عبقرية الامام علي (دار الكتاب العربي 1967)/عصر الإمام
٤
عصر الإمام
كانت الظاهرة الكبرى في عصر ( علي ، ظاهرة اجتماعية خاصة به دون عصور الخلفاء من قبله ، ولم تكن في حقيقتها ظاهرة سياسية أو حربية عسكرية ، على شدة القتال فيها وغزارة الدمـاء التي أريقت في حروبها.
فعصر أبي بكر كان هو العصر الذي نشأت فيه الدولة الاسلامية.
وعصر عمر كان هو العصر الذي تم فيه انشاؤها.
و عصر عثمان كان هو العصر الذي تكون فيه المجتمع الاسلامي بعد نشأة الدولة الجديدة. فبرز فيه نظام جديد على أساس الثروة المجلوبة من الأقطار المفتوحة ، وعلى أساس الولايات التي تولاهـا بعض الطبقات المرشحة للرئاسة من العلية وأشباهها.
أما عصر عليّ فكان عصراً عجيبا بين ما تقدمه وجاء في أعقابه أو هو لم يكن عجيباً لأنه جرى على النحو الذي ينبغي أن يجري عليه ، فلم يثبت كل الثبوت ولم يضطرب كل الاضطراب لأنه كان بناء جديداً في سبيل التمام ، ولم يكن بناء متداعياً فكله هدم واندثار ، ولا بناء قائماً مفروغاً منه فكله رسوخ واستقرار .
الا ان العجيب فيه حقا انه انقسم بين ثبوته واضطرابه قسمين اثنين متقابلين : في أحدهما كل عوامل الرضا عن النظام الاجتماعي والرغبة في بقائه وتدعيمه، وفي الآخر كل عوامل التذمر من النظام الاجتماعي والتحفز لتقويضه وتحويله .
أحدهما ، وهو قسم الرضا عن النظام الاجتماعي ، كان قسم معاوية ابن أبي سفيان في الشام وما جاورها .
والآخر ، وهو قسم التذمر من النظام الاجتماعي ، كان قسم علي ابن أبي طالب في الجزيرة العربية بجملة أنحائها
كانت الشام بمعنى من المعاني أرضاً أموية في عهد الجاهلية فلجأ اليها أمية جد الأمويين حين غلبه هاشم على الزعامة ، وقصد اليها أبناؤه متجر دين أو مهاجرين الى ما بعد قيام الدعوة الاسلامية .
ثم قامت الدعوة الاسلامية فكان من نصيب يزيد بن أبي سفيان ان يتولى الامارة والقيادة على الشام من قبل الخليفة ابي بكر الصديق ، وخلفه اخوه معاوية من قبل الخليفة عمر ، فلم يزل مقيماً على امارتها بضع عشرة سنة الى مبايعة على بالخلافة بعد مقتل عثمان . فاتسع له من فسحة الوقت وفسحة الرخاء مجال ممهد لتأسيس السلطان الأموي الذي لا ينازعه منازع من حوله . ولم يزل منذ تولاها عاملا على البقاء فيها واصطناع الأعوان المؤيدين له في حكمها . فلم يتوان في استرضاء رجل ينفعه رضاه ، ولم يقصر رعايته على الشرفاء دون السواد من الأتباع والأجناد . بل كان يُرضي كل من وسعه ارضاؤه ، وقد وسعت ثروة الشام كل صاحب حاجة مقيم عنده او ساع اليه . واشتهرت عنه هذه الخصلة حتى قصده أقرب الناس الى خصومه وأولاهم باجتنابه والنقمة عليه .. ومنهم عقيل أخو علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمرو بن الخطاب ، وعبد الله بن زمعة ، وعمرو بن العاص، وأناس من هذه الطبقة بين الشرفاء وذوي الأخطار . أراد عقيل من أخيه مالا يجريه عليه من بيت المال فأباه عليه لأنه ليس له بحق ، فتركه وأقبل على معاوية وهو يقول : « ان أخي خير لي في ديني ، ومعاوية خير لي في دنياي ، وقس على ذلك ما يصنعه الغرباء عن علي والمقربون من معاوية بالنسب والرجاء . قد همه ارضاء السواد والعامة ، كما همه ارضاء الشرفاء وذوي الأخطار .. وبلغ من إحكامه للسياسة واتقانه لها واجتذابه قلوب خواصه وعوامه ان رجلاً من أهل الكوفة دخل على بعير له الى دمشق في حال منصرفهم عن صفين، فتعلق به رجل من دمشق فقال : هذه ناقتي 1901 أخذت مني بصفين ، فارتفع أمرهما الى معاوية وأقام الدمشقي خمسين رجلاً بيئة يشهدون أنها ناقته .. فقضى معاوية على الكوفي وأمره بتسليم البعير إليه . فقال الكوفي : أصلحك الله انه جمل وليس بناقـــة . فقال معاوية : هذا حكم قد مضى . ودس الى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره وسأله عن ثمن بعيره فدفع اليه ضعفه وبره وأحسن إليه ، وقال أبلغ عليّاً أني أقابله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة