مجموع الفتاوى/المجلد الثامن والعشرون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
المجلد الثامن والعشرون
ابن تيمية

محتويات

كتاب الجهاد[عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

سئل عن الحديث حرس ليلة على ساحل البحر[عدل]

سُئِلَ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه عن الحديث وهو: (حرس ليلة على ساحل البحر، أفضل من عمل رجل في أهله ألف سنة)، وعن سكني مكة والبيت المقدس والمدينة المنورة على نية العبادة والانقطاع إلى الله - تعالى - والسكنى بدمياط وإسكندرية وطرابلس على نية الرباط: أيهم أفضل؟

فأجاب:

الحمد لله، بل المقام في ثغور المسلمين كالثغور الشامية والمصرية أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة، وما أعلم في هذا نزاعًا بين أهل العلم، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة؛ وذلك لأن الرباط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج، كما قال تعالى: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ } [1].

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله ورسوله). قيل: ثم ماذا؟ قال: (ثم جهاد في سبيله). قيل: ثم ماذا؟ قال: (ثم حج مبرور). وقد روي: (غزوة في سبيل الله أفضل من سبعين حجة)، وقد روي مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي: أن النبي ﷺ قال: (رباط يوم وليلة في سبيل الله، خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطًا، مات مجاهدًا، وأجري عليه رزقه من الجنة، وأمن الفتان). وفي السنن عن عثمان عن النبي ﷺ أنه قال: (رباط يوم في سبيل الله، خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل)؛ وهذا قاله عثمان على منبر رسول الله ﷺ، وذكر أنه قال لهم ذلك تبليغًا للسنة.

وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله، أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود.

وفضائل الرباط والحرس في سبيل الله كثيرة لا تسعها هذه الورقة. والله أعلم.

سئل عن فضائل الرمي وتعليمه[عدل]

المسؤول من السادة العلماء، القادة الفضلاء، أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين أن يخبرونا بفضائل الرمي وتعليمه، وما ورد فيمن تركه بعد تعلمه، وأيما أفضل: الرمى بالقوس أو الطعن بالرمح، أو الضرب بالسيف؟ وهل لكل واحد منهم علم يختص به ومحل يليق به؟

وإذا عَلَّم رجل رجلا الرمي أو الطعن وغيرهما من آلات الحرب والجهاد في سبيل الله تعالى وجحد تعليمه، وانتقل إلى غيره وانتمي إليه: هل يأثم بذلك أم لا؟

وإذا قال قائل لهذا المنتقل: أنت مهدور، أو تقتل: أثم بذلك أم لا؟ وإن زاد فقال له: أنت لقيط، أو ولد زنا: يعد قذفًا، ويحد بذلك أم لا؟

وهل يحل للأستاذ الثاني أن يقبل هذا المنتقل ويعزره على جحده لمعلمه؟ وإذا قال المنتقل: أنا أنتمي إلى فلان تعلىمًا وتخريجًا، وإلى فلان إفادة وتفهيمًا: هل يسوغ له ذلك أم لا؟ وهل للمبتدئ أن يقوم في وسط جماعة من الأستاذين والمتعلمين ويقول: ياجماعة الخير، أسأل الله تعالى وأسألكم أن تسألوا فلانًا أن يقبلني أن أكون له أخًا أو رفيقًا، أو غلامًا، أو تلميذًا، أو ما أشبه ذلك، فيقوم أحد الجماعة فيأخذ عليه العهد، ويشترط عليه ما يريده، ويشد وسطه بمنديل أو غيره: فهل يسوغ هذا الفعل أم لا لما يترتب عليه من المحاماة والعصبية لأستاذ، بحيث يصير لكل من الأستاذين إخوان ورفقاء وأحزاب وتلاميذ يقومون معه إذا قام بحق أو باطل، ويعادون من عاداه ويوالون من والاه؟

وهل إذا اجتمعوا للرمي على رهن: هل يحل أم لا؟ وهل يقدح في عدالة الأستاذ إذا فعل التلامذة ما لا يحل في الدين ويقرهم على ذلك؟ وهل إذا شد المعلم للتلميذ، وحصل بذلك هبة وكرامة وجميع ذلك في العرف يرجع إلى الأستاذ يحل له تناوله أم لا؟ وهل للأستاذ أن يقبل أجرة أو هبة أو هدية؟ فإن المعلم تلحقه كلفة من آلات وغيرها.

أفتونا مأجورين وأرشدونا رضي الله عنكم أجمعين.

فأجاب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رضي الله عنه:

الحمد لله رب العالمين، الرمى في سبيل الله، والطعن في سبيل الله، والضرب في سبيل الله كل ذلك مما أمر الله تعالى به ورسوله، وقد ذكر الله تعالى الثلاثة، فقال تعالى: { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حتى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } [2]، وقال تعالى: { فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } [3]، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } [4]، وقال تعالى: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ } [5]. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي ﷺ: أنه قرأ على المنبر هذه الآية فقال: (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمى).

وثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (ارموا واركبوا، وإن ترموا أحب إلى من أن تركبوا)، و(من تعلم الرمى ثم نسيه، فليس منا)، وفي رواية: (ومن تعلم الرمى ثم نسيه فهي نعمة جحدها). وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: (كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رمىه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق). وقال: (ستفتح علىكم أرضون ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه).

وقال مكحول: كتب عمر بن الخطاب إلى الشام: أن علموا أولادكم الرمى والفروسية.

وفي صحيح البخاري عنه ﷺ أنه قال: (ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميا). ومر على نفر من أسلم ينتضلون فقال ﷺ: (ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان). فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال: (ما لكم لا ترمون؟) قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: (ارموا وأنا معكم كلكم).

وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: مثل لي رسول الله ﷺ يعني نفض كنانته يوم أحد وقال: (ارم فداك أبي وأمي). وقال على بن أبي طالب: ما رأيت رسول الله ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد: قال له: (ارم سعد، فداك أبي وأمي).

وقال أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ: (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة). وكان إذا كان في الجيش جثا بين يديه، ونثر كنانته، فقال: نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء. وكان النبي ﷺ له السيف والقوس والرمح. وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: ( من رمى بسهم في سبيل الله بلغ العدو أو لم يبلغه كانت له عدل رقبة).

وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: (إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممد به). وهذا لأن هذه الأعمال هي أعمال الجهاد، والجهاد أفضل ما تطوع به الإنسان، وتطوعه أفضل من تطوع الحج وغيره، كما قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [6].

وفي الصحيح: أن رجلا قال: لا أبإلى ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، فقال على بن أبي طالب: الجهاد في سبيل الله أفضل من هذا كله. فقال عمر بن الخطاب: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ. ولكن إذا قضيت الصلاة. سألته عن ذلك، فسأله، فأنزل الله هذه الآية، فبين لهم أن الإيمان والجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام والحج والعمرة والطواف ومن الإحسان إلى الحجاج بالسقاية؛ ولهذا قال أبو هريرة رضي الله عنه: لأن أرابط ليلة في سبيل الله، أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود.

ولهذا كان الرباط في الثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة، والعمل بالرمح والقوس في الثغور، أفضل من صلاة التطوع. وأما في الأمصار البعيدة من العدو، فهو نظير صلاة التطوع.

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله).

وهذه الأعمال كل منها له محل يليق به هو أفضل فيه من غيره، فالسيف عند مواصلة العدو، والطعن عند مقاربته، والرمى عند بعده أو عند الحائل كالنهر والحصن ونحو ذلك. فكلما كان أنكي في العدو وأنفع للمسلمين، فهو أفضل. وهذا يختلف باختلاف أحوال العدو، وباختلاف حال المجاهدين في العدو. ومنه ما يكون الرمى فيه أنفع، ومنه ما يكون الطعن فيه أنفع. وهذا مما يعلمه المقاتلون.

فصل في تعلم هذه الصناعات من الأعمال الصالحة[عدل]

وتعلم هذه الصناعات هو من الأعمال الصالحة لمن يبتغي بذلك وجه الله عز وجل فمن علم غيره ذلك، كان شريكه في كل جهاد يجاهد به، لا ينقص أحدهما من الأجر شيئًا، كالذي يقرأ القرآن ويعلم العلم. وعلى المتعلم أن يحسن نيته في ذلك ويقصد به وجه الله تعالى وعلى المعلم أن ينصح للمتعلم ويجتهد في تعلىمه، وعلى المتعلم أن يعرف حرمة أستاذه ويشكر إحسانه إليه، فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ولا يجحد حقه ولا ينكر معروفه.

وعلى المعلمين أن يكونوا متعاونين على البر والتقوي كما أمر النبي ﷺ بقوله: (المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه). وقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو، تداعي له سائر الجسد بالحمي والسهر)، وقوله ﷺ: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه). وقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وشبك بين أصابعه، وقال ﷺ: (لا تحاسدوا ولا تقاطعوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا). وهذا كله في الصحيح.

وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: (ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟). قالوا: بلي يارسول الله، قال: (صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين).

وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (تفتح أبواب الجنة كل يوما اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا). وقال ﷺ: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).

وليس لأحد من المعلمين أن يعتدي على الآخر، ولا يؤذيه بقول ولا فعل بغير حق؛ فإن الله تعالى يقول: { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا } [7]، وليس لأحد أن يعاقب أحدًا على غير ظلم ولا تعدي حد ولا تضييع حق، بل لأجل هواه. فإن هذا من الظلم الذي حرم الله ورسوله. فقد قال تعالى فيما روي عنه نبيه ﷺ: (ياعبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا).

وإذا جني شخص فلا يجوز أن يعاقب بغير العقوبة الشرعية، وليس لأحد من المتعلمين والأستاذين أن يعاقبه بما يشاء. وليس لأحد أن يعاونه ولا يوافقه على ذلك، مثل أن يأمر بهجر شخص فيهجره بغير ذنب شرعي، أو يقول: أقعدته أو أهدرته أو نحو ذلك، فإن هذا من جنس ما يفعله القساقسة والرهبان مع النصاري والحزابون مع إليهود، ومن جنس ما يفعله أئمة الضلالة والغواية مع أتباعهم. وقد قال الصديق الذي هو خليفة رسول الله ﷺ في أمته: أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت الله، فلا طاعة لي علىكم. وقد قال النبي ﷺ: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). وقال: (من أمركم بمعصية الله، فلا تطيعوه).

فإذا كان المعلم أو الأستاذ قد أمر بهجر شخص، أو بإهداره وإسقاطه وإبعاده ونحو ذلك، نظر فيه، فإن كان قد فعل ذنبًا شرعيا، عوقب بقدر ذنبه بلا زيادة. وإن لم يكن أذنب ذنبًا شرعيا، لم يجز أن يعاقب بشيء لأجل غرض المعلم أو غيره.

وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الأخوة المتعاونين على البر والتقوي كما قال تعالى: { وَتَعَاوَنُواْ على الْبرِّ وَالتَّقْوَي وَلاَ تَعَاوَنُواْ على الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [8].

وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدًا بموافقته على كل ما يريده، وموالاة من يوإليه، ومعاداة من يعاديه. بل من فعل هذا، كان من جنس جنكزخان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقًا وإلى، ومن خالفهم عدوًا باغي. بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا الله ورسوله؛ ويفعلوا ما أمر الله به ورسوله؛ ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويرعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ورسوله. فإن كان أستاذ أحد مظلومًا نصره، وإن كان ظالمًا لم يعاونه على الظلم بل يمنعه منه؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا). قيل: يارسول الله، أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: (تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه).

وإذا وقع بين معلم ومعلم أو تلميذ وتلميذ أو معلم وتلميذ خصومة ومشاجرة، لم يجز لأحد أن يعين أحدهما حتى يعلم الحق، فلا يعاونه بجهل ولا بهوي، بل ينظر في الأمر فإذا تبين له الحق، أعان المحق منهما على المبطل، سواء كان المحق من أصحابه أو أصحاب غيره. وسواء كان المبطل من أصحابه أو أصحاب غيره، فيكون المقصود عبادة الله وحده وطاعة رسوله، واتباع الحق والقيام بالقسط. قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ على أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُ أَوْلَي بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَي أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [9]، يقال: لوي يلوي لسانه: فيخبر بالكذب. والإعراض: أن يكتم الحق؛ فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس.

ومن مال مع صاحبه سواء كان الحق له أو عليه فقد حكم بحكم الجاهلية وخرج عن حكم الله ورسوله، والواجب على جميعهم أن يكونوا يدًا واحدة مع الحقي على المبطل، فيكون المعظم عندهم من عظمه الله ورسوله، والمقدم عندهم من قدمه الله ورسوله، والمحبوب عندهم من أحبه الله ورسوله، والمهان عندهم من أهانه الله ورسوله بحسب ما يرضي الله ورسوله لا بحسب الأهواء؛ فإنه من يطع الله ورسوله، فقد رشد. ومن يعص الله ورسوله، فإنه لا يضر إلا نفسه.

فهذا هو الأصل الذي عليهم اعتماده. وحينئذ، فلا حاجة إلى تفرقهم وتشيعهم، فإن الله تعالى يقول: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } [10]، وقال تعالى: { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ } [11]، وإذا كان الرجل قد علمه أستاذ عرف قدر إحسانه إليه وشكره.

ولا يشد وسطه لا لمعلمه ولا لغير معلمه، فإن شد الوسط لشخص معين وانتسابه إليه كما ذكر في السؤال: من بدع الجاهلية، ومن جنس التحالف الذي كان المشركون يفعلونه، ومن جنس تفرق قيس ويمن. فإن كان المقصود بهذا الشد والانتماء التعاون على البر والتقوي، فهذا قد أمر الله به ورسوله له ولغيره بدون هذا الشد، وإن كان المقصود به التعاون على الإثم والعدوان، فهذا قد حرمه الله ورسوله فما قصد بهذا من خير، ففي أمر الله ورسوله بكل معروف استغناء أمر المعلمين، وما قصد بهذا من شر، فقد حرمه الله ورسوله.

فليس لمعلم أن يحالف تلامذته على هذا، ولا لغير المعلم أن يأخذ أحدًا من تلامذته لينسبوا إليه على الوجه البدعي: لا ابتداء، ولا إفادة. وليس له أن يجحد حق الأول عليه، وليس للأول أن يمنع أحدًا من إفادته التعلم من غيره، وليس للثاني أن يقول: شد لي وانتسب لي دون معلمك الأول، بل إن تعلم من اثنين فإنه يراعي حق كل منهما، ولا يتعصب لا للأول ولا للثاني، وإذا كان تعلىم الأول له أكثر، كانت رعايته لحقه أكثر.

وإذا اجتمعوا على طاعة الله ورسوله، وتعاونوا على البر والتقوي، لم يكن أحد مع أحد في كل شيء، بل يكون كل شخص مع كل شخص في طاعة الله ورسوله، ولا يكونون مع أحد في معصية الله ورسوله، بل يتعاونون على الصدق والعدل والإحسان، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ونصر المظلوم وكل ما يحبه الله ورسوله، ولا يتعاونون لا على ظلم ولا عصبية جاهلية. ولا اتباع الهوي بدون هدي من الله، ولا تفرق ولا اختلاف، ولا شد وسط لشخص ليتابعه في كل شيء، ولا يحالفه على غير ما أمر الله به ورسوله.

وحينئذ، فلا ينتقل أحد عن أحد إلى أحد، ولا ينتمي أحد: لا لقيطًا، ولا ثقيلا ولا غير ذلك من أسماء الجاهلية، فإن هذه الأمور إنما ولدها كون الأستاذ يريد أن يوافقه تلميذه على ما يريد، فيوإلى من يوإليه، ويعادي من يعاديه مطلقًا. وهذا حرام، ليس لأحد أن يأمر به أحدًا، ولا يجيب عليه أحدًا، بل تجمعهم السنة وتفرقهم البدعة. يجمعهم فعل ما أمر الله به، ورسوله وتفرق بينهم معصية الله ورسوله، حتى يصير الناس أهل طاعة الله أو أهل معصية الله، فلا تكون العبادة إلا لله عز وجل ولا الطاعة المطلقة إلا له سبحانه ولرسوله ﷺ.

ولا ريب أنهم إذا كانوا على عادتهم الجاهلية أي: من علمه أستاذ كان محالفًا له كان المنتقل عن الأول إلى الثاني ظالمًا باغيا ناقضًا لعهده غير موثوق بعقده، وهذا أيضًا حرام وإثم، هذا أعظم من إثم من لم يفعل مثل فعله؛ بل مثل هذا إذا انتقل إلى غير أستاذه وحالفه، كان قد فعل حرامًا، فيكون مثل لحم الخنزير الميت. فإنه لا بعهد الله ورسوله أوفي، ولا بعهد الأول. بل كان بمنزلة المتلاعب الذي لا عهد له، ولا دين له ولا وفاء. وقد كانوا في الجاهلية يحالف الرجل قبيلة فإذا وجد أقوي منها، نقض عهد الأولي وحالف الثانية وهو شبيه بحال هؤلاء فأنزل الله تعالى: { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ علىكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَي مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [12].

وعليهم أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر، ولا يدعوا بينهم من يظهر ظلمًا أو فاحشة، ولا يدعوا صبيا أمرد يتبرج أو يظهر ما يفتن به الناس، ولا أن يعاشر من يتهم بعشرته، ولا يكرم لغرض فاسد.

ومن حالف شخصًا على أن يوإلى من والاه ويعادي من عاداه، كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان، ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: علىك عهد الله وميثاقه أن توإلى من وإلى الله ورسوله، وتعادي من عادي الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوي ولا تعاون على الإثم والعدوان. وإذا كان الحق معي، نصرت الحق، وإن كنت على الباطل، لم تنصر الباطل. فمن التزم هذا، كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى الذين يريدون أن يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا.

وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قيل له: يارسول الله، الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله). فإذا كان المجاهد الذي يقاتل حمية للمسلمين؛ أو يقاتل رياء للناس ليمدحوه، أو يقاتل لما فيه من الشجاعة: لا يكون قتاله في سبيل الله عز وجل حتى يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فكيف من يكون أفضل تعلمه صناعة القتال مبنيا على أساس فاسد ليعاون شخصًا مخلوقًا على شخص مخلوق؟! فمن فعل ذلك، كان من أهل الجاهلية الجهلاء، والتتر الخارجين عن شريعة الإسلام، ومثل هؤلاء يستحقون العقوبة البليغة الشرعية التي تزجرهم وأمثالهم عن مثل هذا التفرق والاختلاف، حتى يكون الدين كله لله والطاعة لله ورسوله، ويكونون قائمين بالقسط يوالون لله ورسوله، ويحبون لله ويبغضون لله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وللمعلمين أن يطلبوا جعلا ممن يعلمونه هذه الصناعة. فإن أخذ الجعل والعوض على تعلىم هذه الصناعة جائز، والاكتساب بذلك أحسن المكاسب، ولو أهدي المعلم لأستاذه لأجل تعلىمه وأعطاه ما حصل له من السبق أو غير السبق عوضًا عن تعلىمه وتحصيله الآلات واستكرائه الحانوت، كان ذلك جائزًا، للأستاذ قبوله، وبذل العوض في ذلك من أفضل الأعمال، حتى أن الشريعة مضت بأنه يجوز أن يبذل العوض للمسابقين من غيرهما.

فإذا أخرج ولي الأمر مالا من بيت المال للمسابقين بالنشاب والخيل والإبل، كان ذلك جائزًا باتفاق الأئمة. ولو تبرع رجل مسلم ببذل الجعل في ذلك، كان مأجورًا على ذلك، وكذلك ما يعطيه الرجل لمن يعلمه ذلك، هو ممن يثاب عليه. وهذا لأن هذه الأعمال منفعتها عامة للمسلمين، فيجوز بذل العوض من آحاد المسلمين فكان جائزًا، وإن أخرجا جميعًا العوض وكان معهما آخر محللا يكافيها، كان ذلك جائزًا، وإن لم يكن بينهما محلل، فبذل أحدهما شيئًا طابت به نفسه من غير إلزام له أطعم به الجماعة، أو أعطاه للمعلم أو أعطاه لرفيقه، كان ذلك جائزًا.

وأصل هذا أن يعلم أن هذه الأعمال عون على الجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله مقصوده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا.

وجماع الدين شيئان:

أحدهما: ألا نعبد إلا الله تعالى.

والثاني: أن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [13]، قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يقبل. وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا، لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله. والصواب: أن يكون على السنة.

وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.

وهذا هو دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو الاستسلام لله وحده. فمن لم يستسلم له، كان مستكبرًا عن عبادته، وقد قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [14]، ومن استسلم لله ولغيره، كان مشركًا، فقد قال تعالى: { إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } [15]؛ ولهذا كان لله حق لا يشركه فيه أحد من المخلوقين، فلا يعبد إلا الله ولا يخاف إلا الله، ولا يتقي إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يدعي إلا الله، كما قال تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } [16]، وقال تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } [17]، وقال تعالى: { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } [18]، فالطاعة لله والرسول، والخشية والتقوي لله وحده.

وقال تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ } [19]. فالرغبة إلى الله وحده والتحسب بالله وحده. وأما الإيتاء فلله والرسول كما قال تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } [20].

فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه، فليس لأحد من المشايخ والملوك والعلماء والأمراء والمعلمين وسائر الخلق خروج عن ذلك، بل على جميع الخلق أن يدينوا بدين الإسلام الذي بعث الله به رسله، ويدخلوا به كلهم في دين خاتم الرسل وسيد ولد آدم وإمام المتقين خير الخلق وأكرمهم على الله محمد عبده ورسوله ﷺ تسليمًا، وكل من أمر بأمر كائنا من كان عرض على الكتاب والسنة، فإن وافق ذلك قبل، وإلا رد، كما جاء في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد) أي: فهو مردود.

فإذا كان المشايخ والعلماء في أحوالهم وأقوالهم: المعروف والمنكر، والهدي والضلال، والرشاد والغي، وعليهم أن يردوا ذلك إلى الله والرسول، فيقبلوا ما قبله الله ورسوله، ويردوا ما رده الله ورسوله، فكيف بالمعلمين وأمثالهم؟! وقد قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } [21]. وقد قال تعالى: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [22]. فنسأل الله تعالى أن يهدينا وسائر إخواننا إلى صراطه المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. والله سبحانه أعلم.

من شرط الجندي أن يكون دينا شجاعا[عدل]

وقال رضي الله عنه:

من شرط الجندي أن يكون دينا شجاعا. ثم قال: الناس على أربعة أقسام: أعلاهم الدين الشجاع، ثم الدين بلا شجاعة، ثم عكسه، ثم العري عنهما.

وَسُئِلَ عن رجل جندي وهو يريد ألا يخدم ؟

فأجاب:

إذا كان للمسلمين به منفعة وهو قادر عليها، لم ينبغ له أن يترك ذلك لغير مصلحة راجحة على المسلمين، بل كونه مقدما في الجهاد الذي يحبه الله ورسوله، أفضل من التطوع بالعبادة، كصلاة التطوع، والحج التطوع، والصيام التطوع. والله أعلم.

سئل هل يجوز للجندي أن يلبس شيئا من الحرير والذهب والفضة في القتال[عدل]

وسئل رحمه الله:

هل يجوز للجندي أن يلبس شيئا من الحرير والذهب والفضة في القتال، أو وقت يصل رسل العدو إلى المسلمين ؟

فأجاب:

الحمد للّه، أما لباس الحرير عند القتال للضرورة فيجوز باتفاق المسلمين، وذلك بألا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية. وأما لباسه لإرهاب العدو، ففيه للعلماء قولان: أظهرهما أن ذلك جائز. فإن جند الشام كتبوا إلى عمر بن الخطاب: إنا إذا لقينا العدو ورأيناهم قد كفروا أي: غطوا أسلحتهم بالحرير وجدنا لذلك رعبا في قلوبنا. فكتب إليهم عمر: وأنتم فَكَفِّروا أسلحتكم، كما يكفرون أسلحتهم.

ولأن لبس الحرير فيه خيلاء والله يحب الخيلاء حال القتال، كما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (إن من الخيلاء ما يحبه الله، ومن الخيلاء ما يبغضه الله، فأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل عند الحرب، وعند الصدقة. وأما الخيلاء التي يبغضها الله، فالخيلاء في البغي والفخر). ولما كان يوم أحد اختال أبو دُجَانة الأنصاري بين الصفين فقال النبي ﷺ: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن).

وأما يسير الحرير مثل العلم الذي عرضه أربعة أصابع ونحو ذلك فيجوز مطلقا، وفي العلم الذهب نزاع بين العلماء؛ والأظهر جوازه أيضا؛ فإن في السنن عن النبي ﷺ: أنه نهى عن الذهب إلا مقطعا.

سئل عن سفر صاحب العيال إلخ[عدل]

وَسئِل عَن سَفَر صَاحِب العِيَال إلخ.

فأجاب:

أما سفر صاحب العيال، فإن كان السفر يضر بعياله، لم يسافر، فإن النبي ﷺ قال: (كفي بالمرء إثما أن يُضِيعَ من يقوت)، وسواء كان تضررهم لقلة النفقة أو لضعفهم، وسفر مثل هذا حرام. وإن كانوا لا يتضررون، بل يتألمون وتنقص أحوالهم، فإن لم يكن في السفر فائدة جسيمة تربو على ثواب مقامه عندهم كعلم يخاف فوته، وشيخ يتعين الاجتماع به، وإلا فمقامه عندهم أفضل، وهذا لعمري إذا صحت نيته في السفر، كان مشروعا.

وأما إن كان كسفر كثير من الناس، إنما يسافر قلقا وتزجية للوقت، فهذا مقامه يعبد الله في بيته خير له بكل حال، ويحتاج صاحب هذه الحال أن يستشير في خاصة نفسه رجلا عالما بحاله، وبما يصلحه، مأمونا على ذلك، فإن أحوال الناس تختلف في مثل هذا اختلافا متباينا. والله سبحانه وتعالى أعلم.

سئل عن الأيام والليالي مثل أن يقول السفر يكره يوم الأربعاء أو الخميس[عدل]

وَسُئلَ عن الأيام والليالي مثل: أن يقول: السفر يكره يوم الأربعاء أو الخميس أو السبت، أو يكره التفصيل أو الخياطة أو الغزل في هذه الأيام، أو يكره الجماع في ليلة من الليالي ويخاف على الولد.

فأجاب:

الحمد للّه، هذا كله باطل لا أصل له، بل الرجل إذا استخار الله تعالى وفعل شيئا مباحا، فليفعله في أي وقت تيسر. ولا يكره التفصيل ولا الخياطة ولا الغزل ولا نحو ذلك من الأفعال في يوم من الأيام، ولا يكره الجماع في ليلة من الليالي ولا يوم من الأيام.

والنبي ﷺ قد نهى عن التطير كما ثبت في الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يارسول الله، إن منا قوما يأتون الكهان، قال: (فلا تأتوهم). قلت: منا قوم يتطيرون؟ قال: (ذاك شيء يجده أحدكم من نفسه فلا يصدنكم). فإذا كان قد نهى عن أن تصده الطيرة عما عزم عليه، فكيف بالأيام والليالي؟ ولكن يستحب السفر يوم الخميس، ويوم السبت ويوم الاثنين، من غير نهى عن سائر الأيام، إلا يوم الجمعة إذا كانت الجمعة تفوته بالسفر ففيه نزاع بين العلماء.

وأما الصناعات والجماع، فلا يكره في شيء من الأيام. والله أعلم.

رسالة من شيخ الإسلام إلى أصحابه وهو في حبس الإسكندرية[عدل]

رسالة من شيخ الإسلام قدس الله روحه إلى أصحابه وهو في حبس الإسكندرية قال:

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } [23]. والذي أعَرِّف به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا وفي الآخرة وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة فإني والله العظيم الذي لا إله إلا هو في نعم من الله ما رأيت مثلها في عمري كله، وقد فتح الله سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن بالبال، ولا يدور في الخيال ما يصل الطرف إليها، يسرها الله تعالى حتى صارت مقاعد، وهذا يعرف بعضها بالذوق من له نصيب من معرفة الله وتوحيده وحقائق الإيمان، وما هو مطلوب الأولين والآخرين من العلم والإيمان.

فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه، إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده والإيمان به وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية، كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول فيها: إن كان أهل الجنة في هذه الحال، إنهم لفي عيش طيب.

وقال آخر: لتمرعلى القلب أوقات يرقص فيها طربا، وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة. ولهذا كان النبي ﷺ يقول: (أرحنا بالصلاة يابلال)، ولا يقول: أرحنا منها، كما يقوله من تثقل عليه الصلاة، كما قال تعالى: { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ } [24]. والخشوع: الخضوع للّه تعالى والسكون والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح. وكان النبي ﷺ يقول: (حبب إلى من دنياكم النساء والطيب)، ثم يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) ولم يقل: حبب إلى من دنياكم ثلاث. كما يرفعه بعض الناس، بل هكذا رواه الإمام أحمد والنسائي أن المحبب إليه من الدنيا النساء والطيب. وأما قرة العين، تحصل بحصول المطلوب وذلك في الصلاة.

والقلوب فيها وسواس النفس، والشيطان يأمر بالشهوات والشبهات ما يفسد عليه طيب عيشها، فمن كان محبا لغير الله، فهو معذب في الدنيا والآخرة، إن نال مراده عذب به؛ وإن لم ينله، فهو في العذاب والحسرة والحزن.

وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله، وهي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين، وكان النبي ﷺ يقول لأصحابه: (قولوا: أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد ﷺ، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما، وما كان من المشركين).

والحنيف للسلف فيه ثلاث عبارات: قال محمد بن كعب: مستقيما. وقال عطاء: مخلصا. وقال آخرون: متبعا. فهو مستقيم القلب إلى الله دون ما سواه. قال الله تعالى: { فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ } [25]، وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } [26] قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه لا بالحب ولا بالخوف، ولا بالرجاء ولا بالسؤال ولا بالتوكل عليه، بل لا يحبون إلا الله ولا يحبون معه أندادا، ولا يحبون إلا إياه، لا لطلب منفعة، ولا لدفع مضرة، ولايخافون غيره كائنا من كان، ولا يسألون غيره ولا يتشرفون بقلوبهم إلى غيره.

ولهذا قال النبي ﷺ لعمر رضي الله عنه: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا متشرف فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك) فالسائل بلسانه والمتشرف بقلبه متفق على صحته. وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: (من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله؛ ومن يصبر يصبره الله). متفق على صحته. فالغني في القلب، كما قال النبي ﷺ: (ليس الغني عن كثرة المال، ولكن الغني غني النفس). والعفيف الذي لا يسأل بلسانه لا نصرا ولا رزقا. قال تعالى: { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍأَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ } [27]. وقال تعالى: { وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَي وَنِعْمَ النَّصِيرُ } [28]. وقال تعالى: { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } [29] إلى آخر السورة. وقال تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [30]، أي: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فإنه سبحانه وتعالى من حسن تدبيره لعبده وتيسيره له أسباب الخير من الهدي للقلوب والزلفي لديه والتبصير، يدفع عنه شياطين الإنس والجن ما لا تبلغ العباد قدره.

والخير كله في متابعة النبي ﷺ النبي الأمي الذي { يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ } إلى آخر الآية [31]. وأكثر الناس لا يعرفون حقائق ما جاء به، إنما عندهم قسط من ذلك. { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًي وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ } [32]، وقال تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [33]، والجهاد يوجب هداية السبيل إليه. وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [34]. فكل من اتبع الرسول فإن الله حسبه، أي: كافيه وهاديه وناصره، أي: كافيه كفايته وهدايته وناصره ورازقه.

فالإنسان ظالم جاهل كما قال تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ على السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ } إلى قوله: { ظَلُومًا جَهُولًا } [35]. وإنما غاية أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين التوبة. وقد قال تعالى: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } [36]، وتوبة كل إنسان بحسبه وعلى قدر مقامه وحاله.

ولهذا كان الدين مجموعا في التوحيد والاستغفار، قال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [37]. وقال تعالى: { فَاسْتَقِيمُوا إليه وَاسْتَغْفِرُوهُ } [38]. وقال تعالى: { وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إليه } [39]، ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يدخل في التوحيد في قول: لا إله إلا الله، فإنه من لم يفعل الطاعات لله، ويترك المعاصي لله، لم يقبل الله عمله. قال تعالى: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } [40]، قال طلق بن حبيب: التقوي: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله.

ولابد لكل عبد من التوبة والاستغفار بحسب حاله.

والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه والإله هو المعبود، الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام، والخوف والرجاء، يفني القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه، ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه حلاه الله بالأمن والسرور، والحبور، والرحمة للخلق، والجهاد في سبيل الله فهو يجاهد ويرحم. له الصبر والرحمة، قال الله تعالى: { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } [41]. وكلما قوي التوحيد في قلب العبد، قوي إيمانه وطمأنينته، وتوكله، ويقينه.

والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم، قال الله تعالى: { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللهِ } [42]. وكما قال الله جل جلاله في قصة الخليل عليه السلام: { أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ } إلى قوله: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ } [43]. وفي الحديث الصحيح: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش). فمن كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك. فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به الشرك الأكبر كالعبادة قال الخليل: { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عليكم سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }، يقول: إن تطيعوا غير الله، وتعبدون غيره، وتكلمون في دينه ما لم ينزل به سلطانًا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ أي: تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفوني أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن؟ إلى قوله: { أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ } [44] أي: هؤلاء الموحدون المخلصون. ولهذا قال الإمام أحمد لبعض الناس: لو صححت لم تخف أحدًا.

ولكن للشيطان وسواس في قلوب الناس، كما قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } إلى قوله تعالى: { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } [45]، أخبر سبحانه وتعالى: أن ما جاءت به الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لابد له من عدو شياطين الإنس والجن يوسوسون القول المزخرف، ونهي أن يطلب حكما من غير الله بقوله تعالى: { أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إليكم الْكِتَابَ مُفَصَّلا } [46]، والكتاب: هو الحاكم بين الناس شرعا ودينًا، وينصر القائم نصرًا وقدرًا. وقد قال الله تعالى: { إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّي الصَّالِحِينَ } [47]. وقال تعالى: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا } إلى قوله تعالى: { وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } [48].

