انتقل إلى المحتوى

عبقرية الامام علي (دار الكتاب العربي 1967)/البيعة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

٥

البيعة

بويع لعلي بالخلافة بعد حادثة من أفجع الحوادث الدامية في تاريخ الاسلام ، وهي مقتل الخليفة عثمان بن عـفـان في شيخوخته الواهنة ، بعد أن حصروه بين جدران داره ، وكاد يقتله الظما لو أمهله القتلة بضعة أيام ..

وأفجع ما كان في هذه الحادثة ، انها بلاء لا يدفع وقضاء لا حيلة لأحد في اتقائه لأن المسؤولين عنه كثيرون متفرقون في كل جانب يناصره أو يعاديه .. فاذا امتنع الأعداء لم يمتنع الأصدقاء ، واذا بطل الشر الذي فيه اختيار لم يبطل الشر الذي لا اختيار فيه ، وربما كان حسن النيـة وسوء النية هنا يصنوين متساويين . فمن الأعمال المؤسفة التي عجلت بالفاجعة أعمال كثيرة بدرت من عثمان نفسه ، أو لعله أقدم عليها بعـد قصد ومراجعة ، وليست هي في تعجيلهـا ولا في سوء مغبتها بأهون من أعمال الأعداء ..

مضت السنون الأولى من خلافة عثمان على خير ما كان يرجى لها أن تمضى في عهد خليفة . ثم تغيرت الأحوال فجأة من جانب الراعي ومن جانب الرعية ، الأسباب لم تكن طارئة ساعة ظهورها ، وأن ظهرت عواقبها طارئات . . وتتعدد الأسباب التي أو جبت ذلك التغيير بعد السنوات الأولى ، ولكنها قد تنحصر في سببين اثنين جامعين لغيرهما من الأسباب العديدة، وهما امعان الخليفة في الشيخوخة ، واستمراء الأعوان لما تَعِمُوا به من لين الخليفة ولين الرغد والمتاع . ولقد كتبت الأسفار المطولات في احصاء المآخذ على عثمان رضي الله عنه ، وكتبت الأسفار المطولات في تبرئة الخليفة من تلك المآخذ أو الاعتذار له بأحسن الأعذار وتفسيرها على أحسن الوجوه ، لأن المسألة خرجت من عداد المسائل التاريخية ، وانتقلت الى ميدان النزاع بين الأحزاب والمذاهب وأقاويل الجدل والحجاج .. فجعلها الشيعيون وأهل السنة ذريعة الى تأييد مذهب وانكار مذهب في الخلافه والخلفاء ، وراح الأولون يبالغون في الاتهام كما يبالغ الآخرون في الدفاع . ولا طائل هنا من شرح هذا وذاك ، ولا هو مما يقتضيه كلامنا الآن .. وانما المرجع فيه الى تاريخ عثمان . الا اننا نجتزى هنا بالاشارة الى التذمر الذي أثار الفتنة ، والالمام بأسبابه عند اصحابه .. فمما لاشك فيه أنهم تذمروا لأسباب تثيرهم وان 14.1 طال الشك والجدل حول نصيبهم من | الخطأ والصواب. أهم هذه الأسباب ، انه خالف بعض السنن التي اتبعها النبي عليه السلام في الأذان والصلاة ، وانه أدنى أناساً من اقاربه كان رسول الله عليه السلام قد اقصاهم عن المدينة .. فاستدعاهم اليه بعد استخلافه وأغدق عليهم المنح والأموال، وانه أطلق العنان لأبناء أسرته في الولاية والعمالة ، ومنهم من اتهموه باقامة الصلاة وهو سكران ، وانه منح سفيان بن حرب مائتي ألف درهم ومنح الحارث بن الحكم زوج بنته عائشة مائة الف درهم من بيت المال، وانه توسع في بناء القصور ، وحرم بعض الصحابة ، وضرب بعضهم على مشهد من الملا ضرب اهانة و ايجاع .. ولم تنقض سنوات على هذه الحال حتى كثر المترفون من جانب والمتربون من جانب آخر، وشاع بين الجانبين ما يشيع دائماً في امثال هذه الأحوال من الملاحاة والبغضاء والتزيد بالتهم واللجاجة ، واضافة الأوهام الى الحقائق في خلق ذرائع الخلاف والشحناء . . ويدل على خطر مسألة الثروة في هذه الفتنة ، أن الناس تألبوا على الخليفة مرة . فأرسل في طلب علي ليصرفهم عنه ، فلما قدم اليه استأذنه في اعطائهم بعض الرفد العاجل من بيت المال ، فأذن له . فأنصرفوا عن زعماء الفتنة ، وهدءوا الى حين. ثم توافد المتذمرون من الولايات الى المدينة مجندين وغير مجندين . وتولى زعامة المتذمرين في بعض الأحيان جماعة من أجلاء الصحابة ، كتبوا صحيفة وقعوها وأشهدوا فيها المسلمين على مآخذ الخليفة . فلما حملها عمار بن ياسر اليه ، غضب وزیره مروان بن الحكم ، وقال له : « أن هذا العبد الأسود قد جرأ عليك الناس . وانك ان قتلته نكلت به من وراءه ، فضربوه حتى غشي عليه . وفي مرات أخرى ، كان الخليفة يصغي الى هذه الشكايات ويندم على ما اجترحه أعوانه بعلمه أو بغير علمه، ثم يعلن التوبة الى رعاياه ، ويؤكد لهم الوعد بإقصاء أولئك الأعوان وإخلافهم في أعمالهم بمن يرضي المسلمين ويرضي الله . ثم يغلبه أولئك الأعوان على مشيئته ، فيبقيهم حيث كانوا ويملي لهم فيما تعودوه من الترف والنكاية ، وعلى رأسهم مروان بن الحكم . أبغض أولئك الأعوان الى المسلمين، حتى من أهل الخليفة المقربين . وكان بعض الوفود يشكون ولاتهم، فاذا عادوا إلى بلادهم تلقاهم أولئك الولاة بالأذى وقتلوا بعضهم ضرباً على ملأ من الشاكين الذين ينتظرون الانصاف . فيعود المضروبون الى الشكوى ، وينصرهم اجلاء الصحابة عند الخليفة ، ويسألونه أن يولي عليهم غير واليهم المسيء اليهم . فاذا توجه الوالي الجديد الى مكانه ، اذا في الطريق رسول يحمل خطاباً للوالي المعزول ، يأمره فيه بقتل من يفد اليه من حاملي الشكوى وحاملي كتاب الولاية ، ويقره في مكانه ! 1 حدث هذا مع وفد مصر ، واختلفت الأقاويل في تأويله من متهم للخليفة ، ومتهم لمنافسيه على الخلافة، ومتهم لوفد الشكوى الذي عثر بالخطاب ، ومتهم لمروان بن الحكم عنصر السوء في هذه المأساة كلها - وهو أولى الأقاويل بالترجيح والتصديق ، اذ كان ايسر شيء على مروان لو كان بريئاً من هذه المكيدة أن يكشف حقيقتها بسؤال الغلام حامل الخطاب ، وفي كشف هذه الحقيقة ابراء له ، وتعزير لسلطان الخليفة ، وفضيحة لأعدائه ، وادحاض لحجة الفتنة ، ودعوة الاثارة والتحريض . ولكنه أهمل السؤال ، وقنع من تبرئة نفسه بقذف التهمة على متهميه .

وظل الخليفة والثوار يشتبكون ويتحاجزون . لاهم في حرب ولا هم في سلام ... وكلما تحاجزوا بعد اشتباك منذر بالشر، زاد الخليفة ضعفا ، وزاد الثوار ضراوة ، وزاد التوجس بينهم استفحالاً واتسع مع التوجس مجال السعاية والارجاف بين الفريقين حتى بلغ الكتاب أجله . وتوسط علي بين الخليفة والثوار، فاستمهلهم الخليفة ثلاثة أيام يرد فيها المظالم ويعزل العمال المكروهين . فانتظر الثوار هذه الأيام الثلاثة تلبية لنصيحة علي .. ومنهم من يسيء الظن ، ويرى أن الخليفة انما يستمهلهم في انتظار المدد الذي طلبه من الأمصار . وانقضت الأيام الثلاثة على غير جدوى . وتفاقمت الفتنة ، وأحاط الثائرون ببيت عثمان . لا يقنعون في هذه الكرة الا أن يعتزل ، أو يسلمهم مروان بن الحكم ، او يعزلوه عنوة . وجاء في رواية ( شداد بن أوس ( ان عليا رضي الله عنه ، خرج من منزله يومئذ معتماً بعامة رسول الله متقلداً سيفه ، أمامه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين والأنصار حتى جملوا على الناس وفرقوهم ، ثم دخلوا على الخليفة فسلم عليه علي . وقال بعد تمهيد وجيز : " .. لا ارى القوم الا قاتليك ، فمرنا فلنقاتل ، فقال الخليفة : انشد الله رجلا رأى الله حقاً ، وأقر أن لي عليه حقاً ، ان يهرق في سبي ملء محجمة من دم أو يهريق دمه في ، فأعاد على القول ، فأعاد عليه هذا الجواب . ثم خرج من عنده الى المسجد ، وحضرت الصلاة فنادوه : ( يا أبا الحسن . تقدم فصل" بالناس ، فقال : ( لا أصلي بكم والامام محصور، ولكني أصلي وحدي ، ثم صلى وحده وانصرف الى منزله، وترك ابنيه مع أبناء زمرة من الصحابة في حراسة دار الخليفة ليعلم الثوار انهم معتدون على كل ذي خطر في الاسلام أن وصلوا الى الخليفة باعتداء . عساهم ان علموا ذلك أن يتهيبوا المركب ، فلا ينزعوا بالشر غاية منزعه . -Yالا ان الثوار علموا أنهم مأخوذون بالانتظار مغلوبون بالمطاولة فتسوروا الدار وولغوا في دم طهور لوهان على صاحبه أن تسفك الدماء في سبيله لعنا عليهم أن يسفكوه .