له : والجمل ! » ولقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له انه صلى بهم عند مسيرهم الى صفين الجمعة في يوم الأربعاء واعاروه رءوسهم عند القتال وحملوه بها (1) فان كان في هذه القصص بعض المبالغة فهي مبالغة الفكاهة الموكلة لتكبير الملامح ليراها من غفل عنها ، وليست مبالغة الخلق والافتراء . وما هي إلا سنوات على هذه الوتيرة حتى اجتمع له كل منتفع بالنظام الاجتماعي الجديد، راغب في تدعيمه ووقايته من نذر الخطر والزوال. وعلى قدر هذا الدأب الشديد في اجتلاب أسباب التمكين والتدعيم كان له دأب مثله في اتقاء أسباب التمرد ، والاخلال بالنظام ، كما الذهب للمسعودي : الجزء الثاني . ١- مروج -07نسميه في هذه الأيام .. فما سمعت قط صيحة فتنة الا بادر اليها بما يسكنها ويردها إلى طلب الاستقرار والدوام. فَمَن أجدى معه المال أسكته باغداق المال عليه ، ومن كان من أهل الجد والاخلاص في العبادة والزهادة فهو محتال على اقصائه أو نفيه من الشام بحيلة يوافقه عليها شركاؤه في المصلحة ولا تعييه حنق بعض الزهاد على هذا الترف الذي استفاض بين العلية والشرفاء فارتفعت عليهم صيحة أبي ذر الغفاري بالنكير ، وطفق يطالب الأغنياء بالانفاق في سبيل الله ، حتى ولع الفقراء بصيحته وشكا الأغنياء ما يلقونه من نذيره أو بشيره : ( وبشير الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم و ظهورهم ) . فأشفق معاوية من مغبة هذه الصيحة وارسل الى أبي ذر ألف دينار يسكته بها ان كان ممن يسكتهم الغنى عن الأغنياء ، فما طلع النهار حتى كانت الدنانير في أيدي المعوزين الذين يلوذون بالداعية الأمين ويشكون إليه . ثم صلى معاوية الصبح وأرسل الى الداعية رسوله الذي حمل إليه الدنانير يقول له : ( أنقذ جسدي من عذاب معاوية فانه أرسلني الى غيرك فأخطأت بك. فقال له: يا بني ، قل له : والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار .. ولكن أخرنا ثلاثة ايام حتى نجمعها » .. فعلم معاوية أن الرشوة هنا لا تغني عن القسوة . وكتب الى الخليفة ان أبا ذر أعضل به فلا طاقة له بالصبر عليه ، فأتاه الاذن بنفي أبي ذر من الشام الى المدينة - OYثم ضاقت به المدينة ايضاً فنفي منها الى قرية من أرباضها حيث لا يسمع له دعاء
وصنع بعبد الله بن سبا - صاحب القول برجعة النبي الى الدنيا ووصاية علي على الخلافة - مثل هذا الصنيع بعد ان داراه فأعياه، فلما يئس منه ومن ترغيبه او ترهيبه ضيق عليه ثم اقصاه . والتفت الى من سمّاهم اهل الفتنة من طلاب الاصلاح والتبديل فكتب في امورهم إلى الخليفة يقول : انه قدم على اقوام ليست لهم عقول ولا أديان . أضجرهم العدل . لا يريدون الله بشيء ولا يتكلمون بحجة . إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة ، والله مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم ، وليسوا بالذين ينكون أحداً الا مع غيرهم . . ثم أخرجهم من دمشق إلى غيرها مستريحاً منهم بالنفي والاقصاء ، كانما دمشق وحدها من بلاد المسلمين هي التي ينبغي لها أن تستريح . وهكذا تعاقبت السنون وكل سنة تزيد معاوية وفرة من أسباب الرضا والاستقرار وقلة من أسباب القلق والطموح الى التغيير ، حتى تحيزت له الشام عند مبايعة علي وفيها اعظم ما يتأتى في مثل ذلك العهد من دواعي السكينة واستدامة الحال، واقل ما يتأتى فيه من شواجر -01الفتنة و العصيان ... أما على فقد شاءت المصادفات أن تنعكس الآية في حصته من الدولة الاسلامية أيما انعكاس . فأوشكت أن تنعدم فيها دواعي الرضا والاستدامة ، وأوشكت أن تتم فيها شواجر الفتنة وما نسميه اليوم بالاخلال بالنظام فكان التنافس عنده على أشده بين العاصمتين الحجازيتين وبين الكوفة، لا يرضى أهل المدينة بما يرضي أهل مكة، ولا يرضى أهل الكوفة بما يرضى به هؤلاء وهؤلاء . حتى ضاق به المقام في الحجاز وأوى الى الكوفة مأوى ( المستجير من الرمضاء بالنار ) .
