صفحة:داعي السماء.pdf/19

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دُقّقت هذه الصفحة
داعي السماء

والزرع وتصون الأمن وتضمن سلامة المعاملات، ومتى قامت هذه الدولة العظيمة لم يكن لها بد من الاعتماد على دعائم الدين وسلطان الكهانة والتفرد بحق البحث في العقائد والسيطرة على عالم الروح والضمير، وكثيرًا ما تجتمع الوظيفتان في شخصٍ واحد كما اتفق لبعض الملوك الأرباب أو «أنصاف الأرباب» في التاريخ القديم، فإذا أصبحت المباحث الغيبية والمعارف التي تتناول أصول الوجود حقًّا للكهانة تحميه الدولة، فليس من المعقول أن تتسع الحرية للناس يثبتون فيها وينكرون كما تتسع لهم في غيبة الكهانة القوية والدولة العريقة، ولا مناص من اختلاف مقاصد التفكير جيلًا بعد جيل بين الأمتين حتى يلوح للنظر العاجل في النهاية أنه اختلاف بين طبيعتين أو معدنين من معادن الخليقة الإنسانية.

وقد كانت أمم الشرق القديم دولًا لها كهانات قائمة قبل أن تظهر الفلسفة اليونانية بألوف السنين، فامتد تفكير اليونان إلى محاريب الفلسفة التي كانت حرمًا منيعًا في ظل الكهانات الشرقية لا يتخطاه عامة الناس.

وظهر الفارق من أجل ذلك بين ثقافة اليونان وثقافة الشرقيين، ولو انعكس الأمر بين أرض اليونان وأودية النيل ودجلة والفرات لانعكست الآية بلا مراء.

ومما يؤيد هذه الحقائق أن الكهانة القوية صُنعت في أوروبا حين توطدت فيها مثل ما صنعته الكهانات في الشرق القديم. فلما امتد سلطان الكنيسة البابوية على الأمم الأوروبية ضرب الحجر على العقول فأحجم الناس دهرًا طويلًا عن البحث المجرد والتفكير في حقائق الوجود، وبلغت الكهانة الأوروبية على حداثتها ما بلغته كهانات الشرق بعد أحقاب وأحقاب تتوالى من بداية عهد التاريخ.

كذلك زعم بعض النقاد العسكريين من أهل أوروبا أن الأوروبيين يمتازون على الآسيويين والأفريقيين في معدن الشجاعة والبطولة الحربية، واستدلوا على ذلك بانتصار اليونان مع قلتهم على الفرس مع كثرتهم في معركة ماراتون ومعركة سلاميس.

فالواقع الذي أسفرت عنه دراسات الثقات من النقاد العسكريين المحدثين، أن الفخار الوطني قد لعب لعبته المعروفة بأخبار المعركتين فبالغ فيها جد المبالغة وأضفى عليها ثوبًا من الحماسة الخيالية خرج بها من حيز التاريخ الصميم إلى حيز الملاحم الهومرية.

فلم يدر في خلد «دارا» يومًا من الأيام أن يستولي على أرض اليونان؛ لأنها أرض جرداء لا تنفعه للزراعة ولا للتجارة ولا يخشى منها الخطر العسكري على دولته المترامية

18