وللافاضة في مقتل عثمان وعبرة هذا المقتل ، مكان غير هذا المكان ، وكتاب غير هذا الكتاب . فانما نحن في صدد الموقف الذي وقفه على من هذه الجريمة ، وما ينم عليه هذا الموقف من خلقه ورأيه وسريرته وجهره . وانما يعنينا هنا أن نسأل : أكان عليه وزر في هذه الجريمة ؟ أكان في مقدوره عمل صالح يعمله لانقاذ عثمان من هذا المصير ؟ . ونحن لا نسأل هذا السؤال لنرجع في جوابه الى جدل المجادلين وأقاصيص المادحين والقادحين . فقد سال في الخلاف على هذا السؤال دم غزير ومداد كثير ، وليس علينا نحن أن نزيد قطرة أو قطرات على هذا البحر المسجور الذي لا ري فيه . ليس علينا هذا ، لأننا نستطيع أن نعبره الى حقيقة ماثلة لمن يشاء أن يراها ، وفيها الغنى - ولو بعض الغنى - عن الاسباب في السؤال والجواب . فالحقيقة التي لا يطول فيها الريب، ان عليا رضي الله عنه لم يكن <-Yoأقدر على اجتناب هذا المصير من معاوية أو من عثمان نفسه ، لو شاء عثمان أن يستمع إلى بعض الناصحين اليه فقد كان معاوية والياً عزيزاً ، له جند يرسله الى الخليفة فيحميه في الشدة اللازمة وأن أباه ، وكان لمعاوية قبول عند عثمان لم يكن لعلي ولا لأحد من خلصائه ، وكان هو أقمن أن يميل بعثمان إلى الرضا بالحراسة أو الرضا بالرحلة الى مكة أو الشام ، لو أراد . وكان في وسع عثمان أن يرحل الى مكة ، وهي آمن له من المدينة ، أو يرحل الى الشام وقد كانت مفتوحة له قبل أن تغلقها الفتنة ويمرد الثوار في العصيان . أما على فقد كان موقعه أصعب موقف يتخيله العقل في تلك الأزمة المحفوفة بالمصاعب من كل جانب . كان عليه أن يكبح الفرس عن الجماح ، وكان عليه أن يرفع العقبات والحواجز من طريق الفرس . كلما حيل بينها وبين الانطلاق . كان ناقداً لسياسة عثمان وبطانته التي حجبته عن قلوب رعاياه . ناصحاً للخليفة باقصاء تلك البطانة ، وتبديل السياسة التي تزينها له و تغريه باتباعها وصم الآذان عن الناصحين له بالاقلاع عنها . وكان مع هذا أول من يطالب بالغوث ، كلما هجم الثوار على تلك - ٧٦ البطانة ، وهموا باقصائها عنوة من جوار الخليفة كان الثوار يحسبونه أول مسئول عن السعي في الاصلاح ، وكان الخليفة يحسبه أول مسئول عن تهدئة الحال وكف أيدي الثوار . ولم يكن في العالم الاسلامي كله رجل آخر يعاني مثل هذه المعضلة التي تلقاه من جانبيه كلما حاول الخلاص منها ، ولا خلاص ! وضاعف هذا الحرج الشديد الذي كان يلقاه في كل خطوة من خطواته ، انه لم يكن بموضع الحظوة والقبول عند الخليفة حيثما وجب الاصغاء الى الرأي والعمل بالمشورة . وانما كان مروان بن الحكم موضع الحظوة الأول بين المقربين اليه .. لا ينجو من احدى جناياته التي كان يجنيها على الحكومة والرعية حتى يعود الى الخليفة فيوقع في روعه ان عليا واخوانه من جلة الصحابة هم الساعون بين الناس بالكيد له وتأليب الثائرين عليه، وأنه لا أمان له الا أن يوقع بهم ويعرض عنهم . ويلتمس الأمان عند عشيرته وأقربائه، ومن هم أحق الناس بسلطانه وأصدقهم رغبة في دوامه . ففي المؤتمر الذي جمعه الخليفة للتشاور في اصلاح الأمر وقمع الفتنة ، ولم يكن على مدعواً ولا منظوراً اليه بعين الثقة والمودة . بل كان المدعوون إلى المؤتمر من أعدائه والكارهين لنصحة. وهم معاوية وعمرو بن العاص وعبدالله بن أبي سرح وعبدالله بن عامر وسعيد بن العاص ، وهم في جملتهم أولئك الولاة الذين شكاهم علي وجمهرة الصحابة ، صدور المهاجرين والأنصار . وبرمت بهم قال لهم عثمان : ( ان لكل امرىء وزراء ونصحاء ، وانكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي . وقد صنع الناس ما قد رأيتم ، وطلبوا الي أن أعزل عمالي ، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون الي ما يحبون . فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي ) . قال معاوية : ( أرى لك يا أمير المؤمنين أن ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم ، وأنا ضامن لك ما قبلي ) . رأي رجل يريد أن يحتفظ بولايته، ولا يريد أن يغضب أحداً من أصحاب الولايات في غير مصره . وقال عبد الله بن عامر : ( رأبي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمهرهم في المغازي حتى يدلوا لك . فلا تكون همة أحدهم الا نفسه . . رأي رجل يريد أن يشغل الناس عن الشكوى ولا يريد أن يزيلها ثم هو لا يبالي أن يخلق جهاداً تسفك فيه الدماء في غير جهاد مطلوب . وقال عبد الله بن سعد : ( أرى يا أمير المؤمنين ان الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم » . رأي رجل يشتري الرضا بالرشوة ، ويستبقي ما في يديه منها . ، -YAوقال عمرو بن العاص ، وهو بين السخط على ولاية فاتها والطمع في ولاية برجوها : ( أرى انك قد ركبت الناس بما يكرهون ، فاعتزم أن تعدل . فإن أبيت ، فاعتزم أن تعتزل . فإن أبيت ، فاعتزم عزماً وامض قدماً » . رأي رجل عينه على الخليفة وعينه على الثوار، ولهذا بقي حتى تفرق المجتمعون . ثم قال للخليفة حيث لا يسمعه أحد غيره : ( والله يا امير المؤمنين لأنت أعز علي من ذلك . ولكني قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فاردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي . فأقود إليك خيراً وأدفع عنك شراً ... .

وكان هؤلاء هم الوزراء والنصحاء وأهل الثقة عند عثمان ، ومن ورائهم مروان بن الحكم يلازمه ويكفل لهم ان يحجب النصحـاء عنه ، وفي مقدمتهم علي واخوانه . ثم تفرق المؤتمرون وقد رد عثمان كل عامل إلى عمله ، وأمره بالتضييق على من قبله ... فكانت حيلة علي في تلك المعضلة العصيبة جد قليلة ، وكان الحول الذي في يديه أقل من الحيلة . الا انه مع هذا قد صنع غاية ما يصنعه رجل معلق بالنقيضين، معصوب بالتبعتين ، مسئول عن الخليفة أمام الثوار ومسئول عن الثوار أمام الخليفة .. -19جاءه الثوار مرة من مصر . خاصة ، يتخطون الخليفة اليه ويعرضون الخلافة عليه . فلقيهم أسوأ لقاء ، وأنذرهم لئن عادوا اليها ليكونن جزاؤهم عنده وعند الخليفة القائم ، جزاء العصاة المفسدين في الأرض . وجاءوه مرة أخرى وحجتهم ناهضة ، ودليل التهمة التي يتهمون بها بطانة عثمان في أيديهم . جاءوه بالخطاب الذي وجدوه في طريق مصر مع غلام عثمان ، يأمر عامله بقتلهم بعد أن وعدهم خيراً وأجابهم الى تولية العامل الذي يرضيهم. فلم تخدعه حجتهم الناهضة ، ولم يشأ أن يلي لهم في ثورتهم واحتجاجهم من جراء ذلك الخطاب المشكوك فيه . وجعلهم متهمين مسئولين بعد أن كانوا متهمين سائلين ، فقال لهم : ( وما الذي جمعكم في طريق واحد ، وقد خرجتم من المدينة متفرقين كل منكم الى وجهة ؟ » .