وقال تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } إلى قوله: { إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [49]، والميزان هو: العدل، وما به يعرف العدل، وأنزل الحديد لينصر الكتاب، فإن قام صاحبه بذلك، كان سعيدًا مجاهدًا في سبيل الله، فإن الله نصر الكتاب بأمر من عنده، وانتقم ممن خرج عن حكم الكتاب، كما قال تعالى: { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ } إلى قوله: { وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [50]. وقوله ﷺ لأبي بكر: ( { إِنَّ اللهَ مَعَنَا } ) [51]، وقال تعالى: { إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } [52]. وقال تعالى: { إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [53]. وكل من وافق الرسول ﷺ في أمر خالف فيه غيره، فهو من الذين اتبعوه في ذلك، وله نصيب من قوله: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا [54]؛ فإن المعية الإلهية المتضمنة للنصر هي لما جاء به إلى يوم القيامة، وهذا قد دل عليه القرآن، وقد رأينا من ذلك وجربنا ما يطول وصفه. وقال تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّي يَتَبَيَّنَ لَهُمْ } [55] إلى آخر السورة. وقال تعالى: { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [56]. وقال تعالى: { ّفَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } [57]، فمن شنأ شيئا مما جاء به الرسول ﷺ، فله من ذلك نصيب؛ ولهذا قال أبو بكر بن عياش لما قيل له: إن بالمسجد أقواما يجلسون ويجلس الناس إليهم فقال: من جلس للناس جلس الناس إليه، لكن أهل السنة يبقون ويبقي ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم. وذلك أن أهل البدعة شنؤوا بعض ما جاء به الرسول ﷺ فأبترهم بقدر ذلك. والذين أعلنوا ما جاء به النبي ﷺ فصار لهم نصيب من قوله تعالى: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } [58]، فإن ما أكرم الله به نبيه من سعادة الدنيا والآخرة فللمؤمنين المتابعين نصيب بقدر إيمانهم. فما كان من خصائص النبوة والرسالة فلم يشارك فيه أحد من أمته، وما كان من ثواب الإيمان والأعمال الصالحة، فلكل مؤمن نصيب بقد ذلك.

والله تعالى يقول: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَي وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّهِ } [59]: بالحجة والبيان؛ وبإلىد واللسان؛ هذا إلى يوم القيامة. لكن الجهاد المكي بالعلم والبيان، والجهاد المدني مع المكي بإلىد والحديد، قال تعالى: { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } [60] وسورة الفرقان مكية، وإنما جاهدهم باللسان والبيان، ولكن يكف عن الباطل، وإنما قد بين في المكية. { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّي نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } [61].

وقال تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّي يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَي نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ } [62]. وقال تعالى: { الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } إلى قوله: { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } [63]. فبين سبحانه وتعالى: أنه أرسل رسله. والناس رجلان: رجل يقول: أنا مؤمن به مطيعه، فهذا لابد أن يمتحن حتي يعلم صدقه من كذبه. ورجل مقيم على المعصية فهذا قد عمل السيئات فلا يظن أن يسبقونا، بل لابد أن نأخذهم. وما لأحد من خروج عن هذين القسمين. قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ } إلى قوله: { لَبِئْسَ الْمَوْلَي وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ } [64].

فبين سبحانه حال من يجادل في الدين بلا علم. والعلم: هو ما بعث الله به رسوله ﷺ، وهو: السلطان كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ } [65]. فمن تكلم في الدين بغير ما بعث الله به رسوله ﷺ، كان متكلما بغير علم. ومن تولاه الشيطان فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير، ومن انقاد لدين الله. فقد عبد الله بإلىقين، بل إن أصابه ما يهواه استمر، وإن أصابه ما يخالف هواه رجع، وقد عبد الله على حرف، والحرف هو: الجانب، كحرف الرغيف وحرف الجبل ليس مستقرًا بإثبات، { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ } في الدنيا، { \اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } أي: محنة امتحن بها، { انقَلَبَ على وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [66]، وحرف الجبل ليس مستقرًا بالثبات، معناه: خسر الدنيا بما امتحن به وخسر الآخرة برجوعه عن الدين { يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ } الآية [67] أي: يدعو المخلوقين؛ يخافهم، ويرجوهم، وهم لا يملكون له ضرًا ولا نفعًا، بل ضرهم أقرب من نفعهم، وإن كان سبب نزولها في شخص معين، أسلم وكان مشركا فحكمها عام في كل من تناوله لفظها ومعناها إلى يوم القيامة.

فكل من دعا غير الله، فهو مشرك، والعيان يصدق هذا، فإن المخلوقين إذا اشتكي إليهم الإنسان فضررهم أقرب من نفعهم، والخالق جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره إذا اشتكي إليه المخلوق وأنزل حاجته به واستغفره من ذنوبه، أيده وقواه وهداه، وسد فاقته وأغناه وقربه وأقناه، وحبه واصطفاه. والمخلوق إذا أنزل العبد به حاجته استرذله وازدراه ثم أعرض عنه، خسر الدنيا والآخرة. وإن قضي له ببعض مطلبه؛ لأن عنده من بعض رعاياه يستعبده بما يهواه، قال الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام: { فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إليه تُرْجَعُونَ } [68]. وقال تعالى: { إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعلى اللهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ } [69]. وقال تعالى: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [70].

وهذا باب واسع قد كتبت فيه شيئا كثيرًا، وعرفته: علما، وذوقًا، وتجربة.

فصل اللذة والسرور في معرفة الله وطاعته[عدل]

وفي الجملة، ما يبين نعم الله التي أنعم بها على وأنا في هذا المكان، أعظم قدرًا وأكثر عددًا ما لا يمكن حصره، وأكثر ما ينقص على الجماعة، فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم، وأن يفتح لهم من معرفة الله وطاعته والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات، وأعرف أكثر الناس قدر ذلك فإنه لا يعرف إلا بالذوق والوجد، لكن ما من مؤمن إلا له نصيب من ذلك، ويستدل منه بالقليل على الكثير وإن كان لا يقدر قدره الكبير، وأنا أعرف أحوال الناس والأجناس واللذات، وأين الدر من البعر؟ وأين الفالوذج من الدبس؟ وأين الملائكة من البهيمة أو البهائم؟ لكن أعرف أن حكمة الله وحسن اختياره ولطفه ورحمته يقتضي أن كل واحد يريد أن يعبد الله ويجاهد في سبيله علمًا وعملا بحسب طاقته ليكون الدين لله، ويكون مقصوده أن كلمة الله هي العليا، ولا يكون حبه وبغضه ومعاداته ومدحه وذمه إلا لله لا لشخص معين.

والهادي المطلق الذي يهدي إلى كل خير وكل أحد محتاج إلى هدايته في كل وقت هو رسول الله ﷺ، ثم أفضل أمته أفضلهم متابعة له، وهذا يكون بالإيمان واليقين والجهاد، كما قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } إلى قوله: { أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [71]، فبين سبحانه وتعالى أن المؤمن لابد له من ثلاثة أمور:

أولها: أن يؤمن بالله ورسوله.

وثانيها: لا يرتاب بعد ذلك: أن يكون موقنًا ثابتًا، واليقين يخالف الريب، والريب نوعان: نوع يكون شكًا لنقص العلم. ونوع يكون اضطرابًا في القلب. وكلاهما لنقص الحال الإيماني، فإن الإيمان لابد فيه من علم القلب، وليس كل مكان يكون له علم يعلمه. وعمل القلب أو بصيرته وثباته وطمأنينته وسكينته وتوكله وإخلاصه وإنابته إلى الله تعالى، وهذه الأمور كلها في القرآن. يقال: رابني كذا وكذا يريبني، أي: حرك قلبي، ومنه الحديث عن رسول الله ﷺ: أنه مر بظبي حاقف فقال: (لا يريبه أحد) أي: لا يحركه أحد. ومنه قوله ﷺ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة، فإن الصادق من لا يقلق قلبه والكاذب يقلق قلبه، وليس هناك شك بل يعلم أن الريب أعم من الشك.

ولهذا في الدعاء المأثور: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك) الحديث إلى آخره. وفي المسند والترمذي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: (سلو الله اليقين والعافية، فإنه لم يعط خيرًا من اليقين والعافية فاسألوها الله سبحانه وتعالى). والعرب تقول: ماء يقن، إذا كان ساكنًا لا يتحرك. فقلب المؤمن مطمئن لا يكون فيه ريب. هذا معني قوله سبحانه وتعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [72]. وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: قال: أعطي رسول الله ﷺ رهطًا ولم يعط رجلا وهو أحب إلى منهم فقلت: يا رسول الله، مالك عن فلان؟ فوالله إني أراه مؤمنا، قال: (أو مسلمًا) مرتين أو ثلاثا ثم قال: (إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلى منه خشية أن يكبه الله على وجهه في النار).

ولهذا قال أبو جعفر الباقر وغيره من السلف: الإسلام دائرة كبيرة، والإيمان دائرة في وسطها؛ فإذا زنا العبد خرج من الإيمان إلى الإسلام. كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن).

وهذا أظهر قولي العلماء: إن هؤلاء الأعراب الذين قالوا: أسلمنا ونحوهم، من المسلمين الذين لم يدخل الإيمان المتقدم في قلوبهم يثابون على أعمالهم الصالحة، كما قال تعالى: { وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا } [73]. وهم ليسوا بكفار ولا منافقين، بل لم يبلغوا حقيقة الإيمان وكماله، فنفي عنهم كمال الإيمان الواجب. وإن كانوا يدخلون في الإيمان، مثل قوله: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } [74]، وقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } [75]، وهذا باب واسع.

والمقصود إخبار الجماعة بأن نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير كثير، ونحن بحمد الله في زيادة من نعم الله وإن لم يمكن خدمة الجماعة باللقاء، فأنا داع لهم بالليل والنهار، قيامًا ببعض الواجب من حقهم، وتقربًا إلى الله تعالى في معاملته فيهم. والذي آمر به كل شخص منهم أن يتق الله ويعمل لله، مستعينًا بالله، مجاهدًا في سبيل الله، ويقصد بذلك أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، ويكون دعاؤه وغيره بحسب ذلك، كما أمر الله به ورسوله:

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لهم في أسماعهم وأبصارهم ما أبقيتهم، واجعلهم شاكرين لنعمك مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها عليهم يا رب العالمين. اللهم انصر كتابك ودينك وعبادك المؤمنين، وأظهر الهدي ودين الحق الذي بعثت به نبينا محمدًا ﷺ على الدين كله. اللهم عذب الكفار والمنافقين، الذين يصدون عن سبيلك ويبدلون دينك ويعادون المؤمنين. اللهم خالف كلمتهم، وشتت بين قلوبهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم؛ وأدر عليهم دائرة السوء. اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم مجري السحاب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم، وانصرنا عليهم. ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدي لنا، وانصرنا على من بغي علينا. ربنا اجعلنا لك شاكرين مطاوعين مخبتين أواهين منيبين. ربنا تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا؛ وسدد ألسنتنا واسلل سخائم صدورنا.

وهذا رواه الترمذي بلفظ إفراد، وصححه، وهو من أجمع الأدعية بخير الدنيا والآخرة، وله شرح عظيم.

والحمد لله ناصر السنة، وخاذل أهل البدعة والغرة، وصلي الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.

وكتب وهو في السجن يشكر الله على إخراج خصومه كتبه[عدل]

وكتب رحمه الله، وهو في السجن:

ونحن - ولله الحمد والشكر - في نعم عظيمة، تتزايد كل يوم، ويجدد الله تعالى من نعمه نعمًا أخرى، وخروج الكتب كان من أعظم النعم فإني كنت حريصًا على خروج شيء منها؛ لتقفوا عليه وهم كرهوا خروج الإخنائية فاستعملهم الله في إخراج الجميع؛ وإلزام المنازعين بالوقوف عليه، وبهذا يظهر ما أرسل الله به رسوله من الهدى، ودين الحق، فإن هذه المسائل كانت خفية على أكثر الناس.

فإذا ظهرت فمن كان قصده الحق هداه الله، ومن كان قصده الباطل قامت عليه حجة الله، واستحق أن يذله الله ويخزيه، وما كتبت شيئا من هذا، ليكتم عن أحد، ولو كان مبغضًا. والأوراق التي فيها جواباتكم وصلت، وأنا طيب، وعيناي طيبتان، أطيب ما كانتا. ونحن في نعم عظيمة لا تُحصى ولا تُعد. والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. ثم ذكر كلامًا وقال: كل ما يقضيه الله تعالى فيه الخير، والرحمة، والحكمة، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو القوي العزيز العليم الحكيم، ولا يدخل على أحد ضرر إلا من ذنوبه { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } [76].

فالعبد عليه أن يشكر الله، ويحمده دائمًا على كل حال. ويستغفر من ذنوبه. فالشكر يوجب المزيد من النعم، والاستغفار يدفع النقم. ولا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له: إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له.

كتاب الشيخ إلى والدته يعتذر عن تأخره[عدل]

كتاب الشيخ إلى والدته يقول فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقر الله عينيها بنعمه، وأسبغ عليها جزيل كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخدمه. سلام الله عليكم. ورحمة الله وبركاته. فإنا نحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير.

ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين، محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. كتابي إليكم عن نعم من الله عظيمة، ومنن كريمة، وآلاء جسيمة نشكر الله عليها، ونسأله المزيد من فضله. ونعم الله كلما جاءت في نمو، وازدياد، وأياديه جلت عن التعداد. وتعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنما هو لأمور ضرورية، متى أهملناها؛ فسد علينا أمر الدين والدنيا.

ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيور؛ لسرنا إليكم. ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور فإنكم - ولله الحمد - ما تختارون الساعة إلا ذلك، ولم نعزم على المقام، والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كل يوم نستخير الله لنا ولكم. وادعوا لنا بالخيرة فنسأل الله العظيم أن يخير لنا ولكم وللمسلمين، ما فيه الخيرة، في خير وعافية.

ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير، والرحمة والهداية، والبركة ما لم يكن يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، ونحن في كل وقت مهمومون بالسفر، مستخيرون الله سبحانه وتعالى. فلا يظن الظان أنا نؤثر على قربكم شيئًا من أمور الدنيا قط. بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه. ولكن ثم أمور كبار، نخاف الضرر الخاص والعام من إهمالها. والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.

والمطلوب كثرة الدعاء بالخيرة فإن الله يعلم ولا نعلم ويقدر ولا نقدر وهو علام الغيوب. وقد قال النبي ﷺ: (من سعادة ابن آدم استخارته الله ورضاه بما يقسم الله له ومن شقاوة ابن آدم: ترك استخارته الله وسخطه بما يقسم الله له).

والتاجر يكون مسافرًا؛ فيخاف ضياع بعض ماله، فيحتاج أن يقيم؛ حتى يستوفيه، وما نحن فيه أمر يجل عن الوصف ولا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كثيرًا كثيرًا، وعلى سائر من في البيت، من الكبار، والصغار، وسائر الجيران، والأهل والأصحاب واحدًا واحدًا، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.

وقال الشيخ بعد حمد الله تعالى، والصلاة على نبيه، ﷺ. أما بعد. فإن الله - وله الحمد - قد أنعم على من نعمه العظيمة، ومننه الجسيمة، وآلائه الكريمة، ما هو مستوجب لعظيم الشكر، والثبات على الطاعة، واعتياد حسن الصبر على فعل المأمور.

والعبد مأمور بالصبر في السراء، أعظم من الصبر في الضراء قال تعالى: { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } [77]، { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } [78]، { إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [79].

وتعلمون أن الله سبحانه من في هذه القضية من المنن التي فيها من أسباب نصر دينه. وعلو كلمته ونصر جنده وعزة أوليائه وقوة أهل السنة والجماعة وذل أهل البدعة والفرقة. وتقرير ما قرر عندكم من السنة، وزيادات على ذلك بانفتاح أبواب من الهدى، والنصر، والدلائل، وظهور الحق لأمم، لا يُحصي عددهم إلا الله تعالى، وإقبال الخلائق إلى سبيل السنة والجماعة، وغير ذلك من المنن، ما لا بد معه من عظيم الشكر، ومن الصبر وإن كان صبرًا في سراء. وتعلمون أن من القواعد العظيمة، التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين فإن الله تعالى يقول: { فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } [80] ويقول: { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ } [81] ويقول: { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [82].

وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف، وتنهى عن الفرقة والاختلاف. وأهل هذا الأصل: هم أهل الجماعة كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة. وجماع السنة: طاعة الرسول. ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح، الذي رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة: (إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه، ولا تُشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم).

وفي السنن من حديث زيد بن ثابت، وابن مسعود - فَقِيهَيْ الصحابة - عن النبي ﷺ أنه قال: (نضر الله امرأً، سمع منا حديثًا فبلغه، إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر. ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم). وقوله لا يغل أي لا يحقد عليهن. فلا يبغض هذه الخصال قلب المسلم بل يحبهن ويرضاهن. وأول ما أبدأ به من هذا الأصل: ما يتعلق بي فتعلمون - رضي الله عنكم - أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين - فضلًا عن أصحابنا - بشيء أصلًا لا باطنًا ولا ظاهرًا ولا عندي عتب على أحد منهم. ولا لوم أصلًا، بل لهم عندي من الكرامة، والإجلال، والمحبة، والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان كل بحسبه، ولا يخلو الرجل. إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا، أو مخطئًا، أو مذنبًا. فالأول: مأجور مشكور. والثاني مع أجره على الاجتهاد: فمعفو عنه مغفور له. والثالث: فالله يغفر لنا، وله ولسائر المؤمنين. فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا، الأصل. كقول القائل: فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي، الشيخ بسببه فلان كان سبب هذه القضية، فلان كان يتكلم في كيد فلان. ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان. فإني لا أسامح من أذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

بل مثل هذا يعود على قائله بالملام، إلا أن يكون له من حسنة، وممن يغفر الله، له إن شاء. وقد عفا الله عما سلف. وتعلمون أيضًا: أن ما يجري من نوع تغليظ، أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان: ما كان يجري بدمشق، ومما جرى الآن بمصر فليس ذلك غضاضة، ولا نقصًا، في حق صاحبه ولا حصل بسبب ذلك تغير منا، ولا بغض. بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين أرفع قدرًا وأنبه ذكرًا وأحب وأعظم، وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض فإن المؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى.

وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين. وتعلمون: أنا جميعًا متعاونون على البر والتقوى. واجب علينا نصر بعضنا بعضًا أعظم مما كان وأشد. فمن رام أن يؤذي بعض الأصحاب أو الإخوان لما قد يظنه من نوع تخشين - عومل به بدمشق أو بمصر الساعة أو غير ذلك - فهو الغالط.

وكذلك من ظن أن المؤمنين يبخلون عما أمروا به، من التعاون والتناصر، فقد ظن ظن سوء وإن الظن لا يُغني من الحق شيئا، وما غاب عنا أحد من الجماعة أو قدم إلينا الساعة، أو قبل الساعة، إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كانت وأجل وأرفع. وتعلمون - رضي الله عنكم -: أن ما دون هذه القصية من الحوادث يقع فيها من اجتهاد الآراء، واختلاف الأهواء، وتنوع أحوال أهل الإيمان، وما لا بد منه - من نزغات الشيطان - ما لا يتصور أن يُعرى عنه نوع الإنسان.

وقد قال تعالى: { وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [83]، { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } [84].

بل أنا أقول ما هو أبلغ من ذلك - تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، وبالأقصى على الأدنى - فأقول: تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من الأكاذيب المفتراة، والأغاليط المظنونة، والأهواء الفاسدة، وأن ذلك أمر يجل عن الوصف. وكل ما قيل: من كذب وزور فهو في حقنا خير ونعمة. قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [85].

وقد أظهر الله من نور الحق وبرهانه، ما رد به إفك الكاذب وبهتانه. فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه عليّ، أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللت كل مسلم. وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي. والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي. وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم، وإلا فحكم الله نافذ فيهم. فلو كان الرجل مشكورًا على سوء عمله لكنت أشكر كل من كان سببًا في هذه القضية؛ لما يترتب عليه من خير الدنيا والآخرة، لكن الله هو المشكور على حسن نعمه، وآلائه وأياديه، التي لا يقضي للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له.

وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم، وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم. وأنتم تعلمون هذا من خلقي. والأمر أزيد مما كان وأوكد، لكن حقوق الناس بعضهم مع بعض وحقوق الله عليهم هم فيها تحت حكم الله.

وأنتم تعلمون أن الصديق الأكبر في قضية الإفك التي أنزل الله فيها القرآن، حلف لا يصل مسطح بن أثاثة؛ لأنه كان من الخائضين في الإفك. فأنزل الله تعالى: { وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أولى الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [86]، فلما نزلت قال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فأعاد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق. ومع ما ذكر من العفو والإحسان وأمثاله وأضعافه والجهاد على ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة أمر لا بد منه { فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [87]، { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } [88] { وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [89]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وآله وسلم تسليمًا.

وكتب ينهاهم عن تأنيب أصحابه[عدل]

وكتب أيضًا:

بسم الله الرحمن الرحيم، سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، ونحن لله الحمد والشكر في نعم متزايدة، متوافرة، وجميع ما يفعله الله فيه نصر الإسلام، وهو من نعم الله العظام. { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا } [90]، فإن الشيطان استعمل حزبه في إفساد دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه. ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يعارضه؛ فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل؛ فيدمغه فإذا هو زاهق. والذي سعى فيه حزب الشيطان لم يكن مخالفة لشرع محمد ﷺ وحده، بل مخالفة لدين جميع المرسلين: إبراهيم وموسى، والمسيح، ومحمد خاتم النبيين، صلى الله عليهم أجمعين. وكانوا قد سعوا في أن لا يظهر من جهة حزب الله ورسوله خطاب، ولا كتاب وجزعوا من ظهور الإخنائية فاستعملهم الله تعالى. حتى أظهروا أضعاف ذلك وأعظم، وألزمهم بتفتيشه ومطالعته ومقصودهم إظهار، عيوبه وما يحتجون به فلم يجدوا فيه إلا ما هو حجة عليهم وظهر لهم جهلهم وكذبهم وعجزهم وشاع هذا في الأرض وأن هذا مما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يمكنهم أن يظهروا علينا فيه عيبًا في الشرع، والدين بل غاية ما عندهم: أنه خولف مرسوم بعض المخلوقين، والمخلوق كائنًا من كان، إذا خالف أمر الله تعالى ورسوله لم يُجب، بل ولا يجوز طاعته في مخالفة أمر الله ورسوله، باتفاق المسلمين. وقول القائل: إنه يظهر البدع كلام يظهر فساده لكل مستبصر ويعلم أن الأمر بالعكس فإن الذي يظهر البدعة إما أن يكون لعدم علمه بسنة الرسول، أو لكونه له غرض وهوى يخالف ذلك، وهو أولى بالجهل بسنة الرسول واتباع هواهم بغير هدى من الله { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ } [91] ممن هو أعلم بسنة الرسول منهم وأبعد عن الهوى والغرض في مخالفتها { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [92]، { إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شيئا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } [93]. وهذه قضية كبيرة لها شأن عظيم. ولتعلمن نبأه بعد حين.

ثم قال بعده: وكانوا يطلبون تمام الإخنائية فعندهم ما يطمهم أضعافها، وأقوى فقها منها وأشد مخالفة لأغراضهم. فإن الزملكانية قد بين فيها من نحو خمسين وجها: أن ما حكم به ورسم به مخالف لإجماع المسلمين وما فعلوه لو كان ممن يعرف ما جاء به الرسول ويتعمد مخالفته لكان كفرًا وردة عن الإسلام لكنهم جهال دخلوا في شيء، ما كانوا يعرفونه، ولا ظنوا أنه يظهر منه أن السلطنة تخالف مرادهم والأمر أعظم مما ظهر لكم ونحن ولله الحمد على عظيم الجهاد في سبيله. ثم ذكر كلامًا وقال: بل جهادنا في هذا مثل جهادنا يوم قازان، والجبلية، والجهمية، والاتحادية وأمثال ذلك. وذلك من أعظم نعم الله علينا، وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

قاعدة في الحسبة[عدل]

وقال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العالم، شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن تيمية رحمة الله عليه: الحمد لله، نستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا، إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فهدى به من الضلالة. وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي. وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، حيث بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته. أما بعد: فهذه: قاعدة في الحسبة. أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب وبه أرسل الرسل وعليه جاهد الرسول والمؤمنون: قال الله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [94] وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [95] وقال: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } [96].

وقد أخبر عن جميع المرسلين أن كلا منهم يقول لقومه: { اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [97]، وعباداته تكون بطاعته وطاعة رسوله وذلك هو الخير والبر، والتقوى والحسنات، والقربات والباقيات والصالحات والعمل الصالح، وإن كانت هذه الأسماء بينها فروق لطيفة ليس هذا موضعها. وهذا الذي يقاتل عليه الخلق كما قال تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [98].

وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ( سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية. ويقاتل رياء: فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع. فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة. وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمر وناه. فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود بمصالح دنياهم، مصيبين تارة ومخطئين أخرى وأهل الأديان الفاسدة من المشركين وأهل الكتاب المستمسكين به بعد التبديل أو بعد النسخ والتبديل: مطيعون فيما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دينهم ودنياهم. وغير أهل الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت. ومنهم من لا يؤمن به وأما أهل الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت، ولكن الجزاء في الدنيا متفق عليه أهل الأرض. فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة ولهذا يروى: (الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة).

وإذا كان لا بد من طاعة آمر وناه فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ورسوله خير له وهو الرسول النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وذلك هو الواجب على جميع الخلق قال الله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } [99] { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا } [100]. وقال: { وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [101]. وقال: { تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [102] { ووَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [103].

وكان النبي ﷺ يقول في خطبته للجمعة: (إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها). وكان يقول في خطبة الحاجة: (من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا).

وقد بعث الله رسوله محمدًا ﷺ بأفضل المناهج والشرائع وأنزل عليه أفضل الكتب فأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس وأكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة وحرم الجنة إلا على من آمن به وبما جاء به ولم يقبل من أحد إلا الإسلام الذي جاء به فمن ابتغى غيره دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.

وأخبر في كتابه أنه أنزل الكتاب والحديد ليقوم الناس بالقسط، فقال تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [104]. ولهذا أمر النبي ﷺ أمته بتولية ولاة أمور عليهم وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى، ففي سنن أبي داود عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم).

وفي سننه أيضًا عن أبي هريرة مثله.

وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم). فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم: كان هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك، ولهذا كانت الولاية - لمن يتخذها دينًا يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان - من أفضل الأعمال الصالحة حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أحب الخلق إلى الله إمام عادل وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر).

فصل الأمر والنهي الذي بعث به الرسول[عدل]

وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهذا نعت النبي والمؤمنين، كما قال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [105].

وهذا واجب على كل مسلم قادر وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره والقدرة هو السلطان والولاية فذوو السلطان أقدر من غيرهم، وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم. فإن مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على كل إنسان بحسب قدرته قال تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [106].

وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى: مثل نيابة السلطنة والصغرى مثل ولاية الشرطة: وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية، وولاية الحسبة.

لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن، والمطلوب منه الصدق، مثل الشهود عند الحاكم، ومثل صاحب الديوان الذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف، والنقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال. ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع، والمطلوب منه العدل مثل: الأمير والحاكم والمحتسب وبالصدق في كل الأخبار والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال: تصلح جميع الأحوال وهما قرينان كما قال تعالى: { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [107].

وقال النبي ﷺ لما ذكر الظلمة: (من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس منى ولست منه، ولا يرد على الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منى وأنا منه: وسيرد على الحوض). وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا). ولهذا قال سبحانه وتعالى: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ } [108]، { تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } [109] وقال: { لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ } [110] { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } [111]. فلهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل وإن كان فيه كذب وظلم، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم والواجب إنما هو فعل المقدور.

وقد قال النبي ﷺ: أو عمر بن الخطاب: (من قلد رجلًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله، وخان رسوله، وخان المؤمنين).

فالواجب إنما هو الأرضى من الموجود والغالب أنه لا يوجد كامل فيفعل خير الخيرين ويدفع شر الشرين، ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة.

وقد كان النبي ﷺ وأصحابه يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس وكلاهما كافر، لأن أحد الصنفين أقرب إلى الإسلام، وأنزل الله في ذلك سورة الروم لما اقتتلت الروم وفارس، والقصة مشهورة. وكذلك يوسف كان نائبًا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون وفعل من العدل والخير ما قدر عليه ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان.

فصل عموم الولايات وخصوصها[عدل]

عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف وليس لذلك حد في الشرع. فقد يدخل في ولاية القضاة في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب في مكان وزمان آخر، وبالعكس. وكذلك الحسبة وولاية المال. وجميع هذه الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ومناصب دينية فأي من عدل في ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان فهو من الأبرار الصالحين وأي من ظلم وعمل فيها بجهل فهو من الفجار الظالمين. إنما الضابط قوله تعالى: { إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } [112] { وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } [113]. وإذا كان كذلك: فولاية الحرب في عرف هذا الزمان في هذه البلاد الشامية والمصرية تختص بإقامة الحدود التي فيها إتلاف مثل قطع يد السارق وعقوبة المحارب ونحو ذلك. وقد يدخل فيها من العقوبات ما ليس فيه إتلاف، كجلد السارق. ويدخل فيها الحكم في المخاصمات والمضاربات، ودواعي التهم التي ليس فيها كتاب وشهود. كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود وكما تختص بإثبات الحقوق والحكم في مثل ذلك، والنظر في حال نظار الوقوف وأوصياء اليتامى وغير ذلك مما هو معروف. وفي بلاد أخرى كبلاد المغرب: ليس لوالى الحرب حكم في شيء وإنما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء، وهذا اتبع السنة القديمة، ولهذا أسباب من المذاهب والعادات مذكورة في غير هذا الموضع.

وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ولاة الأمور فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه فعلى المحتسب أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس، وأما القتل فإلى غيره ويتعهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرط منهم فيما يجب من حقوق الإمامة أو خرج عن الأذان المشروع ألزمه بذلك واستعان فيما يعجز عنه بوالى الحرب والحكم وكل مطاع يعين على ذلك.

وذلك أن الصلاة هي أعرف المعروف من الأعمال وهي عمود الإسلام وأعظم شرائعه وهي قرينة الشهادتين وإنما فرضها الله ليلة المعراج وخاطب بها الرسول بلا واسطة لم يبعث بها رسولا من الملائكة وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته وهي المخصوصة بالذكر في كتاب الله تخصيصًا بعد تعميم كقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ } [114] وقوله: { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ } [115]. وهي المقرونة بالصبر وبالزكاة وبالنسك وبالجهاد في مواضع من كتاب الله كقوله تعالى: { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } [116] وقوله: { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ } [117] وقوله: { إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ } [118]. وقوله: { أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا } [119] وقوله: { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } [120] إلى قوله: { فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا } [121]. وأمرها أعظم من أن يحاط به فاعتناء ولاة الأمر بها يجب أن يكون فوق اعتنائهم بجميع الأعمال، ولهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله: أن أهم أمركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة. رواه مالك وغيره. ويأمر المحتسب بالجمعة والجماعات وبصدق الحديث وأداء الأمانات وينهى عن المنكرات: من الكذب والخيانة: وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال والميزان والغش في الصناعات، والبياعات والديانات ونحو ذلك قال الله تعالى: { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ } [122] { الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } [123] { وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } [124] وقال في قصة شعيب: { أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ } [125] { وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ } الشعراء: 182]</ref> { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } [126].

وقال تعالى: { إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا } [127] وقال: { وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } [128]. وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله ﷺ: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبًا محقت بركة بيعهما) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ - فقال: أصابته السماء يا رسول الله قال: - أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غشنا فليس منا)، وفي رواية: (من غشني فليس مني) فقد أخبر النبي ﷺ أن الغاش ليس بداخل في مطلق اسم أهل الدين والإيمان كما قال (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) فسلبه حقيقة الإيمان التي بها يستحق حصول الثواب والنجاة من العقاب، وإن كان معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار ويخرج به من النار. والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع، مثل أن يكون ظاهر المبيع خيرًا من باطنه، كالذي مر عليه النبي ﷺ وأنكر عليه. ويدخل في الصناعات مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز والطبخ والعدس والشواء وغير ذلك أو يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ونحوهم أو يصنعون غير ذلك من الصناعات فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان.

ومن هؤلاء الكيماوية الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك فيصنعون ذهبًا أو فضة أو عنبرًا أو مسكًا أو جواهر أو زعفرانًا أو ماء ورد أو غير ذلك، يضاهون به خلق الله: ولم يخلق الله شيئا فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه بل قال الله عز وجل فيما حكى عنه رسوله: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا بعوضة) ولهذا كانت المصنوعات مثل الأطبخة والملابس والمساكن غير مخلوقة إلا بتوسط الناس قال تعالى: { وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } [129] { وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } [130]. وقال تعالى: { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } [131] { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [132]. وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدورة لبني آدم أن يصنعوها، لكنهم يشبهون على سبيل الغش. وهذا حقيقة الكيمياء، فإنه المشبه، وهذا باب واسع قد صنف فيه أهل الخبرة ما لا يحتمل ذكره في هذا الموضع. ويدخل في المنكرات ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة: مثل عقود الربا والميسر، ومثل بيع الغرر وكحبل الحبلة، والملامسة والمنابذة، وربا النسيئة وربا الفضل وكذلك النجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها وتصرية الدابة اللبون وسائر أنواع التدليس. وكذلك المعاملات الربوية سواء كانت ثنائية أو ثلاثية إذا كان المقصود بها جميعها أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل.

