث عليه لتصحيح الجواب عنه بعد فالباعث عليه أننا نبالغ في تجريد البداوة العربية من الصلات المعقولة بالثقافة العالمية ، سواء كانت من ثقافة العلم والدرس أو ثقافة التواتر والتلقين .. لكن البداوة العربية لم تكن في الواقع معزولة عن ثقافة الأمم الحيطة بها تلك العزلة التي تخطر لنا للوهلة الأولى ، فقد كانت على اتصال بعقائد الهند وفارس والروم ، وكانت للمعارف الانسانية أشعتها التي تتخلل الجزيرة العربية من قديم العصور وحسبنا من أمثلة ذلك، مثال واحد في معسكر الامام نفسه يغني عن الأمثلة من سبيله . وذلك هو مثال عبد الله بن سبأ المشهور بابن السوداء ، وهو يهودي من ابن زنجية مولود في بلاد اليمن ، ومذهبه الذي اشتهر به هو مذهب الرجعة الذي يجمع فيه بين قول اليهود بظهور المنقذ . أبناء داود ، وقول أهل الهند بظهور الإله الذي يتقمص جسم انسان ، وقول النصارى بظهور المسيح ، وقول أهل فارس بتقديس الأوصياء من أقرباء الملوك والأمراء .. - ١٩٩ فهذه عقيدة لا تظهر من رجل يمني من أهل الجزيرة ، اذا تخيلنا أن الجزيرة في حضارتها أو بداوتها بمعزل عن ثقافات الهند والفرس والروم وبني اسرائيل ، وان الأمة العربية تخلو من اناس سمعوا بالعقائد والفلسفات من طريق القدوة الدينية، أو طريق المحاكاة الاجتماعية ، او طريق الدراسة والسماع .. وقد كانت عاصمة الامام في الكوفة. وكانت مثابة الغادين والرائحين من أبناء الحضارات المعروفة في العالم باسره ، ومن المسلمين الذين عاشوا بها أو بجوارها أناس كانوا ينظرون في كتب الفرس ويعجبون بحكمتها كما جاء في سيرة عمر بن الخطاب ، ومنهم من كان ينظر في النجوم على طريقة الفرس والروم، وحذر بعض هؤلاء الامام أن يسير الى حرب الخوارج في طالع كواكب من الكواكب المنحوسة ، فقال له : ( أتزعم أنك تهدي الى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء ؟. فمن صدق بهذا فقد كذب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه " ..

ثم أقبل على الناس بالنصح والموعظة ، قائلا : ( اياكم وتعلم النجوم، الا ما يهتدى به في بر أو بحر فانها تدعو الى الكهانة ، والمنجم .. كالكاهن ، والكاهن كالساحر ، والساحر كالكافر ، والكافر في النار ! ) وقد لبث علي بن أبي طالب زهاء ثلاثين سنة منقطعاً أو يكاد ينقطع عن جهاد الحكم والسياسة، متفرغاً أو يكاد يتفرغ لفنون البحث والدراسة.. يتأمل كل ما سمع، ويراجع كل ما قرأ، ويعرف كل ما يعرف، ممن يلقاه ويستطلع أنباءه وآراءه وقضاياه .. فمهما يكن قسط الثقافة العالمية قليلاً في بلاد الاسلام على تلك الأيام .. ففيه ولا ريب الكفاية للعقل اليقظان والبصيرة الواعية أن تفهم ما قد فهمه الامام ، وأن يثبت ما أثبته نهج البلاغة من الخواطر والأحكام ... على أن هذه الفنون من الثقافة - أو جلتها - انما تعظم بالقياس الى عصرها والجهود التي بذلت في بدايتها . فحصة الإمام من علم النحو - مثلا - عظيمة لأن الابتداء بها أصعب من تحصيل المجلدات الضخام التي دونها النحاة بعد تقدم العلم وتكاثر الناظرين فيه ... وهكذا يقال في الحساب والمسائل العلمية التي من قبيله ، فلا يجوز لنا أن نقيسها بمقياس العصر الحاضر .. وهي في ابتدائها أصعب جداً منها في أطوارها التي لحقت بها بعد نمائها واستفاضة البحث فيها ...

أما فن الثقافة الذي يقاس بمقياس كل زمن ، فاذا هو . عظيم في جميع هذه المقاييس ، قليل الفوارق بين البدايات منه والنهايات ، فذلك هو فن الكلم الجامعة أو فرائد الحكمة التي قلنا آنفا انها تسجل له في ثقافة الأمم عامة كما تسجل له في ثقافة الأمة الاسلامية ، على تباين العصور. فالكلم الجوامع التى رويت للامام طراز لا يفوقه طراز في حكمة السلوك على أسلوب الأمثال السائرة. وقد قال النبي عليه السلام : ( علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل ... فهذا الحديث الشريف أصدق ما يكون على الامام علي في حكمته التي تقارن بحكم أولئك الأنبياء ... فهي من طراز الحكم المأثورة عن أشهر أولئك الأنبياء بالمثل السائر وهو سليمان بن داود . .. ويزيد عليها أنها أبدع في التعبير ، وأوفر نصيباً من ذوق الجمال ، كقوله مثلاً : (