وكانت قبائل البادية تنفس على قريش غنائم الولاية ومناصب الدولة ، وينظرون إليهم نظرتهم الى القوي المستأثر بجاه الدين والدنيا وحق الخلافة والسطوة . وهى حالة كان أحجى بالولاة أن يخفوها ويتلطفوا في اصلاحها أو تبديلها ما استطاعوا لها من اصلاح وتبديل ، ولكنهم على نقيض ذلك كانوا يباهون بها ويجهرون بحديثها حتى قال سعيد بن العاص والي الكوفة : ( انما السواد بستان لقريش ! ) . وظهر هذا السخط من إثرة قريش في خطب المتكلمين بلسان أهل البادية حين نشب النزاع بين طلحة والزبير وأنصارهما وبين علي 109وأنصاره ، فقام في الجمع رجل من عبد القيس يقول : د يا معشر المهاجرين ! . انتم أول من أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لكم بذلك فضل .... الى أن قال يشير الى خلافة أبي بكر : ولم تستأمرونا في شيء من ذلك فجعل الله للمسلمين في إمارته بركة ، ثم مات واستخلف عليكم رجلا فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلمنا . فلما توفي جعل أمركم الى ستة نفر فاخترتم عثمان ، وبايعتموه عن غير مشورة منا ، ثم بايعتم عليا من غير مشورة منا . فما الذي تقمتم عليه فنقاتله ؟ » . وهذا كلام رجل يدين بفضل المهاجرين ويقدمه في صدر مقاله ، فكيف بكلام الرجل ممن ينسون هذا الفضل أو تغلبهم المنافسة على الشهادة به في معرض الخصومة ؟ .. ولعل النافثين بهذا الغيظ كانوا يتوبون الى بعض الصبر والتجاوز لو انهم وجدوا من يشكون إليه فيحسن الاصغاء والاعتراف لهم بالحق في دعواهم ، ولكنهم كانوا يشكون فيثور بهم المخالفون ويلجئونهم الى الصمت راغمين . فلما قال ذلك الرجل مقالته هموا بقتله لساعته لولا ان حمته عشيرته وصحبه. ثم وثبوا عليه في الغد فقتلوه وقتلوا معه قرابة سبعين .
وكان العبيد والموالي والأعراب المحرومون حانقين متبرمين لا يرضون 170عن حظهم من العيش بعد أن علمهم الاسلام حقوق المساواة وشرع لهم شريعة الانصاف. ولقد يكون معظم المتآمرين على قتل عثمان من هؤلاء العبيد والموالي والأعراب المحرومين . فلما طولب علي بالاقتصاص منهم لمقتل عثمان قال : .. كيف أصنع بقوم يملكوننا لا نملكهم ؟ ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم ، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا فهلا ترون موضعاً لقدرة على شيء مما تريدون . » وقالت السيدة عائشة ، رضي الله عنها : ( أيها الناس !. ان الغوغاء من أهل الأمصار واهل المياه ، وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلماً بالأمس والله الأصبع عثمان خير طباق الأرض أمثالهم . " .