فالثنائية ما يكون بين اثنين: مثل أن يجمع إلى القرض بيعًا أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك) قال الترمذي حديث صحيح. ومثل أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يعيدها إليه ففي سنن أبي داود عن النبي ﷺ قال: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا). والثلاثية مثل أن يدخل بينهما محللا للربا يشتري السلعة منه آكل الربا ثم يبيعها المعطي للربا إلى أجل ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها المحلل وهذه المعاملات منها ما هو حرام بإجماع المسلمين مثل التي يجري فيها شرط لذلك، أو التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي أو بغير الشروط الشرعية، أو يقلب فيها الدين على المعسر فإن المعسر يجب إنظاره ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها بإجماع المسلمين. ومنها ما قد تنازع فيه بعض العلماء، لكن الثابت عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين تحريم ذلك كله.

ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع، فإنه لا يعرف السعر فيشتري منه المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت النبي ﷺ له الخيار إذا هبط إلى السوق. وثبوت الخيار له مع الغبن لا ريب فيه وأما ثبوته بلا غبن ففيه نزاع بين العلماء وفيه عن أحمد روايتان: إحداهما يثبت وهو قول الشافعي. والثانية لا يثبت لعدم الغبن. وثبوت الخيار بالغبن للمسترسل - وهو الذي لا يماكس - هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما فليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر، ويبيعوا المسترسل الذي لا يماكس أو من هو جاهل بالسعر بأكثر من ذلك السعر هذا مما ينكر على الباعة. وجاء في الحديث: (غبن المسترسل ربا) وهو بمنزلة تلقي السلع، فإن القادم جاهل بالسعر، ولذلك نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد وقال: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) وقيل لابن عباس ما قوله: (لا يبيع حاضر لباد)؟ قال: لا يكون له سمسار وهذا نهي عنه لما فيه من ضرر المشترين فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشتري، فقال النبي ﷺ (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).

ومثل ذلك الاحتكار لما يحتاج الناس إليه روى مسلم في صحيحه عن معمر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) فإن المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم وهو ظالم للخلق المشترين ولهذا كان لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة. فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره. ومن هنا يتبين أن السعر منه ما هو ظلم لا يجوز ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم: فهو حرام.

وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل: فهو جائز، بل واجب. فأما الأول فمثل ما روى أنس (قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله لو سعرت؟ فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال)، رواه أبو داود والترمذي وصححه. فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق: فهذا إلى الله. فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. وأما الثاني فمثل أن تنفع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به. وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا ألا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع إما ظلمًا لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم، لما في ذلك من الفساد فههنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء، لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه: فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو اشتروا بما اختاروا كان ذلك ظلمًا للخلق من وجهين: ظلمًا للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال، وظلمًا للمشترين منهم. والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن منه فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع وحقيقته: إلزامهم ألا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل. وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة، فإنه كما أن الإكراه على البيع لا يجوز إلا بحق: يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة والإكراه على ألا يبيع إلا بثمن المثل لا يجوز إلا بحق ويجوز في مواضع، مثل المضطر إلى طعام الغير ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير، فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل لا بأكثر. ونظائره كثيرة. وكذلك السراية في العتق كما قال النبي ﷺ: (من أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق). وكذلك من وجب عليه شراء شيء للعبادات كآلة الحج ورقبة العتق وماء الطهارة، فعليه أن يشتريه بقيمة المثل، ليس له أن يمتنع عن الشراء إلا بما يختار. وكذلك فيما يجب عليه من طعام أو كسوة لمن عليه نفقته إذا وجد الطعام أو اللباس الذي يصلح له في العرف بثمن المثل: لم يكن له أن ينتقل إلى ما هو دونه، حتى يبذل له ذلك بثمن يختاره. ونظائره كثيرة. ولهذا منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسام الذين يقسمون العقار وغيره بالأجر أن يشتركوا والناس محتاجون إليهم ويغلو عليهم الأجر، فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى. وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا على أن يشتركوا فإنهم إذا اشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى أيضًا فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعًا من السلع أو تبيعها قد تواطأت على أن يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ثمن المثل المعروف، ويزيدون ما يبيعونه بأكثر من الثمن المعروف، وينموا ما يشترونه: كان هذا أعظم عدوانًا من تلقي السلع ومن بيع الحاضر للبادي ومن النجش ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس حتى يضطروا إلى بيع سلعهم وشرائها بأكثر من ثمن المثل والناس يحتاجون إلى ذلك وشرائه وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب أن لا يباع إلا بثمن المثل: إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة. ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس، مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية: فإن الناس لا بد لهم من طعام يأكلونه وثياب يلبسونها ومساكن يسكنونها فإذا لم يجلب لهم من الثياب ما يكفيهم كما كان يجلب إلى الحجاز على عهد رسول الله ﷺ كانت الثياب تجلب إليهم من اليمن ومصر والشام وأهلها كفار وكانوا يلبسون ما نسجه الكفار ولا يغسلونه فإذا لم يجلب إلى ناس البلد ما يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب. ولا بد لهم من طعام إما مجلوب من غير بلدهم وإما من زرع بلدهم وهذا هو الغالب.

وكذلك لا بد لهم من مساكن يسكنونها، فيحتاجون إلى البناء، فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: كأبي حامد الغزالي، وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم: أن هذه الصناعات فرض على الكفاية، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها، كما أن الجهاد فرض على الكفاية، إلا أن يتعين فيكون فرضًا على الأعيان، مثل أن يقصد العدو بلدًا، أو مثل أن يستنفر الإمام أحدًا.

وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) وكل من أراد الله به خيرًا لا بد أن يفقهه في الدين فمن لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيرًا والدين: ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا ﷺ فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر تصديقًا عامًا وطاعة عامة ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلا وإذا كان مأمورًا من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة. وكذلك غسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم: فرض على الكفاية. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية. والولايات كلها: الدينية - مثل إمرة المؤمنين وما دونها: من ملك ووزارة وديوانية سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب لمستخرج أو مصروف في أرزاق المقاتلة أو غيرهم ومثل إمارة حرب وقضاء وحسبة وفروع هذه الولايات - إنما شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وكان رسول الله ﷺ في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور ويولي في الأماكن البعيدة عنه كما ولى على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص وبعث عليًا ومعاذًا وأبا موسى إلى اليمن. وكذلك كان يؤمر على السرايا ويبعث على الأموال الزكوية السعاة فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا السوط لا يأتي إلى النبي ﷺ بشيء إذا وجد لها موضعًا يضعها فيه.

وكان النبي ﷺ يستوفي الحساب على العمال، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي (أن النبي ﷺ استعمل رجلا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقات، فلما رجع حاسبه فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلى فقال النبي ﷺ: ما بال الرجل نستعمله على العمل بما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي؟ أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته: إن كان بعيرًا له رغاء، وإن كانت بقرة لها خوار، وإن كانت شاة تيعر ثم رفع يديه إلى السماء وقال: - اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ - قالها مرتين أو ثلاثًا). والمقصود هنا: أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه لا سيما إن كان غيره عاجزًا عنها فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبًا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة بأن يصنعها لهم: فإن الجند يلزمون بأن لا يظلموا الفلاح كما ألزم الفلاح أن يفلح للجند.

والمزارعة جائزة في أصح قولي العلماء وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم وعهد خلفائه الراشدين وعليها عمل آل أبي بكر وآل عمر وآل عثمان وآل على وغيرهم من بيوت المهاجرين وهي قول أكابر الصحابة كابن مسعود وهي مذهب فقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي، والبخاري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر وغيرهم ومذهب الليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن وغيرهم من فقهاء المسلمين.

وكان النبي ﷺ قد عال أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم وكان البذر منهم لا من النبي ﷺ ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن البذر يجوز أن يكون من العامل، بل طائفة من الصحابة قالوا: لا يكون البذر إلا من العامل.

والذي نهى عنه النبي ﷺ من المخابرة وكراء الأرض قد جاء مفسرًا بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة ومثل هذا الشرط باطل بالنص وإجماع العلماء وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة فإن هذا لا يجوز بالاتفاق، لأن المعاملة مبناها على العدل وهذه المعاملات من جنس المشاركات، والمشاركة إنما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع كالثلث والنصف فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلا، بل كان ظلما. وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه المشاركات من باب الإجارات بعوض مجهول، فقالوا: القياس يقتضي تحريمها. ثم منهم من حرم المساقاة والزراعة وأباح المضاربة استحبابًا للحاجة، لأن الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو حنيفة. ومنهم من أباح المساقاة إما مطلقًا كقول مالك والقديم للشافعي. أو على النخل والعنب كالجديد للشافعي، لأن الشجر لا يمكن إجارتها بخلاف الأرض وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعًا للمساقاة، فأباحوا المزارعة تبعًا للمساقاة كقول الشافعي إذا كانت الأرض أغلب. أو قدروا ذلك بالثلث كقول مالك. وأما جمهور السلف وفقهاء الأمصار فقالوا: هذا من باب المشاركة لا من باب الإجارة التي يقصد فيها العمل، فإن مقصود كل منهما ما يحصل من الثمر والزرع، وهما متشاركان: هذا ببدنه وهذا بماله كالمضاربة. ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء: أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة المثل فيجب من الربح أو النماء إما ثلثه وإما نصفه، كما جرت العادة في مثل ذلك، ولا يجب أجرة مقدرة، فإن ذلك قد يستغرق المال وأضعافه وإنما يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح والواجب في الصحيح ليس هو أجرة مسماة، بل جزء شائع من الربح مسمى فيجب في الفاسدة نظير ذلك والمزارعة أصل من المؤاجرة وأقرب إلى العدل والأصول، فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة والمستأجر قد يحصل له زرع وقد لا يحصل والعلماء مختلفون في جواز هذا، وجواز هذا. والصحيح جوازهما.

وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة وما علمت أحدًا من علماء المسلمين - لا أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم - قال: إن إجارة الإقطاع لا تجوز وما زال المسلمون يؤجرون الأرض المقطعة من زمن الصحابة إلى زمننا هذا، لكن بعض أهل زماننا ابتدعوا هذا القول، قالوا: لأن المقطع لا يملك المنفعة، فيصير كالمستعير إذا أكرى الأرض المعارة وهذا القياس خطأ لوجهين: أحدهما: أن المستعير لم تكن المنفعة حقًا له، وإنما تبرع له المعير بها وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم يقسم بينهم حقوقهم ليس متبرعًا لهم كالمعير والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على أصح قولي العلماء: فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أو غير ذلك بطريق الأولى والأحرى. الثاني: أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة: مثل الإجارة في الإقطاع وولي الأمر يأذن للمقطعين في الإجارة وإنما أقطعهم لينتفعوا بها: إما بالمزارعة وإما بالإجارة ومن حرم الانتفاع بها بالمؤاجرة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم، فإن المساكن كالحوانيت والدور ونحو ذلك لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة. وأما المزارع والبساتين فينتفع بها بالإجارة وبالمزارعة والمساقاة في الأمر العام والمرابعة نوع من المزارعة ولا تخرج عن ذلك إلا إذا استكرى بإجارة مقدرة من يعمل له فيها وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس. لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء، بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، فهو أقرب إلى العدل. فلهذا تختاره الفطر السليمة. وهذه المسائل لبسطها موضع آخر. والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجرة المثل، فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك ولا يمكن الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل، وهذا من التسعير الواجب. وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل لا يمكن المستعملون من ظلمهم ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم فهذا تسعير في الأعمال. وأما في الأموال فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد فعلى أهل السلاح أن يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون والإمام لو عين أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم، كما قال النبي ﷺ: (وإذا استنفرتم فانفروا) أخرجاه في الصحيحين. وفي الصحيح أيضًا عنه أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه).

فإذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله: فكيف لا يجب عليه أن يبيع ما يحتاج إليه في الجهاد بعوض المثل؟ والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن وقد قال الله تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [133] وقال النبي ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) أخرجاه في الصحيحين. فمن عجز عن الجهاد بالبدن لم يسقط عنه الجهاد بالمال كما أن من عجز عن الجهاد بالمال لم يسقط عنه الجهاد بالبدن. ومن أوجب على المعضوب أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه وأوجب الحج على المستطيع بماله فقوله ظاهر التناقض. ومن ذلك إذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز لهم لعجزهم عن الطحن والخبز في البيوت، كما كان أهل المدينة على عهد رسول الله ﷺ، فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينًا ولا خبزًا بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم، فلم يكونوا يحتاجون إلى التسعير وكان من قدم بالحب باعه فيشتريه الناس من الجالبين، ولهذا قال النبي ﷺ: (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون) وقال: (لا يحتكر إلا خاطئ) رواه مسلم في صحيحه. وما يروي عن النبي ﷺ: (أنه نهى عن قفيز الطحان) فحديث ضعيف بل باطل فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز، لعدم حاجتهم إلى ذلك كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون كلهم كفارًا، لأن المسلمين كانوا مشتغلين بالجهاد. ولهذا لما فتح النبي ﷺ خيبر أعطاها لليهود يعملونها فلاحة، لعجز الصحابة عن فلاحتها، لأن ذلك يحتاج إلى سكناها وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا نحو ألف وأربعمائة وانضم إليهم أهل سفينة جعفر فهؤلاء هم الذين قسم النبي ﷺ بينهم أرض خيبر فلو أقام طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التي لا يقوم بها غيرهم فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتحت البلاد وكثر المسلمون استغنوا عن اليهود فأجلوهم وكان النبي ﷺ قد قال: (نقركم فيها ما شئنا - وفي رواية - ما أقركم الله) وأمر بإجلائهم منها عند موته ﷺ فقال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب).

ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري - إلى أن الكفار لا يقرون في بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر.

وفي هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه. والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين فهذا على وجهين: أحدهما: أن يحتاجوا إلى صناعتهم، كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت فهؤلاء يستحقون الأجرة وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من الصناع. والثاني: أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع، فيحتاجوا إلى من يشتري الحنطة ويطحنها، وإلى من يخبزها ويبيعها خبزًا. لحاجة الناس إلى شراء الخبز من الأسواق فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة ويبيعوا الدقيق والخبز بما شاءوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة لكان ذلك ضررًا عظيما، فإن هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين كما يجب على كل من اشترى شيئًا يقصد أن يبيعه بربح سواء عمل فيه عملا أو لم يعمل وسواء اشترى طعامًا أو ثيابًا أو حيوانًا وسواء كان مسافرًا ينقل ذلك من بلد إلى بلد، أو كان متربصًا به يحبسه إلى وقت النفاق، أو كان مديرًا يبيع دائمًا ويشتري كأهل الحوانيت فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجار وإذا وجب عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ذلك ألزموا كما تقدم، أو دخلوا طوعًا فيما يحتاج إليه الناس من غير إلزام لواحد منهم بعينه، فعلى التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة، فلا يبيعوا الحنطة والدقيق إلا بثمن المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير إضرار بهم ولا بالناس. وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين: إحداهما: إذا كان للناس سعر غال فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع منه في السوق في مذهب مالك. وهل يمنع النقصان؟ على قولين لهم. وأما الشافعي وأصحاب أحمد: كأبي حفص العكبري. والقاضي أبي يعلى، والشريف أبي جعفر، وأبي الخطاب، وابن عقيل وغيرهم: فمنعوا من ذلك. واحتج مالك بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا. وأجاب الشافعي وموافقوه بما رواه فقال: حدثنا الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر: أنه مر بحاطب بسوق المصلي وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما؟ فسعر له مدين لكل درهم فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبًا وهم يعتبرون سعرك فإما أن ترفع السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبًا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس بمعرفة منى ولا قضاء إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع قال الشافعي: وهذا الحديث مقتضاه ليس بخلاف ما رواه مالك ولكنه روى بعض الحديث أو رواه عنه من رواه، وهذا أتى بأول الحديث وآخره، وبه أقول، لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها. قلت: وعلى قول مالك قال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر من حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور الناس، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور، لأن المراعي حال الجمهور وبه تقوم المبيعات. وروى ابن القاسم عن مالك: لا يقام الناس لخمسة. قال: وعندي أنه يجب أن ينظر في ذلك إلى قدر الأسواق، وهل يقام من زاد في السوق - أي: في قدر المبيع - بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه؟ قال أبو الحسن ابن القصار المالكي: اختلف أصحابنا في قول مالك: ولكن من حط سعرا. فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية.

وقال قوم من المصريين: أراد من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة. قال: وعندي أن الأمرين جميعًا ممنوعان، لأن من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل السوق بيعهم، فربما أدى إلى الشغب والخصومة، ففي منع الجميع مصلحة. قال أبو الوليد: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق. وأما الجالب ففي كتاب محمد: لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون الناس. وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير إلا بسعر الناس وإلا رفعوا قال: وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء، إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، إن أرخص بعضهم تركوا وإن كثر المرخص قيل لمن بقي: إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا. قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون: مأكولا أو غير مأكول، دون ما لا يكال ولا يوزن، لأن غيره لا يمكن تسعيره، لعدم التماثل فيه. قال أبو الوليد: يريد إذا كان المكيل والموزون متساويا فإذا اختلف لم يؤمر بائع الجيد أن يبيعه بسعر الدون. قلت: والمسألة الثانية التي تنازع فيها العلماء في التسعير: أن لا يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب فهذا منع منه جمهور العلماء حتى مالك نفسه في المشهور عنه. ونقل المنع أيضًا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد وذكر أبو الوليد عن سعيد بن المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن. وعن يحيى بن سعيد أنهم أرخصوا فيه، ولم يذكر ألفاظهم. وروى أشهب عن مالك، وصاحب السوق يسعر على الجزارين: لحم الضأن ثلث رطل، ولحم الإبل نصف رطل، وإلا خرجوا من السوق. قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ولكن أخاف أن يقوموا من السوق. واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم ولا فساد عليهم. قالوا: ولا يجبر الناس على البيع إنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر، على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري، ولا يمنع البائع ربحًا ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس. وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبي ﷺ وقد رواه أيضًا أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: يا رسول الله سعر لنا فقال: بل ادعوا الله ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر لنا فقال: بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة). قالوا: ولأن إجبار الناس على بيع لا يجب أو منعهم مما يباح شرعًا: ظلم لهم والظلم حرام. وأما صفة ذلك عند من جوزه: فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارًا على صدقهم، فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ولا يجبرون على التسعير، ولكن عن رضا. قال: وعلى هذا أجازه من أجازه. قال أبو الوليد: ووجه ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس وإذا سعر عليهم من غير رضًا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس.

قلت: فهذا الذي تنازع فيه العلماء.

وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ويعاقبون على تركه وكذلك من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع أن يبيع إلا بأكثر منه: فهنا يؤمر بما يجب عليه، ويعاقب على تركه بلا ريب. ومن منع التسعير مطلقًا محتجًا بقول النبي ﷺ: (أن الله هو المسعر القابض الباسط وأني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال) فقد غلط، فإن هذه قضية معينة ليست لفظًا عامًا وليس فيها أن أحدًا امتنع من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل. ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه: فإذا كان صاحبه قد بذله كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم والمدينة كما ذكرنا إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالبًا من الجلب، وقد يباع فيها شيء يزرع فيها، وإنما كان يزرع فيها الشعير، فلم يكن البائعون ولا المشترون ناسًا معينين، ولم يكن هناك أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله، ليجبر على عمل أو على بيع بل المسلمون كلهم من جنس واحد كلهم يجاهد في سبيل الله ولم يكن من المسلمين البالغين القادرين على الجهاد إلا من يخرج في الغزو وكل منهم يغزو بنفسه وماله: أو بما يعطاه من الصدقات أو الفيء، أو ما يجهزه به غيره وكان إكراه البائعين على أن لا يبيعوا سلعهم إلا بثمن معين إكراها بغير حق وإذا لم يكن يجوز إكراههم على أصل البيع فإكراههم على تقدير الثمن كذلك لا يجوز.

وأما من تعين عليه أن يبيع فكالذي كان النبي ﷺ قدر له الثمن الذي يبيع به ويسعر عليه كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد) فهذا لما وجب عليه أن يملك شريكه عتق نصيبه الذي لم يعتقه ليكمل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل لا وكس ولا شطط، ويعطي قسطه من القسمة، فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند جماهير العلماء: كمالك وأبي حنيفة وأحمد، ولهذا قال هؤلاء: كل ما لا يمكن قسمه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك، ويجبر الممتنع على البيع وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا، لأن حق الشريك في نصف القيمة كما دل عليه هذا الحديث الصحيح ولا يمكن إعطاؤه ذلك إلا ببيع الجميع فإذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة الشريك إلى إعتاق ذلك، وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة: فكيف بمن كانت حاجته أعظم من الحاجة إلى إعتاق ذلك النصيب؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام واللباس وغير ذلك. وهذا الذي أمر به النبي ﷺ من تقويم الجميع بقيمة المثل هو حقيقة التسعير. وكذلك يجوز للشريك أن ينزع النصف المشفوع من يد المشتري بمثل الثمن الذي اشتراه به، لا بزيادة، للتخلص من ضرر المشاركة والمقاسمة وهذا ثابت بالسنة المستفيضة وإجماع العلماء وهذا إلزام له بأن يعطيه ذلك الثمن لا بزيادة، لأجل تحصيل مصلحة التكميل لواحد: فكيف بما هو أعظم من ذلك ولم يكن له أن يبيعه للشريك بما شاء؟ بل ليس له أن يطلب من الشريك زيادة على الثمن الذي حصل له به وهذا في الحقيقة من نوع التولية، فإن التولية: أن يعطي المشتري السلعة لغيره بمثل الثمن الذي اشتراها به وهذا أبلغ من البيع بثمن المثل، ومع هذا فلا يجبر المشتري على أن يبيعه لأجنبي غير الشريك إلا بما شاء، إذ لا حاجة بذاك إلى شرائه كحاجة الشريك. فأما إذا قدر أن قومًا اضطروا إلى سكنى في بيت إنسان إذا لم يجدوا مكانًا يأوون إليه إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم. وكذلك لو احتاجوا إلى أن يعيرهم ثيابًا يستدفئون بها من البرد، أو إلى آلات يطبخون بها، أو يبنون أو يسقون: يبذل هذا مجانا. وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلوا يستقون به، أو قدرًا يطبخون فيها، أو فأسًا يحفرون به: فهل عليه بذله بأجرة المثل لا بزيادة؟ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره. والصحيح وجوب بذل ذلك مجانًا إذا كان صاحبها مستغنيا عن تلك المنفعة وعوضها، كما دل عليه الكتاب والسنة قال الله تعالى: { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ } [134] { الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } [135] { الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ } [136] { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } [137] وفي السنن عن ابن مسعود قال: كنا نعد (الماعون عارية الدلو والقدر والفأس. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه لما ذكر الخيل قال: (هي ما لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر. فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها تغنيًا وتعففًا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها) وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من حق الإبل إعارة دلوها وإضراب فحلها) وثبت عنه ﷺ (أنه نهى عن عسب الفحل) وفي الصحيحين عنه أنه قال: (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) وإيجاب بذل هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره.

ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض غيره من غير ضرر بصاحب الأرض: فهل يجبر؟ على قولين للعلماء هما روايتان عن أحمد والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن الخطاب قال للمهنع: والله لنجرينها ولو على بطنك.

ومذهب غير واحد من الصحابة والتابعين: أن زكاة الحلي عاريته. وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره. والمنافع التي يجب بذلها نوعان: منها ما هو حق المال، كما ذكره في الخيل والإبل وعارية الحلي. ومنها ما يجب لحاجة الناس. وأيضًا فإن بذل منافع البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم، وإفتاء الناس، وأداء الشهادة، والحكم بينهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وغير ذلك من منافع الأبدان، فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج وقد قال تعالى: { وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } [138] وقال: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ } [139]. وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره: أحدها: أنه لا يجوز مطلقا. والثاني لا يجوز إلا عند الحاجة. والثالث يجوز إلا أن يتعين عليه. والرابع يجوز. فإن أخذ أجرًا عند العمل لم يأخذ عند الأداء. وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر. والمقصود هنا: أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر: إما بثمن المثل وإما بالثمن الذي اشتراه به: لم يحرم مطلقًا تقدير الثمن. ثم إن ما قدر به النبي ﷺ في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية، وذلك حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله، ولهذا يجعل العلماء هذه حقوقًا لله تعالى وحدودًا لله، بخلاف حقوق الآدميين وحدودهم وذلك مثل حقوق المساجد ومال الفيء، والصدقات والوقف على أهل الحاجات والمنافع العامة ونحو ذلك ومثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر، فإن الذي يقتل شخصًا لأجل المال يقتل حتمًا باتفاق العلماء، وليس لورثة المقتول العفو عنه، بخلاف من يقتل شخصًا لغرض خاص، مثل خصومة بينهما، فإن هذا حق لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا عفوا باتفاق المسلمين. وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة: ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر ما شاء وهنا عموم الناس عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم، فلو مكن من يحتاج إلى سلعته أن لا يبيع إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم. ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير كان عليه بذله له بثمن المثل فيجب الفرق بين من عليه أن يبيع وبين من ليس عليه أن يبيع وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار السعر في ذلك فنهاه عن الاحتكار فإن رفع التاجر فيه إليه ثانيا حبسه وعزره على مقتضى رأيه زجرًا له أو دفعًا للضرر عن الناس فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشًا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة.

وإذا تعدى أحد بعد ما فعل ذلك أجبره القاضي. وهذا على قول أبي حنيفة ظاهر حيث لا يرى الحجر على الحر وكذا عندهما أي عند أبي يوسف ومحمد، إلا أن يكون الحجر على قوم معينين. ومن باع منهم بما قدره الإمام صح، لأنه غير مكره عليه. وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ قيل: هو على الاختلاف المعروف في مال المديون. وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق، لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام. والسعر لما غلا في عهد النبي ﷺ وطلبوا منه التسعير فامتنع لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كانوا يبيعون الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، لكن نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد: نهاه أن يكون له سمسار وقال: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) وهذا ثابت في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة، لأنه إذا توكل له مع خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري، فنهاه عن التوكل له - مع أن جنس الوكالة مباح - لما في ذلك من زيادة السعر على الناس. ونهى النبي ﷺ عن تلقي الجلب وهذا أيضًا ثابت في الصحيح من غير وجه وجعل للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار، ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل وغبنه فأثبت النبي ﷺ الخيار لهذا البائع. وهل هذا الخيار فيه ثابت مطلقًا أو إذا غبن؟ قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد. أظهرهما أنه إنما يثبت له الخيار إذا غبن والثاني يثبت له الخيار مطلقًا وهو ظاهر مذهب الشافعي. وقال طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقاه المتلقي فاشتراه ثم باعه. وفي الجملة فقد نهى النبي ﷺ عن البيع والشراء الذي جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر وهو ثمن المثل ويعلم المشتري بالسلعة. وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد اشترى من البائع كما يقول: وللبادي أن يوكل الحاضر. ولكن الشارع رأى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلًا بثمن المثل فيكون المشتري غارًا له، ولهذا ألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل. والمسترسل: الذي لا يماكس والجاهل بقيمة المبيع، فإنه بمنزلة الجالبين الجاهلين بالسعر فتبين أنه يجب على الإنسان أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف وهو ثمن المثل، وإن لم يكن هؤلاء محتاجين إلى الابتياع من ذلك البائع، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو مسلمين إلى البائع غير مماكسين له والبيع يعتبر فيه الرضا والرضا يتبع العلم ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا يرضى فإذا علم أنه غبن ورضي فلا بأس بذلك وإذا لم يرض بثمن المثل لم يلتفت إلى سخطه.

ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس، فإن الأصل في البيع الصحة وأن يكون الباطن كالظاهر. فإذا اشترى على ذلك فما عرف رضاه إلا بذلك فإذا تبين أن في السلعة غشًا أو عيبًا فهو كما لو وصفها بصفة وتبينت بخلافها فقد يرضى وقد لا يرضى فإن رضي وإلا فسخ البيع. وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي ﷺ أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقًا وبينًا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما). وفي السنن (أن رجلًا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة فشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فأمره أن يقبل منه بدلها أو يتبرع له بها فلم يفعل فأذن لصاحب الأرض في قلعها وقال لصاحب الشجرة: إنما أنت مضار).

فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها، فدل على وجوب البيع عند حاجة المشتري وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام؟ ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن والخبز. ونظير هؤلاء صاحب الخان والقيسارية والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك وهو إنما ضمنها ليتجر فيها فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم يحتاجون لم يمكن من ذلك وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل، كما يلزم الذي يشتري الحنطة ويطحنها ليتجر فيها والذي يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة الناس إلى ما عنده، بل إلزامه ببيع ذلك بثمن المثل أولى وأحرى بل إذا امتنع من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم وإذا كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفي الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن المعروف لم يحتج إلى تسعير. وأما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس ولا شطط.

فصل الغش والتدليس في الديانات[عدل]

فأما الغش والتدليس في الديانات فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال: مثل إظهار المكاء والتصدية في مساجد المسلمين. ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين أو سب أئمة المسلمين ومشايخهم وولاة أمورهم: المشهورين عند عموم الأمة بالخير. ومثل التكذيب بأحاديث النبي ﷺ التي تلقاها أهل العلم بالقبول. ومثل رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله ﷺ. ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله. ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي ﷺ.

ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه والتكذيب بقدر الله ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره. ومثل إظهار الخزعبلات السحرية والشعبذية الطبيعية وغيرها، التي يضاهى بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله. وهذا باب واسع يطول وصفه. فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك وعقوبته عليها - إذا لم يتب حتى قدر عليه - بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل أو جلد أو غير ذلك.

وأما المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك قولًا أو فعلًا ويمنع من الاجتماع في مظان التهم فالعقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت.

وأما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة كما منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجتمع الصبيان بمن كان يتهم بالفاحشة. وهذا مثل الاحتراز عن قبول شهادة المتهم بالكذب وائتمان المتهم بالخيانة ومعاملة المتهم بالمطل.

فصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية[عدل]

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله يزع بالسلطان. ما لا يزع بالقرآن. وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات. فمنها عقوبات مقدرة، مثل جلد المفتري ثمانين وقطع السارق. ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى التعزير. وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته. والتعزير أجناس. فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام. ومنه ما يكون بالحبس. ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن. ومنه ما يكون بالضرب. فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك أداء الحقوق الواجبة: مثل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه، أو على ترك رد المغصوب، أو أداء الأمانة إلى أهلها: فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب ويفرق الضرب عليه يومًا بعد يوم. وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالًا من الله له ولغيره: فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط وليس لأقله حد. وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها: عشر جلدات. والثاني: دون أقل الحدود، إما تسعة وثلاثون سوطا، وإما تسعة وسبعون سوطا. وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. والثالث. أنه لا يتقدر بذلك. وهو قول أصحاب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وهو إحدى الروايتين عنه، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر مثل التعزير: على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب والتعزير على القذف بغير الزنا لا يبلغ به الحد. وهذا القول أعدل الأقوال، عليه دلت سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فقد (أمر النبي ﷺ بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة ودرأً عنه الحد بالشبهة). وأمر أبو بكر وعمر بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة. وأمر بضرب الذي نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة. ثم ضربه في اليوم الثاني مائة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة. وضرب صبيغ بن عسل - لما رأى من بدعته - ضربًا كثيرًا لم يعده. ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل مثل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى البدع في الدين قال تعالى: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } [140] وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) وقال: (من جاءكم وأمركم على رجل وأحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان). (وأمر النبي ﷺ بقتل رجل تعمد عليه الكذب) وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر؟ فقال: (من لم ينته عنها فاقتلوه). فلهذا ذهب مالك وطائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس. وذهب مالك ومن وافقه من أصحاب الشافعي إلى قتل الداعية إلى البدع. وليست هذه القاعدة المختصرة موضع ذلك. فإن المحتسب ليس له القتل والقطع. ومن أنواع التعزير: النفي والتغريب، كما كان عمر بن الخطاب يعزر بالنفي في شرب الخمر إلى خيبر، وكما نفي صبيغ بن عسل إلى البصرة وأخرج نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء.

فصل التعزير بالعقوبات المالية[عدل]

والتعزير بالعقوبات المالية مشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه. والشافعي في قول وإن تنازعوا في تفصيل ذلك كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ، في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده)، ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه ومثل: أمره عبد الله بن عمر بحرق الثوبين المعصفرين، وقال له: أغسلهما؟ قال: لا (بل احرقهما).

وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر. ثم لما استأذنوه في الإراقة أذن، فإنه لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها، فقالوا: أفلا نريقها ونغسلها؟ فقال: (افعلوا) فدل ذلك على جواز الأمرين، لأن العقوبة بذلك لم تكن واجبة. ومثل هدمه لمسجد الضرار. ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ إلها، ومثل: (تضعيفه ﷺ الغرم على من سرق من غير حرز)، ومثل ما روي من إحراق متاع الغال، ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير. ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة ومثل تحريق. عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام، وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل، وأمره بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن الناس، فأرسل محمد بن مسلمة وأمره أن يحرقه عليه، فذهب فحرقه عليه. وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك ونظائرها متعددة. ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط على مذهبهما. ومن قاله مطلقًا من أي مذهب كان: فقد قال قولًا بلا دليل.