وكانت حيرة على بين التقريب والابعاد اشد من حيرته بين الخليفة والثوار . فكان يؤمر تارة بمبارحة المدينة ليكف الناس عن الهتاف باسمه ، ويستدعى اليها تارة ليردع الناس عن مهاجمة الخليفة . فلما تكرر ذلك ، قال لابن عباس الذي حمل اليه رسالة عثمان بالخروج الى ماله في ينبع : « يا عباس. ما يريد عثمان الا أن يجعلني جملاً ناضحا بالغرب اي الدلو - أقبل وادبر . بعث الي أن أخرج ، ثم بعث الي أن اقدم ، 11.1 ثم هو الآن يبعث الي أن أخرج. والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً » . ثم بلغ السيل الزبى ، كما قال عثمان رضي الله عنه ، فكتب علي يذكر له ذلك ويقول : إن أمر الناس ارتفع في شاني فوق قدره. وزعموا أنهم لا يرجعون دون دمي ، وطمع في من لا يدفع عن نفسه " فان كنت ماكولا فكن خير آكل والا فأدركني ولما امزق فعاد علي ، وجهد في انقاذ الخليفة جهده ، ولكنه كان يعالج داء استعصى دواؤه وابتلي به أطباؤه . فكلهم يريد تغييراً يأتي من قبل الغيب أو يأتي من قبل الآخرين ، ولا يغير شيئاً من عمله أو مستطاعه. ولعل الخليفة لو شرع في التغيير المرجو يومئذ لما أجدى عليه عظيم جدوى ، لفوات أوانه وانطلاق الفتنة من أعنتها ، وامتناع التوفيق والصفاء بعد ما وقر في النفوس ولغطت به الأفواه . وعد الخليفة وعده الأخير . ليصلحن الأحوال ويبدلن العمال . وأحاطت به بطانته كدأبها في أثر كل وعد من هذه الوعود ، تنهاه أن ينجزه وتخيفه من طمع الناس فيه ، ان هو أنجز ما وعدهم حين تو عدوه . وكانت المرأة أصدق نظر من الرجال في هذه الغاشية التي تضل فيها العقول . فأشارت عليه امرأته السيدة نائلة باسترضاء علي والاعراض -11- عبقرية الامام علي (٦) سماعه عن هذه البطانة ، ولم يكن أيسر على بطانته من اقناعه بضعف هذا الرأي من امرأة ضعيفة . فكان مروان يقول له : ( والله لإقامة على بعد خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوف عليها . . وكان هو يأذن له أن يخرج ليكلم الناس، فلا يكلمهم الا بالزجر والاصرار . كما قال لهم يوماً : ما شأنكم قد اجتمعتم كانكم جئتم لنهب . شاهت الوجوه . جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا . ارجعوا إلى منازلكم ، فأنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا . . اذن بطلت الروية ، ولم يبق الا لحظة طيش لا يدرى كيف تبدأ ، ولا يؤتى لأحد اذا هي بدأت أن يقف دون منتهاها .

هجم الثوار على باب الخليفة، فمنعهم الحسن بن علي وابن الزبير و محمد ابن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وطائفة من أبناء الصحابة . واجتلدوا فمنعهم عثمان ، وقال لهم : ( انتم في حل من نصرتي وفتح الباب ليمنع الجلاد حوله . ثم قام رجل من أسلم يناشد عثمان أن يعتزل ، فرماه كثير بن الصلت الكندي بسهم فقتله ، فمن جنون الثوار يطلبون في القاتل من عثمان ، وعثمان يأبى أن يسلمه ويقول لهم : « لم أكن لأقتل رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي .. وعز على الثوار أن يدخلوا من -AYالباب الذي كان قد أغلق بعد فتحه ، ـه ، فاقتحموا الدار . حولها . واقدموا على فعلتهم النكراء بعد احجام كثير . من الدور التي لو لم تقع الواقعة في هذه اللحظة الطائشة ، لوقعت في لحظة غيرها لا يدرى كيف تبدأ هي الأخرى . فانما هي بادرة واحدة من رجل واحد ا تسوق وراءها كل مجتمع حول الدار من المهاجمين أو المدافعين ، ولا أكثر من البوادر بين ثوار لا يجمعهم رأي، ومدافعين لا يضبطهم عنان .. ونقل الخبر الى المسجد ، وفيه على جالس في نحو عشرة من المصلين فراعه منظر القادم وسأله : ( ويحك ما وراءك ؟ ، قال : « والله قد فرغ من الرجل ، فصاح به : ( تبا لكم آخر الدهر . ، وأسرع الى دار الخليفة المقتول . فلطم الحسن، وضرب الحسين ، وشتم محمداً بن طلحة وعبد الله ابن الزبير وجعل يسأل ولديه : كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب ؟ ، فأجاب طلحة : ( لا تضرب يا أبا الحسن ولا تشتم ولا تلعن، لو دفع مروان ما قتل » .

قال سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه : « بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان ، وأميرها الغافقي بن حرب ، يلتمسون من يجيبهم الى القيام بالأمر، والمصريون يلحون على علي وهو يهرب الى الحيطان ، ١ - البساتين. ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه ، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم ، فقالوا فيما بينهم : لانولي أحداً من هؤلاء الثلاثة. فمضوا الى سعد بن أبي وقاص فقالوا : انك من أهل الشورى . فلم يقبل منهم ، ثم راحوا الى ابن عمر فأبى عليهم ، فحاروا في أمرهم . ثم قالوا : ان نحن رجعنا الى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمارة اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم ، فرجعوا الى علي فالحوا عليه ، وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس وكلهم يقول : لا يصلح لها الا علي. فلما كان يوم الجمعة وصعد على المنبر ، بايعه من لم يبايعه بالأمس وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء ، فقال قائل : « انا لله وانا اليه راجعون ، ثم الزبير ، ثم قال الزبير ( انما بايعت عليا واللج على عنقي والسلام . » وهذا الخبر على وجازته ، قد حصر لنا أسماء جميع المرشحين للخلافة بالمدينة عند مقتل عثمان . وربما كان أشدهم طلباً لها طلحة والزبير ، اللذان أعلنا الحرب على علي بعد ذلك . فقد كانا يهدان لها في حياة عثمان ، ويحسبان أن قريشاً قد أجمعت أمرها ألا يتولاها هاشمي، وأن علياً وشيك أن يذاد عنها بعد عثمان كما ذيد عنها من قبله ، وكانت السيدة عائشة تؤثر أن تثول الخلافة الى واحد من هذين . أو إلى عبد الله ابن الزبير ، لأن طلحة من قبيلة تيم والزبير زوج أختها أسماء، وفي تأييد السيدة عائشة لواحد منهم مدعاة أمل كبير في النجاح . على أن الرأي هنا لم يكن رأي قريش، ولا رأي بني هاشم . فلو ان -Atعثمان مات حتف أنفه ، ولم يذهب ضحية هذه الثورة لجاز أن تجتمع قريش فتعقد البيعة الخليفة غير علي بن أبي طالب ، وجاز أن يختلف بنو هاشم . فلا يجتمع لهم رأي على رجل من رجالهم الثلاثة المرشحين للخلافة ، وهم : عقيل ، وعلي ، وابن عباس .

ولكنها الثورة الاجتماعية التي تنشد رجلها دون غيره ولا محيدلها عنه . فان ترددت أياماً ، فذاك هو التردد العارض الذي يرد على الخاطر لا محالة ، قبل التوافق على رأي جازم. ثم لا معدل للثورة عن الرجل الذي تتجه اليه وحده على الرغم منها .. فطلحة والزبير، كانا يشبهان عثمان في كثير مما أخذه عليه المتحرجون في الدين، وتمرد له الفقراء المحرومون . كانا يخوضان في المال ، ولا يفهمان الزهد والعلم على سنة الناقمين المتزمتين ، فاذا طلب الثائرون خليفة على شرطهم ووفاق رجائهم . فما هم بواجديه في غير علي بن أبي طالب، وقد قال بحق : ٥ ان العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر ، ولو شاء لقال عن الخاصة الذين لا يطمعون في الخلافة مقالته عن العامة في انقيادهم اليه بغير رهبة ولا رغبة . فقد كان أولئك الخاصة جميعاً على رأي العامة في حكومة عثمان وبطانته ، وأن أخفى بعضهم لومه . ولم يذهب بعضهم في اللوم مذهب الثوار في النزق وسفك الدماء . 1101 ونعتقد كما أسلفنا أن هذه الحقيقة هي أولى الحقائق بالتوكيد والاستحضار ، كلما عرض أمر من أمور الخلاف والتردد في خلافة علي رضي الله عنه . فاذا هي فهمت على وجهها ، فكل ما عداها مفهوم البواطن والظواهر منسوق الموارد والمصادر . واذا هي لم تفهم على الوجه الأمثل أو تركت جانباً ، وبحث الباحثون عن العلل والعواقب في غيرها فالعهد كله غامض مجهول ، والموازين كلها مختلفة منقوصة سواء في تقدير الرجال أو تقدير الأعمال، وجاز حينئذ أن يرمى علي بالخطأ . ولا خطأ عنده يصححه غيره في موضعه ، وانما هو حكم الموقف الذي لا محيد عنه . وجاز كذلك أن ينحل خصومه فضل الصواب ولا صواب عندهم، لأنهم مضطرون الى ورود هذا المورد . فكروا فيه أو طرقوه اعتسافاً بغير تفكير فلم تكن المسألة خلافاً بين علي ومعاوية على شي واحد ، ينحسم فيه النزاع بانتصار هذا أو ذاك . ولكنها كانت خلافاً بين نظامين متقابلين متنافسين : احدهما يتمرد ولا يستقر ، والآخر يقبل الحكومة كما استجدت ويميل فيها الى البقاء والاستقرار أو هي كانت صراعاً بين الخلافة الدينية كما تمثلت في علي بن أبي طالب ، والدولة الدنيوية كما تمثلت في معاوية بن أبي سفيان .