( نفس المرء خطاه الى أجله .. أو قوله : ( من يعط باليد

القصيرة يعط باليد الطويلة ) أو قوله : ( المرء مخبوء تحت لسانه ) أو قوله : ( الحلم عشيرة . . . أو قوله : ( من لان عوده كثفت أغصانه ، أو قوله : «كل وعاء يضيق بما جعل فيه الا وعاء العلم فانه يتسع ، الى أشباه هذه التعبيرات الحسان التي تحار فيها أي مزاياها أفضل وأقوم : صدق المعنى ، او بلاغة الأداء ، او جودة الصناعة .. وبعض أقواله ينضح بدلائل ( الشخصية » التي تلازم صاحب الفن الأصيل ، فتلبس معانيه لباساً من خوالج نفسه وأحداث زمانه، كما قال صواب الرأي بالدول . يقبل باقبالها ويذهب بذهابها » او كما قال : ما اكثر العبر واقل الاعتبار » . . او كما قال : « شاركوا الذي اقبل - ٢٠٢ عليه الرزق فإنه أخلق للغنى وأجدر بإقبال الحظ عليه» أو كما قال: إذا هبَّ أمراً فَقَع فيه، فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه » . . كما قال : « لا يُقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع ولا يضارع ولا يتبع المطامع » . .

وله عدا هذه الحكم التي تلونت بألوان نفسه أو ألوان زمانه ، حكم كثيرة تصدر من كل قائل يقدر عليها ، وتنفذ الى كل سامع يفطن لها كقوله : « كل معدود منقض وكل متوقع آت» أو قوله : «اذا كثرت القدرة قلت الشهوة ، أو : « أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه» أو قوله : « من نصب نفسه للناس إماماً ، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره .. وليكن تأدیبه بسيرته قبل تأدیبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤديها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم أو قوله : « الفقيه كل الفقيه من لم يُقنط الناس من رحمة الله ولم يوئهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله » .. أو قوله : « قيمة كل امرىء ما يحسنه » او قوله : «العاقل هو الذي يضع الشيء مواضعه ، أو قوله : « الصبر صبران : صبر على ما تكره ، وصبر على ما تحب ، او قوله : « من ملك استأثر» او قوله: ه الناس اعداء ما جهلوا » . او قوله : « القرابة الى المودة احوج من المودة الى القرابة  » ..

وله في المواقف المرتجلة كلمات هي اشبه الكلمات بأسلوب الحكمة السائرة .. فلما خرج وحده لبعض المهام التي تردد فيها أنصاره ، قالوا له يشيرون إلى أعدائه : « يا أمير المؤمنين نحن نكفيكهم ، فقال : « ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفونني غيركم ؟ ان كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف رعاتها ، وانني اليوم لأشكو حيف رعيتي ، كانني المقود وهم القادة ، أو الموزوع وهم الوزعة ) . ورثى محمداً بن أبي بكر حين بلغه مقتله على أيدي اصحاب معاوية فقال : ( ان حزننا عليه قدر سرور هم به ، الا انهم نقصوا بغيضا ونقصنا حبيباً " . فكل نمط من انماط كلامه ، شاهد له بالملكة الموهوبة في قدرة الوعي وقدرة التعبير .. فهو ولا شك من ابناء آدم الذين علموا الأسماء وأوتوا الحكمة ، وفصل الخطاب . وقد أخطأ « موير Moyer المؤرخ الانجليزي حين قال ان عليا حكيم كسليمان ، وهو مثله حكمته لغيره .. يعني أنه ينصح الناس ولا ينتفع بالنصيحة، فان موير ( أحجى أن يفرق بين عمل الانسان بنصحه وبين انتفاعه بنصحه . ولا شك أن علياً كان من العاملين بما يقولون ومن المنتصحين بما ينصح به الناس . أما أنه ينتفع بحكمته ، فالطبيب لا يقدح في علمه أنه قد أعياه علاج نفسه بطبه .. فقد يكون الاخفاق من استعصاء الداء لا من صحة الدواء .