ولم يجئ عن النبي ﷺ شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية، بل أخذ الخلفاء الراشدون وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ. وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث.

ومذهب مالك وأحمد وغيرهما: إن العقوبات المالية كالبدنية: تنقسم إلى ما يوافق الشرع، وإلى ما يخالفه. وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما.

والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ، لا من كتاب ولا سنة. وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة. إلا مجرد دعوى النسخ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة لبعض النصوص توهمه ترك العمل، إلا أن مذهب طائفته ترك العمل بها إجماع، والإجماع دليل على النسخ ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلًا على أنه منسوخ، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له، ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحًا، بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعًا ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء.

وأيضًا فإن واجبات الشريعة التي هي حق لله ثلاثة أقسام: عبادات كالصلاة والزكاة والصيام. وعقوبات إما مقدرة وإما مفوضة وكفارات كل واحد من أقسام الواجبات ينقسم إلى: بدني. وإلى مالي. وإلى مركب منهما. فالعبادات البدنية: كالصلاة والصيام. والمالية: كالزكاة. والمركبة: كالحج. والكفارات المالية: كالإطعام. والبدنية: كالصيام. والمركبة: كالهدي بذبح. والعقوبات البدنية: كالقتل والقطع. والمالية: كإتلاف أوعية الخمر. والمركبة: كجلد السارق من غير حرز وتضعيف الغرم عليه وكقتل الكفار وأخذ أموالهم.

وكما أن العقوبات البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق، وتارة تكون دفعًا عن المستقبل كقتل القاتل: فكذلك المالية، فإن منها ما هو من باب إزالة المنكر، وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك الغير. فالأول المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعًا لها، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرًا أو خشبًا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها. وكذلك آلات الملاهي مثل الطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء وهو مذهب مالك، وأشهر الروايتين عن أحمد. ومثل ذلك أوعية الخمر، يجوز تكسيرها وتخريقها، والحانوت الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه. وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من المالكية وغيرهم واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي، وقال: إنما أنت فويسق لا رويشد.

وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر رواه أبو عبيدة وغيره، وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية.

وهذا أيضًا على المشهور في مذهب أحمد ومالك وغيرهما. ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب، حيث رأى رجلًا قد شاب اللبن بالماء للبيع فأراقه عليه وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبذلك أفتى طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل، وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه (نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع) وذلك بخلاف شوبه للشرب، لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من الماء، فأتلفه عمر. ونظيره ما أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل في جواز إتلاف المغشوشات في الصناعات: مثل الثياب التي نسجت نسجًا رديئًا إنه يجوز تمزيقها وتحريقها، ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على ابن الزبير ثوبًا من حرير مزقه عليه فقال الزبير: أفزعت الصبي فقال: لا تكسوهم الحرير. كذلك (تحريق عبد الله بن عمر لثوبه المعصفر بأمر النبي ﷺ).

وهذا كما يتلف من البدن المحل الذي قامت به المعصية، فتقطع يد السارق وتقطع رجل المحارب ويده. وكذلك الذي قام به المنكر في إتلافه نهي عن العود إلى ذلك المنكر، وليس إتلاف ذلك واجبًا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضًا، إما لله وإما أن يتصدق به كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل: أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء كالخبز والطعام الذي لم ينضج وكالطعام المغشوش وهو: الذي خلط بالرديء وأظهر المشتري أنه جيد ونحو ذلك: يتصدق به على الفقراء، فإن ذلك من إتلافه.

وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع: فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى، فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه وعمر أتلفه لأنه كان يغني الناس بالعطاء، فكان الفقراء عنده في المدينة إما قليلًا وإما معدومين.

ولهذا جوز طائفة من العلماء التصدق به وكرهوا إتلافه. ففي المدونة عن مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبًا لصاحبه وكره ذلك مالك في رواية ابن القاسم، ورأى أن يتصدق به. وهل يتصدق باليسير؟ فيه قولان للعلماء.

وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية وقال: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسا، لكن الأول أشهر عنه وقد استحسن أن يتصدق باللبن المغشوش، وفي ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه ونفع المساكين بإعطائهم إياه ولا يهراق. قيل لمالك: فالزعفران والمسك أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو غشه فهو كاللبن. قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه فأما إذا كثر منه فلا أرى ذلك، وعلى صاحبه العقوبة، لأنه يذهب في ذلك أموال عظام. يريد في الصدقة بكثيره. قال بعض الشيوخ: وسواء على مذهب مالك كان ذلك يسيرًا أو كثيرًا، لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره، وخالفه ابن القاسم، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرًا، وذلك إذا كان هو الذي غشه وأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه: فلا خلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك.

وممن أفتى بجواز إتلاف المغشوش من الثياب ابن القطان قال في الملاحف الرديئة النسج: تحرق بالنار. وأفتى ابن عتاب فيها بالتصدق، وقال: تقطع خرقًا وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا. وكذلك أفتى بإعطاء الخبز المغشوش للمساكين، فأنكر عليه ابن القطان وقال: لا يحل هذا في مال امرئ مسلم إلا بإذنه. قال القاضي أبو الأصبع: وهذا اضطراب في جوابه وتناقض في قوله، لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز للمساكين وابن عتاب أضبط في أصله في ذلك وأتبع لقوله وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش إما بإزالة الغش، وإما ببيع المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره. قال عبد الملك بن حبيب: قلت لمطرف وابن الماجشون لما نهينا عن التصدق بالمغشوش لرواية أشهب: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ قالا: يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق، وما كثر من الخبز واللبن أو غش من المسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب. قال عبد الملك بن حبيب: ولا يرده الإمام إليه وليؤمر ببيعه عليه من يأمن أن يغش به وبكسر الخبز إذا كثر ويسلمه لصاحبه ويباع عليه العسل والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله ويبين له غشه هكذا العمل فيما غش من التجارات. قال: وهو أيضًا ح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم.

فصل كل عين محرمة يزول عنها التحريم بالتغيير[عدل]

وأما التغيير فمثل ما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ: (أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس) فإذا كانت الدراهم أو الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت ومثل تغيير الصورة المجسمة، وغير المجسمة إذا لم تكن موطوءة، مثل ما روى أبو هريرة قال: (قال رسول الله ﷺ أتاني جبريل فقال: إني أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت إلا أنه كان في البيت تمثال رجل كان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب، فأمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، وأمر بالستر يقطع فيجعل في وسادتين منتبذتين يوطآن وأمر بالكلب يخرج. ففعل رسول الله ﷺ وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضيد لهم) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.

كل ما كان من العين أو التأليف المحرم فإزالته وتغييره متفق عليها بين المسلمين مثل إراقة خمر المسلم، وتفكيك آلات الملاهي، وتغيير الصور المصورة، وإنما تنازعوا في جواز إتلاف محلها تبعا للحال والصواب جوازه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما.

والصواب إن كل مسكر من الطعام والشراب فهو حرام ويدخل في ذلك البتع والمزر والحشيشة القنبية وغير ذلك. وأما التغريم: فمثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن عن (النبي ﷺ فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه إلى الجرين: أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين. وفيمن سرق من الماشية قبل أن تؤوى إلى المراح: أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين).

وكذلك قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أنه يضعف غرمها وبذلك كله قال طائفة من العلماء، مثل أحمد وغيره وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع فأضعف الغرم على سيدهم ودرأ عنهم القطع. وأضعف عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي عمدا إنه يضعف عليه الدية، لأن دية الذمي نصف دية المسلم وأخذ بذلك. أحمد بن حنبل.

فصل الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل[عدل]

الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل في قدر الله وفي شرعه: فإن هذا من العدل الذي تقوم به السماء والأرض، كما قال الله تعالى: { إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } [141] وقال: { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } [142].

وقال النبي ﷺ: (من لا يرحم لا يرحم). وقال: (إن الله وتر يحب الوتر). وقال: (إن الله جميل يحب الجمال). وقال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا). وقال: (إن الله نظيف يحب النظافة). ولهذا قطع يد السارق وشرع قطع يد المحارب ورجله، وشرع القصاص في الدماء والأموال والأبشار فإذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو المشروع بحسب الإمكان مثل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شاهد الزور إنه أمر بإركابه دابة مقلوبًا وتسويد وجهه، فإنه لما قلب الحديث قلب وجهه ولما سود وجهه بالكذب سود وجهه.

وهذا قد ذكره في تعزير شاهد الزور طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم. ولهذا قال الله تعالى: { وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا } [143]. وقال تعالى: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [144] { قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا } [145] { قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى } [146].

وفي الحديث: (يحشر الجبارون والمتكبرون على صور الذر يطؤهم الناس بأرجلهم) فإنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله لعباده كما أن من تواضع لله رفعه الله، فجعل العباد متواضعين له. والله تعالى يصلحنا وسائر إخواننا المؤمنين ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل وسائر إخواننا المؤمنين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[عدل]

في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله من الدين، فإن رسالة الله: إما إخبار وإما إنشاء. فالإخبار عن نفسه وعن خلقه: مثل التوحيد والقصص الذي يندرج فيه الوعد والوعيد.

والإنشاء الأمر والنهي والإباحة. وهذا كما ذكر في أن: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [147] تعدل ثلث القرآن، لتضمنها ثلث التوحيد، إذ هو قصص، وتوحيد، وأمر. وقوله سبحانه في صفة نبينا ﷺ: { يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ } هو بيان لكمال رسالته، فإنه ﷺ هو الذي أمر الله على لسانه بكل معروف ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب وحرم كل خبيث، ولهذا روي عنه أنه قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

وقال في الحديث المتفق عليه: (مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة، فكان الناس يطيفون بها ويعجبون من حسنها، ويقولون: لولا موضع اللبنة فأنا تلك اللبنة). فبه كمل دين الله المتضمن للأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر وإحلال كل طيب وتحريم كل خبيث.

وأما من قبله من الرسل فقد كان يحرم على أممهم بعض الطيبات كما قال: { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } [148]. وربما لم يحرم عليهم جميع الخبائث كما قال تعالى: { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [149].

وتحريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر كما أن إحلال الطيبات يندرج في الأمر بالمعروف لأن تحريم الطيبات مما نهى الله عنه وكذلك الأمر بجميع المعروف والنهي عن كل منكر مما لم يتم إلا للرسول، الذي تمم الله به مكارم الأخلاق المندرجة في المعروف وقد قال الله تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } [150] فقد أكمل الله لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا. وكذلك وصف الأمة بما وصف به نبيها حيث قال: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } [151]. وقال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [152]، ولهذا قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة. فبين سبحانه أن هذه الأمة خير الأمم للناس: فهم أنفعهم لهم وأعظمهم إحسانا إليهم، لأنهم كملوا أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة والقدر حيث أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر لكل أحد وأقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم وهذا كمال النفع للخلق.

وسائر الأمم لم يأمروا كل أحد بكل معروف، ولا نهوا كل أحد عن كل منكر ولا جاهدوا على ذلك. بل منهم من لم يجاهد والذين جاهدوا كبني إسرائيل فعامة جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم كما يقاتل الصائل الظالم، لا لدعوة المجاهدين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر كما قال موسى لقومه: { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ } [153] { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } [154] إلى قوله: { قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } [155]. وقال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلا مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } [156] فعللوا القتال بأنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم ومع هذا فكانوا ناكلين عما أمروا به من ذلك، ولهذا لم تحل لهم الغنائم، ولم يكونوا يطئون بملك اليمين.

ومعلوم أن أعظم الأمم المؤمنين قبلنا بنو إسرائيل، كما جاء في الحديث المتفق على صحته في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: خرج علينا النبي ﷺ يومًا فقال: (عرضت على الأمم، فجعل يمر النبي ومعه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فرجوت أن يكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه. ثم قيل لي: انظر فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فقيل لي: انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فقيل: هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب فتفرق الناس ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي ﷺ فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك وكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء أبناؤنا فبلغ النبي ﷺ فقال: هم الذين لا يتطيرون والا يكتوون، ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون: فقام عكاشة بن محصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ فقال: سبقك بها عكاشة).

ولهذا كان إجماع هذه الأمة حجة، لأن الله تعالى أخبر أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، فلو اتفقوا على إباحة محرم أو إسقاط واجب، أو تحريم حلال أو إخبار عن الله تعالى، أو خلقه بباطل: لكانوا متصفين بالأمر بمنكر والنهي عن معروف: من الكلم الطيب والعمل الصالح، بل الآية تقتضي أن ما لم تأمر به الأمة فليس من المعروف وما لم تنه عنه فليس من المنكر.

وإذا كانت آمرة بكل معروف ناهية عن كل منكر: فكيف يجوز أن تأمر كلها بمنكر أو تنهى كلها عن معروف؟ والله تعالى كما أخبر بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقد أوجب ذلك على الكفاية منها بقوله: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [157]. وإذا أخبر بوقوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها لم يكن من شرط ذلك أن يصل أمر الآمر ونهي الناهي منها إلى كل مكلف في العالم، إذ ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة: فكيف يشترط فيما هو من توابعها؟ بل الشرط أن يتمكن المكلفون من وصول ذلك إليهم. ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه: كان التفريط منهم لا منه.

وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن ولما كان الجهاد من تمام ذلك كان الجهاد أيضًا كذلك فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه أثم كل قادر بحسب قدرته، إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته، كما قال النبي ﷺ: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).

وإذا كان كذلك فمعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتمامه بالجهاد هو من أعظم المعروف الذي أمرنا به، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر. وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به فهو صلاح.

وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذم المفسدين في غير موضع فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم تكن مما أمر الله به وإن كان قد ترك واجب وفعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم وهذا معنى قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [158] والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضلال.

وذلك يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد. فأما القلب فيجب بكل حال، إذ لا ضرر في فعله ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن كما قال النبي ﷺ: (وذلك أدنى - أو - أضعف الإيمان) وقال: (ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).

وقيل لابن مسعود: من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان. وهنا يغلط فريقان من الناس: فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلا لهذه الآية، كما قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في خطبته: إنكم تقرءون هذه الآية { عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [159] وإنكم تضعونها في غير موضعها وإني سمعت النبي ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).

والفريق الثاني: من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقًا، من غير فقه وحلم وصبر ونظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح وما يقدر عليه وما لا يقدر كما في حديث أبي ثعلبة الخشني: سألت عنها رسول الله ﷺ قال: (بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا يدان لك به فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائك أيام الصبر فيهن على مثل قبض على الجمر للعامل فيهن كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله).

فيأتي بالأمر والنهي معتقدًا أنه مطيع في ذلك لله ورسوله وهو معتد في حدوده كما انتصب كثير من أهل البدع والأهواء، كالخوارج والمعتزلة والرافضة، وغيرهم ممن غلط فيما أتاه من الأمر والنهي والجهاد على ذلك وكان فساده أعظم من صلاحه، ولهذا (أمر النبي ﷺ بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة وقال: أدوا إليهم حقوقهم وسلوا الله حقوقكم).

وقد بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع. ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة وترك القتال في الفتنة. وأما أهل الأهواء - كالمعتزلة - فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم ويجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة: التوحيد الذي هو سلب الصفات، والعدل الذي هو التكذيب بالقدر، والمنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي منه قتال الأئمة. وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع.

وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد.

فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر وقل إن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام.

وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعا، أو يتركوها جميعا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا من منكر، ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر. ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات وإن كان المنكر أغلب نهى عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف. ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا بمنكر وسعيًا في معصية الله ورسوله.

وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة.

وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقًا وينهى عن المنكر مطلقًا. وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد محمودها ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه.

وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيا فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية. وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن هذا الباب إقرار النبي ﷺ لعبد الله بن أبي وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدا يقتل أصحابه، ولهذا لما خاطب الناس في قصة الإفك بما خاطبهم به واعتذر منه وقال له سعد بن معاذ قولا الذي أحسن فيه: حمي له سعد بن عبادة مع حسن إيمانه. وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان المعروف وبغضه للمنكر، وإرادته لهذا، وكراهته لهذا: موافقة لحب الله وبغضه وإرادته وكراهته الشرعيين. وأن يكون فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته: فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وقد قال: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [160].

فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهيته فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان.

وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته: فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل كما قد بيناه في غير هذا الموضع: فإن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله وهذا من نوع الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ } [161]، فإن أصل الهوى محبة النفس ويتبع ذلك بغضها ونفس الهوى - وهو الحب والبغض الذي في النفس - لا يلام عليه، فإن ذلك قد لا يملك وإنما يلام على اتباعه، كما قال تعالى: { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } [162] وقال تعالى: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ } [163]، وقال النبي ﷺ: (ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية والقصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في الغضب والرضا. وثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه).

والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغض ووجد وإرادة، وغير ذلك فمن اتبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، بل قد يصعد به الأمر إلى أن يتخذ إلهه هواه واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات.

فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، كما قال تعالى: { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ } [164] وقال تعالى: { ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ } [165] الآية، إلى أن قال: { بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ } [166] وقال تعالى: { وَقَدْ فصل لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ } [167] الآية وقال تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ } [168] وقال تعالى: { وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليهود وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } [169] وقال تعالى في الآية الأخرى: { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ } [170] وقال: { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } [171].

ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من العلماء والعباد يجعل من أهل الأهواء، كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء وذلك إن كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه والعلم بالدين لا يكون إلا بهدى الله الذي بعث به رسوله، ولهذا قال تعالى في موضع: { وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ } [172]، وقال في موضع آخر: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ } [173].

فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه. ومقدار حبه وبغضه: هل هو موافق لأمر الله ورسوله؟ وهو هدى الله الذي أنزله على رسوله، بحيث يكون مأمورا بذلك الحب والبغض. لا يكون متقدما فيه بين يدي الله ورسوله، فإنه قد قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } [174] ومن أحب أو أبغض قبل أن يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم بين يدي الله ورسوله.

ومجرد الحب والبغض هوى، لكن المحرم اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله: ولهذا قال: { وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } [175] فأخبر أن من اتبع هواه أضله ذلك عن سبيل الله وهو هداه الذي بعث به رسوله. وهو السبيل إليه.

وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها وقد قال تعالى: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [176] وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخلصه وأصوبه. فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابا والخالص: أن يكون الله والصواب أن يكون على السنة. فالعمل الصالح لا بد أن يراد به وجه الله تعالى، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه وحده، كما في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو كله للذي أشرك).

وهذا هو التوحيد الذي هو أصل الإسلام وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله وله خلق الخلق وهو حقه على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ولا بد مع ذلك أن يكون العمل صالحا، وهو ما أمر الله به ورسوله وهو الطاعة فكل طاعة عمل صالح وكل عمل صالح طاعة وهو العمل المشروع المسنون، إذ المشروع المسنون هو المأمور به أمر إيجاب أو استحباب وهو العمل الصالح وهو الحسن وهو البر وهو الخير، وضده المعصية والعمل الفاسد والسيئة والفجور والظلم. ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين: النية والحركة كما قال النبي ﷺ: (أصدق الأسماء حارث وهمام) فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية، لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله ويثيب عليها: أن يراد الله بذلك العمل. والعمل المحمود: الصالح، وهو المأمور به، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.

وإذا كان هذا حد كل عمل صالح: فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن يكون هكذا في حق نفسه ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه وكما قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح. وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: (العلم إمام العمل والعمل تابعه)، وهذا ظاهر فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا واتباعا للهوى كما تقدم وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام. فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما.

لا بد من العلم بحال المأمور والمنهي[عدل]

ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي.

ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود. ولا بد في ذلك من الرفق كما قال النبي ﷺ: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه وقال: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف).

ولا بد أيضًا أن يكون حليما صبورا على الأذى، فإنه لا بد أن يحصل له أذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح.

كما قال لقمان لابنه: { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [177] ولهذا أمر الله الرسل - وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بالصبر كقوله لخاتم الرسل، بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة. فإنه أول ما أرسل أنزلت عليه سورة { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } [178] بعد أن أنزلت عليه سورة. اقرأ التي بها نبئ فقال: { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } [179] { قُمْ فَأَنذِرْ } [180] { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } [181] { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } [182] { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } [183] { وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } [184] { وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } [185]، فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة وختمها بالأمر بالصبر ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر وقال: { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [186] وقال تعالى: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا } [187] { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } [188] { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ } [189] { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ } [190] { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [191].

فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه والصبر بعده وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا في هذه الأحوال، وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا، ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: (لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به حليمًا فيما ينهى عنه).

وليعلم أن الأمر بهذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يوجب صعوبة على كثير من النفوس، فيظن أنه بذلك يسقط عنه فيدعه، وذلك مما يضره أكثر مما يضره الأمر بدون هذه الخصال أو أقل: فإن ترك الأمر الواجب معصية: فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار والمنتقل من معصية إلى معصية كالمنتقل من دين باطل إلى دين باطل، وقد يكون الثاني شرًا من الأول: وقد يكون دونه، وقد يكونان سواء، فهكذا تجد المقصر في الأمر والنهي والمعتدي فيه قد يكون ذنب هذا أعظم: وقد يكون ذنب هذا أعظم، وقد يكونان سواء.

ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به في كتابه: أن المعاصي سبب المصائب، فسيئات المصائب والجزاء من سيئات الأعمال وأن الطاعة سبب النعمة فإحسان العمل سبب لإحسان الله قال تعالى: { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } [192]، وقال تعالى: { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } [193] وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ } [194] وقال: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } [195]، وقال: { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } [196] وقال: { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ } [197] وقال تعالى: { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [198].

وقد أخبر سبحانه بما عاقب به أهل السيئات من الأمم، كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وقوم فرعون: في الدنيا. وأخبر بما يعاقبهم به في الآخرة، ولهذا قال مؤمن آل فرعون: { يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ } [199] { مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ } [200] { وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ } [201]، { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [202]، وقال تعالى: { كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [203] وقال: { سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } [204] وقال: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [205] وقال: { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } [206]. إلى قوله: { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ } [207].

ولهذا يذكر الله في عامة سور الإنذار ما عاقب به أهل السيئات في الدنيا وما أعده لهم في الآخرة وقد يذكر في السورة وعد الآخرة فقط، إذ عذاب الآخرة أعظم، وثوابها أعظم، وهي دار القرار.

وإنما يذكر ما يذكره من الثواب والعذاب في الدنيا تبعا، كقوله في قصة يوسف: { وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [208] { وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } [209] وقال: { فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [210] وقال: { وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [211] { الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [212] وقال عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } [213]. وأما ذكره لعقوبة الدنيا والآخرة ففي سورة: { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا } [214] { وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا } [215]، ثم قال: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ } [216] { تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ } [217] فذكر القيامة مطلقًا ثم قال: { هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } [218] { إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى } [219] { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } [220] إلى قوله: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى } [221] ثم ذكر المبدأ والمعاد م

فصلا فقال: { أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا } [222]. إلى قوله تعالى: { فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى } [223]. إلى قوله تعالى: { فَأَمَّا مَن طَغَى } [224] { وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } [225] { فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى } [226] { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } [227] { فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } [228] إلى آخر السورة. وكذلك في المزمل ذكر قوله: { وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أولى النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا } [229] { إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا } [230] { وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا } [231]، إلى قوله تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا } [232] { فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا } [233].

كذلك في سورة الحاقة ذكر قصص الأمم، كثمود وعاد وفرعون ثم قال تعالى: { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ } [234] { وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً } [235] إلى تمام ما ذكره من أمر الجنة والنار. وكذلك في سورة ن والقلم، ذكر قصة أهل البستان الذين منعوا حق أموالهم وما عاقبهم به ثم قال: { كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [236]. كذلك في سورة التغابن قال: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [237] { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } [238] ثم قال: { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ } [239].

وكذلك في سورة ق ذكر حال المخالفين للرسل، وذكر الوعد والوعيد في الآخرة. وكذلك في سورة القمر ذكر هذا وهذا. كذلك في آل حم مثل حم غافر، والسجدة، والزخرف، والدخان وغير ذلك. إلى غير ذلك مما لا يحصى. فإن التوحيد والوعد والوعيد هو أول ما أنزل، كما في صحيح البخاري عن يوسف بن ماهك قال: (إني عند عائشة أم المؤمنين إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك. قالت: لم؟ قال: لعلى أؤلف القرآن عليه. فإنه يقرأ غير مؤلف قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل إنما نزل أول ما نزل منه سورة من الم

فصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } [240] وما نزلت سورة البقرة و النساء إلا وأنا عنده قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور).

وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر وهذا من أعظم الفتن والشرور قديمًا وحديثًا، إذ الإنسان ظلوم جهول والظلم والجهل أنواع فيكون ظلم الأول وجهله من نوع وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من نوع آخر وآخر. ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها، ومن تبعهم من العامة من الفتن: هذا أصلها، يدخل في ذلك أسباب الضلال والغي: التي هي الأهواء الدينية والشهوانية، وهي البدع في الدين والفجور في الدنيا وذلك أن أسباب الضلال والغي البدع في الدين والفجور في الدنيا وهي مشتركة: تعم بني آدم، لما فيهم من الظلم والجهل، فبذنب بعض الناس يظلم نفسه وغيره، كالزنا بلواط وغيره، أو شرب خمر، أو ظلم في المال بخيانة أو سرقة أو غصب، أو نحو ذلك. ومعلوم أن هذه المعاصي وإن كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي مشتهاة أيضًا ومن شأن النفوس أنها لا تحب اختصاص غيرها بها، لكن تريد أن يحصل لها ما حصل له وهذا هو الغبطة التي هي أدنى نوعي الحسد.

فهي تريد الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه، أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وإن لم يحصل، ففيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أنها تختص عن غيرها بالشهوات، فكيف إذا رأت الغير قد استأثر عليها بذلك واختص بها دونها؟ فالمعتدل منهم في ذلك الذي يحب الاشتراك والتساوي وأما الآخر فظلوم حسود. وهذان يقعان في الأمور المباحة والأمور المحرمة لحق الله فما كان جنسه مباحا من أكل وشرب ونكاح ولباس وركوب وأموال: إذا وقع فيها الاختصاص حصل الظلم، والبخل والحسد. وأصلهما الشح كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم: أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا). ولهذا قال الله تعالى في وصف الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين: { وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا } [241] أي: لا يجدون الحسد مما أوتي إخوانهم من المهاجرين، { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [242] ثم قال: { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [243].

ورئي عبد الرحمن بن عوف يطوف بالبيت ويقول: رب قني شح نفسي رب قني شح نفسي فقيل له في ذلك فقال: إذا وقيت شح نفسي فقد وقيت البخل والظلم والقطيعة أو كما قال.

فهذا الشح الذي هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنع ما هو عليه، والظلم بأخذ مال الغير. ويوجب قطيعة الرحم، ويوجب الحسد، وهو: كراهة ما أختص به الغير والحسد فيه بخل وظلم، فإنه بخل بما أعطيه غيره، وظلمه بطلب زوال ذلك عنه.

فإذا كان هذا في جنس الشهوات المباحة، فكيف بالمحرمة: كالزنا وشرب الخمر ونحو ذلك؟ وإذا وقع فيها اختصاص فإنه يصير فيها نوعان: أحدهما: بغضها لما في ذلك من الاختصاص والظلم، كما يقع في الأمور المباحة الجنس. والثاني: بغضها لما في ذلك من حق الله. ولهذا كانت الذنوب ثلاثة أقسام: أحدها: ما فيها ظلم الناس، كالظلم بأخذ الأموال ومنع الحقوق، والحسد ونحو ذلك. والثاني: ما فيه ظلم الناس فقط، كشرب الخمر والزنا، إذا لم يتعد ضررهما. والثالث: ما يجتمع فيه الأمران، مثل أن يأخذ المتولي أموال الناس يزني بها ويشرب بها الخمر، ومثل أن يزني بمن يرفعه على الناس بذلك السبب ويضرهم، كما يقع ممن يحب بعض النساء والصبيان وقد قال الله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [244].

وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم: أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام.

وقد قال النبي ﷺ: (ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم)، فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة، فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له، والتعدي عليه في حقه. وداعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث. فهي قد تظلم من لا يظلمها، وتؤثر هذه الشهوات وإن لم تفعلها، فإذا رأت نظراءها قد ظلموا وتناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير وقد تصبر، ويهيج ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها قبل ذلك ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين، يكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين، وإن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب، والجهاد على ذلك من الدين.

والناس هنا ثلاثة أقسام[عدل]

والناس هنا ثلاثة أقسام:

قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم، فلا يرضون إلا بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه، فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه وصار الأمر الذي كان عنده منكرًا - ينهى عنه ويعاقب عليه، ويذم صاحبه ويغضب عليه - مرضيا عنده وصار فاعلا له وشريكا فيه، ومعاونا عليه، ومعاديًا لمن نهى عنه وينكر عليه. وهذا غالب في بني آدم يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه. وسببه: أن الإنسان ظلوم جهول، فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالما في الحالين يرى قومًا ينكرون على المتولي ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم، فيرضى أولئك المنكرون ببعض الشيء فينقلبون أعوانا له. وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه. وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا أحدهم معهم في ذلك، أو يرضوه ببعض ذلك، فتراه قد صار عونا لهم. وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم إلى أقبح من الحال التي كانوا عليها وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره. وقوم يقومون ديانة صحيحة يكونون في ذلك مخلصين لله مصلحين فيما عملوه ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا.

وهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم من خير أمة أخرجت للناس: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا، وهم غالب المؤمنين فمن فيه دين وله شهوة تجتمع في قلوبهم إرادة الطاعة وإرادة المعصية وربما غلب هذا تارة وهذا تارة. وهذه القسمة الثلاثية كما قيل: الأنفس ثلاث: أمارة، ومطمئنة، ولوامة.

فالأولون هم أهل الأنفس الأمارة التي تأمره بالسوء. والأوسطون هم أهل النفوس المطمئنة التي قيل فيها: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } [245] { ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } [246] { فَادْخُلِي فِي عِبَادِي } [247] { وَادْخُلِي جَنَّتِي } [248]. والآخرون هم أهل النفوس اللوامة التي تفعل الذنب ثم تلوم عليه، وتتلون: تارة كذا. وتارة كذا. وتخلط عملا صالحًا وآخر سيئًا.

ولهذا لما كان الناس في زمن أبي بكر وعمر اللذين أمر المسلمون بالاقتداء بهما كما قال ﷺ: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر): أقرب عهدا بالرسالة وأعظم إيمانًا وصلاحًا، وأئمتهم أقوم بالواجب وأثبت في الطمأنينة: لم تقع فتنة، إذ كانوا في حكم القسم الوسط. ولما كان في آخر خلافة عثمان وخلافة على كثر القسم الثالث، فصار فيهم شهوة وشبهة مع الإيمان والدين، وصار ذلك في بعض الولاة وبعض الرعايا ثم كثر ذلك بعد، فنشأت الفتنة التي سببها ما تقدم من عدم تمحيص التقوى والطاعة في الطرفين، واختلاطهما بنوع من الهوى والمعصية في الطرفين: وكل منهما متأول أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأنه مع الحق والعدل ومع هذا التأويل نوع من الهوى، ففيه نوع من الظن وما تهوى الأنفس، وإن كانت إحدى الطائفتين أولى بالحق من الأخرى. فلهذا يجب على المؤمن أن يستعين بالله، ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا يزيغه: ويثبته على الهدى والتقوى، ولا يتبع الهوى كما قال تعالى: { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } [249]. وهذا أيضًا حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت في المقالات والعبادات.

وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين. فإنهم يحتاجون إلى شيئين: إلى دفع الفتنة التي ابتلي بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع قيام المقتضي لها: فإن معهم نفوسا وشياطين كما مع غيرهم فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم، كما هو الواقع، فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان وشيطانه، وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير. فكم ممن لم يرد خيرًا ولا شرًا حتى رأى غيره - لا سيما إن كان نظيره - يفعله ففعله فإن الناس كأسراب القطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض.

ولهذا كان المبتدئ بالخير والشر: له مثل من تبعه من الأجر والوزر كما قال النبي ﷺ: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا)، وذلك لاشتراكهم في الحقيقة. وأن حكم الشيء حكم نظيره. وشبه الشيء منجذب إليه. فإذا كان هذان داعيين قويين: فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؟ وذلك أن كثيرا من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه، ويبغضون من لا يوافقهم وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم، ومعاداتهم لمخالفيهم. وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرا ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم: إما للمعاونة على ذلك، كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحوهم. وإما بالموافقة، كما في المجتمعين على شرب الخمر، فإنهم يختارون أن يشرب كل من حضر عندهم وإما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير: إما حسدًا له على ذلك، لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم. وإما لئلا يكون له عليهم حجة. وإما لخوفهم من معاقبته لهم بنفسه، أو بمن يرفع ذلك إليهم، ولئلا يكونوا تحت منته وخطره ونحو ذلك من الأسباب قال الله تعالى: { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } [250] وقال تعالى في المنافقين: { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء } [251].

وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: ودت الزانية لو زنى النساء كلهن. والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور كالاشتراك في الشرب والكذب والاعتقاد الفاسد وقد يختارونها في النوع، كالزاني الذي يود أن غيره يزني، والسارق الذي يود أن غيره يسرق أيضًا، لكن في غير العين التي زنى بها أو سرقها.

وأما الداعي الثاني فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر. فإن شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه ينتهي إلى حد الإكراه، أولا ينتهي إلى حد الإكراه ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو يأمرونه بذلك ويستعينون به على ما يريدونه: متى شاركهم وعاونهم وأطاعهم انتقصوه واستخفوا به. وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى. وإن لم يشاركهم عادوه وآذوه. وهذه حال غالب الظالمين القادرين.