-17وليس موضع الحسم فيها أن ينتصر علي .. فيحكم في مكان معاوية ، أو ينتصر معاوية فيحكم في مكان علي ، بل موضع الحسم فيها مبادىء الحكم كيف تكون اذا تغلب واحد منهما على خصمه ؟ أتكون مبادىء الخلافة الدينية أو مبادىء الدولة الدنيوية ؟. أتكون مباديء الورع والزهادة أو مبادىء الحياة على أساس الثروة الجديدة ، كما توزعت بين الأمصار وتفرقت بين السراة والاجناد والاعوان ؟ فلو أن علياً ملك الشام ومصر والعراق والحجاز، وجرى في سياستها على سنة أصحابه من الحفاظ والقراء ومنكري البذخ والاسراف لبقيت المشكلة حيث كانت ، ولم تغن هزيمة معاوية الا ريثما يتجرد للدولة منازع آخر يحاول الغلبة من حيث فشل . ولو أن معاوية ملك المدينة الى جانب ملكه ، وجرى في سياستها على سنة الحفاظ والقراء لما أرضاهم، ولا انقاد له احد من أشياعه . فالحسم حق الحسم هنا ، انما تغلب مبادىء الملك أو مبادىء الخلافة.. ولا حيلة لعلي ولا لمعاوية في علاج الأمر على غير هذا الوجه ، لو جهد له جهد الطاقة وقد كان الموقف بين الخلافة والملك ملتبساً متشابكة في عهد عثمان : كان نصف ملك ونصف خلافة ، أو كان نصف زعامة دينية ونصف امارة دنيوية . - AVفوجب اولا ان يتضح الموقف بينهما ، وان يزول الالتباس عن فلق صريح . ووجب وقد زال الالتباس ، وتقابل الضدان اللذان لا يتفقان ، ان يبلغ الخلاف مداه . ولن يزال قائماً حتى تكتب الغلبة لمبدأ من المبدأين وحكم من الحكمين، وليس لعلي أو معاوية على التخصيص . هذه هي العلة الكبرى التي تنطوي فيها جميع العلل الظاهرة . و خليق بكل علّة أخرى أن تكون تعلة موضوعة يستر صاحبها غير ما يبطن ، أو ينخدع في زعمه وهو غافل عن معناه . خذ لذلك مثلا علة طلحة وأصحابه الذين ثاروا على علي ليطلبوه بدم عثمان ، وهم لم يدفعوا عنه في حياته بعض ما دفع علي عنه . وقد كان طلحة . أعطيته كذا وكذا ذهبا وهو عثمان كثيراً ما يقول : ( ويلي . من يروم دمي . اللهم لا تمتعه به ولقه عواقب بغيه ) . وساء ظن الناس بنقمة طلحة على عثمان حتى حدث بعضهم أنه رآه . يوم مقتله يرمي الدار ، ويقود بعض الثائرين الى الدور المجاورة ليهبطوا منها الى دار عثمان ، وهو حديث يفتقر الى السند الوثيق ، ولكنه يتم على ظن الناس بصداقة طلحة للخليفة المقتول . -AAوخذ لذلك مثلاً حجة معاوية حين علل ثورته باتهام علي في دم عثمان وعلل اتهامه لعلي بتقصيره في القود من الثائرين . وهم ألوف يحملون السلاح ، وهو لم يسكن بعد الى سلطان يعينه على القود من هؤلاء الألوف المسلحين . فماذا صنع معاوية بقاتلي عثمان حين صار الملك اليه ؟ ووجب عليه أن ينفذ العقاب الذي من أجله ثار واستباح القتال ؟ انه اتبع عليا فيا صنع ، وأبى أن يذكر الثار المقيم المقعد، وقد ذكروه به وألحوا في تذكيره . ولقد كان أول ما سمعه يوم زار المدينة ودخل بيت عثمان صيحة عائشة إبنته وهي تبكي : ( وا أبتاه » فلم تزده الصيحة المثيرة إلا إصراراً على الاغضاء والاعفاء . وقال لها يعزيها : « يا ابنة أخي . ان الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أماناً ، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب ، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد ، ومع كل انسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره. فان نكتنا بهم نكثوا بنا ، ولا ندري أعلينا تكون أم لنا ولئن تكوني بنت عم أمير المؤمنين خيراً من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين . »

ولو كانت الثورة كلها من أجل عثمان لما انتهت بهذا التسليم الهين . ولكان عذر علي في بداية المحنة أعظم حجة ، وأحق بالقبول . أو خذ لذلك مثلا علة عمرو بن العاص ، وقد كان أول الناصحين العثمان بالاعة ال ، بل كان يخطب عثمان ليسترضي الناس ، وعمرو يصيح -19به من صفوف المسجد : « اتق الله يا عثمان ، فانك قد ركبت أموراً وركبناها معك. فتب الى الله تتب .. ثم ترك عثمان في المدينة بين المؤتمرين به ومضى الى فلسطين ، وسمع وهو يقول : ( والله اني كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان ) . فكل علة للثورة على خلافة علي ، فهي تعلل موضوع ينخدع به قائله أو يخدع به غيره . إلا تلك العلة التي طوت فيها جميع العلل ظاهرها وخافيها وصريحها ومكذوبها . وهي الخلاف بين مبادىء الخلافة الدينية ومبادىء الدولة الدنيوية، وضرورة الفصل بين هاتين الخطتين . وان كان في ظاهره فصلاً بين رجلين . فلما بويع بالخلافة ، كانت هذه البيعة ايذانا بانقسام الحلقة بين الندين للصراع الاخير ، أو كانت ايذاناً باصطفاف المتسابقين الى غاية لا بد من بلوغها . ولن تخطر على البال غاية لهذا السباق المحتوم غير انتهاء الخلافة أو انتهاء الملك على النحو الذي تهيأت له عناصر النظام الاجتماعي الجديد . فأما انتهاء الملك في بدايته ، فقد كان بعيداً - بل كان عسيراً جداً في تلك الآونة - كما يعسر إنطفاء النار وهي تهب بالاشتعال ... وأما انتهاء الخلافة فهو الذي كان ، وهو الذي كان منظوراً ان يكون ، ولم يكن غيره بمنظور . فمن الفضول لوم علي على شيء 1901 1 من الأشياء التي أفضت الى هذه الخاتمة ، وهي محتومة ليس عنها محيد . إذ لم يكن طبيعياً أن يصمد الناس على سنة النبوة أكثر من جيل واحد ، تثوب بعده الطبائع إلى فطرتها من نشأة جلال الخلافة النبوية ، وهي في إبان النضال والحمية الدينية ، فتنسى المطامع وتسهو عن الحزازات وتستعذب الألم والفداء إلى مدى الطاقة الانسانية ، ولكنها تبلغ مدى الطاقة الانسانية بعد حين ، وتفتر عن النهوض من قمة الى قمة . فتركن آخر الأمر إلى الأرض السواء حيث لا حافز ولا مستنهض ، إلا مجاراة الطبيعة في مجاريها التي لا تشق عليها ، وأن المصلحين ليرضون غاية الرضا حفظت من اصلاحهم عند ذلك وازعاً يهديها بعد ضلالة عمياء ، ويردعها بعد جماح مريد ، ويكفكف من غلوائها ما كان من قبل منطلقاً بغير عنان .. اذا هي . وقد نظر النبي عليه السلام بعين الغيب الى هذا المصير فقال : «الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك ) . وأنبا بانقسام الفرق وتشعب الاهواء ، وكأنما كان ينظر إلى ذلك بعينيه صلوات الله عليه . واتبع علي من اليوم الأول في خلافته أحسن السياسات التي كان له أن يتبعها ، فلا نعرف سياسة أخرى أشار بها ناقدوه أو مؤرخوه ثم أقاموا الدليل على انها خير من سياسته في صدق الرأي وأمان العاقبة ، أو انها كانت كفيلة باجتناب المآزق التي ساقته الحوادث اليها . -91فمن اللحظة الأولى ، أخذ في تجنيد قوى الخلافة الدينية التي لا قوة له بغيرها .. فعزل الولاة الذين استباحوا الغنائم المحظورة، وتمر غوا بالدنيا ، وطمعوا وأطمعوا رعاياهم في بيت مال المسلمين ، وأثاروا على عثمان سخط السواد وسخط الفقهاء المتحرجين والحفاظ الغيورين على فضائل الدين . ورد القطائع التي وزعتها بطانة عثمان بين المقربين وذوي الرحم ، فصرفتها عن وجوهها التي جعلت لها من اصلاح المرافق واغاثة المفتقرين اليها على شرعة الانصاف والمساواة . ورجع الى خطة أبي بكر وعمر في تجنيب الصحابة الطامحين الى الامارة فتنة الولايات ، مخافة عليهم من غوايتها وابعاداً لهم من دسائس الشيع والعصبيات . فلما طالبه طلحة والزبير بولاية العراق واليمن ، قال لهما : بل تبقيان معي لأنس بكما ، وسأل ابن عباس : « ما ترى ؟ » فأشار بتولية الزبير البصرة وتولية طلحة الكوفة . قال علي : ( ويحك . . ان العراقين بهما الرجال والأموال ومتى تملكا رقاب الناس يستميلان السفيه بالطمع ، ويضربان الضعيف بالبلاء ، ويقويان على القوي بالسلطان ولو كنت مستعملا أحداً لضره أو نفعه لاستعملت معاوية على الشام ، ولولا ما ظهر من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي " .

1 1 نعم ، ان هذه السياسة أغضبت منافسيه وطالبي المنفعة الدنيوية على يديه . ولكن السياسة الأخرى كانت تغضب أنصاره ولا تضمن رضا المنافسين ودوامهم على الرضا والوفاق بينهم في تأييده . وكانت تخالف عقيدته التي يدين بها نفسه وأقرب الناس اليه ، وتخالف وعده وعقيدة الناس فيه . ولكن يكون مالكاً غالباً بسياسة الملك على كل حال ، فان لم يكن خليفة فما هو بشيء ، وان كان خليفة وملكا فهي خطة عثمان التي لم تستقم قط على وجه من وجهيها ومصيرها معروف ، وان كان خليفة ولا اختيار له في ذلك فكل ما صنع فهو الحكمة كاحسن ما تراض له الحكمة ، وهو السداد كأقرب ما يتاح له السداد . وعلم ان قريشاً لا ينصرونه ، فنقل العاصمة من المدينة الى الكوفة . لأن قريشاً كانوا هاشميين وهم لا يتفقون على بيعته ، وقد تركه أقربهم اليه ورحل الى معاوية طمعاً في رفده، أو كانوا أمويين وهم حزب معاوية وأهل عشيرته وبيته ، أو من تيم وهم حزب طلحة ، أو من عدي وهم يؤثرون عبدالله بن عمر بن الخطاب ، أو من قبائل أخرى ، وهم كما قال : قد هربوا الى الاثرة » .. فاذا أقام بينهم فهو مقيم بين أناس لا ينقطع لهم طلب ولا يضمن لهم ولاء . ولم تمض أيام معدودة على مبايعة الخليفة الجديد حتى انتظمت صفوف الحجاز كله له أو عليه . فكان معه جميع الشاكين لأسباب دينية أو دنيوية ، وكان عليه جميع الولاة الذين انتفعوا في عهد عثمان ، وجميع الطامعين في الانتفاع بالولاية والأموال العامة . وحالت الخلافة الجديدة بينهم وبين ما طمعوا فيه . وعلى رأس هؤلاء طلحة والزبير

فحشدوا جموعهم إلى البصرة ، وصحبتهم السيدة عائشة لأنها كانت ترغب في خلافة طلحة . لقيها ابن عباس على مقربة من المدينة وهو أمير على الحج من قبل عثمان ، ولما يزل قائماً بالخلافة ، فقالت له : « يا ابن عباس . أنشدك الله فانك قد أعطيت لساناً از عيلا - أي ماضيا - أن تخذل عن هذا الرجل - تعني عثمان - وأن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت ورفعت لهم المنار، وتحلبوا من البلدان الأمر قـــــد جم . وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح . فان يل يسير بسيرة ابن عمه أبي بكر رضي الله عنه ، فأجابها ابن عباس : ( يا أمه ! لو حدث ما فزع الناس الا الى صاحبنا ، أي علي فقالت : ( أبيها عنك .. اني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك ) . فلما بويع علي في المدينة، لم تكن من أنصاره ولا مع الباقين على الحيدة بينه وبين خصومه. ولعلها لم تنس بعد نصيحته للنبي عليه السلام في مسألة الافك التي قيل انه أشار فيها بتطليقها ، فخرجت الى البصرة مع المطالبين بثار عثمان ، وكانت هنالك وقعة الجمل التي سميت بهذا الاسم لاحتدام <-91I القتال فيها حول جملها وهو دجها . فانتصر علي ، وقتل الزبير ، ومات طلحة يجرح أصابه في المعركة، وحسم القتال بالصلح بين الفريقين في الحجاز والعراق . على أن هذا النصر العاجل، لم يخل من آفة تكدره وتنذر بالمخاوف التي يوشك أن يلقاها علي في حربه لخصومه الباقين بعد موت طلحة والزبير . وأقواهم معاوية بن أبي سفيان صاحب الشام . فقد كشفت وقعة الجمل عن مصاعب القيادة في جيش من المتمردين والمتذمرين . فانهم يستحمسون في عقيدتهم ، وهي فضيلة من فضائل الجيوش المقاتلة ، ولكنهم من جراء هذه الحماسة نفسها عرضة للعناد والتمادي في اللدد وإعجال قائدهم عن انعام الروية وانتظار الفرص المؤاتية .. فقد كان علي يميل - كدأبه - إلى مفاتحة الخارجين عليه في المهادنة أو المصالحة ، وكان معه جماعة السبئية - أتباع عبد الله بن سبا - وهم أخلص الناس له وأغيرهم عليه ، ولكنهم لفرط غيرتهم ولددهم في عداوتهم لم يقنعوا بما دون القضاء على خصومه، ولم يقبلوا التوسط في الصلح دون الغلبة التي لا هوادة فيها . فدهموا القوم وأوقدوا جذوة الحرب ، قبل أن يفرغ على من حديث المهادنة والتقريب بينه وبين أصدقائه الذين خرجوا عليه . وكانت هذه أولى العثرات الكبار التي أعثرته بها حماسة المتمردين -90والمتذمرين في جيشه، ولم تزل تتعاقب وتتفاقم عليه حتى مني بالعثرة التي لا تقال . .. وكان ذلك في وقعة صفين . فانه نظر بعد غلبته في العراق ، فلم يجد أمامه خصماً يقف في طريق الخلافة الا جيش معاوية بالشام، فعمد معه الى خطته التي جرى عليها مع خصومه كافة حيث كانوا وكانت منزلتهم من الجاه والقوة ، ونعني بها خطة المسالمة والبدء بالاقناع . فطالت المراسلة منه الى معاوية ، ومن معاوية اليه ، وفي مثل واحد منها، ما يغني عن كثير . كتب الى معاوية بعد وقعة الجمل ، وقد سبقته كتب كثيرة من المدينة : سلام عليك . أما بعد ، فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعثمان على ما بويعوا عليه . فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد ، وانما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فاذا اجتمعوا على رجل وسموه اماما كان ذلك الله رضى ، وان خرج عن أمرهم ردوه إلى ما خرج عنه ، فان أبي قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً . وان طلحة والزبير بايعاني ثم تقضا بيعتهما ، وكان نقضها كردهما، فجاهدتها بعد ما أعذرت اليها ، حتى جاء الحق وظهر أمر الله ، وهم كارهون . فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فان أحب الأمور الي قبولك - ٩٦ - 1 1 العافية ، وقد أكثرت في قتلة عثمان ، فان رجعت عن رأيك وخلافك ودخلت فيا دخل فيه المسلمون . ثم حاكمت القوم إلى حملتك واياهم على كتاب الله . وأما تلك التي تريدها - يعني الخلافة - فهي خدعة ـ الصبي عن اللبن . ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنني أبرأ (1) قريش من دم عثمان ، واعلم انك من الطلقاء " الذين لا تحل لهم الخلافة ولا يدخلون في الشورى وقد بعثت اليك وإلي من قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الايمان والهجرة. فبايعه ، ولا قوة الا بالله » ' فرد عليه معاوية بما يلي : . سلام عليك. أما بعد ، فلعمري لو بايعك الذين ذكرت وأنت بريء من دم عثمان ، لكنت كابي بكر وعمر وعثمان. ولكنك أغريت بدم عثمان وخذلت الانصار، فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف . وقد أبي أهل الشام الاقتالك حتى تدفع اليهم قتلة عثمان ، فان فعلت كانت شورى بين المسلمين . وانا كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحق فيهم، فلما فارقوه كان الحكام على الناس أهل الشام ، ولعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على طلحة والزبير ، ان كانا بايعاك فلم أبايعك أنا . فأما فضلك في الاسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلست أدفعه » .