وكان مع علي جمهرة القراء والحفاظ وأصحاب النسك والفقه والشريعة ، وهم خلق كثير يعدون بالألوف ويتفرقون في الحواضر والبوادي ، ولا يزالون كانبياء بني اسرائيل منذرين متوعدين ساخطين على ترف المترفين، منكرين لكل خلاف ولو يسير في اقامة أحكام الدين. لا يرضون عن الدنيا ولا عمن رضي بها من طلابها، ولا يستمعون الى أمر الا أن يكون في رأيهم وفاقاً لحكم القرآن كما يفسرونه وحكم السنة -11كما يعتقدونها . وطالما وقفوا بين علي وبين القتال لأنهم لا يستجيزونه ، أو عن الصلح والتحكيم لأنهم يحلون القرآن عن قبوله . فاذا كان أجناد معاوية يسمعون الحق والباطل لأنهم لا يفرقون بينهما ولا يفرقون بين الجمل والناقة ، فهؤلاء الأجناد العارفون لا يسمعون الا ما أجازوه واستو جبوه ، لأنهم خرجوا في الأرض للتفريق بين الحلال والحرام والمعروف والمنكر . فلا يجمعون على طاعة ولا يحاربون أو يسالمون في جماعة . وهم أقرب الناس في ذلك العهد الى الجهر بالنذير والنداء بالتبديل والتغيير ، والاصغاء الى وحي الضمير قبل دعاء الأمير . واجتمع مع علي في الحجاز والكوفة كل منافس على الخلافة متطلع اليها ولو لم يجهر بطلبها مخافة من شركائه الذين يرحمونه عليها ، فمنهم من كان يقول لعلى : نبايعك على أنا شركاؤك ، ومنهم من كان يتعلل بقلة المشاورة له والمبالاة بقوله ، ومنهم من كان يحارب عثمان ثم أصبح يحارب عليا باسم عثمان ، تمحلاً لذرائع الخلاف وكراهة لاستقرار الأمور .
وقد كان أبو بكر وعمر يمسكان كبار الصحابة بالحجاز ويحذران منهم أن ينطلقوا في الأرض فيقبلوا على الدنيا ويشجر بينهم من النزاع ما يشجر بين طلابها . ثم ينصدع شمل الأمة بالتشيع لهم وعليهم والتفرق بين أنصارهم وأعدائهم ، وأوصى أبو بكر خليفته من بعده قائلاً : ه .. احذر هؤلاء النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين انتفخت أجوافهم وطمحت أبصارهم وأحب كل امرىء منهم نفسه، وأن منهم الحيرة عند زلة واحد منهم فإياك أن تكونه ، وأعلم أنهم لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله ) . فلما صارت الخلافة الى عثمان أهمل هذه السياسة الحكيمة وشق عليه أن يطيل حبسهم بالحجاز والهيمنة عليهم بجواره، فانطلقوا حيث ذهبت بهم المذاهب ، وكان منهم ما حذره أبو بكر حيث قال لعبد الرحمن بن عوف : ( ورأيتم الدنيا قد أقبلت .. حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد (١) الديباج وحتى يأتم أحدكم بالاضجاع على الصوف الأذربي " كما يألم أحدكم اذا نام على حسك السعدان » .
روى المسعودي انه في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال ، فكان لعثمان يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار وخلف إبلا وخيلا كثيرة وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار ، وخلف ألف فرس وألف أمة. وكانت غلة طلحة من - منسوب الى أذربيجان . - ٦٣ العراق ألف دينار كل يوم ومن ناحية السراة أكثر من ذلك . وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم ، وبلغ الربع من مترو كه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً ، وخلف زيد ابن ثابت من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفوس غير ما خلف من الأموال والضياع . وبني الزبير داره بالبصرة وبنى أيضاً بمصر والكوفة والاسكندرية .. وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة وشيد داره بالمدينة وبناها بالجص والآجر والساج، وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق ورفع سمكها وأوسع فضاءها وجعل على أعلاها شرفات ، وبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها محصصة الظاهر والباطن ، وخلف يعلى بن منبه خمسين ألف دينار وعقاراً وغير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف در هم ) .
هؤلاء أيضاً اصبحوا في حصة علي من الدولة الاسلامية عنصراً من اقوى عناصر القلق والتبرم والنفور من دوام الأمر للحكومة الجديدة ، خلافا لأمثالهم في معسكر معاوية . فالذي يغلب على اصحاب الثروات في كل مجتمع أنهم انصار الحالة القائمة واعداء الثورة والاضطراب السياسي او الاجتماعي على التخصيص ، ولكن هؤلاء الأغنياء خالفوا المعهود في مجتمع علي فأصبحوا قادة السخط والشكوى واعوان الثورة والتغيير ولو في سرائر -71القلوب كلما حيل بينهم وبين الظهور في الثورة بفعل محسوس . لأنهم عرفوا عليا من قبل ومن بعد فعلموا انه لن يقرهم على ما هم فيه ولن يلبث أن يحاسبهم على ما جمعوه من المال أو يأخذ عليهم طريق المزيد . عرفوا مذهبه في حساب الولاية ومذهبه في حساب الخلافة . فلما كان واليا لليمن أبى على بعض الصحابة أن يركبوا إبل الصدقة وقال لهم : انما لكم منها سهم كما للمسلمين ، ثم لام العامل الذي أذن لهم أن يركبوها في غيبته وهو منصرف الى الحج . وشاعت هذه القصة لأن أناساً شكوه إلى رسول الله عليه الصلاة و السلام ، فأنكر شكواهم منه وقال: « لقد علمت انه جيش في سبيل الله ..