وهذا الموجود في المنكر نظيره في المعروف وأبلغ منه كما قال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ } [252] فإن داعي الخير أقوى، فإن الإنسان فيه داع يدعوه إلى الإيمان والعلم، والصدق والعدل، وأداء الأمانة فإذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع آخر، لا سيما إذا كان نظيره، لا سيما مع المنافسة وهذا محمود حسن. فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين والصالحين، ويبغضه إذا لم يفعل: صار له داع ثالث، فإذا أمروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له داع رابع. ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات، كما يقابل الطبيب المرض بضده. فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه وذلك بشيئين: بفعل الحسنات. وترك السيئات مع وجود ما ينفي الحسنات ويقتضي السيئات. وهذه أربعة أنواع.

ويؤمر أيضًا بإصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه، قال تعالى: { وَالْعَصْرِ } [253] { إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ } [254] { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }.

وروي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: (لو فكر الناس كلهم في سورة والعصر لكفتهم). وهو كما قال. فإن الله تعالى أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمنا صالحًا، ومع غيره موصيًا بالحق موصيًا بالصبر.

وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو الدرجة وعظيم الأجر، كما سئل النبي ﷺ: (أي الناس أشد بلاء؟ قال الأنبياء: ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه. فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه. ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة) وحينئذ فيحتاج من الصبر ما لا يحتاج إليه غيره: وذلك هو سبب الإمامة في الدين، كما قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } [255].

فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور به وترك السيئ المحظور، ويدخل في ذلك الصبر على فعل الأذى وعلى ما يقال، والصبر على ما يصيبه من المكاره، والصبر عن البطر عند النعم: وغير ذلك من أنواع الصبر. ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذي به وهو اليقين، كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: (يا أيها الناس سلوا الله اليقين، والعافية، فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيرا من العافية فسلوهما الله).

وكذلك إذا أمر غيره يحسن أو أحب موافقته على ذلك، أو نهى غيره عن شيء، فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحسانا يحصل به مقصوده، من حصول المحبوب واندفاع المكروه، فإن النفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو، لا يمكن غير ذلك، ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب، حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا في الصدقات. وقال تعالى لنبيه ﷺ: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [256]. وقال تعالى: { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } [257] فلا بد أن يصبر وأن يرحم وهذا هو الشجاعة والكرم.

ولهذا يقرن الله بين الصلاة والزكاة تارة، وهي الإحسان إلى الخلق وبينهما وبين الصبر تارة. ولا بد من الثلاثة: الصلاة، والزكاة، والصبر. لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك، في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم، لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة، فالحاجة إلى ذلك تكون أشد، فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا به. ولهذا جميعهم يتمادحون بالشجاعة والكرم حتى إن ذلك عامة ما يمدح به الشعراء في شعرهم. وكذلك يتذامون بالبخل والجبن.

والقضايا التي يتفق عليها بنو آدم لا تكون إلا حقا، كاتفاقهم على مدح الصدق والعدل، وذم الكذب والظلم. وقد قال النبي ﷺ لما سأله الأعراب، حتى اضطروه إلى سمرة فتعلقت بردائه، فالتفت إليهم وقال: (والذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمته عليكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانًا ولا كذوبًا).

لكن يتنوع ذلك بتنوع المقاصد والصفات، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ولهذا جاء الكتاب والسنة بذم البخل والجبن، ومدح الشجاعة والسماحة في سبيله دون ما ليس في سبيله، فقال النبي ﷺ: (شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع). وقال: (من سيدكم يا بني سلمة؟ فقالوا الجد بن قيس على أنا نزنه بالبخل فقال: وأي داء أدوأ من البخل؟) وفي رواية: (إن السيد لا يكون بخيلا بل سيدكم الأبيض الجعد البراء بن معرور). وكذلك في الصحيح قول جابر بن عبد الله لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما: إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني فقال تقول: وإما أن تبخل عني وأي داء أدوأ من البخل؟ فجعل البخل من أعظم الأمراض. وفي صحيح مسلم عن سلمان بن ربيعة قال: (قال عمر: قسم النبي ﷺ قسْمًا فقلت: يا رسول الله والله لغير هؤلاء أحق به منهم فقال: إنهم خيروني بين أن يسألوني بالفحش وبين أن يبخلوني ولست بباخل يقول: إنهم يسألوني مسألة لا تصلح فإن أعطيتهم وإلا قالوا: هو بخيل فقد خيروني بين أمرين مكرهين لا يتركوني من أحدهما: الفاحشة والتبخيل. والتبخيل أشد، فأدفع الأشد بإعطائهم).

والبخل جنس تحته أنواع: كبائر، وغير كبائر قال تعالى: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [258]. وقال: { وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شيئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [259] إلى قوله: { إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا } [260] { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } [261] وقال تعالى: { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ } [262]. وقال: { فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } [263] { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } [264]. وقال: { وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } [265]. وقال: { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ } [266] { االَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } [267] { الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ } [268] { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } [269]. وقال: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [270] { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } [271] الآية.

وما في القرآن من الأمر بالإيتاء والإعطاء وذم من ترك ذلك: كله ذم للبخل وكذلك ذمه للجبن كثير مثل قوله: { وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [272]. وقوله عن المنافقين: { لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } [273]. وقوله: { فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } [274]. وقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلا } [275].

وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه والتاركين له: كله ذم للجبن. ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم: بين سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ } [276] { إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شيئا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [277]. وقال تعالى: { هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } [278].

وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل الله السابقين فقال: { وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } [279].

وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله، ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه فقال: { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } [280] وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ } [281]. { وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [282].

والشجاعة ليست هي قوة البدن وقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب، وإنما هي قوة القلب وثباته. فإن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال، وعلى قوة القلب وخبرته به. والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة، دون التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم، ولهذا كان القوي الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. حتى يفعل ما يصلح.

فأما المغلوب حين غضبه فليس بشجاع ولا شديد. وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر، فإنه لا بد منه. والصبر صبران: صبر عند الغضب، وصبر عند المصيبة. كما قال الحسن: ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة، وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم. وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم.

والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن، ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز، ولهذا جمع النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ: (ما تعدون الرقوب فيكم؟ قالوا: الرقوب الذي لا يولد له قال: ليس ذلك بالرقوب، ولكن الرقوب الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئًا ثم قال: ما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا تصرعه الرجال فقال: ليس بذلك ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب) فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة والصبر عند الغضب قال الله تعالى في المصيبة: { وَبَشِّرِ الصَّابِرِين } [283] { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ } [284] الآية. وقال تعالى في الغضب: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [285].

وهذا الجمع بين صبر المصيبة وصبر الغضب نظير الجمع بين صبر النعمة وصبر المصيبة كما في قوله تعالى: { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } [286] { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } [287] { إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [288]. وقال: { لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ } [289].

وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من الصحابة المهاجرين حيث قال:

لا يفرحون إذا نالت سيوفهم ** قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا.

وكذلك قال حسان بن ثابت في صفة الأنصار:

لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم ** وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع.

وقال بعض العرب في صفة النبي ﷺ: يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر. ولما كان الشيطان يدعو الناس عند هذين النوعين إلى تعدي الحدود بقلوبهم وأصواتهم وأيديهم: (نهى النبي ﷺ عن ذلك فقال لما قيل له: وقد بكى لما رأى إبراهيم في النزع أتبكي؟ أولم تنه عن البكاء؟ فقال: إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان. وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية) فجمع بين الصوتين.

وأما نهيه عن ذلك في المصائب فمثل قوله ﷺ: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية). وقال: (أنا بريء من الحالقة والصالقة والشاقة). وقال: (ما كان من العين والقلب فمن الله وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان). وقال: (إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم - وأشار إلى لسانه وقال: من ينح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه). واشترط على النساء في البيعة أن لا ينحن وقال: (إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران). وقال في الغلبة والمصائب والفرح: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته). وقال: (إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان). وقال: (لا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا). إلى غير ذلك مما أمر به في الجهاد من العدل وترك العدوان، اتباعا لقوله تعالى: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [290] ولقوله تعالى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين } [291].

ونهى عن لباس الحرير وتختم الذهب، والشرب في آنية الذهب والفضة، وإطالة الثياب، إلى غير ذلك من أنواع السرف والخيلاء في النعم وذم الذين يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف وجعل فيهم الخسف والمسخ.

وقد قال الله تعالى: { إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا } [292]. وقال عن قارون: { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } [293]. وهذه الأمور الثلاثة مع الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب. وذلك أن الإنسان بين ما يحبه ويشتهيه: وبين ما يبغضه ويكرهه فهو يطلب الأول بمحبته وشهوته ويدفع الثاني ببغضه ونفرته. وإذا حصل الأول أو اندفع الثاني أوجب له فرحًا وسرورًا وإن حصل الثاني أو اندفع الأول حصل له حزن فهو محتاج عند المحبة والشهوة أن يصبر عن عدوانهما، وعند الغضب والنفرة أن يصبر عن عدوانهما، وعند الفرح أن يصبر عن عدوانه، وعند المصيبة أن يصبر عن الجزع منها فالنبي ﷺ ذكر الصوتين الأحمقين الفاجرين: الصوت الذي يوجب الاعتداء في الفرح حتى يصير الإنسان فرحًا فخورًا، والصوت الذي يوجب الجزع.

وأما الصوت الذي يثير الغضب لله: كالأصوات التي تقال في الجهاد من الأشعار المنشدة: فتلك لم تكن بآلات وكذلك أصوات الشهوة في الفرح، فرخص منها فيما وردت به السنة من الضرب بالدف في الأعراس والأفراح للنساء والصبيان. وعامة الأشعار التي تنشد بالأصوات لتحريك النفوس هي من هذه الأقسام الأربعة وهي التشبيب، وأشعار الغضب والحمية، وهي الحماسة والهجاء. وأشعار المصائب كالمراثي وأشعار النعم والفرح وهي المدائح. والشعراء جرت عادتهم أن يمشوا مع الطبع، كما قال الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ } [294] { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ } [295]، ولهذا أخبر أنهم يتبعهم الغاوون والغاوي: هو الذي يتبع هواه بغير علم، وهذا هو الغي، وهو خلاف الرشد. كما أن الضال الذي لا يعلم مصلحته هو خلاف المهتدي قال الله سبحانه وتعالى: { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى } [296] { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } [297]، ولهذا قال النبي ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي). فلهذا تجدهم يمدحون جنس الشجاعة وجنس السماحة، إذ كان عدم هذين مذمومًا على الإطلاق وأما وجودهما فبه تحصل مقاصد النفوس على الإطلاق، لكن العاقبة في ذلك للمتقين.

وأما غير المتقين فلهم عاجلة لا عاقبة والعاقبة وإن كانت في الآخرة فتكون في الدنيا أيضًا، كما قال تعالى لما ذكر قصة نوح ونجاته بالسفينة: { قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } [298] إلى قوله: { فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } [299]. وقال: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [300].

والفرقان: أن يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله، فإن الله تعالى هو الذي حمده زين وذمه شين، دون غيره من الشعراء والخطباء وغيرهم؛ ولهذا لما قال القائل من بني تميم للنبي ﷺ: إن حمدي زين وذمي شين قال له: (ذاك الله). والله سبحانه حمد الشجاعة والسماحة في سبيله، كما في الصحيح عن (أبي موسى قال: قيل: يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).

وقد قال سبحانه: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه } [301] وذلك أن هذا هو المقصود الذي خلق الخلق له، كما قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [302] فكل ما كان لأجل الغاية التي خلق لها الخلق كان محمودًا عند الله وهو الذي يبقى لصاحبه وهذه الأعمال الصالحات. ولهذا كان الناس أربعة أصناف: من يعمل لله بشجاعة وسماحة، فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة.

ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة، فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق. ومن يعمل لله لكن لا بشجاعة ولا سماحة، فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان بقدر ذلك. ومن لا يعمل لله وليس فيه شجاعة ولا سماحة، فهذا ليس له دنيا ولا آخرة.

فهذه الأخلاق والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموما وخصوصًا في أوقات المحن والفتن الشديدة، فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضي للفتنة عندهم ويحتاجون أيضًا إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم وكل من هذين الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه، وإن كان يسيرًا على من يسره الله عليه. وهذا لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح وأمرهم بدعوة الناس وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [303] { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [304]. وكما قال: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } [305] وكما قال: { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [306]. وكما قال: { وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [307].

ولما كان (في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة: صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة كما قال عن المنافقين: { وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } [308] الآية.

وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في (الجد بن قيس لما أمره النبي ﷺ بالتجهز لغزو الروم - وأظنه قال: هل لك في نساء بني الأصفر؟ - فقال يا رسول الله: إني رجل لا أصبر عن النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر. فائذن لي ولا تفتني).

وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة، واستتر بجمل أحمر، وجاء فيه الحديث: (أن كلهم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر) فأنزل الله تعالى فيه: { وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } [309] الآية. يقول: إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء فلا يفتتن بهن فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه فيتعذب بذلك أو يواقعه فيأثم، فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن منها إما لتحريم الشارع وإما للعجز عنها يعذب قلبه وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك. وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء. فهذا وجه قوله: { وَلاَ تَفْتِنِّي } [310] قال الله تعالى: { أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } [311].

يقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد: فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟ والله يقول: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه } [312].

فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة: فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله به من الجهاد. فتدبر هذا، فإن هذا مقام خطر، فإن الناس هنا ثلاثة أقسام: قسم يأمرون وينهون ويقاتلون، طلبًا لإزالة الفتنة التي زعموا ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة، كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة.

وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا وهم قد سقطوا في الفتنة وهذه الفتنة المذكورة في سورة براءة دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة، فإنها سبب نزول الآية.

وهذه حال كثير من المتدينين، يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منه وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب وترك المحظور. وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعا أو تركهما جميعا: مثل كثير ممن يحب الرئاسة أو المال وشهوات الغي، فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد وإمارة ونحو ذلك فلا بد أن يفعل شيئا من المحظورات. فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين. فإن كان المأمور أعظم أجرًا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة، وإن كان ترك المحظور أعظم أجرًا لم يفوت ذلك برجاء ثواب بفعل واجب يكون دون ذلك، فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات، فهذا هذا. وتفصيل ذلك يطول.

وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي ولا بد أن يأمر وينهى حتى لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها، إما بمعروف وإما بمنكر، كما قال تعالى: { إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } [313] فإن الأمر هو طلب الفعل وإرادته، والنهي طلب الترك وإرادته ولا بد لكل حي من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بهما فعل نفسه ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك، فإن الإنسان حي يتحرك بإرادته.

وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض وإذا اجتمع اثنان فصاعدا فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن أمر، ولهذا كان أقل الجماعة في الصلاة اثنين، كما قيل: الاثنان فما فوقهما جماعة، لكن لما كان ذلك اشتراكا في مجرد الصلاة حصل باثنين أحدهما إمام والآخر مأموم كما (قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث وصاحبه: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما) وكانا متقاربين في القراءة.

وأما الأمور العادية ففي السنن أنه ﷺ قال: (لا يحل لثلاثة يكونون في سفر إلا أمروا عليهم أحدهم). وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم: فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله ويؤمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، وإلا فلا بد أن يأمر وينهى. ويؤمر وينهى: إما بما يضاد ذلك، وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزل الله بالباطل الذي لم ينزله الله وإذا اتخذ ذلك دينا كان دينا مبتدعا. وهذا كما أن كل بشر فإنه متحرك بإرادته همام حارث فمن لم تكن نيته صالحة وعمله عملا صالحا لوجه الله وإلا كان عملا فاسدا أو لغير وجه الله وهو الباطل كما قال تعالى: { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } [314].

وهذه الأعمال كلها باطلة من جنس أعمال الكفار { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } [315] وقال تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شيئا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [316]. وقال: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا } [317].

وقد أمر الله في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولى الأمر من المؤمنين، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأولى الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } [318].

وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولوا الأمر صنفين: العلماء، والأمراء. فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه للأحمسية لما سألته: ما بقاؤنا على هذا الأمر؟ قال: ما استقامت لكم أئمتكم. ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان، وكل من كان متبوعا فإنه من أولى الأمر وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به وينهى عما نهى عنه وعلى كل واحد ممن عليه طاعته أن يطيعه في طاعة الله، ولا يطيعه في معصية الله كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين تولى أمر المسلمين وخطبهم، فقال في خطبته: أيها الناس القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق، أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.

فصل لا بد في جميع الأقوال والأفعال من الإخلاص والمتابعة[عدل]

وإذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه الله، وأن تكون موافقة للشريعة. فهذا في الأقوال والأفعال، في الكلم الطيب، والعمل الصالح، في الأمور العلمية والأمور العبادية. ولهذا ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: (إن أول ثلاثة تسجر بهم جهنم: رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن وأقرأه ليقول الناس: هو عالم وقارئ. ورجل قاتل وجاهد ليقول الناس: هو شجاع وجريء. ورجل تصدق وأعطى ليقول الناس: جواد سخي) فإن هؤلاء الثلاثة الذين يريدون الرياء والسمعة هم بإزاء الثلاثة الذين بعد النبيين من الصديقين والشهداء والصالحين، فإن من تعلم العلم الذي بعث الله به رسله وعلمه لوجه الله كان صديقًا، ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وقتل كان شهيدا ومن تصدق يبتغي بذلك وجه الله كان صالحا، ولهذا يسأل المفرط في ماله الرجعة وقت الموت، كما قال ابن عباس: من أعطي مالا فلم يحج منه ولم يزك سأل الرجعة وقت الموت وقرأ قوله تعالى: { وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ } [319].

فهذه الأمور العلمية الكلامية يحتاج المخبر بها أن يكون ما يخبر به عن الله واليوم الآخر وما كان وما يكون: حقا صوابا. وما يأمر به وينهى عنه كما جاءت به الرسل عن الله.

فهذا هو الصواب الموافق للسنة والشريعة، المتبع لكتاب الله وسنة رسوله كما أن العبادات التي يتعبد العباد بها إذا كانت مما شرعه الله وأمر الله به ورسوله: كانت حقًا صوابًا موافقا لما بعث الله به رسله. وما لم يكن كذلك من القسمين كان من الباطل والبدع المضلة والجهل وإن كان يسميه من يسميه علوما ومعقولات، وعبادات ومجاهدات، وأذواقا ومقامات.

ويحتاج أيضًا أن يؤمر بذلك لأمر الله، وينهى عنه لنهي الله، ويخبر بما أخبر الله به، لأنه حق وإيمان وهدى كما أخبرت به الرسل. كما تحتاج العبادة أن يقصد بها وجه الله. فإذا قيل ذلك لاتباع الهوى والحمية، أو لإظهار العلم والفضيلة، أو لطلب السمعة والرياء: كان بمنزلة المقاتل شجاعة وحمية ورياء. ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من أهل العلم والمقال، وأهل العبادة والحال.

فكثيرًا ما يقول هؤلاء من الأقوال ما هو خلاف الكتاب والسنة ووفاقها. وكثيرا ما يتعبد هؤلاء بعبادات لم يأمر الله بها، بل قد نهى عنها أو ما يتضمن مشروعا محظورا. وكثيرا ما يقاتل هؤلاء قتالا مخالفًا للقتال المأمور به، أو متضمنًا لمأمور محظور.

ثم كل من الأقسام الثلاثة: المأمور، والمحظور، والمشتمل على الأمرين: قد يكون لصاحبه نية حسنة، وقد يكون متبعا لهواه وقد يجتمع له هذا وهذا. فهذه تسعة أقسام في هذه الأمور، وفي الأموال المنفقة عليها من الأموال السلطانية: الفيء وغيره والأموال الموقوفة، والأموال الموصى بها والمنذورة، وأنواع العطايا والصدقات والصلات.

وهذا كله من لبس الحق بالباطل وخلط عمل صالح وآخر سئ. والسيئ من ذلك قد يكون صاحبه مخطئًا أو ناسيًا مغفورًا له. كالمجتهد المخطئ الذي له أجر وخطؤه مغفور له وقد يكون صغيرًا مكفرًا باجتناب الكبائر وقد يكون مغفورا بتوبة أو بحسنات تمحو السيئات، أو مكفرًا بمصائب الدنيا ونحو ذلك، إلا أن دين الله الذي أنزل به كتبه وبعث به رسله ما تقدم من إرادة الله وحده بالعمل الصالح. وهذا هو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من أحد غيره قال تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [320]. وقال تعالى: { شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [321] { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَم } [322].

والإسلام يجمع معنيين: أحدهما الاستسلام والانقياد، فلا يكون متكبرًا. والثاني الإخلاص من قوله تعالى: { وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ } [323] فلا يكون مشركًا وهو: أن يسلم العبد لله رب العالمين كما قال تعالى: { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } [324] { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [325] { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [326]. وقال تعالى: { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [327] { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [328] { لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [329].

والإسلام يستعمل لازمًا معدى بحرف اللام، مثل ما ذكر في هذه الآيات، ومثل قوله تعالى: { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ } [330] ومثل قوله تعالى: { قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [331] ومثل قوله: { أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } [332] ومثل قوله: { قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [333].

ويستعمل متعديًا مقرونًا بالإحسان، كقوله تعالى: { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [334] { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [335]. وقوله: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا } [336] فقد أنكر أن يكون دين أحسن من هذا الدين، وهو إسلام الوجه لله مع الإحسان وأخبر أن كل من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أثبتت هذه الكلمة الجامعة والقضية العامة ردًا لما زعم من زعمه أن لا يدخل الجنة إلا متهود أو متنصر. وهذان الوصفان - وهما إسلام الوجه لله، والإحسان - هما الأصلان المتقدمان وهما: كون العمل خالصا لله صوابا: موافقا للسنة والشريعة.

وذلك أن إسلام الوجه لله هو متضمن للقصد والنية لله، كما قال بعضهم:

أستغفر الله ذنبًا لست محصيه **رب العباد إليه الوجه والعمل

وقد استعمل هنا أربعة ألفاظ: إسلام الوجه، وإقامة الوجه، كقوله تعالى: { وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [337]. وقوله: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } [338] وتوجيه الوجه كقول الخليل: { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [339].

وكذلك كان النبي ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح في صلاته: { وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [340].

وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ مما يقول إذا أوى إلى فراشه: (اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك).

فالوجه يتناول المتوجه والمتوجه إليه ويتناول المتوجه نحوه كما يقال: أي وجه تريد؟ أي: أي وجهة وناحية تقصد: وذلك أنهما متلازمان. فحيث توجه الإنسان توجه وجهه، ووجهه مستلزم لتوجهه، وهذا في باطنه وظاهره جميعا. فهذه أربعة أمور.

والباطن هو الأصل والظاهر هو الكمال والشعار فإذا توجه قلبه إلى شيء تبعه وجهه الظاهر فإذا كان العبد قصده ومراده وتوجهه إلى الله فهذا صلاح إرادته وقصده فإذا كان مع ذلك محسنا فقد اجتمع أن يكون عمله صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا وهو قول عمر رضي الله عنه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا واجعله لوجهك خالصًا ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.

والعمل الصالح هو الإحسان: وهو فعل الحسنات وهو ما أمر الله به والذي أمر الله به هو الذي شرعه الله وهو الموافق لسنة الله وسنة رسوله، فقد أخبر الله تعالى أنه من أخلص قصده لله وكان محسنا في عمله فإنه مستحق للثواب سالم من العقاب.

ولهذا كان أئمة السلف يجمعون هذين الأصلين، كقول الفضيل ابن عياض في قوله تعالى: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [341] قال: أخلصه وأصوبه فقيل: يا أبا على ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل. وإذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة.

وقد روى ابن شاهين واللالكائي عن سعيد بن جبير قال: لا يقبل قول وعمل إلا بنية ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. ورويا عن الحسن البصري مثله ولفظه: لا يصلح مكان يقبل. وهذا فيه رد على المرجئة الذين يجعلون مجرد القول كافيًا فأخبر أنه لا بد من قول وعمل إذ الإيمان قول وعمل، لا بد من هذين كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. وبينا أن مجرد تصديق القلب واللسان مع البغض والاستكبار لا يكون إيمانًا - باتفاق المؤمنين - حتى يقترن بالتصديق عمل. وأصل العمل عمل القلب وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار ثم قالوا: ولا يقبل قول وعمل إلا بنية وهذا ظاهر فإن القول أو العمل إذا لم يكن خالصا لله تعالى لم يقبله الله تعالى. ثم قالوا: ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة، وهي الشريعة وهي ما أمر الله به ورسوله، لأن القول أو العمل أو النية الذي لا يكون مسنونًا مشروعًا قد أمر الله به: يكون بدعة ليس مما يحبه الله فلا يقبله الله، ولا يصلح: مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب.

ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات وهذا كقول ابن مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء رضي الله عنهم: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. وأمثال ذلك. والحمد لله رب العالمين. وصلواته على محمد وآله الطاهرين وأصحابه أجمعين.

قال في الصبر على الولاة والرعية[عدل]

وقال شيخ الإسلام بعد كلام سبق:

وأصل ذلك العلم، فإنه لا يعلم العدل والظلم إلا بالعلم، فصار الدين كله العلم والعدل، وضد ذلك الظلم والجهل. قال الله تعالى: { وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [342]. ولما كان ظلوما جهولا وذلك يقع من الرعاة تارة، ومن الرعية تارة، ومن غيرهم تارة كان من العلم والعدل المأمور به الصبر على ظلم الأئمة وجورهم، كما هو من أصول أهل السنة والجماعة، وكما أمر به النبي ﷺ في الأحاديث المشهورة عنه لما قال: (إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). وقال: (من رأي من أميره شيئا يكرهه، فليصبر عليه) إلى أمثال ذلك. وقال: (أدوا إليهم الذي لهم، واسألوا الله الذي لكم).

ونهوا عن قتالهم ما صلو؛ وذلك لأن معهم أصل الدين المقصود، وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسنات، وترك سيئات كثيرة.

وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ، أو غير سائغ، فلا يجوز أن يزال لما فيه من ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النفوس تزيل الشر بما هو شر منه، وتزيل العدوان بما هو أعدي منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم، فيصبر عليه كما يصبر عند الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على ظلم المأمور والمنهى في مواضع كثيرة، كقوله: { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ على مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [343]، وقوله: { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } [344]، وقوله: { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [345].

وهذا عام في ولاة الأمور وفي الرعية، إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله، كما يصبر المجاهدون على ما يصاب من أنفسهم وأموالهم. فالصبر على الأذي في العرض أولي وأولي؛ وذلك لأن مصلحة الأمر والنهى لا تتم إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، ويندرج في ذلك ولاة الأمور. فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم؛ لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك، فكما وجب على الأئمة الصبر على أذي الرعية وظلمها إذا لم تتم المصلحة إلا بذلك، إذ كان تركه يفضي إلى فساد أكثر منه، فكذلك يجب على الرعية الصبر على جور الأئمة وظلمهم إذا لم يكن في ترك الصبر مفسدة راجحة.

فعلى كل من الراعي والرعية للآخر حقوقا يجب عليه أداؤها، كما ذكر بعضه في (كتاب الجهاد، والقضاء) وعليه أن يصبر للآخر ويحلم عنه في أمور؛ فلابد من السماحة والصبر في كل منهما، كما قال تعالى: { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } [346]، وفي الحديث: (أفضل الإيمان السماحة والصبر). ومن أسماء الله: الغفور الرحيم. فبالحلم يعفو عن سيئاتهم، وبالسماحة يوصل إليهم المنافع، فيجمع جلب المنفعة ودفع المضرة.

فأما الإمساك عن ظلمهم والعدل عليهم، فوجوب ذلك أظهر من هذا، فلا حاجة إلى بيانه، والله أعلم.

فصل في مراتب الذنوب[عدل]

أما مراتبها في الآخرة، فله موضع غير هذا، وإنما الغرض هنا مراتبها في الدنيا في الذم والعقاب. وقد ذكرت فيما قبل هذا، أن الذنوب التي فيها ظلم الغير والإضرار به في الدين والدنيا، أعظم عقوبة في الدنيا، مما لم يتضمن ضرر الغير، وإن كان عقوبة هذا في الآخرة أكبر، كما يعاقب ذووا الجرائم من المسلمين بما لا يعاقب به أهل الذمة من الكافرين، وإن كان الكافر أشد عذابا في الآخرة من المسلم. ويعاقب الثاني على عدالته، مثل شارب النبيذ متأولا. والبغاة المتأولين، بما لا يعاقب به الفاسق المستسر بالذنب. ويعاقب الداعي إلى بدعة، والمظهر للمنكر، بما لا يعاقب به المنافق المستسر بنفاقه من غير دعوة للغير. فهذه أمثلة في الكافر والفاسق. وفي الفاسق والعدل، وفي المنافق والمؤمن المظهر لبدعة أو ذنب. وبينت سبب ذلك: أن عقوبة هؤلاء من باب دفع ظلم الظالمين عن الدين والدنيا، بخلاف من لم يظلم إلا نفسه، فإن عقوبته إلى ربه.

وجماع الأمر: أن الذنوب كلها ظلم، فأما ظلم العبد لنفسه فقط، أو ظلمه مع ذلك لغيره، فما كان من ظلم الغير، فلابد أن يشرع من عقوبته ما يدفع به ظلم الظالم عن الدين والدنيا، كما قال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [347]. فجعل السبب المبيح لعقوبة الغير التي هي قتاله: (أنهم ظلموا). وقال: { وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ على الظَّالِمِينَ } [348]، فبين أن الظالم يعتدي عليه، أي: بتجاوز الحد المطلق في حقه، وهو العقوبة، وهذا عدوان جائز، كما قال: { فَمَنِ اعْتَدَي عليكُمْ فَاعْتَدُواْ عليه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَي عليكم } [349].

وقول بعضهم: إن هذا ليس بعدوان في الحقيقة، وإنما سماه عدوانا على سبيل المقابلة، كما قالوا مثل ذلك في قوله: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [350]. لا يحتاج إليه؛ فإن العدوان المطلق، هو مجاوزة الحد المطلق، وهذا لا يجوز في حقه إلا إذا اعتدي، فيتجاوز الحد في حقه بقدر تجاوزه. والسيئة اسم لما يسوء الإنسان؛ فإن المصائب والعقوبات تسمي سيئة في غير موضع من كتاب الله تعالى.

والظلم نوعان: تفريط في الحق، وتعد للحد. فالأول ترك ما يجب للغير مثل ترك قضاء الديون، وسائر الأمانات، وغيرها من الأموال. والثاني الاعتداء عليه، مثل القتل، وأخذ المال، وكلاهما ظلم ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: (مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع)، فجعل مجرد المطل الذي هو تأخير الأداء مع القدرة ظلمًا، فكيف بالترك رأسًا؟ وقد قال تعالى: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَي عليكم فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَي النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَي بِالْقِسْطِ } [351]. قالت عائشة رضي الله عنها: هي إلىتيمة تكون في حجر وليها، فيريد أن يتزوجها بدون أن يقسط لها في مهرها. فسمي الله تكميل المهر قسطا، وضده الظلم.

وهذا في الجملة ظاهر، متفق عليه بين المسلمين: أن العدل قد يكون أداء واجب، وقد يكون ترك محرم، وقد يجمع الأمرين، وأن الظلم أيضا قد يكون ترك واجب، وقد يكون فعل محرم، وقد يجمع الأمرين. فإذا عرف هذا؛ وقد عرف أن العدل والظلم يكون في حق نفس الإنسان، ويكون في حقوق الناس كما تقدم وقد كتبت فيما تقدم من القواعد وفي آخر مسودة الفقه كلاما كليا، في أن جميع الحسنات تدخل في العدل، وجميع السيئات تدخل في الظلم، فإنه يتبين بهذا مسائل نافعة.

منها: أن أولي الأمر من المسلمين من العلماء، والأمراء، ومن يتبعهم، على كل واحد منهم حقوق للناس، هي المقصودة الواجبة منه في مرتبته، وإن لم تكن مطلوبة من غير ذلك النوع، ولا واجبة عليه؛ إذ وجوبها عليه دون ذلك. وكذلك قد تكون عليه محرمات حرمتها عليه مرتبته، وإن لم تحرم على غير أهل تلك المرتبة، أو تحريمها عليهم أخف.

مثال ذلك الجهاد، فإنه واجب على المسلمين عموما، على الكفاية منهم، وقد يجب أحيانًا على أعيانهم، لكن وجوبه على المرتزقة الذين يعطون مال الفيء لأجل الجهاد أوكد، بل هو واجب عليهم عينا، واجب بالشرع، وواجب بالعقد الذي دخلوا فيه، لما عقدوا مع ولاة الأمر عقد الطاعة في الجهاد، وواجب بالعوض، فإنه لو لم يكن واجبًا لا بشرع ولا ببيعة إمام، لوجب بالمعاوضة عليه، كما يجب العمل على الأجير الذي قبض الأجرة، ويجب تسليم المبيع على من قبض الثمن، وهذا وجوب بعقد المعاوضة، وبقبض العوض، كما أن الأول وجوب بالشرع، وبمجرد مبايعة الإمام، وهو واجب أيضا من جهة ما في تركه من تغرير المسلمين، والضرر اللاحق لهم بتركه وجوب الضمان للمضمون له.

فإن المرتزقة ضمنوا للمسلمين بالارتزاق الدفع عنهم، فاطمأن الناس إلى ذلك، واكتفوا بهم، وأعرضوا عن الدفع بأنفسهم، أعظم مما يطمئن الموكل والمضارب إلى وكيله وعامله، فإذا فرط بعضهم وضيع كان ذلك من أعظم الضرر على المسلمين؛ فإنهم أدخلوا الضرر العظيم على المسلمين في دينهم ودنياهم، بما تركوه من القتال عن المسلمين الواجب عليهم، حتى لحق المسلمين من الضرر في دينهم ودنياهم: في الأنفس، والذرية، والأموال، ما لا يقدر قدره أحد.