    • *

١ - اطلق معاوية وابوه من الامر يوم فتح مكة عبقرية الامام علي (٧) و من رد معاوية هذا ، تبدو النية الواضحة في فتح أبواب الخلاف واحداً بعد واحد . كلما أغلق باب منها بقي من ورائه باب مفتوح ، لا ينتهي الخلاف باغلاقه . فتسليم قتلة عثمان لا يكفي ، لأن علياً نفسه متهم بالاغراء والتخذيل وبراءة على من هذه التهمة لا تكفي لأن المرجع بعد ذلك إلى الشورى والنظر في البيعة من جديد . وشورى الحجازيين والعراقيين لا تكفي لأن الحق قد خرج منهم إلى أهل الشام ، وهم الحكام على الناس . لأنهم يحكمون لمعاوية ولا يحكمون لغيره . ومن ثم، بطلت الحجج والرسائل كما تبطل كل حجة وكل رسالة عند ما يقال باللسان غير ما يجول في الصدور وزحف علي من الكوفة الى صفين ووجد جيش معاوية على الماء . فتحاه عنه بعد أن أبى عليه معاوية أن ينحيه بغير قتال . وبدأت العثرات من ثم في كل خطوة يخطوها للسلام أو للقتال ، فلا يتحفز فريق من أنصاره للحرب حتى يثنيه فريق آخر يحرمها ولا يقول بوجوبها، وتحاجز القوم نيفا وثمانين فزعة . وتصاولوا في وقعات شتى غامرت بها طائفة من هنا وطائفة من هنا ، وقلما اشتبك فيها الجيشان في وقعة جامعة حتى كانت وقعة الهرير ، وحاقت الهزيمة بجيش معاوية وقيل انه هم بالفرار .. واذا بالمصاحف ترفع على الحراب من قبل جيش الشام ، واذا بالعثرة الكبرى التي لا خطوة بعدها في طريق فلاح . فان عليا نظر حوله ، فاذا بجيشه يوشك أن يقتتل فيما بينه نزاعاً على القتال أو القاء السلاح، وأن معاوية لفي غنى عن كفاح قوم لا يتفقون على كفاحه . فله منهم سيوف مشرعة لنصرته ، شاءوا أو لم يشاءوا ، وسيكفونه مئونة الحرب حتى يتفقوا بينهم على حربه وهيهات ! ولو كانت آفة الطاعة في جيش علي ، مقصورة على اجتهاد القراء والحفاظ ، وتعجل الغلاة والمتمردين. لكان في ذلك وحده ما يكفي .. اذ لافساد التدبير واضطراب القيادة وتعذر القتال على أصوله لا يستغني القائد في ميدان الحرب، ولا في ميدان السياسة ، عن الكتمان والمفاجأة وتحويل الخطط على حسب الطوارىء والمناسبات . فاذا كان في كل عمل من أعماله عرضة لاجتهاد أصحاب الفتاوي ، وكان أصحاب الفتاوي يفترقون عشرين وجهة في كل حركة من حركات الجيش ، فليست له خطة تكتم ولا خطة تنفذ . وليس عجيباً بعد ذلك ، أن ينهزم في ميدان القتال شر هزيمة يبتلى بها مقاتل. بل العجيب أن يتماسك فترة من الزمن - وان قصرت - أمام جيش يفوقه في العدد ويرجع في أمره إلى قيادة موحدة ونية مجتمعة ومشيئة مطاعة .

  • * *

ولكن الآفة مع هذا ، لم تكن كلها في اجتهاد الحفاظ وتعجل الغلاة. -99بل كان في الجيش أناس يخونون عهده ويشغبون عليه ، ويبدو من أعمالهم أنهم مسخرون لعدوه كارهون لانتصاره . فان لم يكونوا كذلك ، فالأمر الذي لا شك فيه انهم كانوا يعملون وهم عامدون - وغير عامدين - شر ما يعمله الخائن الخبيث الذي يتحين الفرص للعناد والشقاق ، وافشاء الخلل والخذلان في أحرج الأوقات . وأدهى من ذلك ، انه لم يكن قادراً على زجرهم والتنكيل بهم . لأن الجيش الذي يوجد فيه من يحرم حرب العدو ، لن يعدم أناساً يحرمون حرب النصير المقيم على ظاهر الطاعة ، وليس لك بينة قاطعة عليه ... ومثل من ذلك أيضاً يغني عن أمثال كثيرة ، وهو مثل الأشعث بن قيس أكبر سادات كندة وأخلقه أن ينصر حزباً على حزب ، لو خلصت نيته وبرئت شيمته من التقلب والغدر بأصحابه . طمح هذا الرجل الى الملك بعد موت النبي عليه السلام ، فدعا قومه أن يتوجوه . وحارب المسلمين مع المرتدين حتى حوصر في حصنه أياماً ، ويئس من الغلبة فاستسلم . على أن يصان دمه وبقية دم عشرة من أخصائه ، ثم فتح الحصن فقتل كل من فيه ونجا بالعشرة الذين اختارهم الى أبي بكر رضي الله عنه ، فقبل توبته وزوجه أخته أم فروة . فلما نشبت الفتنة بين على ومعاوية ، كان هو من حزب علي يتطلع للفرصة السانحة . -1..ثم زحف علي رضي الله عنه إلى صفين ، فكان الأشعث أول المندفعين الى القتال حين سد أهل الشام طريق الماء ، وجاء عليا يقول : ( يا أمير المؤمنين ! أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا سيوفنا ؟. ولني الزحف اليه . فوالله لا أرجع أو أموت ) . ولكنه عاد إلى المسالمة ، بعد إن وضح النصر في ليلة الهرير، فخطب في قومه من كندة قائلا : 6 ... قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي ، وما قد فني فيه من العرب . فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله ان أبلغ ، فما رأيت مثل هذا اليوم قط. ألا فليبلغ الشاهد الغائب أنا إن توافقنا غداً انه لفنيت العرب وضيعت الحرمات . أما والله ما أقول هذه المقالة خوفاً من الحرب ، ولكني رجل مسن أخاف على النساء والذراري غدا اذا فنينا . ثم ذهب الى علي رضي الله عنه بعد رفع المصاحف ، فقال له « ما أرى الناس الا قد رضوا وسرهم أن يجيبوا القوم الى ما دعوهم اليه من حكم القرآن . فان شئت أتيتُ معاوية فسألته ما يريد فنظرت ما يسأل ) . ولقي معاوية فسأله : ( يا معاوية .. لأي شيء رفعتم هذه المصاحف ؟ » -1.1قال : « لنرجع نحن وأنتم الى أمر الله عز وجل في كتابه . تبعثون منكم رجلا ترضون به ونبعث منا رجلاً ، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه . ثم تتبع ما اتفقا عليه ) . فقال الأشعث : « هذا الحق ! » وعاد الى علي ينادي بالتحكيم ، ويختار له هو وأنصاره رجلاً ينوب عن علي ، وعلي لا يرضاه .

وكان أنصار التحكيم قد تكاثروا واجترءوا على أمير المؤمنين ، فلم يبالوا أن يجبهوه بالقول السيىء منذرين متوعدين : يا علي ! أجب الى كتاب الله عز وجل اذا دعيت اليه ، والا ندفعك برمتك الى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفان . أنه عرض علينا أن نعمل بما في كتاب الله عز وجل فقبلناه . والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك » . وألحوا عليه أن يرد قائده الأشتر النخعي من ساحة الحرب ، والا اعتزلوه أو قتلوه . فقبل التحكيم وهو كاره . واختار أهل الشام عمر و بن العاص ، فقال الأشعث : " فإنا رضينا بأبي موسى الأشعري ) . قال علي : ( انه ليس لي بثقة . قد فارقني وخذل الناس عني ، ثم هرب مني حتى آمنته بعد أشهر ، ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك . قالوا : « لا نريد الا رجلا هو منك ومن معاوية سواء ، ليس الى واحداً منكما بأدنى من الآخر . . قال : ( فاني أجعل الأشتر » قال الأشعث - وهو ينفس على الأشتر مكانته وبلاءه من قبل - : ه وهل سعر الأرض غير الأشتر ؟ . أو قال : وهل نحن الا في حكم الأشتر ؟ » .. فلما رأى اصرارهم وقلة أنصاره على رأيه بينهم قال : « فقد أبيتم الا أبا موسى ؟ » قالوا : « نعم ! ) قال : ( فاصنعوا ما بدا لكم !

فهذا رجل من الزعماء المطاعين في جيش علي ، لم يدع من وسعه شيئاً لتغليب حزب معاوية على حزبه ، واسكثر عليه أن يكون الحكم الذي يختاره نصيراً له مؤمناً بحقه وصحة رأية . ولا طائل في البحث عن هذا الخذلان الصريح ، أكان هو الطمع في الملك بعد فشل علي أم النقمة على الأشتر النخعي في مكانته وبلائه، أم التواطؤ بينه وبين معاوية ٠١٠٣ علي منفعة مؤجلة ومكافأة موعودة . فانما النية الخبيثة ظاهرة وان استرت العلة ، وأيا كانت العلة الخفية فقد صنع الرجل غاية ما استطاع لتغليب حزب معاوية وخذلان الحزب الذي هو فيه. قال علي يصف قسمته من الأنصار ، وقسمته من النوازل والعثرات : لو أحبني جبل لتهافت » . وقال يصف أنصاره : أيها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، كلامكم يوهي الصم الصلاب ، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء . ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم أعاليل بأضاليل دفاع ذي الدين المطول . اي دار بعد داركم تمنعون ؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب ، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل ! . (1) اصبحت والله لا أصدق قولكم ولا أطمع في نصركم ، ولا أوعد العدو بكم ، ما بالكم ؟. ما دواؤكم .؟ ما طبكم .؟ القوم رجال أمثالكم ، أقولاً بغير علم ؟. . وغفلة من غير ورع ؟. وطمعاً في غير حق ؟. )

رهي صيحة لا تصف الا بعض ما يعانيه من حيرة ، لا مخرج له منها - الافوق هو السهم المكسور في موضع الوتر ، والفاصل العاوي من النصل . -11