ولا يفوتنا أن بعض هذه النصائح ، قد نسب الى قالة من الأوائل غير - ٢٠٤ الامام رضي الله عنه، وهذا يستطرد بنا مرة أخرى إلى الصحيح والمنحول من كلام الامام الذي جمعه الشريف الرضي في ( نهج البلاغة ، وفرغ من جمْعِهِ بعد مقتله بزهاء اربعة قرون، وهو بحث يخرج بنا من موضوع هذا الكتاب الى دراسة أدبية ليست من أغراضنا الخاصة في التعريف بعبقرية الامام .. فحسبنا أن أسلوب الامام معروف في بعض ما ثبت له من رسائله وخطبه ، وان طابع هذا الأسلوب شائع في الكتاب لا تقدح فيه كلمة ظاهرة التلفيق هنا أو كلمة ظاهرة الاقحام هناك ، أو كلمات يقع فيها الالتباس لاختلاف الصناعة أو اختلاف التفكير . فنحن لا نخطيء أن نرى في هذه الخطب والرسائل والأمثال وحدة تتصل حيناً ، وتنقطع حيناً ، كالوحدة التي نراها بغير انقطاع في كتب الجاحظ وابن المقفع وعبد الحميد .. وهذه الوحدة وحدها مغنية لنا في تبيان ثقافة الإمام ، أو تذوق أسلوبه الذي لا تخطيء فيه مرة جزالة البادية وصقل الحاضرة وحسن البداهة وامتزاج الصناعة بالطبع الذي لا تكلف فيه ولا يتم القول في ثقافة الإمام علي رضي الله عنه ، ما لم نتممه بالقول في نصيبه من الثقافة العسكرية أو فن الحرب، الذي هو مضماره الأول ومناطشهرته التي تبرز فيها صفة الشجاعة قبل كل صفة ، وكفاءة المناضل قبل كل كفاءة فجملة ما يقال في هذا الصدد، أن فن الامام العسكري هو فن البطل - ٢٠٥ المغوار الذي يناضل الأفراد وينفع الجيش الذي هو فيه بقدوة الشجاعة واذكاء الحماسة وتعزيز الثقة بين صفوفه، وأنه يعرف كيف يكون الهجوم حيث يجب الهجوم، وكيف يحتال على عدوه بما يخلع قلبه ويفت في عضده ومن حيله المشهورة في توهين عزم عدوه ، انه أمر بعقر الجمل في الوقعة المعروفة باسمه، لأنه كان علم القوم الذين كانوا يلتفون به ويثبتون بثبوته . .. وهكذا كله فن البطل المغوار الذي يفرق العسكريون بينه وبين خطط القيادة وفنون التعبئة وتحريك الجيوش ... ولم يرد لنا من أنباء الامام في هذا الباب ما نحكم به على قيادته العسكرية بهذا الاعتبار ... نعم .. أنه كان يقسم جيشه الى ميمنة وميسرة وقلب وطليعة ومؤخرة ، وأشباه ذلك من التقسيمات التي جرى عليها في وقعة صفين على التخصيص .. وكانت له وصاياه المحفوظة في تسيير الجيوش وتأديب الجند ومعاملتهم لسكان البلاد، ومنها قوله : ( اذا نزلتم بعد و أو نزل بكم ، فليكن معسكركم من قبل الاشراف وسفاح الجبال، أو اثناء الأنهار، كيما يكون لكم رداء ودونكم ردا ، ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين، واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن ، واعلموا ان مقدمة القوم عيونهم ، وعيون المقدمة 11.11 طلائعهم ، واياكم والتفرق فاذا نزلتم فانزلوا جميعاً واذا ارتحلتم فارتحلوا جمياً ، واذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة - أي محيطة بكم - ولا تذوقوا النوم إلا غراراً أو مضمضمة ) .. ومنها قوله : ( ولا تسر أول الليل، فان الله جعله سكناً وقدره مقاماً لا طعناً ، ومنها قوله للولاة : ( اني سيرت جنوداً هي مارة بكم ان شاء الله ، وقد أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الأذى وصرف الشذى ، وأنا أبرأ اليكم والى ذمتكم من معرة الجيش الا من جوعة المضطر لا يجد عنها مذهباً الى شعبه، فنكلوا من تناول منهم شيئاً ظلماً عن ظلمهم ، وكفوا أيدي سفهائكم عن مضارتهم والتعرض لهم ... وهذه وما هو من قبيلها ، مناهج، موروثة أو أدب هو أقرب الى نظام الادارة منه الى خطط التعبئة وقيادة الميدان .. وعلى كونه قد اتبع هذه التقسيمات والمناهج في وقعة صفين ، لم تكن الوقعة كلها الا مناوشات هجوم ودفاع بين طوائف متفرقة في أوقات متباعدة .. كأنها ضرب آخر من ضروب فن الحرب على طريقة الفارس المناضل والبطل المفرد في موقف المبارزة أو في غمار الصفوف . وخلاصة ذلك كله ، ان ثقافة الامام هي ثقافة العلم المفرد والقمة العالية بين الجماهير في كل مقام .. وانها هي ثقافة الفارس المجاهد في سبيل الله ، يداول بين القلم والسيف ، ويتشابه في الجهاد بأسه وتقواه .. لأنه بالباس زاهد في الدنيا مقبل على الله ، وبالتقوى زاهد في الدنيا مقبل على الله ... فهو فارس يتلاقى في الشجاعة دينه ودنياه، وهو عالم يتلاقى في الدين والدنيا بحثه ونجواه ...