فظلم المقاتلة بترك الجهاد عن المسلمين من أعظم ظلم يكون، بخلاف ما يلحق أحدهم من الضرر، فإن ذاك ظلم لنفسه. وكذلك ما يفعله من المعصية المختصة به كشرب الخمر، وفعل الفاحشة فإن هذا ظلم لنفسه مختص به، فعقوبته على ترك الجهاد وذمه على ذلك أعظم بكثير من ذمه وعقوبته على ذلك.

وإذا لم يمكن جمع العقوبتين كانت العقوبة على ترك الجهاد مقدمة على العقوبة على هذه المعاصي، كما أن منفعة الجهاد له وللمسلمين قد تكون أعظم بكثير من منفعة ردعه عن الخمر والفاحشة، إذا استسر بذلك، ولم يظلم به غيره، فيدفع هنا أعظم الفسادين باحتمال أدناهما. وفي مثل هذا قال ﷺ: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم). ويذم أحد هؤلاء، أو يؤجر بما فيه من عجز عن الجهاد، أو تفريط فيه، ما لا يفعل بغيره ممن ليس مرصدًا للجهاد.

وكذلك أهل العلم الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة: صورة ومعني مع أن حفظ ذلك واجب على الأمة عمومًا على الكفاية منهم، ومنه ما يجب على أعيانهم، وهو علم العين، الذي يجب على المسلم في خاصة نفسه، لكن وجوب ذلك عينا وكفاية على أهل العلم الذين رأسوا فيه، أو رزقوا عليه، أعظم من وجوبه على غيرهم؛ لأنه واجب بالشرع عموما. وقد يتعين عليهم لقدرتهم عليه وعجز غيرهم، ويدخل في القدرة استعداد العقل، وسابقة الطلب، ومعرفة الطرق الموصلة إليه، من الكتب المصنفة، والعلماء المتقدمين، وسائر الأدلة المتعددة، والتفرغ له عما يشغل به غيرهم.

ولهذا مضت السنة بأن الشروع في العلم والجهاد يلزم، كالشروع في الحج، يعني أن ما حفظه من علم الدين، وعلم الجهاد ليس له إضاعته؛ لقول النبي ﷺ: (من قرأ القرآن ثم نسيه، لقي الله وهو أجذم). رواه أبو داود. وقال: (عرضت على أعمال أمتى حسنها وسيئها فرأيت في مساوئ أعمالها، الرجل يؤتيه الله آية من القرآن ثم ينام عنها حتى ينساها). وقال: (من تعلم الرمي ثم نسيه، فليس منا). رواه مسلم.

وكذلك الشروع في عمل الجهاد، فإن المسلمين إذا صافوا عدوا، أو حاصروا حصنا، ليس لهم الانصراف عنه حتى يفتحوه؛ ولذا قال النبي ﷺ: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه).

فالمرصدون للعلم، عليهم للأمة حفظ علم الدين، وتبليغه. فإذا لم يبلغوهم علم الدين، أو ضيعوا حفظه، كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين؛ ولهذا قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَي مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } [352]، فإن ضرر كتمانهم تعدي إلى البهائم، وغيرها، فلعنهم اللاعنون، حتى البهائم.

كما أن معلم الخير يصلي عليه الله وملائكته، ويستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في جوف البحر، والطير في جو السماء.

وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم. وكذلك إظهارهم للمعاصي والبدع التي تمنع الثقة بأقوالهم، وتصرف القلوب عن اتباعهم، وتقتضي متابعة الناس لهم فيها، هي من أعظم الظلم، ويستحقون من الذم والعقوبة عليها ما لا يستحقه من أظهر الكذب والمعاصي والبدع من غيرهم؛ لأن إظهار غير العالم وإن كان فيه نوع ضرر فليس هو مثل العالم في الضرر الذي يمنع ظهور الحق، ويوجب ظهور الباطل، فإن إظهار هؤلاء للفجور والبدع بمنزلة إعراض المقاتلة عن الجهاد، ودفع العدو، ليس هو مثل إعراض آحاد المقاتلة، لما في ذلك من الضرر العظيم على المسلمين.

فترك أهل العلم لتبليغ الدين، كترك أهل القتال للجهاد، وترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم، كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم، كلاهما ذنب عظيم وليس هو مثل ترك ما تحتاج الأمة إليه، مما هو مفوض إليهم، فإن ترك هذا أعظم من ترك أداء المال الواجب إلى مستحقه. وما يظهرونه من البدع والمعاصي التي تمنع قبول قولهم، وتدعوا النفوس إلى موافقتهم، وتمنعهم وغيرهم من إظهار الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، أشد ضررًا للأمة وضررًا عليهم من إظهار غيرهم لذلك.

ولهذا جبل الله قلوب الأمة على أنها تستعظم جبن الجندي، وفشله، وتركه للجهاد، ومعونته للعدو أكثر مما تستعظمه من غيره. وتستعظم إظهار العالم الفسوق والبدع، أكثر مما تستعظم ذلك من غيره، بخلاف فسوق الجندي وظلمه وفاحشته، وبخلاف قعود العالم عن الجهاد بالبدن.

ومثل ذلك ولاة الأمور، كل بحسبه من الوإلى والقاضي، فإن تفريط أحدهم فيما عليه رعايته من مصالح الأمة، أو فعل ضد ذلك، من العدوان عليهم، يستعظم أعظم مما يستعظم ذنب يخص أحدهم.

فصل في الولاية والعداوة[عدل]

وقال شيخ الإسلام رحمه الله:

فصل في الولاية والعداوة

فإن المؤمنين أولياء الله، وبعضهم أولياء بعض، والكفار أعداء الله، وأعداء المؤمنين. وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين، وبين أن ذلك من لوازم الإيمان، ونهى عن موالاة الكفار، وبين أن ذلك منتف في حق المؤمنين، وبين حال المنافقين في موالاة الكافرين.

فأما موالاة المؤمنين فكثيرة، كقوله: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ } إلى قوله: { وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [353]. وقوله: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } إلى قوله: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } [354]. وقال تعالى: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عليهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } [355].

وقال: { لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } إلى قوله: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ } إلى آخر السورة سورة الممتحنة. وقوله: { لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عليهمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ } [356]. وقال: { اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّوُرِ } [357]. وقال: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَي الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَي لَهُمْ } [358]. وقال: { وَإِن تَظَاهَرَا عليه فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } [359]. وقال: { فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ } [360]. وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ على الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ } إلى قوله: { وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [361]. وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ إليهودَ وَالنَّصَارَي أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَي الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَي أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَي اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ على مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } إلى قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [362]. إلى تمام الكلام. وقال: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَي ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ تَرَي كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عليهمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إليه مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } [363].

فذم من يتولي الكفار من أهل الكتاب قبلنا، وبين أن ذلك ينافي الإيمان: { بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا إلىمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا } إلى قوله: { سَبِيلا } [364]. وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عليكم سُلْطَانًا مُّبِينًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } [365].

وقال عن المنافقين: { وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ } [366]، كما قال عن الكفار المنافقين من أهل الكتاب: { وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عليكم لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [367]. وقال: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عليهم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ }، نزلت فيمن تولي إليهود من المنافقين وقال: { مَّا هُم مِّنكُمْ }، ولا من إليهود، { وَيَحْلِفُونَ على الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } إلى قوله: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَإلىوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } [368]. وقال: { أَلَمْ تَر إلى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ } [369] إلى تمام القصة، وقال: { إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا على أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَي الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَي لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } [370].

وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم؛ ولهذا ذكر في سورة المائدة أئمة المرتدين عقب النهى عن موالاة الكفار قوله: { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } [371]. وقال: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ } [372].

فذكر المنافقين، والكفار المهادنين، وأخبر أنهم يسمعون لقوم آخرين لم يأتوك، وهو استماع المنافقين والكفار المهادنين للكفار المعلنين الذين لم يهادنوا، كما أن في المؤمنين من قد يكون سماعا للمنافقين كما قال: { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } [373].

وبعض الناس يظن أن المعني: سماعون لأجلهم، بمنزلة الجاسوس، أي: يسمعون ما يقول وينقلونه إليهم، حتى قيل لبعضهم: أين في القرآن الحيطان لها آذان ؟ قال: في قوله: { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ }. وكذلك قوله: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِب } [374]. أي: ليكذبوا: إن اللام لام التعدية، لا لام التبعية؛ وليس هذا معني الآيتين، وإنما المعني فيكم من يسمع لهم، أي: يستجيب لهم ويتبعهم. كما في قوله: سمع الله لمن حمده استجاب الله لمن حمده، أي: قبل منه، يقال: فلان يسمع لفلان، أي: يستجيب له ويطيعه.

وذلك أن المسمع وإن كان أصله نفس السمع الذي يشبه الإدراك، لكن إذا كان المسموع طلبًا، ففائدته وموجبه الاستجابة والقبول. وإذا كان المسموع خبرا، ففائدته التصديق والاعتقاد، فصار يدخل مقصوده وفائدته في مسماه نفيا وإثباتا، فيقال: فلان يسمع لفلان، أي: يطيعه في أمره، أو يصدقه في خبره. وفلان لا يسمع ما يقال له، أي: لا يصدق الخبر ولا يطيع الأمر، كما بين الله السمع عن الكفار في غير موضع، كقوله: { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء } [375]، وقوله: { وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء } [376]؛ وذلك لأن سمع الحق يوجب قبوله إيجاب الإحساس بالحركة، وإيجاب علم القلب حركة القلب، فإن الشعور بالملائم يوجب الحركة إليه، والشعور بالمنافر يوجب النفرة عنه. فحيث انتفي موجب ذلك، دل على انتفاء مبدئه؛ ولهذا قال تعالى: { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَي يَبْعَثُهُمُ اللهُ } [377].

ولهذا جعل سمع الكفار بمنزلة سمع البهائم لأصوات الرعاة، أي: يسمعون مجرد الأصوات سمع الحيوان، لا يسمعون ما فيها من تإلىف الحروف المتضمنة للمعاني السمع الذي لابد أن يكون بالقلب مع الجسم، فقال تعالى: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ }، يقول: هم يستجيبونّ { لِقَوْمٍ آخَرِينَ }، وأولئك { لَمْ يَأْتُوكَ }، وأولئك { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } يقولون لهؤلاء الذين أتوك: { إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ }، كما ذكروا في سبب نزول الآية: أنهم قالوا في حد الزنا، وفي القتل: اذهبوا إلى هذا النبي الأمي، فإن حكم لكم بما تريدونه، فاقبلوه، وإن حكم بغيره، فأنتم قد تركتم حكم التوراة أفلا تتركون حكمه ؟!

فهذا هو استماع المتحاكمين من أولئك الذين لم يأتوه ولو كانوا بمنزلة الجاسوس، لم يخص ذلك بالسماع، بل يرون ويسمعون، وإن كانوا قد ينقلون إلى شياطينهم ما رأوه وسمعوه، لكن هذا من توابع كونهم يستجيبون لهم ويوالونهم.

يبين ذلك أنه قال: { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالا ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } [378] أي: لأسرعوا بينكم يطلبون الفتنة بينكم، ثم قال: وفيكم مستجيبون لهم إذا أوضعوا خلالكم؛ ولو كان المعني: وفيكم من تجسس لهم، لم يكن مناسبا، وإنما المقصود أنهم إذا أوضعوا بينكم يطلبون الفتنة، وفيكم من يسمع منهم، حصل الشر. وأما الجس، فلم يكونوا يحتاجون إليه، فإنهم بين المؤمنين، وهم يوضعون خلالهم.

مما يبين ذلك أنه قال: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } [379]، فذكر ما يدخل في آذانهم وقلوبهم من الكلام، وما يدخل في أفواههم وبطونهم من الطعام: غذاء الجسوم، وغذاء القلوب، فإنهما غذاءان خبيثان: الكذب والسحت. وهكذا من يأكل السحت من البرطيل ونحوه، يسمع الكذب، كشهادة الزور؛ ولهذا قال: { لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [380].

فلما كان هؤلاء يستجيبون لغير الرسول، كما يستجيبون له إذا وافق آراءهم وأهواءهم، لم يجب عليه الحكم بينهم، فإنهم متخيرون بين القبول منه، والقبول ممن يخالفه، فكان هو متخيرا في الحكم بينهم، والإعراض عنهم. وإنما يجب عليه الحكم بين من لابد له منه من المؤمنين.

وإذا ظهر المعني، تبين فصل الخطاب في وجوب الحكم بين المعاهدين من أهل الحرب كالمستأمن، والمهادن، والذمي، فإن فيه نزاعا مشهورا بين العلماء. قيل: ليس بواجب للتخير. وقيل: بل هو واجب، والتخيير منسوخ بقوله: { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ } [381]. قال الأولون: أما الأمر هنا: أن يحكم بما أنزل الله إذا حكم، فهو أمر بصفة الحكم، لا بأصله، كقوله: { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } [382]، وقوله: { وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } [383]، وهذا أصوب، فإن النسخ لا يكون بمحتمل، فكيف بمرجوح؟ وقيل: يجب في مظالم العباد دون غيرها. والخلاف في ذلك مشهور في مذهب الإمام أحمد، وغيره من الأئمة.

وحقيقة الآية: إن كان مستجيبا لقوم آخرين، لم يأتوه، لم يجب عليه الحكم بينهم، كالمعاهد: من المستأمن وغيره، الذي يرجع إلى أمرائه وعلمائه في دارهم، وكالذمي الذي إن حكم له بما يوافق غرضه وإلا رجع إلى أكابرهم وعلمائهم، فيكون متخيرا بين الطاعة لحكم الله ورسوله، وبين الإعراض عنه. وأما من لم يكن إلا مطيعا لحكم الله ورسوله، ليس عنه مندوحة، كالمظلوم الذي يطلب نصره من ظالمه، وليس له من ينصره من أهل دينه، فهذا ليس في الآية تخيير. وإذا كان عقد الذمة قد أوجب نصره من أهل الحرب، فنصره ممن يظلمه من أهل الذمة أولي أن يوجب ذلك.

وكذلك لو كان المتحاكم إلى الحاكم والعالم من المنافقين الذين يتخيرون بين القبول من الكتاب والسنة، وبين ترك ذلك، لم يجب عليه الحكم بينهم. وهذا من حجة كثير من السلف الذين كانوا لا يحدثون المعلنين بالبدع بأحاديث النبي ﷺ.

ومن هذا الباب: من لا يكون قصده في استفتائه وحكومته الحق، بل غرضه من يوافقه على هواه، كائنا من كان، سواء كان صحيحا أو باطلا. فهذا سماع لغير ما بعث الله به رسوله، فإن الله إنما بعث رسوله بالهدي ودين الحق، فليس على خلفاء رسول الله أن يفتوه ويحكموا له، كما ليس عليهم أن يحكموا بين المنافقين والكافرين المستجيبين لقوم آخرين، لم يستجيبوا للّه ورسوله.

ومن جنس موالاة الكفار التي ذم الله بها أهل الكتاب والمنافقين: الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله، كما قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَي مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلا } [384]. وقد عرف أن سبب نزولها شأن كعب بن الأشرف أحد رؤساء إليهود لما ذهب إلى المشركين، ورجح دينهم على دين محمد وأصحابه. والقصة قد ذكرناها في الصارم المسلول لما ذكرنا قول النبي ﷺ: (من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذي الله ورسوله).

ونظير هذه الآية قوله تعالى عن بعض أهل الكتاب: { وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ على مُلْكِ سُلَيْمَانَ } الآية [385]. فأخبر أنهم اتبعوا السحر وتركوا كتاب الله، كما يفعله كثير من إليهود، وبعض المنتسبين إلى الإسلام من اتباعهم كتب السحرة أعداء إبراهيم وموسى من المتفلسفة ونحوهم، وهو كإيمانهم بالجبت والطاغوت، فإن الطاغوت هو: الطاغي من الأعيان، والجبت: هو من الأعمال والأقوال، كما قال عمر بن الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان؛ ولهذا قال النبي ﷺ: (العيافة والطيرة، والطرق من الجبت). رواه أبو داود.

وكذلك ما أخبر عن أهل الكتاب بقوله: { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عليه وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ } [386] أي: ومن عبد الطاغوت، فإن أهل الكتاب كان منهم من أشرك، وعبد الطواغيت.

فهنا ذكر عبادتهم للطاغوت، وفي البقرة ذكر اتباعهم للسحر، وذكر في النساء إيمانهم بهما جميعا بالجبت والطاغوت.

وأما التحاكم إلى غير كتاب الله، فقد قال: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إلىكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإلى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا } [387].

والطاغوت: فعلوت من الطغيان. كما أن الملكوت: فعلوت من الملك. والرحموت، والرهبوت، والرغبوت: فعلوت من الرحمة، والرهبة، والرغبة. والطغيان: مجاوزة الحد، وهو الظلم والبغي. فالمعبود من دون الله إذا لم يكن كارها لذلك: طاغوت؛ ولهذا سمي النبي ﷺ الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح لما قال: (ويتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت). والمطاع في معصية الله، والمطاع في اتباع غير الهدي ودين الحق سواء كان مقبولا خبره المخالف لكتاب الله، أو مطاعا أمره المخالف لأمر الله هو طاغوت؛ ولهذا سمي من تحوكم إليه، من حاكم بغير كتاب الله طاغوت، وسمي الله فرعون وعادا طغاة وقال في صيحة ثمود: { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ } [388].

فمن كان من هذه الأمة موإلىا للكفار من المشركين أو أهل الكتاب، ببعض أنواع الموالاة، ونحوها: مثل إتيانه أهل الباطل، واتباعهم في شيء من مقالهم، وفعالهم الباطل، كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك، وذلك مثل متابعتهم في آرائهم وأعمالهم، كنحو أقوال الصابئة وأفعالهم، من الفلاسفة ونحوهم، المخالفة للكتاب والسنة، ونحو أقوال إليهود، والنصاري، وأفعالهم المخالفة للكتاب والسنة، ونحو أقوال المجوس والمشركين وأفعالهم المخالفة للكتاب والسنة.

ومن تولي أمواتهم، أو أحياءهم، بالمحبة والتعظيم والموافقة، فهو منهم كالذين وافقوا أعداء إبراهيم الخليل: من الكِلدانيين وغيرهم من المشركين، عباد الكواكب أهل السحر، والذين وافقوا أعداء موسى، من فرعون وقومه بالسحر. أو ادعي أنه ليس ثم صانع غير الصنعة، ولا خالق غير المخلوق، ولا فوق السموات إله، كما يقوله الاتحادية، وغيرهم من الجهمية. والذين وافقوا الصابئة والفلاسفة فيما كانوا يقولونه في الخالق، ورسله: في أسمائه وصفاته، والمعاد، وغير ذلك.

ولا ريب أن هذه الطوائف، وإن كان كفرها ظاهرا، فإن كثيرا من الداخلين في الإسلام، حتى من المشهورين بالعلم، والعبادة، والإمارة، قد دخل في كثير من كفرهم، وعظمهم، ويري تحكيم ما قرروه من القواعد ونحو ذلك. وهؤلاء كثروا في المستأخرين، ولبسوا الحق الذي جاءت به الرسل بالباطل الذي كان عليه أعداؤهم.

والله تعالى يحب تمييز الخبيث من الطيب، والحق من الباطل، فيعرف أن هؤلاء الأصناف منافقون، أو فيهم نفاق، وإن كانوا مع المسلمين، فإن كون الرجل مسلما في الظاهر لا يمنع أن يكون منافقا في الباطن، فإن المنافقين كلهم مسلمون في الظاهر، والقرآن قد بين صفاتهم وأحكامهم. وإذا كانوا موجودين على عهد رسول الله ﷺ، وفي عزة الإسلام، مع ظهور أعلام النبوة، ونور الرسالة، فهم مع بعدهم عنهما أشد وجودا، لاسيما وسبب النفاق هو سبب الكفر، وهو المعارض لما جاءت به الرسل.

سئل عمن يجب أو يجوز بغضه أو هجره أو كلاهما لله تعالى[عدل]

وَسئل رَحمه الله عمن يجب أو يجوز بغضه أو هجره، أو كلاهما للّه تعالى؟ وماذا يشترط على الذي يبغضه أو يهجره للّه تعالى من الشروط؟ وهل يدخل ترك السلام في الهجران أم لا ؟ وإذا بدأ المهجور الهاجر بالسلام هل يجب الرد عليه أم لا ؟ وهل يستمر البغض والهجران للّه عز وجل حتى يتحقق زوال الصفة المذكورة التي أبغضه وهجره عليها أم يكون لذلك مدة معلومة؟ فإن كان لها مدة معلومة، فما حدها؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب:

الهجر الشرعي نوعان: أحدهما: بمعني الترك للمنكرات. والثاني: بمعني العقوبة عليها.

فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [389]. وقوله تعالى: { وَقَدْ نَزَّلَ عليكم فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ } [390].

فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة، مثل قوم يشربون الخمر، يجلس عندهم. وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك. بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم، أو حضر بغير اختياره؛ ولهذا يقال: حاضر المنكر كفاعله. وفي الحديث: (من كان يؤمن بالله وإلىوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر). وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات. كما قال ﷺ: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه).

ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى: { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } [391].

النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا، حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير، وإن كان منافقا. فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير.

والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات، وفعل المحرمات، كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع.

وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلي خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون. فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الداعية أظهر المنكرات، فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم، فإنه ليس شرا من المنافقين الذين كان النبي ﷺ يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، مع علمه بحال كثير منهم؛ ولهذا جاء في الحديث: (إن المعصية إذا خفيت، لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر، ضرت العامة). وذلك لأن النبي ﷺ قال: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).

فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها، بخلاف الباطنة فإن عقوبتها على صاحبها خاصة.

وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله. فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته، كان مشروعا. وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر، بل يكون التإلىف لبعض الناس أنفع من الهجر.

والهجر لبعض الناس أنفع من التإلىف؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوما ويهجر آخرين. كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرا من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادة مطاعون في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تإلىف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.

وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل؛ ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر في البصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه.

وإذا عرف هذا، فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله. فالطاعة لابد أن تكون خالصة لله، وأن تكون موافقة لأمره، فتكون خالصة لله صوابا، فمن هجر لهوي نفسه، أو هجر هجرًا غير مأمور به، كان خارجًا عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه، ظانة أنها تفعله طاعة لله.

والهجر لأجل حظ الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث، كما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ، أنه قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث؛ يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام). فلم يرخص في هذا الهجر أكثر من ثلاث، كما لم يرخص في إحداد غير الزوجة أكثر من ثلاث. وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا). فهذا الهجر لحق الإنسان حرام، وإنما رخص في بعضه، كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا نشزت. وكما رخص في هجر الثلاث.

فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله، وبين الهجر لحق نفسه. فالأول مأمور به. والثاني منهى عنه؛ لأن المؤمنين إخوة، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم)، وقال ﷺ في الحديث الذي في السنن: (ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟) قالوا: بلي يا رسول الله ! قال: (إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين). وقال في الحديث الصحيح: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذ اشتكي منه عضو، تداعي له سائر الجسد بالحمي والسهر).

وهذا لأن الهجر من باب العقوبات الشرعية. فهو من جنس الجهاد في سبيل الله. وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله للّه. والمؤمن عليه أن يعادي في الله، ويوإلى في الله، فإن كان هناك مؤمن، فعليه أن يوإليه وإن ظلمه، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الْأُخْرَي فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [392]، فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم.

فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدي علىك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إلىك. فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله للّه، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه.

وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطي من بيت المال ما يكفيه لحاجته.

هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط، وإلا مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضل رحمته، كما استفاضت بذلك السنة عن النبي ﷺ. والله سبحانه وتعالى أعلم، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فصل سئل أحمد هل تظهر العداوة لمن قال أن القرآن مخلوق[عدل]

وقال رحمه الله:

فصل في مسائل إسحاق بن منصور وذكره الخلال في كتاب السنة في باب مجانبة من قال: القرآن مخلوق عن إسحاق أنه قال لأبي عبد الله: من قال: القرآن مخلوق؟ قال: ألحق به كل بلية. قلت: فيظهر العداوة لهم أم يداريهم؟ قال: أهل خراسان لا يقوون بهم. وهذا الجواب منه مع قوله في القدرية: لو تركنا الرواية عن القدرية، لتركناها عن أكثر أهل البصرة، ومع ما كان يعاملهم به في المحنة: من الدفع بالتى هى أحسن، ومخاطبتهم بالحجج، يفسر ما في كلامه وأفعاله من هجرهم، والنهى عن مجالستهم ومكالمتهم، حتى هجر في زمن غير ما أعيان من الأكابر، وأمر بهجرهم لنوع ما من التجهم.

فإن الهجرة نوع من أنواع التعزير، والعقوبة نوع من أنواع الهجرة التى هى ترك السيئات، فإن النبي ﷺ قال: (المهاجر من هجر السيئات)، وقال: (من هجر ما نهى الله عنه)، فهذا هجرة التقوى. وفى هجرة التعزير والجهاد: هجرة الثلاثة الذين خلفوا، وأمر المسلمين بهجرهم حتى تيب عليهم.

فالهجرة تارة تكون من نوع التقوى، إذا كانت هجرا للسيئات، كما قال تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [393]، فبين سبحانه أن المتقين خلاف الظالمين، وأن المأمورين بهجران مجالس الخوض في آيات الله هم المتقون. وتارة تكون من نوع الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وإقامة الحدود وهو عقوبة من اعتدى وكان ظالما.

وعقوبة الظالم وتعزيره مشروط بالقدرة؛فلهذا اختلف حكم الشرع في نوعى الهجرتين: بين القادر والعاجز، وبين قلة نوع الظالم المبتدع وكثرته وقوته وضعفه، كما يختلف الحكم بذلك في سائر أنواع الظلم، من الكفر والفسوق والعصيان. فإن كل ما حرمه الله، فهو ظلم؛ إما في حق الله فقط، وإما في حق عباده، وإما فيهما. وما أمر به من هجر الترك والانتهاء وهجر العقوبة والتعزير، إنما هو إذا لم يكن فيه مصلحة دينية راجحة على فعله، وإلا فإذا كان في السيئة حسنة راجحة، لم تكن سيئة، وإذا كان في العقوبة مفسدة راجحة على الجريمة، لم تكن حسنة، بل تكون سيئة، وإن كانت مكافئة لم تكن حسنة ولا سيئة.

فالهجران قد يكون مقصوده ترك سيئة البدعة التى هى ظلم وذنب وإثم وفساد، وقد يكون مقصوده فعل حسنة الجهاد والنهى عن المنكر وعقوبة الظالمين لينزجروا ويرتدعوا، وليقوى الإيمان والعمل الصالح عند أهله. فإن عقوبة الظالم تمنع النفوس عن ظلمه، وتحضها على فعل ضد ظلمه: من الإيمان والسنة ونحو ذلك، فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد، بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة مأمورا بها، كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك: أنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية. فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم، سقط الأمر بفعل هذه الحسنة. وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوى. وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة، فلو ترك رواية الحديث عنهم، لاندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم. فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس؛ ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل.

وكثير من أجوبة الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، خرج على سؤال سائل قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابا لمعين قد علم حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول ﷺ إنما يثبت حكمها في نظيرها.

فإن أقواما جعلوا ذلك عاما، فاستعملوا من الهجر. والإنكار ما لم يؤمروا به، فلا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات، وفعلوا به محرمات. وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية، فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض، لا ترك المنتهى الكاره، أو وقعوا فيها، وقد يتركونها ترك المنتهى الكاره، ولا ينهون عنها غيرهم، ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهى عن المنكر ما أمروا به إيجابا أو استحبابا، فهم بين فعل المنكر أو ترك النهى عنه، وذلك فعل ما نهوا عنه وترك ما أمروا به، فهذا هذا. ودين الله وسط بين الغالى فيه، والجافى عنه. والله سبحانه أعلم.

سئل عن مسلم بدرت منه معصية في حال صباه توجب مهاجرته ومجانبته[عدل]

وَسُئِلَ شيخُ الإسلام عن مسلم بدرت منه معصية في حال صباه توجب مهاجرته ومجانبته. فقالت طائفة منهم: يستغفر الله، ويصفح عنه، ويتجاوز عن كل ما كان منه. وقالت طائفة أخرى: لا تجوز أخوته، ولا مصاحبته، فأى الطائفتين أحق بالحق؟

فأجاب:

لا ريب أن من تاب إلى الله توبة نصوحا، تاب الله عليه، كما قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } [394]، وقال تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [395] أى: لمن تاب.

وإذا كان كذلك، وتاب الرجل، فإن عمل عملا صالحا سنة من الزمان، ولم ينقض التوبة، فإنه يقبل منه ذلك، ويجالس ويكلم. وأما إذا تاب ولم تمض عليه سنة، فللعلماء فيه قولان مشهوران، منهم من يقول: في الحال يجالس، وتقبل شهادته. ومنهم من يقول: لابد من مضى سنة، كما فعل عمر بن الخطاب بصَبِيغ بن عسل. وهذه من مسائل الاجتهاد. فمن رأى أن تقبل توبة هذا التائب، ويجالس في الحال قبل اختباره، فقد أخذ بقول سائغ. ومن رأى أنه يؤخر مدة حتى يعمل صالحا، ويظهر صدق توبته، فقد أخذ بقول سائغ. وكلا القولين ليس من المنكرات.

نهى الله عن إشاعة الفاحشة[عدل]

وقال الشيخ:

نهى الله عن إشاعة الفاحشة بقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } [396]. وكذلك أمر بستر الفواحش، كما قال النبي ﷺ: (من ابتلى بشىء من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله، فإنه من يبدلنا صفحته، نقم عليه الكتاب). وقال: (كل أمتى معافى إلا المجاهرين والمجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله، فيصبح يتحدث به). فما دام الذنب مستورا، فمصيبته على صاحبه خاصة. فإذا أظهر ولم ينكر، كان ضرره عاما، فكيف إذا كان في ظهوره تحريك غيره إليه؛ ولهذا أنكر الإمام أحمد وغيره أشكال الشعر الغزلى الرقيق، لئلا تتحرك النفوس إلى الفواحش. فلهذا أمر من ابتلى بالعشق أن يعف ويكتم، فيكون حينئذ ممن قال الله فيه: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [397]. والله أعلم.

تارك الصلاة ونحوه من المظهرين لبدعة[عدل]

وقال رحمه الله:

وأما تارك الصلاة ونحوه، من المظهرين لبدعة أو فجور، فحكم المسلم يتنوع كما تنوع الحكم في حق رسول الله ﷺ في حق مكة وفى المدينة. فليس حكم القادر على تعزيرهم بالهجرة حكم العاجز، ولا هجرة من لا يحتاج إلى مجالستهم كهجرة المحتاج. والأصل أن هجرة الفجار نوعان: هجرة ترك، وهجرة تعزير. أما الأولى، فقد دل عليها قوله تعالى: { وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا } [398]، وقوله: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } [399].

ومن هذا الباب هجرة المسلم من دار الحرب.

فالمقصود بهذا أن يهجر المسلم السيئات، ويهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة. وأما هجر التعزير، فمثل هجر النبي ﷺ وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا. وهجر عمر والمسلمين لصَبِيغ، فهذا من نوع العقوبات. فإذا كان يحصل بهذا الهجر حصول معروف، أو اندفاع منكر، فهى مشروعة. وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب، فليست مشروعة. والله أعلم.

سئل عن شارب الخمر هل يسلم عليه[عدل]

وَسُئلَ عن شارب الخمر هل يسلم عليه ؟ وهل إذا سلم رد عليه ؟ وهل تشيع جنازته؟ وهل

يكفر إذا شك في تحريمها ؟

فأجاب:

الحمد للّه. من فعل شيئا من المنكرات، كالفواحش، والخمر، والعدوان، وغير ذلك، فإنه يجب الإنكار عليه بحسب القدرة، كما قال النبي ﷺ: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). فإن كان الرجل متسترا بذلك، وليس معلنا له، أنكر عليه سرا وستر عليه، كما قال النبي ﷺ: (من ستر عبدا ستره الله في الدنيا والآخرة). إلا أن يتعدى ضرره. والمتعدى لابد من كف عدوانه، وإذا نهاه المرء سرا فلم ينته، فعل ما يَنْكَفُّ به من هجر وغيره، إذا كان ذلك أنفع في الدين.

وأما إذا أظهر الرجل المنكرات، وجب الإنكار عليه علانية، ولم يبق له غيبة، ووجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره، فلا يسلم عليه، ولا يرد عليه السلام، إذا كان الفاعل لذلك متمكنا من ذلك من غير مفسدة راجحة.

وينبغى لأهل الخير والدين أن يهجروه ميتا، كما هجروه حيا، إذا كان في ذلك كف لأمثاله من المجرمين، فيتركون تشييع جنازته، كما ترك النبي ﷺ الصلاة على غير واحد من أهل الجرائم، وكما قيل لسَمُرة بن جندب: أن ابنك مات البارحة. فقال: لو مات لم أصل عليه، يعنى لأنه أعان على قتل نفسه، فيكون كقاتل نفسه. وقد ترك النبي ﷺ الصلاة على قاتل نفسه. وكذلك هجر الصحابة الثلاثة الذين ظهر ذنبهم في ترك الجهاد الواجب حتى تاب الله عليهم. فإذا أظهر التوبة، أظهر له الخير.

وأما من أنكر تحريم شىء من المحرمات المتواترة، كالخمر والميتة والفواحش، أو شك في تحريمه، فإنه يستتاب ويعرف التحريم. فإن تاب وإلا قتل. وكان مرتدًا عن دين الإسلام، ولم يصل عليه، ولم يدفن بين المسلمين.