في سياسة أصحابه . فانه لم يفرغ من التحكيم الذي أذعن له وهو كاره ، حتى فوجىء بطائفة أخرى من أنصاره يرمونه بالكفر لأنه قبل ذلك التحكيم ، وزعموه قبولا للتحكيم في كلام الله وفي دماء المسلمين، وهو عندهم كفر بواح ، أولئك هم الخوارج الذين حاربوه بالسلاح ، وكانوا يحرمون عليه حرب معاوية قبل ذلك ! ثم اجتمع الحكمان بدومة الجندل التي وقع عليها الاختيار لتكون وسطا بين العراق والشام . ولم يكن قرار الحكمين خافياً على من عرفوا أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، فان أبا موسى لم يكتم قط أن السلامة في اجتناب الفريقين والقعود عن القتال ، فليس أيسر من اقناعه بخلع صاحبه وخلع معاوية على السواء . ثم يرجع الرأي الى عمرو بن العاص في اقرار هذا الخلع أو الاحتيال فيه بالحيلة التي ترضيه . إلا ان الدهاة من العرب، كانوا يتوقعون من عمرو بن العاص أن يحتال لنفسه حتى يفرغ وسعه قبل أن يحتال لصاحبه الذي أنابه عنه ومن هؤلاء الدهاة المغيرة بن شعبه الذي اعتزل الفريقين من مطلع الفتنة الى يوم التحكيم ، فلما اجتمع الحكمان علم أنها الجولة الأخيرة في الصراع. فخرج من عزلته ودنا ليستطلع الأمور ، على سنة الدهاة من أمثاله ، إذ يتنسمون الريح قبل هبوبها ، ولا يقلقون أنفسهم بمهبها -1.0قبل أوانها . فلقي أبا موسى وعمرو بن العاص ، ثم ذهب الى معاوية وهو مشغول البال بطول الاجتماع بين الحكمين واضطراب الظنون فيا وراء هذا الابطاء المريب . فقال له وهو يرى اشتغال باله : « قد أتيتك بخبر الرجلين . » قال معاوية : وما خبر هما ؟. قال المغيرة : هاني خلوت بأبي موسى لأبلو ما عنده فقلت : ما تقول فيمن اعتزل عن هذا وجلس في بيته كراهية للدماء ؟ . فقال : أولئك خيار الناس ، خفت ظهورهم من دماء اخوانهم وبطونهم من أموالهم . فخرجت من عنده وأتيت عمرو بن العاص ، فقلت : يا أبا عبد الله ما تقول فيمن اعتزل هذه الحروب ؟ فقال : أولئك شرار الناس لم يعرفوا حقاً ولم ينكروا باطلا » . ثم عقب المغيرة قائلا « أنا أحسب أبا خالعاً صاحبه وجاعلها موسى ارجل لم يشهد ، وأحسب هواه في عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأما عمرو بن العاص فهو صاحبك الذي عرفته ، وأحسبه سيطلبها لنفسه أو لابنه عبدالله ، ولا أراه يظن انك أحق بهذا الأمر منه . » وقد أحس المغيرة حزره نقط الحرف بالحرف في تقدير نية الرجلين فانها ما اجتمعا هنيهة حتى أقبل أبو موسى على عمر و يقول له : ه يا عمرو !. هل لك فيا فيه صلاح الأمة ورضا الله ؟ ) -1.7قال : ( وما هو ؟ . » قال : ( نولي عبد الله بن عمر ، فانه لم يدخل في نفسه شيء من هذه الحروب . » فراغ عمر و قليلا يحاول أن يلقي في روع صاحبه أنه يريد معاوية ، ثم عاد يسأله : « فما يمنعك من ابني عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته ؟ ) فأوشك أبو موسى ان يجيبه لولا أنه قال : ( ان ابنك رجل صدق ، ولكنك غمسته في هذه الحروب غمساً وتكرر بينهما هذا القول وأشباهه في كل لقاء ، وطفقا يبدثان منه ويعيدان اليه بعد كل جدال ، حتى وقر في خلد الاشعري ان خلع الزعيمين أمر لا مناص منه ولا اتفاق بينهما على غيره ، فتواعدا إلى يوم يعلنان فيه هذا القرار . • وتقدم أبو موسى فقال بعد تمهيد : « ... أيها الناس ، انا قد نظرنا في أمر هذه الأمة ، فلم نو أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه ، وهو أن تخلع علياً ومعاوية ، ونستقبل الأمة بهذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم، واني قد خلعت علياً ومعاوية . فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً . . وتلا عمرو فقال بعد تمهيد : « ان هذا قال ما سمعتم وخلع i صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية ، فانه ولي عثمان بن عفان رضي الله عنه ، والطالب بدمه واحق الناس بمقامه ». فغضب أبو موسى ، وصاح به : ( مالك لا وفقك الله غـــــــرت وفجرت ، انما مثلك مثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ... فابتسم عمرو ، وهو يقول : ( انما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا ... كلب وحمار فيها حكما به على نفسيهما غاضبين ، وهما يقضيان على العالم باسره ليرضى بما قضياه . وانتهت الماساة بهذه المهزلة ، أو انتهت المهزلة بهذه المأساة وبان أن اجتماع الحكمين لم يفض إلى اتفاق بين الحكمين ، فعــــــاد الخلاف إلى ما كان عليه . إلا أنه استشرى واحتدم بعد قصة الحكمين بما زاد عليه من فتنة الخوارج المنكرين للتحكيم . فقد أجمعوا وأبرموا فيما بينهم " .. ان هذين الحكمين قد حكما بغير ما أنزل الله ، وقد كفر اخواننا حين رضوا بهما ، وحكموا الرجال في دينهم ونحن على الشخوص من بين أظهرهم ، وقد أصبحنا والحمد لله ونحن على الحق من بين هذا الخلق » -1.1- 1 وخرجوا وعلي يأبي قتالهم حتى يباس من توبتهم ، ولقيهم بالجيش، فآثر أن يلقاهم مناقشاً قبل أن يلقاهم مقاتلا، واقترح عليهم أن يخرجوا اليه رجلا منهم يرضونه ، يسأله ويجيبه ويتوب إن لزمته الحجة وتتوبوا إن لزمتهم . فاخرجوا اليه امامهم عبد الله بن الكواء . قال علي : « ما الذي تقمتم على بعد رضاكم بولايتي وجهادكم معي وطاعتكم لي ، فهلا برثتم مني يوم الجمل ؟ » .. قال ابن الكواء : « لم يكن هناك تحكيم » قال علي : ( يا بن الكواء ويحك .. أنا أهدى ام رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ » قال ابن الكواء : « بل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال علي : « فما سمعت قول الله عز وجل : ( قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم، أكان الله يشك أنهم هم الكاذبون .. قال : ( ان ذلك احتجاج عليهم ، وانت شككت في نفسك حين رضيت بالحكمين ، فنحن أحرى أن نشك فيك ) قال : ( وان الله تعالى يقول : ( فأتوا بكتاب من عند الله هو ا منهما أتبعه » .. اهدى −1.91 قال ابن الكواء : « ذلك ايضاً احتجاج منه عليهم ؟ . ثم قال بعد كلام طويل من قبيل كلامه هذا : ( انك صادق في جميع قولك غير انك كفرت حين حكمت الحكمين . قال علي : ويحك يا بن الكواء .. اني إنما حكمت أبا موسى وحكم معاوية عمروا ... قال ابن الكواء : ( فإن أبا موسى كان كافراً ) قال علي : ( متى كفر ؟ .. أحين بعثته أم حين حكم ؟ » . قال ابن الكواء : ( بل حين حكم ) قال علي : « أفلا ترى اني بعثته مسلماً فكفر في قولك بعد أن بعثته أرأيت لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من المسلمين الى (1) ناس من الكافرين ليدعوهم الى الله فدعاهم الى غيره ، هل كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك شيء ؟ ) . قال : « لا » قال : ( ويحك .. فما كان عَلَيَّ ان ضل أبو موسى ؟ أفيحل لكم بضلالة أبي موسى أن تضعوا سيوفكم على عواتقكم فتعترضوا بها الناس ؟ » ١ - وقد حدث هذا في عهد النبي عليه السلام إذ اوقد نهاراً الرجال ليهدي قوم مسلمة فانقلب هناك مبشراً بدينه . ' فعلم الخوارج أن صاحبهم ليس بند لعلي في مجال نقاش ، فكفوه عن الكلام كانهم آمنوا بصدق علي في حجته وقصده ، لولا انهم قوم قهرتهم لجاجة العناد كما تقهر أمثالهم من المتهوسين الذين يجدون في المضي مع العناد لذة يستمرثونها من الحق والمعرفة.. فمردوا على الشقاق ، وأصروا على تكفير علي وأصحابه، وأن يعاملوهم في الحرب والسلم معاملة الكفار ..

