صفحة:داعي السماء.pdf/93

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
داعي السماء

ومن النوادر التي تروى في هذا المعنى وتدل على شأن الحداة في المشرق: نادرة حكاها جلال الدين في تاريخه حيث قال:

إن المنصور أجاز سالمًا الحادي بنصف درهم؛ لأنه أطربه بحدائه حتى أوشك أن يسقط عن جمله، فقال سالم: لقد حدوت لهشام فأجازني بعشرة آلاف!

فمما لا شك فيه أن المغنين في الجاهلية وفي الصدر الأول من الإسلام كانوا على الأكثر من العبيد والمولدين، وأن هؤلاء العبيد السود كانوا من ذوي الهبات الصوتية العجيبة وبلغوا الرفعة بمهارتهم في الصناعات الموسيقية، فلا داعي للشك في ملكة الغناء عند بلال ولا في قيام المأثورات عن صوته الحسن على أساس صحيح … ويبقى أن ننظر هل هو الذي أبدع لحن الأذان الذي مضى عليه المؤذنون من بعده أو أنه قد أدى الأذان كما أمر به وأوحي إليه.

وعلينا أن نذكر «أولًا» أن العرب الأقدمين مع حساسيتهم الموسيقية لم ترتفع الموسيقى بينهم فوق طبقة التجويد الصوفي إلا في الفرط النادر، وغاية ما بلغوه في هذا الباب يشبه الصدحات الكورسيكية الحديثة بما فيها من الزركشة والترديد على هوى المغني أو على هوى السامعين، فتعاد الكلمة الواحدة مرة بعد مرة بتمويه وتجويد ومد وقصر يطول التكرار فيه حتى ليستغرق إلقاء القطعة الواحدة من النظم بضع ساعات. ولا تزال هذه النزعة في الغناء باقية على حالها بين العرب المحدثين، فقد صدق بيرون Perron حين سأل: أي سائح في مصر لم يسمع كلمة يا ليل تعاد مرة بعد مرة نصف ساعة أو تزيد؟

والأغلب أن الأنغام العربية لم تكن لتزيد في عهد الدعوة المحمدية على ثلاثة أنواع متميزات: وهي ما يسمى بالنغم البسيط ويغنى به في مقام الوقار ومعارض البطولة أو السهولة كغناء الحرب والحداء.

وما يسمى بالنغم المركب وهو يتألف من حركات عدة وترجيعات صوتية كثيرة، وما يسمى بالخفيف وهو يستخف السامع إلى الطرب ويهزه ويحرك أشجانه ويخرجه عن الوقار.

ولما كان بلال عبدًا وكان ولا ريب في بعض أوقاته يسوق الإبل فقد كان على الأرجح يتغنى بالحداء ويعالج النغم البسيط، ولكنه — بسليقته الأفريقية التي طبع عليها أبناء جلدته — ربما وجد من وقته متسعًا لترديد الأصوات المركبة واستطاع من ثم أن يلقي الأذان في ألحانه المعروفة.

92