صفحة:داعي السماء.pdf/18

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
مسألة العنصر

والجنس الأسود، على كونه من العناصر المتميزة بين أجناس البشر، يختلف في بعض الصفات وإن تماثل في اللون أو تقارب فيه، فقد عرفت القبائل السوداء في أستراليا ولكنها تخالف القبائل الأفريقية في الخصائص الوراثية؛ بل يقع الخلاف في بعض الملامح والأخلاق بين السود المتجاورين من أبناء القارة الأفريقية أو أبناء الإقليم الواحد منها، فالبوشمان والهوتنتوت كلاهما من سود أفريقية ولكن الأولين قصار وثَّابون مولعون بالصيد والقتال، والآخرين طوال يرعون الماشية ويميلون إلى الاستقرار، ويجاورهم السود من أبناء قبائل البانتو الذين يعمرون السودان الجنوبي وبعض أقاليم الصحراء إلى الشواطئ الغربية، وهم جماعات شتى بين رعاة رحل مقاتلين وزراع مقيمين موادعين، وليست فوارقهم في اللغات بأقل من فوارقهم الكثيرة في الملامح والسمات والعادات.

 

وبعض هذه الشواهد المتواترة يُقرر لنا أن السلالات البشرية لا تبقى على وحدتها وانفرادها مع تعاقب الأجيال واختلاف مطارح الهجرة والانتقال، ولكنها تتوزع وتتفرع وينتشر التوزيع والتفريع في خصائصها ومزاياها. وليس أدعى من ذلك إلى التشكيك في مزاعم العنصريين الذين يحصرون مزايا البشر العليا جميعًا في سلالة واحدة تنفرد بها وحدها بين سائر السلالات.

ومن دواعي الشك القوية في مزاعم العنصريين أن كثيرًا من المزايا التي يصفون بها سلالة من السلالات يسهل الرجوع بها إلى عواملها المحلية أو الاجتماعية التي لا تحسب من العوامل الوراثية الحيوية. ونعني بها ما يُعرف بالعوامل البيولوجية.

فقد زعموا — مثلًا — للسلالات الأوروبية أنها انفردت بحب المعرفة النظرية وملكة البحث عن حقائق الأشياء و«التفلسف» المجرد الذي لا يرمي إلى المنفعة القريبة سواء منها ما ينتفع به الأفراد أو ما تنتفع به الجماعات. وقالوا: إن الشعوب الشرقية لا تحب المعرفة هذا الحب ولا تتجرد للمباحث الفلسفية هذا التجرد، ولكنها تعنى بالعلم لتطبيقه في الصناعات ومرافق العيش ومطالب الحياة العملية، ودليلهم على ما يزعمون ذلك الفارق الظاهر بين ثقافة اليونان وثقافة المصريين.

وحقيقة الأمر أن البحث عن أسرار الغيب وقوانين الوجود يدخل في سلطان الكهانات القوية وأن هذه الكهانات القوية ترسخ وتتوطد وتبسط يديها على العقول إلى جانب الدول العظيمة التي لا بد من قيامها في أودية الأنهار الكبيرة. فحيثما وجد نهر كبير في صقع من الأصقاع لم يكن هنالك بد من قيام دولة عظيمة على شطيه تسوس الري

17