واستبقى علي بعد هذا كله بقية للسلم والمراجعة .. فرفع في الساحة راية ضم اليها ألفي رجل ونادى : ( من التجأ الى هذه الراية فهو آمن » . ثم قال لأصحابه : ( لا تبدء وهم بالقتال حتى يبدءوكم ، فصاح الخوارج صيحتهم : ( لا حكم إلا الله وان كره المشركون ، وهجموا هجمة رجل واحد .. وتلقاهم علي واصحابه لقاء من نفذ صبره ووغر صدره . فما هي الاساعة حتى قتل معظم الخوارج ، وبقي منهم نحو أربعمائة أصيبوا بجراح وعجزوا عن القتال، فأمر بهم علي فحملوا إلى عشائرهم لينظروا من فيه رمق فيدركوه بعلاج . وأراد المسير إلى الشام ليلقى بها جيش معاوية ... فتصدى له الأشعث بن قيس مرة أخرى ، كما تصدى له في كل فرصة سانحة للغلبة ، وقال له على مسمع من الناس : « يا أمير المؤمنين .. نفدت نبالنا ، وكلت سيوفنا ، ونصلت أسنة رماحنا ، فارجع بنا الى مقرنا لنستعد بأحسن عدتنا ، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا ، فانه أو فى لنا على عدونا » . وتسلل الجند من معسكرهم ، ولاذ من لاذ بالمدن القريبة منهم ، وأيقن علي ان القوم مارقون من يده ، ولا طاعة له عليهم اذا دعاهم بعدها لقتال . .. أما معاوية فقد علا نجمه بين قومه وأعانه طلاب المنافع عامدين ، وأعانه الخوارج غير عامدين ، فحاربوا عليا ولم يحاربوه، وطلبوا التوبة من علي ولم يطلبوها منه ، واستمر هو في إنفاذ البعوث والسرايا الى كل موضع آنس منه غرة وظن بزعمائه موجدة أو سآمة . فلم تنقض سنتان حتى كانت معه مصر والمدينة ومكة ، وبقي علي في أرباض الكوفة يائساً منعزلاً عن الناس، يتمنى الموت كما قال في بعض خطبه ، ويوجس شراً من أقرب المقربين اليه ، وانتهى بقبول المهادنة بينه وبين معاوية على أن تكون له العراق والمعاوية الشام، ويكفا السيف عن هذه الأمة ، فلا نزاع ولا قتال ... ١١٢وبقيت في كنانة الاقدار مصادفة من هذه المصادفات التي يخيل اليك وأنت تتعقبها ، أنها تجمعت منذ الأبد ليبوه علي بنقائض الموقف كله ، ويظفر خصومه بتوفيقات الموقف كله .. فشاءت هذه المصادفة الأخيرة أن يتفق ثلاثة على قتل ثلاثة ، فيذهب هو وحده ضحية هذه المكيدة العاجلة ، ويفلت زميلاه فيها : معاوية ، وعمرو بن العاص . اجتمع عبد الرحمن بن ملجم والبرك عبدالله وعمرو بن بكر التميمي، وهم من غلاة الخوارج الموتورين ، فتذاكروا القتلى من رفاقهم ، وتذاكروا القتلى من المسلمين عامة ، وألقوا وزر هذه الدماء كلها على ثلاثة من الكفار - أو أئمة الضلالة في رأيهم - وهم : علي بن أبي طالب ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص . فقال ابن ملجم : ( أنا أكفيكم علي بن أبي طالب . t وقال البرك : ( أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان . t وقال عمرو بن بكر : ( أنا أكفيكم عمرو بن العاص » وإن ضغينة الثار الحافز أي حافز ... وان تهوس العقيدة المثير أي مثير . وكان للمتآمرين الثلاثة قسط واف من هذين الحافزين ، يغني عن مزيد من التحريض على القتل والانتقام . ولكن المصادفة العجيبة هي التي شاءت أن تشحذ عزيمة ابن ملجم عبقرية الامام علي (٨) بحافز ثالث لعله يمضي حين ينبو هذان الحافزان الماضيان ، . هو حافز من الغرام الظامي، لا يرويه إلا دم ذلك الشهيد الكريم . فان المرء قد ينيم ثائرة الحقد ، وقد يماري نفسه فيا تفرضه العقيدة ... ولكنه اذا كان عاشقاً مخبولا يستنجزه الوعد معشوق مسلّط عليه، فهو مأسور زمامه في يدي غيره ، وليس في يديه .

وكان ابن ملجم يحب فتاة من تيم الرباب، قتل أبوها وأخوها وبعض أقربائها في معركة الخوارج. وكانت توصف بالجمال الفائق والشكيمة القوية ، وتدين بمذهب قومها فوق ما في جوانحها من لوعة الحزن على ذويها ، فلما خطبها ابن ملجم لم ترض به زوجاً الا أن يشفي لوعتها . قال : ( وما يشفيك ؟ ، قالت : « ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة ، وقتل علي بن أبي طالب » قال : ( أما قتل على فلا أراك ذكرته لي وأنت تريدينني ... فاذا أصبت شفيت نفسك ونفسي بل التمس غرته قالت : ويهناك العيش معي ، وان قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينتها وزينة أهلها ... وخرج الثلاثة متواعدين الى ليلة واحدة ، يقتل كل منهم صاحبه في - 11 - .. ذلك الموعد 1 فأما عمرو بن العاص ، فقد اشتكى بطنه تلك الليلة فلم يخرج من بيته، وأمر خارجة بن حذافة صاحب شرطته أن يصلي بالناس . فضربه عمرو بن بكر وهو يحسبه عمر وافقتله . فقال عمرو : أردتني وأراد الله خارجة ، وأمر بقتله ... وأما معاوية فضربه البرك بن عبدالله ، وقد خرج الغداة للصلاة فوقعت الضربة على إليته .. وقيل ان الطعنة مسمومة لا يشفيها إلا الكي بالنار أو شراب يمنع النسل. فجزع معاوية من النار ، ورضي انقطاع النسل ، وهو يقول : ( في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. وأمر بالرجل فقتل لحينه

وأما على فضربه ابن ملجم في جبينه بسيف مسموم ، وهو خارج للصلاة ، فمات بعد أيام وهو يحذر أولياء دمه من المثلة ويقول لهم يا بني عبد المطلب . لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قتل أمير المؤمنين ، قتل أمير المؤمنين .. ألا لا يقتلن أحد قاتلي . . انظر يا حسن ! إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة . ولا تمثل بالرجل فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اياكم والمثلة ولو انها بالكلب العقور » .

  • * *

وهذه خاتمة فاجعة ، ننظر في كل فرض من فروضها فلا تخليها من -110المصادفة السيئة التي لا تلقى تبعتها على أحد بعينه . فمها يقل القائلون ان عليا انما أصيب لأنه كان لا يتقي أحداً ، ولا يخرج الى المسجد بحرس ، فالواقع ان المصادفة السيئة قائمة هناك تفرق في عثرات الحظ بينه وبين زميليه اللذين سيقا معه الى مكيدة واحدة .. فخرجا منها بحظين غير حظه ، فان ابن العاص لم ينج من القتل لأنه خرج الى المسجد محروساً ، ولكنه نجا لأنه لزم بيته في تلك الليلة ، ومات صاحب شرطته الذي خرج في مكانه. ولم ينج معاوية لأنه خرج محروساً، ولكنه نجا لأنه أصيب وكانت اصابته غير قاتلة . فهي المصادفة السيئة مهما تلتمس لها علة من علل التاريخ ، ترجع بنا في آخر الأمر إلى علل المصادفات التي لا تقبل التعليل . وشي آخر تصوره لنا هذه الخاتمة الفاجعة ، كما تصوره لنا البيعة كلها من قبل ابتدائها الى ما بعد انتهائها . وذلك هو النسيج الانساني النابض الذي يتخلل حياة علي في لحمتها وسداها ، وفي تفصيل أجزائها وجملة فحواها، فما من حادثة من حوادث هذه الحياة النبيلة إلا وهي معرض حافل للعواطف الانسانية برمتها ، تلتقي فيه عوامل النخوة والشجاعة والوفاء والايمان والسماحة ، وتشتبك فيه مطامع الناس وأشواقهم وظواهرهم وخفاياهم .. ذلك الاشتباك الذي يخلقه الشعراء خلقاً في القصص والملاحم ، فلا يحكمونه بعض إحكام الواقع الملموس في سيرة الامام . وقد أسلفنا في صدر هذا الكتاب انها سيرة تلامس النفس الانسانية في شتى نواحيها : تلامسها من ناحية العقيدة كما تلامسها من ناحية العاطفة ، ومن ناحية الفكر كناحية الخيال ومن ناحية التمرد كناحية الولاء . فاذا اتبعت السيرة بالخاتمة ، فأي خيط من خيوط تلك الشبكة الانسانية التي تنسجها القرائح لاقتناص الشعور وتقريب الخيال تفقده في هذه الخاتمة الفاجعة ؟ أي باعث من بواعث القصص الدامية بأحاسيسها ولو اعجها لا يرتعد هنا ارتعاداً في كل فصل من فصولها ومشهد من . مشاهدها ؟ يأس الكريم المغلوب وجرأة المحتال الغالب ، وغرام المتهوس المجنون، وأريحية القتيل الموصي بمن اعتدى عليه ، وحقد المرأة وخداع الجمال، وزيغ العقيدة ، واستواء الايمان ، وفنون لا تحصى تجتمع من الشعور الموار واللهفة الدائمة في خاتمة حياة تسع ألف حياة . وهذه مزية علي بين خلفاء الاسلام قاطبة . ينفرد بها لأنه انفرد بمثال من النفوس ومثال من العوارض الفردية والاجتماعية تؤلفه المصادفات في الأجيال الطوال، ولا تحسن أن تؤلفه بمشيئتها في كل جيل . تلك حياة حي .. وذلك مصرع شهيد . -11y