ولما قام عثمان بالخلافة طال عتب علي عليه ، لأنه أباح للعمال والولاة ما ليس بمباح في رأيه ، ولقي بالعتاب كل صحابي من اخوانه جمع مالاً واستهوته فتنة البذخ والثراء . وليس مذهبه والياً ولا مذهبه خليفة مريح أولئك الأغنياء الذين ذاقوا حلاوة الغنى وكرهوا ان يحرموه أو يحاسبوا عليه . ولم يكن في وسع على أن يغض عنهم نظره ولو شاء ذلك، وهو لا يشاؤه ولا يحله لنفسه وقد أنكره على غيره . لأنه اذا غض نظره لم يستطع أن يغض الأنظار المفتوحة التي ثارت بعثمان وبايعت عليا بعده ليصنع 100 عبقرية الامام علي -10غير ما صنعه عثمان وغير ما أثارهم عليه . فلا دعاة الدنيا راضون مطيعون، ولا دعاة الدين راضون مطيعون ولا الفقراء والجهلاء راضون مطيعون ، وما منهم الا من هو قلق متوفز لا يسكن به سکن ولا يدوم به قرار . وكل أولئك كانوا في حصة علي من الدولة الاسلامية ، ولم يكن لمعاوية في حصته شاجرة فتنة من هذه الشواجر بل كان له في موضع واحدة منها دعامة تمكين وتأييد . وان هذه الشواجر على كثرتها وقوتها لفي غنى عن علة اخرى من علل الفساد والشقاق تضاف اليها ولكنها مع هذا لم تستوعب تلك العلل التي اصطلحت على حصة على من الدولة الاسلامية . فقد اضيفت اليها علة أخرى ، بل اضيفت اليها اكثر العلل التي تبتلى بها دولة أو حكومة . وهي اعتمادها في مواردها على غيرها .. فكانت موارد الشام في الشام نفسها من خراج او انفال او تجارة . اما موارد الحجاز فقد كانت بعيدة منه وأن دخلت في طاعته وجنحت الى القائم بالأمر فيه . وكانت مصر والسواد من حصة علي ، ولكنه لم ينتفع بمصر كثيراً لتعاقب الولاة فيها ، ولم يستفد بالسواد كثيراً لتعاقب الفتن والغارات عليها . وحسبك من هذا داعية قلق وباعث مخافة ومبطل امان وطمأنينة .
-77وينبغي أن نذكر ان الحيلة في هذه التقسيم قليلة ، وان الحوادث هي التي اختارت لكل حصة من الحصتين زعيمها وأشبه الناس بها وأقربهم إلى ولاية أمرها و كما تكونوا يول عليكم ، .. ولا محل في هذه القاعدة لحيلة أو اختيار .. فلم يكن أحد أشبه بقيادة المنافع المستبقاة من معاوية ، ولم يكن أحد أشبه من علي بقيادة الشكوى التي تطمح بأصحابها الى التغيير . ان شكا اناس غلبة قريش ، فعلي كان يشكو منها ويظن الظنون بحقدها عليه ونكرانها لحقه ، ويقول في كتاب من كتبه الى أخيه : ه ... ودع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال وتحولهم في الشقاق ، فان قريشاً قد أجمعت على حرب أخيك اجماعها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليوم .... وان جاءت صيحة الاصلاح والتغيير عن طريق الدين على مذهب الحفاظ والقراء والنساك فعلي كان إمام أهل العلم والقراءة، وأحق من يتكلم بتفقيه او تفسير . وان جاءت من ضيم الفقراء فعلي فقير، او من تهافت الولاة على المال فعلي يبغض هذا التهافت كما يبغضه اضعف الفقراء، عن زهد فيه لا عن قلة الوسائل اليه ... فما شكا شاك قط الا وعلي شريك له في شكواه، وكيف ينجو رجل كهذا من قيادة الدولة التي قامت على التبرم بالحال والطموح الى التغيير ؟.. وأية حيلة له الى جانب حيلة الحوادث وتوفيق المقادير ؟..
كان علي نموذج أصحابه الأعلى، وكان معاوية نموذج أصحابه الأعلى . وكان لأجل ذلك في موضع رشحتهماله الحوادث قسراً قبل أن ترشحا له بارادة مريد .
وما نحن بقادرين على وزن الرجلين ولا على المقابلة بينهما في الرأي والعمل ما لم نستحضر هذه الحقيقة أبداً ، وما لم نذكر أبداً أن أحدهما كان يعمل والحوادث حرب عليه، وان الآخر كان يعمل والحوادث عدة في يديه !..