سئل عن حديث لاغيبة لفاسق وما حد الفسق[عدل]

وَسُئلَ عن قوله ﷺ: (لاغيبة لفاسق)، وما حد الفسق؟ ورجل شاجر رجلين: أحدهما شارب خمر، أو جليس في الشرب، أو آكل حرام، أو حاضر الرقص، أو السماع للدف، أو الشبابة: فهل على من لم يسلم عليه إثم ؟

فأجاب:

أما الحديث فليس هو من كلام النبي ﷺ، ولكنه مأثور عن الحسن البصرى، أنه قال: أترغبون عن ذكر الفاجر؟ اذكروه بما فيه يحذره الناس. وفى حديث آخر: من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له. وهذان النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء.

أحدهما: أن يكون الرجل مظهرا للفجور، مثل: الظلم والفواحش والبدع المخالفة للسنة، فإذا أظهر المنكر، وجب الإنكار عليه بحسب القدرة، كما قال النبي ﷺ: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). رواه مسلم. وفى المسند والسنن عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قال: أيها الناس، إنكم تقرؤون القرآن وتقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [400] وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه). فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار، وأن يهجر ويذم على ذلك. فهذا معنى قولهم: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له. بخلاف من كان مستترا بذنبه مستخفيا، فإن هذا يستر عليه، لكن ينصح سرا، ويهجره من عرف حاله حتى يتوب، ويذكر أمره على وجه النصيحة.

النوع الثانى: أن يستشار الرجل في مناكحته ومعاملته أو استشهاده، ويعلم أنه لا يصلح لذلك، فينصحه مستشاره ببيان حاله، كما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قالت له فاطمة بنت قيس: قد خطبنى أبو جهم ومعاوية، فقال لها: (أما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له). فبين النبي ﷺ الخاطبين للمرأة. فهذا حجة لقول الحسن: أترغبون عن ذكر الفاجر ! اذكروه بما فيه يحذره الناس، فإن النصح في الدين أعظم من النصح في الدنيا، فإذا كان النبي ﷺ نصح المرأة في دنياها، فالنصيحة في الدين أعظم.

وإذا كان الرجل يترك الصلوات، ويرتكب المنكرات، وقد عاشره من يخاف أن يفسد دينه، بين أمره له لتتقى معاشرته. وإذا كان مبتدعا يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة، أو يسلك طريقا يخالف الكتاب والسنة، ويخاف أن يضل الرجل الناس بذلك، بين أمره للناس ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله. وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى لا لهوى الشخص مع الإنسان: مثل أن يكون بينهما عداوة دنيوية، أو تحاسد، أو تباغض، أو تنازع على الرئاسة، فيتكلم بمساوئه مظهرا للنصح، وقصده في الباطن الغض من الشخص واستيفاؤه منه، فهذا من عمل الشيطان و(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى)، بل يكون الناصح قصده أن الله يصلح ذلك الشخص، وأن يكفى المسلمين ضرره في دينهم ودنياهم، ويسلك في هذا المقصود أيسر الطرق التى تمكنه.

ولا يجوز لأحد أن يحضر مجالس المنكر باختياره لغير ضرورة، كما في الحديث أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر)، ورفع لعمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر فأمر بجلدهم، فقيل له: إن فيهم صائما. فقال: ابدؤوا به، أما سمعتم الله يقول: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ؟! [401] بين عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه أن الله جعل حاضر المنكر كفاعله؛ ولهذا قال العلماء: إذا دعى إلى وليمة فيها منكر كالخمر والزمر، لم يجز حضورها، وذلك أن الله تعالى قد أمرنا بإنكار المنكر بحسب الإمكان، فمن حضر باختياره، ولم ينكره، فقد عصى الله ورسوله بترك ما أمره به، من بغض إنكاره والنهى عنه. وإذا كان كذلك، فهذا الذى يحضر مجالس الخمر باختياره من غير ضرورة، ولا ينكر المنكر كما أمره الله، هو شريك الفساق في فسقهم فيلحق بهم.

سئل هل تجوز غيبة أناس معينين أو يعين شخص بعينه[عدل]

وَسئِلَ رَحِمَه الله عن الغيبة:

هل تجوز على أناس معينين أو يعين شخص بعينه ؟ وما حكم ذلك ؟ أفتونا بجواب بسيط؛ ليعلم ذلك الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ويستمد كل واحد بحسب قوته بالعلم والحكم.

فأجاب:

الحمد للّه رب العالمين. أصل الكلام في هذا أن يعلم أن الغيبة هى كما فسرها النبي ﷺ في الحديث الصحيح لما سئل عن الغيبة فقال: (هى ذكرك أخاك بما يكره) قيل: يا رسول الله، أرأيت إن كان في أخى ما أقول ؟ قال: (إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهته).

بين ﷺ الفرق بين الغيبة والبهتان، وأن الكذب عليه بهت له، كما قال سبحانه: { وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } [402]، وقال تعالى: { وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } [403]. وفى الحديث الصحيح: (إن اليهود قوم بهت).

فالكذب على الشخص حرام كله، سواء كان الرجل مسلما أو كافرا، برا أو فاجرا، لكن الافتراء على المؤمن أشد، بل الكذب كله حرام.

ولكن تباح عند الحاجة الشرعية المعاريض وقد تسمى كذبًا؛ لأن الكلام يعنى به المتكلم معنى، وذلك المعنى يريد أن يفهمه المخاطب، فإذا لم يكن على ما يعنيه فهو الكذب المحض، وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب، فهذه المعاريض، وهى كذب باعتبار الأفهام، وإن لم تكن كذبا باعتبار الغاية السائغة. ومنه قول النبي ﷺ: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله: قوله لسارة: أختى، وقوله { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } [404]، وقوله: { إِنِّي سَقِيمٌ } [405])، وهذه الثلاثة معاريض.

وبها احتج العلماء على جواز التعريض للمظلوم، وهو أن يعنى بكلامه ما يحتمله اللفظ وإن لم يفهمه المخاطب؛ ولهذا قال من قال من العلماء: إن ما رخص فيه رسول الله ﷺ إنما هو من هذا، كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس الكاذب بالذى يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمى خيرا). ولم يرخص فيما يقول الناس: إنه كذب، إلا في ثلاث: في الإصلاح بين الناس، وفى الحرب؛ وفى الرجل يحدث امرأته، قال: فهذا كله من المعاريض خاصة.

ولهذا نفى عنه النبي ﷺ اسم الكذب باعتبار القصد والغاية، كما ثبت عنه أنه قال: (الحرب خدعة)، وأنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها. ومن هذا الباب قول الصديق في سفر الهجرة عن النبي ﷺ: هذا الرجل يهدينى السبيل. وقول النبي ﷺ للكافر السائل له في غزوة بدر: (نحن من ماء)، وقوله للرجل الذى حلف على المسلم الذى أراد الكفار أسره: (إنه أخى)، وعنى أخوة الدين، وفهموا منه أخوة النسب، فقال النبي ﷺ: (إن كنت لأبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم).

والمقصود هنا أن النبي ﷺ فرق بين الاغتياب وبين البهتان، وأخبر أن المخبر بما يكره أخوه المؤمن عنه إذا كان صادقا فهو المغتاب، وفى قوله ﷺ: (ذكرك أخاك بما يكره) موافقة لقوله تعالى: { وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ } [406]. فجعل جهة التحريم كونه أخًا أخوة الإيمان؛ ولذلك تغلظت الغيبة بحسب حال المؤمن، فكلما كان أعظم إيمانا كان اغتيابه أشد.

ومن جنس الغيبة الهمز واللمز، فإن كلاهما فيه عيب الناس والطعن عليهم، كما في الغيبة، لكن الهمز هو الطعن بشدة وعنف، بخلاف اللمز فإنه قد يخلو من الشدة والعنف، كما قال تعالى: { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ } [407] أى: يعيبك ويطعن عليك. وقال تعالى: { وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ } [408] أى: لا يلمز بعضكم بعضًا، وقال: { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } [409]. وقال: { وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } [410].

إذا تبين هذا فنقول: ذكر الناس بما يكرهون هو في الأصل على وجهين: أحدهما: ذكر النوع. والثانى: ذكر الشخص المعين الحى أو الميت.

أما الأول فكل صنف ذمه الله ورسوله يجب ذمه، ولىس ذلك من الغيبة، كما أن كل صنف مدحه الله ورسوله يجب مدحه، وما لعنه الله ورسوله لعن، كما أن من صلى الله عليه وملائكته يصلى عليه. فالله تعالى ذم الكافر، والفاجر، والفاسق، والظالم، والغاوى، والضال، والحاسد، والبخيل، والساحر، وآكل الربا، وموكله، والسارق، والزانى، والمختال، والفخور، والمتكبر الجبار، وأمثال هؤلاء كما حمد المؤمن التقى، والصادق، والبار، والعادل، والمهتدى، والراشد، والكريم، والمتصدق، والرحيم، وأمثال هولاء. ولعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، والمحِلّل والمحلَّل له، ولعن من عمل عَمل قوم لوط. ولعن من أحدث حدثا أو آوى محدثا، ولعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها، ولعن اليهود والنصارى حيث حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها، ولعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات من بعد ما بينه للناس، وذكر لعنة الظالمين.

والله هو وملائكته يصلون على النبى، ويصلون على الذين آمنوا. والصابر المسترجع عليه صلاة من ربه ورحمة. والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير، ويستغفر له كل شىء حتى الحيتان والطير، وأمر الله نبيه أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات.

فإذا كان المقصود الأمر بالخير والترغيب فيه، والنهى عن الشر والتحذير منه، فلابد من ذكر ذلك، ولهذا كان النبي ﷺ إذا بلغه أن أحدا فعل ما ينهى عنه يقول: (ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فهو باطل وإن كان مائة شرط)، (ما بال رجال يتنزهون عن أشياء أترخص فيها؟ والله إنى لأتقاكم للّه وأعلمكم بحدوده)، (ما بال رجال يقول أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، ويقول الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، ويقول الآخر: لا أتزوج النساء، ويقول الآخر: لا آكل اللحم، لكنى أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتى فليس منى).

وليس لأحد أن يعلق الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة والصلاة واللعن بغير الأسماء التى علق الله بها ذلك: مثل أسماء القبائل، والمدائن، والمذاهب، والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ، ونحو ذلك مما يراد به التعريف، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [411]. وقال تعالى: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } [412]. وقال: { تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا } [413]. وقد قال ﷺ: (إن آل أبى فلان ليسوا لى بأولياء، إنما وليى الله وصالح المؤمنين). وقال: (ألا إن أوليائى المتقون حيث كانوا ومن كانوا). وقال: (إن الله أذهب عنكم عُبْيَة الجاهلية، وفخرها بالآباء. الناس رجلان: مؤمن تقى، وفاجر شقى. الناس من آدم وآدم من تراب). وقال: (إنه لا فضل لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى).

فذكر الأزمان والعدل بأسماء الإيثار والولاء والبلد والانتساب إلى عالم أو شيخ إنما يقصد بها التعريف به ليتميز عن غيره. فأما الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة، فإنما تكون بالأشياء التى أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أى صنف كان، ومن كان كافرا وجبت معاداته من أى صنف كان. قال تعالى: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [414]. وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } [415]. وقال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } [416]. وقال تعالى: { لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } [417]. وقال تعالى: { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } [418]. وقال تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } [419].

ومن كان فيه إيمان وفيه فجور، أعطى من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب

فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي، كما يقوله الخوارج والمعتزلة، ولا يُجْعَل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة، قال الله تعالى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الْأُخْرَي فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [420]، فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي، وقال تعالى: { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } [421]. وقد قال تعالى: { وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليوْمِ الْآخِرِ } [422]، فهذا الكلام في الأنواع.

وأما الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع.

منها: المظلوم له أن يذكر ظالمه بما فيه، إما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه، كما قالت هند: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. فقال لها النبي ﷺ: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). كما قال ﷺ: (لَي الواجد يحل عرضه وعقوبته). وقال وَكِيع: عرضه: شكايته، وعقوبته: حبسه، وقال تعالى: { لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِم } [423]. وقد روي: أنها نزلت في رجل نزل بقوم فلم يقروه. فإذا كان هذا فيمن ظلم بترك قراه الذي تنازع الناس في وجوبه، وإن كان الصحيح أنه واجب، فكيف بمن ظلم بمنع حقه الذي اتفق المسلمون على استحقاقه إياه ؟! أو يذكر ظالمه على وجه القصاص من غير عدوان، ولا دخول في كذب، ولا ظلم الغير، وترك ذلك أفضل.

ومنها: أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم كما في الحديث الصحيح عن فاطمة بنت قيس لما استشارت النبي ﷺ من تنكح؟ وقالت: إنه خطبني معاوية وأبو جهم فقال: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء) وروي: (لا يضع عصاه عن عاتقه)، فبين لها أن هذا فقير قد يعجز عن حقك، وهذا يؤذيك بالضرب. وكان هذا نصحا لها، وإن تضمن ذكر عيب الخاطب.

وفي معني هذا نصح الرجل فيمن يعامله، ومن يوكله ويوصي إليه، ومن يستشهده، بل ومن يتحاكم إليه. وأمثال ذلك. وإذا كان هذا في مصلحة خاصة، فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين: من الأمراء والحكام والشهود والعمال: أهل الديوان وغيرهم؟ فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم، كما قال النبي ﷺ: (الدين النصيحة، الدين النصيحة) قالوا: لمن يا رسول الله ؟ قال: (للّه ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).

وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل الشوري: أَمِّرْ فلانا وفلانا، فجعل يذكر في حق كل واحد من الستة وهم أفضل الأمة أمرا جعله مانعا له من تعيينه.

وإذا كان النصح واجبا في المصالح الدينية الخاصة والعامة: مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون، كما قال يحيي بن سعيد: سألت مالكا والثوري والليث بن سعد أظنه والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ، فقالوا: بين أمره. وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: إنه يثقل على أن أقول فلان كذا، وفلان كذا. فقال: إذا سكت أنت وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم ؟!

ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين. ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا، لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء.

وقد قال النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). وذلك أن الله يقول في كتابه: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } [424]. فأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنه أنزل الحديد، كما ذكره. فقوام الدين بالكتاب الهادي، والسيف الناصر { وَكَفَي بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا } [425].

والكتاب هو الأصل؛ ولهذا أول ما بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب، ومكث بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد.

وأعداء الدين نوعان: الكفار، والمنافقون. وقد أمر الله نبيه بجهاد الطائفتين في قوله: { جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عليهمْ } [426] في آيتين من القرآن.

فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعا تخالف الكتاب، ويلبسونها على الناس، ولم تبين للناس، فسد أمر الكتاب، وبدل الدين، كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله.

وإذا كان أقوام ليسوا منافقين، لكنهم سماعون للمنافقين، قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقا، وهو مخالف للكتاب، وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين، كما قال تعالى: { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالا ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ } [427]، فلابد أيضا من بيان حال هؤلاء، بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم، فإن فيهم إيمانا يوجب موالاتهم، وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين، فلابد من التحذير من تلك البدع، وإن اقتضي ذلك ذكرهم وتعيينهم، بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق، لكن قالوها ظانين أنها هدي، وأنها خير، وأنها دين، ولو لم تكن كذلك، لوجب بيان حالها.

ولهذا وجب بيان حال من يغلط في الحديث والرواية، ومن يغلط في الرأي والفتيا، ومن يغلط في الزهد والعبادة، وإن كان المخطئ المجتهد مغفورًا له خطؤه، وهو مأجور على اجتهاده، فبيان القول والعمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة واجب، وإن كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله. ومن علم منه الاجتهاد السائغ، فلا يجوز أن يذكر على وجه الذم والتأثيم له، فإن الله غفر له خطأه، بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوي موالاته ومحبته، والقيام بما أوجب الله من حقوقه: من ثناء ودعاء وغير ذلك، وإن علم منه النفاق، كما عرف نفاق جماعة على عهد رسول الله ﷺ: مثل عبد الله بن أبي وذويه، وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضة عبد الله بن سبأ وأمثاله مثل عبد القدوس بن الحجاج، ومحمد بن سعيد المصلوب فهذا يذكر بالنفاق. وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقًا أو مؤمنًا مخطئًا ذكر بما يعلم منه، فلا يحل للرجل أن يقفو ما ليس له به علم، ولا يحل له أن يتكلم في هذا الباب إلا قاصدًا بذلك وجه الله تعالى وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله. فمن تكلم في ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه، كان آثمًا.

وكذلك القاضي والشاهد والمفتي، كما قال النبي ﷺ: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة: رجل علم الحق وقضي به فهو في الجنة، ورجل قضي للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق فقضي بخلاف ذلك فهو في النار). وقد قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ على أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُ أَوْلَي بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَي أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [428]، واللَي: هو الكذب. والإعراض: كتمان الحق، ومثله ما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).

ثم القائل في ذلك بعلم لابد له من حسن النية، فلو تكلم بحق لقصد العلو في الأرض أو الفساد، كان بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء. وإن تكلم لأجل الله تعالى مخلصًا له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله، من ورثة الأنبياء، خلفاء الرسل. وليس هذا الباب مخالفًا لقوله: (الغيبة ذكرك أخاك بما يكره)، فإن الأخ هو المؤمن، والأخ المؤمن إن كان صادقًا في إيمانه لم يكره ما قلته من هذا الحق الذي يحبه الله ورسوله، وإن كان فيه شهادة عليه وعلى ذويه، بل عليه أن يقوم بالقسط، ويكون شاهدًا لله ولو على نفسه أو والديه أو أقربيه. ومتى كره هذا الحق، كان ناقصًا في إيمانه، ينقص من أخوته بقدر ما نقص من إيمانه، فلم يعتبر كراهته من الجهة التي نقص منها إيمانه؛ إذ كراهته لما لا يحبه الله ورسوله توجب تقديم محبة الله ورسوله، كما قال تعالى: { وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [429].

ثم قد يقال: هذا لم يدخل في حديث الغيبة لفظًا ومعني. وقد يقال: دخل في ذلك الذين خص منه، كما يخص العموم اللفظي والعموم المعنوي. وسواء زال الحكم لزوال سببه أو لوجود مانعه، فالحكم واحد. والنزاع في ذلك يؤول إلى اللفظ، إذ العلة قد يعني بها التامة، وقد يعني بها المقتضية. والله أعلم وأحكم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

سئل عمن يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء[عدل]

وقال رحمه الله تعالى:

فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض ما يقولون، لكن يري أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه، فيري موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم.

ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتي. تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحدًا إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله. ويقول: والله إنه مسكين، أو رجل جيد؛ ولكن فيه كيت وكيت. وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وإنما قصده استنقاصه وهضمًا لجنابه. ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك، كما يخادعون مخلوقًا، وقد رأينا منهم ألوانًا كثيرة من هذا وأشباهه.

ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه، فيقول: لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان، لما بلغني عنه كيت وكيت، ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده. أو يقول: فلان بليد الذهن قليل الفهم، وقصده مدح نفسه، وإثبات معرفته، وأنه أفضل منه.

ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة، والحسد. وإذا أثني على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح؛ ليسقط ذلك عنه.

ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب، ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به.

ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول: تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت؟! ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت؟ وكيف فعل كيت وكيت؟ فيخرج اسمه في معرض تعجبه.

ومنهم من يخرج الاغتنام، فيقول: مسكين فلان، غمني ما جري له وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به. وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه.

ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر. والله المستعان.

سئل عن رجل مقبول القول عند الحكام يكون مجمع الناس ويرى المنكر ولا يقدر على إزالته[عدل]

وسئل رحمه الله عن رجل مقبول القول عند الحكام يخرج للفرجة في الزهر في مواسم الفرج، حيث يكون مجمع الناس، ويرى المنكر ولا يقدر على إزالته، وتخرج امرأته أيضًا معه، هل يجوز ذلك؟ وهل يقدح في عدالته؟

فأجاب:

ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار، إلا لموجب شرعي: مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره، أو يكون مكرهًا. فأما حضوره لمجرد الفرجة، وإحضار امرأته تشاهد ذلك، فهذا مما يقدح في عدالته ومروءته إذا أصر عليه. والله أعلم.

سئل عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم[عدل]

وسئل رحمه الله عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر، وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله، هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟

فأجاب:

الحمد لله. دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها. وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة، سواء كانوا أهل ماردين، أو غيرهم. والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه، وجبت الهجرة عليه. وإلا استحبت ولم تجب.

ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك، بأي طريق أمكنهم، من تغيب، أو تعريض، أو مصانعة. فإذا لم يمكن إلا بالهجرة، تعينت.

ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم.

وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة: فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين. ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه.

رسالته إلى السلطان يأمره باقامة الصلاة والأمر بالمعروف[عدل]

وقال رحمه الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

من أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين، وولي أمر المؤمنين، نائب رسول الله ﷺ في أمته، بإقامة فرض الدين وسنته أيده الله تأييدًا يصلح به له وللمسلمين أمر الدنيا والآخرة، ويقيم به جميع الأمور الباطنة والظاهرة، حتى يدخل في قول الله تعالى: { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [430]. وفي قوله ﷺ: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل. . . ) إلى آخر الحديث. وفي قوله ﷺ: (من دعا إلى هدي، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء). وقد استجاب الله الدعاء في السلطان، فجعل فيه من الخير الذي شهدت به قلوب الأمة ما فضله به على غيره.

والله المسؤول أن يعينه، فإنه أفقر خلق الله إلى معونة الله وتأييده، قال تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَي لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } الآية [431].

وصلاح أمر السلطان بتجريد المتابعة لكتاب الله وسنة رسوله ونبيه، وحمل الناس على ذلك، فإنه سبحانه جعل صلاح أهل التمكين في أربعة أشياء: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر. فإذا أقام الصلاة في مواقيتها جماعة هو وحاشيته وأهل طاعته وأمر بذلك جميع الرعية، وعاقب من تهاون في ذلك العقوبة التي شرعها الله، فقد تم هذا الأصل، ثم إنه مضطر إلى الله تعالى فإذا ناجي ربه في السحر واستغاث به، وقال: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت. برحمتك أستغيث، أعطاه الله من التمكين ما لا يعلمه إلا الله، قال الله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } [432].

ثم كل نفع وخير يوصله إلى الخلق، هو من جنس الزكاة. فمن أعظم العبادات سد الفاقات، وقضاء الحاجات، ونصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف، وهو الأمر بما أمر الله به ورسوله، من العدل والإحسان، وأمر نوائب البلاد وولاة الأمور باتباع حكم الكتاب والسنة، واجتنابهم حرمات الله، والنهى عن المنكر، وهو النهى عما نهى الله عنه ورسوله.

وإذا تقدم السلطان أيده الله بذلك في عامة بلاد الإسلام، كان فيه من صلاح الدنيا والآخرة له وللمسلمين ما لا يعلمه إلا الله. والله يوفقه لما يحبه ويرضاه.

السياسة الشرعية[عدل]

وقال شيخ الإسلام رضي الله عنه وأرضاه:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسله بالبينات والهدي، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز، وختمهم بمحمد ﷺ، الذي أرسله بالهدي ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وأيده بالسلطان النصير، الجامع معني العلم والقلم للهداية والحجة، ومعني القدرة والسيف للنصرة والتعزير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة خالصة أخلص من الذهب الإبريز، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، شهادة يكون صاحبها في حرز حريز.

أما بعد، فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية والآيات النبوية، لا يستغني عنها الراعي والرعية، اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور، كما قال النبي ﷺ، فيما ثبت عنه من غير وجه في صحيح مسلم وغيره: (إن الله يرضي لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم).

وهذه الرسالة مبنية على آيتين في كتاب الله، وهي قوله تعالى: { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَإلىوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } [433]، قال العلماء: نزلت الآية الأولي في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلىن لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله. فإذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله ورسوله؛ لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله. قال تعالى: { وَتَعَاوَنُواْ على الْبرِّ وَالتَّقْوَي وَلاَ تَعَاوَنُواْ على الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [434].

وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة.

أداء الأمانات نوعان[عدل]

أما أداء الأمانات ففيه نوعان:

أحدهما: الولايات: وهو كان سبب نزول الآية.

فإن النبي ﷺ لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة، طلبها منه العباس؛ ليجمع له بين سقاية الحاج، وسدانة البيت، فأنزل الله هذه الآية، فدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة. فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل. قال النبي ﷺ: (من ولي من أمر المسلمين شيئًا، فولي رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله). وفي رواية: (من ولي رجلا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضي لله منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين) رواه الحاكم في صحيحه. وروي بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر، روي ذلك عنه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولي رجلا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين. وهذا واجب عليه.

فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان، والقضاة، ونحوهم، ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الصغار والكبار، وولاة الأموال من الوزراء، والكتاب، والشادين، والسعاة على الخراج والصدقات، وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين، والمقرئين، والمعلمين، وأمراء الحاج، والبرد، والعيون الذين هم القصاد، وخزان الأموال، وحراس الحصون، والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن، ونقباء العساكر الكبار والصغار، وعرفاء القبائل والأسواق، ورؤساء القري الذين هم الدهاقين.

فيجب على كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية، أو سبق في الطلب، بل يكون ذلك سببًا للمنع، فإن في الصحيح عن النبي ﷺ: أن قومًا دخلوا عليه فسألوه ولاية، فقال: (إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه). وقال لعبد الرحمن ابن سمرة: (يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة، أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة، وكلت إليها). أخرجاه في الصحيحين. وقال ﷺ: (من طلب القضاء واستعان عليه، وكل إليه، ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه، أنزل الله عليه ملكًا يسدده). رواه أهل السنن.

فإن عدل عن الأحق والأصلح إلى غيره؛ لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو مرافقة في بلد أو مذهب، أو طريقة، أو جنس: كالعربية، والفارسية، والتركية، والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [435].

فإن الرجل لحبه لولده، أو لعتيقه، قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته، وكذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه، بأخذ ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله ورسوله، وخان أمانته.

ثم إن المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه يثبته الله فيحفظه في أهله وماله بعده، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيذل أهله، ويذهب ماله. وفي ذلك الحكاية المشهورة: أن بعض خلفاء بني العباس، سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك، فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز، قيل له: يا أمير المؤمنين، أقفرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم وكان في مرض موته فقال: أدخلوهم على، فأدخلوهم، وهم بضعة عشر ذكرًا، ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال لهم: يا بني والله ما منعتكم حقًا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولي الصالحين، وإما غير صالح، فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني. قال: فلقد رأيت بعض بنيه، حمل على مائة فرس في سبيل الله، يعني أعطاها لمن يغزو عليها.

قلت: هذا وقد كان خليفة المسلمين، من أقصي المشرق بلاد الترك إلى أقصي المغرب بلاد الأندلس وغيرها ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها، إلى أقصي إلىمن. وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئًا يسيرًا، يقال: أقل من عشرين درهما. قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار، ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس أي: يسألهم بكفه وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان، والمسموعة عما قبله، ما فيه عبرة لكل ذي لب.

وقد دلت سنة رسول الله ﷺ على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع: مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة: (إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدي الذي عليه فيها). رواه مسلم. وروي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة). قيل: يا رسول الله، وما إضاعتها؟ قال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة). وقد أجمع المسلمون على معني هذا، فإن وصي التيم، وناظر الوقف، ووكيل الرجل في ماله، عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح، كما قال الله تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [436]. ولم يقل: إلا بالتي هي حسنة.

وذلك لأن الوإلى راع على الناس، بمنزلة راعي الغنم، كما قال النبي ﷺ: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها، والوالد راع في مال أبيه، وهو مسؤول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده، وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). أخرجاه في الصحيحين. وقال ﷺ: (ما من راع يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه رائحة الجنة). رواه مسلم.

ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول. فقال: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها، وفاك سيدها أجرك، وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها.

وهذا ظاهر في الاعتبار، فإن الخلق عباد الله، والولاة نواب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم، بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيهم معني الولاية والوكالة، ثم الولي والوكيل متى استناب في أموره رجلا، وترك من هو أصلح للتجارة أو العقار منه، وباع السلعة بثمن، وهو يجد من يشتريها بخير من ذلك الثمن، فقد خان صاحبه، لاسيما إن كان بين من حاباه وبينه مودة أو قرابة، فإن صاحبه يبغضه ويذمه، ويري أنه قد خانه وداهن قريبه أو صديقه.

فصل تقديم الأمثل فالأمثل إذا لم يوجد الأصلح[عدل]

إذا عرف هذا، فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخذه للولاية بحقها، فقد أدي الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين عند الله، وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره، إذا لم يمكن إلا ذلك، فإن الله يقول: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [437]، ويقول: { لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [438]، وقال في الجهاد في سبيل الله: { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ } [439]، وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عليكمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [440]، فمن أدي الواجب المقدور عليه فقد اهتدي، وقال النبي ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). أخرجاه في الصحيحين. لكن إن كان منه عجز بلا حاجة إليه، أو خيانة، عوقب على ذلك. وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة. كما قال تعالى: { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } [441]، وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام: { إنَّكّ بًيوًمّ لّدّينّا مّكٌينِ أّمٌينِ } [442]، وقال تعالى في صفة جبريل: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } [443].

والقوة في كل ولاية بحسبها؛ فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها؛ فإن الحرب خدعة، وإلى القدرة على أنواع القتال، من رمي وطعن وضرب، وركوب، وكر، وفر، ونحو ذلك؛ كما قال الله تعالى: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ } [444]. وقال النبي ﷺ: (ارموا واركبوا، وإن ترموا أحب إلى من أن تركبوا، ومن تعلم الرمي ثم نسيه، فليس منا)، وفي رواية: (فهي نعمة جحدها). رواه مسلم.

والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.

والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلا، وترك خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل من حكم على الناس، في قوله تعالى: { فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [445]؛ ولهذا قال النبي ﷺ: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة: فرجل علم الحق وقضي بخلافه، فهو في النار. ورجل قضي بين الناس على جهل، فهو في النار. ورجل علم الحق وقضي به، فهو في الجنة). رواه أهل السنن.

والقاضي اسم لكل من قضي بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفة، أو سلطانًا، أو نائبًا، أو وإلىا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع، أو نائبًا له، حتى يحكم بين الصبيان في الخطوط. إذا تخايروا. هكذا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ، وهو ظاهر.

فصل اجتماع القوة والأمانة قليل[عدل]

اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينًا، كما سئل الإمام أحمد، عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزي؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر. وقد قال النبي ﷺ: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر). وروي: (بأقوام لا خلاق لهم). وإن لم يكن فاجرًا، كان أولي بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده.

ولهذا كان النبي ﷺ يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، وقال: (إن خالدًا سيف سله الله على المشركين). مع أنه أحيانًا قد كان يعمل ما ينكره النبي ﷺ، حتى إنه مرة قام ثم رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد)، لما أرسله إلى بني جذيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة، حتى وداهم النبي ﷺ وضمن أموالهم، ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعل بنوع تأويل.

وكان أبو ذر رضي الله عنه أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا فقال له النبي ﷺ: (يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم). رواه مسلم. نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية؛ لأنه رآه ضعيفًا. مع أنه قد روي: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر).

وأمر النبي ﷺ مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل استعطافًا لأقاربه الذين بعثه إليهم على من هم أفضل منه. وأمر أسامة بن زيد؛ لأجل طلب ثأر أبيه. وكذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة راجحة، مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان.

وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ رضي الله عنه ما زال يستعمل خالدًا في حرب أهل الردة، وفي فتوح العراق والشام، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوي، فلم يعزله من أجلها، بل عاتبه عليها؛ لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه، لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين، ليعتدل الأمر.

ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤثر عزل خالد، واستنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لأن خالدًا كان شديدًا، كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان لينًا كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه؛ ليكون أمره معتدلا، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله ﷺ الذي هو معتدل، حتى قال النبي ﷺ: (أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة). وقال: (أنا الضحوك القتال). وأمته وسط قال الله تعالى فيهم: { أَشِدَّاء على الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } [446]، وقال تعالى: { أَذِلَّةٍ على الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ على الْكَافِرِينَ } [447].

ولهذا لما تولي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما صارا كاملين في الولاية، واعتدل منهما ما كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي ﷺ: من لين أحدهما وشدة الآخر، حتى قال فيهما النبي ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر). وظهر من أبي بكر من شجاعة القلب في قتال أهل الردة وغيرهم ما برز به على عمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

وإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد، قدم الأمين، مثل حفظ الأموال ونحوها، فأما استخراجها وحفظها، فلابد فيه من قوة وأمانة، فيولي عليها شاد قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته. وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشاورة أهل العلم والدين جمع بين المصلحتىن، وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد، فلابد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولي، إذا لم تقع الكفاية بواحد تام.

ويقدم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكفأ؛ فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قدم فيما قد يظهر حكمه، ويخاف فيه الهوي الأورع، وفيما يدق حكمه، ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. ففي الحديث عن النبي ﷺ، أنه قال: (إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات).

ويقدمان على الأكفأ، إن كان القاضي مؤيدا تأييدًا تامًا، من جهة وإلى الحرب، أو العامة.

ويقدم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي، أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع؛ فإن القاضي المطلق يحتاج أن يكون عالما عادلا قادرًا. بل وكذلك كل والٍ للمسلمين، فأي صفة من هذه الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه، والكفاءة: إما بقهر ورهبة، وإما بإحسان ورغبة، وفي الحقيقة فلابد منهما.

وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولي القضاء إلا عالم فاسق، أو جاهل دين، فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين. وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات، قدم العالم. وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين؛ فإن الأئمة متفقون على أنه لابد في المتولي، من أن يكون عدلا أهلا للشهادة، واختلفوا في اشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدًا، أو يجوز أن يكون مقلدًا، أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل، كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال، وبسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.

ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجود فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لابد لهم منه، من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه، وكما يجب الاستعداد للجهاد، بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها فإنه لا يجب تحصيلها؛ لأن الوجوب هنا لا يتم إلا بها.

فصل في معرفة الأصلح والطريق إلى معرفته[عدل]

وأهم ما في هذا الباب معرفة الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عرفت المقاصد والوسائل، تم الأمر. فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين، قدموا في ولايتهم من يعينهم على تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه، يؤثر تقديم من يقيم رئاسته، وقد كانت السنة أن الذي يصلى بالمسلمين الجمعة، والجماعة ويخطب بهم هم أمراء الحرب، الذين هم نواب ذي السلطان على الأجناد؛ ولهذا لما قدم النبي ﷺ أبا بكر في الصلاة، قدمه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها.

وكان النبي ﷺ إذا بعث أميرا على حرب، كان هو الذي يؤمره للصلاة بأصحابه، وكذلك إذا استعمل رجلا نائبا على مدينة، كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وعثمان ابن أبي العاص على الطائف، وعليا ومعاذًا وأبا موسى على إلىمن، وعمرو بن حزم على نجران، كان نائبه هو الذي يصلى بهم، ويقيم فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب، وكذلك خلفاؤه بعده، ومن بعدهم من الملوك الأمويين وبعض العباسيين؛ وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد؛ ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي ﷺ في الصلاة والجهاد، وكان إذا عاد مريضًا يقول: (اللهم اشف عبدك، يشهد لك صلاة، وينكأ لك عدوًا).

ولما بعث النبي ﷺ معاذًا إلى إلىمن قال: (يا معاذ إن أهم أمرك عندي الصلاة).

وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة؛ فمن حافظ عليها وحفظها، حفظ دينه. ومن ضيعها، كان لما سواها من عمله أشد إضاعة.

وذلك لأن النبي ﷺ قال: (الصلاة عماد الدين). فإذا أقام المتولي عماد الدين، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي التي تعين الناس على ما سواها من الطاعات، كما قال الله تعالى: { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ على الْخَاشِعِينَ } [448]، وقال سبحانه وتعالى: { يّا أّّيٍَهّا بَّذٌينّ آمّنٍوا \سًتّعٌينٍوا بًالصَّبًرٌ $ّالصَّلاةٌ إنَّ بلَّهّ مّعّ بصَّابٌرٌينّ } [449]، وقال لنبيه: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عليها لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَي } [450]، وقال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمتينُ } [451].

فالمقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم. وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين. فمن لم يعتد أصلح له دينه ودنياه؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: إنما بعثت عمإلى إليكم ليعلموكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم، ويقسموا بينكم فيأكم. فلما تغيرت الرعية من وجه، والرعاة من وجه، تناقضت الأمور. فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله، فقد روي: (يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة). وفي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ، أنه قال: (أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر). وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خإلىا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربي ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق). وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: (الساعي على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله)، وقد قال الله تعالى لما أمر بالجهاد: { وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه } [452] وقيل للنبي ﷺ: يا رسول الله، الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله). أخرجاه في الصحيحين.

فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله: اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه، وهكذا قال الله تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } [453]، فالمقصود من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله، وحقوق خلقه، ثم قال تعالى: { وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } [454]. فمن عدل عن الكتاب قوم بالحديد؛ ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نضرب بهذا يعني السيف من عدل عن هذا يعني المصحف فإذا كان هذا هو المقصود، فإنه يتوسل إليه بالأقرب فالأقرب، وينظر إلى الرجلين، أيهما كان أقرب إلى المقصود ولي، فإذا كانت الولاية مثلا إمامة صلاة فقط، قدم من قدمه النبي ﷺ، حيث قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنًا، ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يجلس في بيته على تكرمته إلا بإذنه). رواه مسلم. فإذا تكافأ رجلان، وخفي أصلحهما، أقرع بينهما، كما أقرع سعد بن أبي وقاص بين الناس يوم القادسية، لما تشاجروا على الأذان؛ متابعة لقوله ﷺ: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا). فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، وبفعله وهو ما يرجحه بالقرعة إذا خفي الأمر كان المتولي قد أدي الأمانات في الولايات إلى أهلها.

فصل القسم الثاني من الأمانات الأموال[عدل]

القسم الثاني من الأمانات: الأموال، كما قال تعالى في الديون: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ } [455].

ويدخل في هذا القسم: الأعيان، والديون الخاصة، والعامة: مثل رد الودائع، ومال الشريك، والموكل، والمضارب، ومال المولي من اليتيم، وأهل الوقف ونحو ذلك، وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات، وبدل القرض، وصدقات النساء، وأجور المنافع، ونحو ذلك. وقد قال الله تعالى: { إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصلىنَ الَّذِينَ هُمْ على صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَي وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } [456]. وقال تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَا إليكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا } [457] أي: لا تخاصم عنهم. وقال النبي ﷺ: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك). وقال النبي ﷺ: (المؤمن من أمنه المسلمون على دمائهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله). وهو حديث صحيح بعضه في الصحيحين، وبعضه في سنن الترمذي، وقال ﷺ: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله). رواه البخاري.

وإذا كان الله قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق، ففيه تنبيه على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم. وكذلك أداء العارية. وقد خطب النبي ﷺ في حجة الوداع، وقال في خطبته: (العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم، إن الله قد أعطي كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث).

وهذا القسم يتناول الولاة والرعية، فعلى كل منهما أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه، فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء، أن يؤتوا كل ذي حق حقه. وعلى جباة الأموال كأهل الديوان أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه؛ وكذلك على الرعية الذين تجب عليهم الحقوق، وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، فيكونون من جنس من قال الله تعالى فيه: { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إلى اللهِ رَاغِبُونَ } [458]، ثم بين سبحانه لمن تكون بقوله: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عليها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عليمٌ حَكِيمٌ } [459].

ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق، وإن كان ظالما، كما أمر النبي ﷺ، لما ذكر جور الولاة، فقال: (أدوا إليهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم). ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء ويكثرون). قالوا: فما تأمرنا؟ فقال: (أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم).

وفيهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها). قالوا: فما تأمرنا به يا رسول الله ؟ قال: (أدوا إليهم حقهم، واسألوا الله حقكم).

وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم، كما يقسم المالك ملكه، فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء، ليسوا ملاكا، كما قال رسول الله ﷺ: (إني والله لا أعطي أحدا، ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت). رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه. فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله، وكما يفعل ذلك الملوك الذين يعطون من أحبوا، ويمنعون من أبغضوا وإنما هو عبد الله، يقسم المال بأمره، فيضعه حيث أمره الله تعالى.

وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى. فقال له عمر: أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ كمثل قوم كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالا، وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم؟. وحمل مرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مال عظيم من الخمس، فقال: إن قوما أدوا الأمانة في هذا لأمناء. فقال له بعض الحاضرين: إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى فأدوا إليك الأمانة، ولو رتعت لرتعوا.

وينبغي أن يعرف أن أولي الأمر كالسوق، ما نفق فيه جلب إليه، هكذا قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فإن نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة، جلب إليه ذلك؛ وإن نفق فيه الكذب والفجور والجور والخيانة، جلب إليه ذلك. والذي على ولي الأمر، أن يأخذ المال من حله، ويضعه في حقه، ولا يمنعه من مستحقه، وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه إذا بلغه أن بعض نوابه ظلم، يقول: اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك، ولا يتركوا حقك.

فصل الأموال السلطانية ثلاثة[عدل]

الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفيء.

فأما الغنيمة، فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال، ذكرها الله في سورة الأنفال التي أنزلها في غزوة بدر، وسماها أنفالا؛ لأنها زيادة في أموال المسلمين، فقال: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ } إلى قوله: { وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَي واليتَامَي وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } الآية [460]. وقال: { فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [461].

وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة، فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة). وقال النبي ﷺ: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم). رواه أحمد في المسند عن ابن عمر، واستشهد به البخاري.

فالواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى وقسمة الباقي بين الغانمين. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الغنيمة لمن شهد الوقعة. وهم الذين شهدوها للقتال، قاتلوا أو لم يقاتلوا. ويجب قسمها بينهم بالعدل، فلا يحَابي أحد، لا لرياسته، ولا لنسبه، ولا لفضله، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يقسمونها. وفي صحيح البخاري: أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رأي له فضلا على من دونه، فقال النبي ﷺ: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟!). وفي مسند أحمد عن سعد بن أبي وقاص، قال: قلت: يا رسول الله، الرجل يكون حامية القوم، يكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: (ثكلتك أمك ابن أم سعد، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟!).

وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية، ودولة بني العباس، لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر، لكن يجوز للإمام أن ينفل من ظهر منه زيادة نكاية: كَسَرِية تسرت من الجيش، أو رجل صعد حصنا عإلىا ففتحه، أو حمل على مقدم العدو فقتله، فهزم العدو ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ وخلفاءه كانوا ينفلون لذلك.

وكان ينفل السرية في البداية الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس. وهذا النفل، قال العلماء: إنه يكون من الخمس. وقال بعضهم: إنه يكون من خمس الخمس؛ لئلا يفضل بعض الغانمين على بعض. والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس، وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية، لا لهوي النفس، كما فعل رسول الله ﷺ غير مرة. وهذا قول فقهاء الشام، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وعلى هذا فقد قيل: إنه ينفل الربع والثلث بشرط وغير شرط، وينفل الزيادة على ذلك بالشرط، مثل أن يقول: من دلني على قلعة، فله كذا، أو من جاءني برأس، فله كذا ونحو ذلك. وقيل: لا ينفل زيادة على الثلث، ولا ينفله إلا بالشرط. وهذان قولان لأحمد وغيره. وكذلك على القول الصحيح للإمام أن يقول: من أخذ شيئا، فهو له، كما روي أن النبي ﷺ كان قد قال ذلك في غزوة بدر، إذا رأي ذلك مصلحة راجحة على المفسدة.

وإذا كان الإمام يجمع الغنائم ويقسمها، لم يجز لأحد أن يغل منها شيئا. { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [462]، فإن الغلول خيانة، ولا تجوز النهبة، فإن النبي ﷺ نهى عنها. فإذا ترك الإمام الجمع والقسمة، وأذن في الأخذ إذنًا جائزًا، فمن أخذ شيئًا بلا عدوان، حل له بعد تخميسه، وكل ما دل على الإذن، فهو إذن. وأما إذا لم يأذن أو أذن إذنًا غير جائز، جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة، متحريا للعدل في ذلك.

ومن حرم على المسلمين جمع الغنائم والحال هذه وأباح للإمام أن يفعل فيها ما يشاء، فقد تقابل القولان تقابل الطرفين، ودين الله وسط. والعدل في القسمة: أن يقسم للراجل سهم، وللفارس ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه، هكذا قسم النبي ﷺ عام خيبر. ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان. والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤونة نفسه وسائسه، ومنفعة الفارس به أكثر من منفعة راجلين. ومنهم من يقول: يسوي بين الفرس العربي والهجين في هذا. ومنهم من يقول: بل الهجين يسهم له سهم واحد، كما روي عن النبي ﷺ وأصحابه. والفرس الهجين: الذي تكون أمه نبطية ويسمي البرذون وبعضهم يسميه التتري، سواء كان حصانًا، أو خصيا، ويسمي الأكديش أو رمكة، وهي الحجر، كان السلف يعدون للقتال الحصان؛ لقوته وحدته، وللإغارة والبيات الحجر؛ لأنه ليس لها صهيل ينذر العدو فيحترزون، وللسير الخصي؛ لأنه أصبر على السير.

وإذا كان المغنوم مالا قد كان للمسلمين قبل ذلك من عقار أو منقول، وعرف صاحبه قبل القسمة فإنه يرد إليه بإجماع المسلمين. وتفاريع المغانم وأحكامها فيها آثار وأقوال اتفق المسلمون على بعضها، وتنازعوا في بعض ذلك، وليس هذا موضعها، وإنما الغرض ذكر الجمل الجامعة.

فصل في الصدقات وأهلها[عدل]

وأما الصدقات، فهي لمن سمي الله تعالى في كتابه، فقد روي عن النبي ﷺ: أن رجلا سأله من الصدقة، فقال: (إن الله لم يرض في الصدقة بقسم نبي ولا غيره، ولكن جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك).

فالفقراء والمساكين: يجمعهما معني الحاجة إلى الكفاية، فلا تحل الصدقة لغني، ولا لقوي مكتسب. والعاملين عليها هم الذين يجبونها، ويحفظونها، ويكتبونها، ونحو ذلك. والمؤلفة قلوبهم فنذكرهم إن شاء الله تعالى في مال الفيء. وفي الرقاب، يدخل فيه إعانة المكاتبين، وافتداء الأسري، وعتق الرقاب. هذا أقوي الأقوال فيها. والغارمين، هم الذين عليهم ديون لا يجدون وفاءها. فيعطون وفاء ديونهم، ولو كان كثيرًا، إلا أن يكونوا غرموه في معصية الله تعالى فلا يعطون حتى يتوبوا. وفي سبيل الله وهم الغزاة، الذين لا يعطون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم، فيعطون ما يغزون به، أو تمام ما يغزون به، من خيل وسلاح ونفقة وأجرة، والحج من سبيل الله، كما قال النبي ﷺ. وابن السبيل هو المجتاز من بلد إلى بلد.

فصل في الفيء ومصرفه[عدل]

وأما الفيء، فأصله ما ذكره الله تعالى في سورة الحشر، التي أنزلها الله في غزوة بني النضير، بعد بدر، من قوله تعالى: { وَمَا أَفَاء اللَّهُ على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عليه مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاء وَاللَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَّا أَفَاء اللَّهُ على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَي فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَي وَإلىتَامَي وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إليهمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [463].

فذكر سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم على ما وصف، فدخل في الصنف الثالث كل من جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة، كما دخلوا في قوله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } [464]، وفي قوله: { وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } [465]، وفي قوله: { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [466].

ومعني قوله: { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عليه مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } أي: ما حركتم ولا سقتم خيلا ولا إبلا؛ ولهذا قال الفقهاء: إن الفيء هو ما أخذ من الكفار بغير قتال؛ لأن إيجاف الخيل والركاب هو معني القتال. وسمي فيئًا؛ لأن الله أفاءه على المسلمين، أي: رده عليهم من الكفار، فإن الأصل أن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته؛ لأنه إنما خلق الخلق لعبادته. فالكافرون به أباح أنفسهم التي لم يعبدوه بها، وأموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته، لعباده المؤمنين الذين يعبدونه، وأفاء إليهم ما يستحقونه، كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه، وإن لم يكن قبضه قبل ذلك، وهذا مثل الجزية التي على إليهود والنصاري، والمال الذي يصالح عليه العدو، أو يهدونه إلى سلطان المسلمين، كالحمل الذي يحمل من بلاد النصاري ونحوهم، وما يؤخذ من تجار أهل الحرب، وهو العشر، ومن تجار أهل الذمة إذا اتجروا في غير بلادهم، وهو نصف العشر. هكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ. وما يؤخذ من أموال من ينقض العهد منهم، والخراج الذي كان مضروبًا في الأصل عليهم، وإن كان قد صار بعضه على بعض المسلمين.

ثم إنه يجتمع من الفيء جميع الأموال السلطانية لبيت مال المسلمين: كالأموال التي ليس لها مالك معين، مثل من مات من المسلمين وليس له وارث معين، وكالغصوب، والعواري، والودائع التي تعذر معرفة أصحابها، وغير ذلك من أموال المسلمين، العقار والمنقول. فهذا ونحوه مال المسلمين، وإنما ذكر الله تعالى في القرآن الفيء فقط؛ لأن النبي ﷺ ما كان يموت على عهده ميت، إلا وله وارث معين لظهور الأنساب في أصحابه، وقد مات مرة رجل من قبيلة فدفع ميراثه إلى أكبر رجل من تلك القبيلة، أي: أقربهم نسبًا إلى جدهم، وقد قال بذلك طائفة من العلماء، كأحمد في قول منصوص وغيره. ومات رجل لم يخلف إلا عتيقًا له، فدفع ميراثه إلى عتيقه، وقال بذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. ودفع ميراث رجل إلى رجل من أهل قريته، وكان ﷺ هو وخلفاؤه يتوسعون في دفع ميراث الميت إلى من بينه وبينه نسب، كما ذكرناه.

ولم يكن يأخذ من المسلمين إلا الصدفات، وكان يأمرهم أن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، كما أمر الله به في كتابه.

ولم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة ديوان جامع على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه بل كان يقسم المال شيئًا فشيئًا، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثر المال، واتسعت البلاد، وكثر الناس، فجعل ديوان العطاء للمقاتلة وغيرهم وديوان الجيش في هذا الزمان مشتمل على أكثره، وذلك الديوان هو أهم دواوين المسلمين. وكان للأمصار دواوين الخراج والفيء وما يقبض من الأموال، كان النبي ﷺ وخلفاؤه يحاسبون العمال على الصدقات، والفيء، وغير ذلك.

فصارت الأموال في هذا الزمان وما قبله ثلاثة أنواع: نوع يستحق الإمام قبضه بالكتاب والسنة والإجماع كما ذكرناه. ونوع يحرم أخذه بالإجماع، كالجبايات التي تؤخذ من أهل القرية لبيت المال؛ لأجل قتيل قتل بينهم، وإن كان له وارث، أو على حد ارتكبه، وتسقط عنه العقوبة بذلك، وكالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقًا. ونوع فيه اجتهاد وتنازع كمال من له ذو رحم، وليس بذي فرض ولا عصبة، ونحو ذلك.

وكثيرًا ما يقع الظلم من الولاة والرعية، هؤلاء يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب، كما قد يتظالم الجند والفلاحون، وكما قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب، ويكنز الولاة من مال الله ما لا يحل كنزه. وكذلك العقوبات على أداء الأموال؛ فإنه قد يترك منها ما يباح أو يجب، وقد يفعل ما لا يحل.

والأصل في ذلك: أن كل من عليه مال، يجب أداؤه، كرجل عنده وديعة، أو مضاربة، أو شركة، أو مال لموكله، أو مال يتيم، أو مال وقف، أو مال لبيت المال، أو عنده دين وهو قادر على أدائه، فإنه اذا امتنع من أداء الحق الواجب، من عين، أو دين، وعرف أنه قادر على أدائه، فإنه يستحق العقوبة، حتى يظهر المال، أو يدل على موضعه. فإذا عرف المال، وصبر على الحبس، فإنه يستوفي الحق من المال، ولا حاجة إلى ضربه. وإن امتنع من الدلالة على ماله ومن الإيفاء، ضرب حتى يؤدي الحق أو يمكن من أدائه. وكذلك لو امتنع من أداء النفقة الواجبة عليه مع القدرة عليها، لما روي عمرو بن الشَرِيد عن أبيه، عن النبي ﷺ، أنه قال: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته). رواه أهل السنن. وقال ﷺ: (مطل الغني ظلم). أخرجاه في الصحيحين، واللي هو المطل: والظالم يستحق العقوبة والتعزير.

وهذا أصل متفق عليه إن كل من فعل محرمًا، أو ترك واجبًا، استحق العقوبة؛ فإن لم تكن مقدرة بالشرع، كان تعزيرًا يجتهد فيه ولي الأمر، فيعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر، عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم رضي الله عنهم ولا أعلم فيه خلافًا.

وقد روي البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ لما صالح أهل خيبر على الصفراء والبيضاء والسلاح، سأل بعض إليهود وهو سعية عم حيي بن أخطب عن كنز مال حيي بن أخطب. فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: العهد قريب، والمال أكثر من ذلك، فدفع النبي ﷺ سعية إلى الزبير، فمسه بعذاب، فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا، فوجدوا المسك في الخربة، وهذا الرجل كان ذميا، والذمي لا تحل عقوبته إلا بحق. وكذلك كل من كتم ما يجب إظهاره من دلالة واجبة ونحو ذلك، يعاقب على ترك الواجب.

وما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: هدايا العمال غلول. وروي إبراهيم الحربي في كتاب الهدايا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: ( هدايا الأمراء غلول ). وفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي ﷺ رجلا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم، وهذا أهدي إلى. فقال النبي ﷺ: (ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلى؟ فهلا جلس في بيت أبيه، أو بيت أمه، فينظر أيهدي إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئًا، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: (اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟) ثلاثًا.

وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة، والمؤاجرة والمضاربة، والمساقاة والمزارعة، ونحو ذلك هو من نوع الهدية؛ ولهذا شاطر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عماله من كان له فضل ودين، لا يتهم بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إمام عدل، يقسم بالسوية.

فلما تغير الإمام والرعية، كان الواجب على كل إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه، ويترك ما حرم عليه، ولا يحرم عليه ما أباح الله له.

وقد يبتلي الناس من الولاة بمن يمتنع من الهدية ونحوها؛ ليتمكن بذلك من استيفاء المظالم منهم، ويترك ما أوجبه الله من قضاء حوائجهم، فيكون من أخذ منهم عوضا على كف ظلم وقضاء حاجة مباحة أحب إليهم من هذا، فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره، وأخسر الناس صفقة من باع آخرته بدنيا غيره. وإنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها: من تبليغ ذي السلطان حاجاتهم، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم، وصرفه عن مفاسدهم، بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة، كما يفعل ذوو الأغراض من الكتاب ونحوهم في أغراضهم.

ففي حديث هند بن أبي هالة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، أنه كان يقول: (أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام). وقد روي الإمام أحمد، وأبو داود في سننه، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من شفع لأخيه شفاعة، فأهدي له عليها هدية فقبلها، فقد أتي بابًا عظيما من أبواب الربا). وروي إبراهيم الحربي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: السحت أن يطلب الحاجة للرجل، فتقضي له، فيهدي إليه هدية، فيقبلها. وروي أيضا عن مسروق: أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها، فأهدي له صاحبها وصيفا، فرده عليه، وقال: سمعت ابن مسعود يقول: من رد عن مسلم مظلمة، فرزأه عليها قليلا أو كثيرا، فهو سحت. فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ما كنا نري السحت إلا الرشوة في الحكم، قال: ذاك كفر.

فأما إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو وذووه، فلا ينبغي إعانة واحد منهما، إذ كل منهما ظالم، كلص سرق من لص، وكالطائفتين المقتتلتين على عصبية ورئاسة، ولا يحل للرجل أن يكون عونا على ظلم، فإن التعاون نوعان:

الأول: تعاون على البر والتقوي: من الجهاد، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين، فهذا مما أمر الله به ورسوله. ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة، فقد ترك فرضا على الأعيان، أو على الكفاية، متوهما أنه متورع. وما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع؛ إذ كل منهما كف وإمساك.

والثاني: تعاون على الإثم والعدوان، كالإعانة على دم معصوم، أو أخذ مال معصوم، أو ضرب من لا يستحق الضرب، ونحو ذلك، فهذا الذي حرمه الله ورسوله.

نعم، إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق، وقد تعذر ردها إلى أصحابها، ككثير من الأموال السلطانية، فالإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين كسداد الثغور، ونفقة المقاتلة، ونحو ذلك من الإعانة على البر والتقوي؛ إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم، ولا على ورثتهم أن يصرفها مع التوبة، إن كان هو الظالم إلى مصالح المسلمين. هذا هو قول جمهور العلماء، كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وهو منقول عن غير واحد من الصحابة، وعلى ذلك دلت الأدلة الشرعية، كما هو منصوص في موضع آخر.

وإن كان غيره قد أخذها، فعليه هو أن يفعل بها ذلك، وكذلك لو امتنع السلطان من ردها، كانت الإعانة على إنفاقها في مصالح أصحابها أولي من تركها بيد من يضيعها على أصحابها، وعلى المسلمين.

فإن مدار الشريعة على قوله تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [467] المفسر لقوله: { اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [468]، وعلى قول النبي ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم). أخرجاه في الصحيحين. وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. فإذا تعارضت، كان تحصيل أعظم المصلحتىن بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع.

والمعين على الإثم والعدوان من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه، أو على أداء المظلمة، فهو وكيل المظلوم، لا وكيل الظالم، بمنزلة الذي يقرضه، أو الذي يتوكل في حمل المال له إلى الظالم. مثال ذلك ولي اليتيم والوقف، إذا طلب ظالم منه مالا، فاجتهد في دفع ذلك بمال أقل منه إليه، أو إلى غيره بعد الاجتهاد التام في الدفع فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل.

وكذلك وكيل المالك من المنادين والكتاب وغيرهم، الذي يتوكل لهم في العقد والقبض، ودفع ما يطلب منهم، لا يتوكل للظالمين في الأخذ.

وكذلك لو وضعت مظلمة على أهل قرية أو درب أو سوق أو مدينة، فتوسط رجل منهم محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان وقسطها بينهم على قدر طاقتهم، من غير محاباة لنفسه ولا لغيره، ولا ارتشاء، بل توكل لهم في الدفع عنهم، والإعطاء، كان محسنا، لكن الغالب أن من يدخل في ذلك يكون وكيل الظالمين محابيا مرتشيا مخفرا لمن يريد، وآخذا ممن يريد. وهذا من أكبر الظلمة، الذين يحشرون في توابيت من نار، هم وأعوانهم وأشباههم، ثم يقذفون في النار.

فصل في مصاريف بيت المال[عدل]

وأما المصارف، فالواجب أن يبدأ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين العامة، كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة.

فمنهم المقاتلة، الذين هم أهل النصرة والجهاد، وهم أحق الناس بالفيء، فإنه لا يحصل إلا بهم؛ حتى اختلف الفقهاء في مال الفيء: هل هو مختص بهم، أو مشترك في جميع المصالح؟ وأما سائر الأموال السلطانية، فلجميع المصالح وفاقا، إلا ما خص به نوع، كالصدقات والمغنم.

ومن المستحقين ذوو الولايات عليهم: كالولاة، والقضاة، والعلماء، والسعاة على المال: جمعا، وحفظا، وقسمة، ونحو ذلك، حتى أئمة الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك.

وكذا صرفه في الأثمان والأجور، لما يعم نفعه: من سداد الثغور بالكراع، والسلاح، وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس: كالجسور والقناطر، وطرقات المياه كالأنهار.

ومن المستحقين: ذوو الحاجات، فإن الفقهاء قد اختلفوا: هل يقدمون في غير الصدقات، من الفيء ونحوه على غيرهم؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، منهم من قال: يقدمون، ومنهم من قال: المال استحق بالإسلام، فيشتركون فيه، كما يشترك الورثة في الميراث. والصحيح أنهم يقدمون، فإن النبي ﷺ كان يقدم ذوي الحاجات، كما قدمهم في مال بني النضير، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليس أحد أحق بهذا المال من أحد، إنما هو الرجل وسابقته، والرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته. فجعلهم عمر رضي الله عنه أربعة أقسام:

الأول: ذوو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال.

الثاني: من يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم، كولاة الأمور والعلماء الذين يجتلبون لهم منافع الدين والدنيا.

الثالث: من يبلي بلاء حسنا في دفع الضرر عنهم، كالمجاهدين في سبيل الله من الأجناد والعيون من القصاد والناصحين ونحوهم.

الرابع: ذوو الحاجات.

وإذا حصل من هؤلاء متبرع، فقد أغني الله به، وإلا أعطي ما يكفيه، أو قدر عمله. وإذا عرفت أن العطاء يكون بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في مال المصالح وفي الصدقات أيضا فما زاد على ذلك لا يستحقه الرجل، إلا كما يستحقه نظراؤه مثل أن يكون شريكا في غنيمة أو ميراث.

ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدا ما لا يستحقه لهوي نفسه: من قرابة بينهما، أو مودة، ونحو ذلك، فضلا عن أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه، كعطية المخنثين من الصبيان المردان: الأحرار والممإليك ونحوهم، والبغايا والمغنين، والمساخر، ونحو ذلك، أو إعطاء العرافين من الكهان والمنجمين ونحوهم.

لكن يجوز بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه، وإن كان هو لا يحل له أخذ ذلك، كما أباح الله تعالى في القرآن العطاء للمؤلفة قلوبهم من الصدقات، وكما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم من الفيء ونحوه، وهم السادة المطاعون في عشائرهم، كما كان النبي ﷺ يعطي الأقْرَع بن حابس سيد بني تميم، وعُيَينْة ابن حصن سيد بني فَزَارة، وزيد الخير الطائي سيد بني نبهان، وعلقمة بن عُلاثة العامري سيد بني كلاب، ومثل سادات قريش من الطلقاء: كصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأبى سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعدد كثير.

ففى الصحيحين عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: بعث على وهو باليمن بذهيبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلى، وعُيَيْنَة بن حصن الفزارى، وعلقمة بن عُلاثة العامرى، سيد بنى كلاب، وزيد الخير الطائى، سيد بنى نبهان، قال: فغضبت قريش والأنصار، فقالوا: يعطى صناديد نجد ويدعنا! فقال رسول الله ﷺ: (إنى إنما فعلت ذلك لتأليفهم)، فجاء رجل كث اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد. فقال رسول الله ﷺ: (فمن يتق الله إن عصيته؟ أيأمننى على أهل الأرض ولا تأمنونى؟!)، قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله، ويرون أنه خالد بن الوليد، فقال رسول الله ﷺ: (إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).

وعن رافع بن خُدَيْج رضى الله عنه قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:

قال: فأتم له رسول الله ﷺ مائة. رواه مسلم. والعبيد اسم فرس له.

والمؤلفة قلوبهم نوعان: كافر ومسلم؛ فالكافر إما أن يرجى بعطيته منفعة: كإسلامه؛ أو دفع مضرته، إذا لم يندفع إلا بذلك. والمسلم المطاع يرجى بعطيته المنفعة أيضا كحسن إسلامه. أو إسلام نظيره، أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا لخوف، أو النكاية في العدو، أو كف ضرره عن المسلمين، إذا لم ينكف إلا بذلك.

وهذا النوع من العطاء، وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء، كما يفعل الملوك، فالأعمال بالنيات؛ فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله، كان من جنس عطاء النبي ﷺ وخلفائه، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد، كان من جنس عطاء فرعون؛ وإنما ينكره ذوو الدين الفاسد كذى الخويصرة الذى أنكره على النبي ﷺ، حتى قال فيه ما قال، وكذلك حزبه الخوارج أنكروا على أمير المؤمنين على رضى الله عنه ما قصد به المصلحة من التحكيم، ومحو اسمه، وما تركه من سبى نساء المسلمين وصبيانهم.

وهؤلاء أمر النبي ﷺ بقتالهم؛ لأن معهم دينا فاسدا لا يصلح به دنيا ولا آخرة، وكثيرا ما يشتبه الورع الفاسد بالجبن والبخل؛ فإن كلاهما فيه ترك، فيشتبه ترك الفساد؛ لخشية الله تعالى بترك ما يؤمر به من الجهاد والنفقة: جبنا وبخلا. وقد قال النبي ﷺ: (شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع). قال الترمذى: حديث صحيح.

وكذلك قد يترك الإنسان العمل ظنا، أو إظهارا أنه ورع، وإنما هو كبر وإرادة للعلو، وقول النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات)، كلمة جامعة كاملة، فإن النية للعمل، كالروح للجسد، وإلا فكل واحد من الساجد للّه، والساجد للشمس والقمر، قد وضع جبهته على الأرض، فصورتهما واحدة، ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى، وهذا أبعد الخلق عن الله. وقد قال الله تعالى: { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } [469]. وفى الأثر: أفضل الإيمان السماحة والصبر. فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود، الذى هو العطاء، والنجدة، التى هى الشجاعة، بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك.

ولهذا كان من لا يقوم بهما سلبه الأمر، ونقله إلى غيره، كما قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [470]، وقال تعالى: { هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } [471]. وقد قال الله تعالى: { لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [472]. فعلق الأمر بالإنفاق الذى هو السخاء، والقتال الذى هو الشجاعة. وكذلك قال الله تعالى في غير موضع: { وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [473].

وبين أن البخل من الكبائر في قوله تعالى: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [474]. وفى قوله: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } الآية [475]، وكذلك الجبن في مثل قوله تعالى: { وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [476]، وفى قوله تعالى: { وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } [477]. وهو كثير في الكتاب والسنة، وهو مما اتفق عليه أهل الأرض، حتى إنهم يقولون في الأمثال العامية: (لا طعنة ولا جفنة)، ويقولون: (لا فارس الخيل، ولا وجه العرب).

ولكن افترق الناس هنا ثلاث فرق: فريق غلب عليهم حب العلو في الأرض والفساد، فلم ينظروا في عاقبة المعاد، ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء، وقد لا يتأتى العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلها، فصاروا نهابين وهابين. وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل ويطعم، فإنه اذا تولى العفيف الذى لا يأكل ولا يطعم سخط عليه الرؤساء وعزلوه، إن لم يضروه في نفسه وماله. وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم، وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم، فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة، إن لم يحصل لهم ما يصلح عاقبتهم من توبة ونحوها.

وفريق عندهم خوف من الله تعالى ودين يمنعهم عما يعتقدونه قبيحا من ظلم الخلق، وفعل المحارم. فهذا حسن واجب؛ ولكن قد يعتقدون مع ذلك أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام، فيمتنعون عنها مطلقا، وربما لأن في نفوسهم جبن أو بخل، أو ضيق خلق ينضم إلى ما معهم من الدين، فيقعون أحيانا في ترك واجب، يكون تركه أضر عليهم من بعض المحرمات، أو يقعون في النهى عن واجب، يكون النهى عنه من الصد عن سبيل الله. وقد يكونون متأولين. وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ولا يتم إلا بالقتال، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج، وهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين الكامل، لكن قد يصلح بهم كثير من أنواع الدين وبعض أمور الدنيا. وقد يعفى عنهم فيما اجتهدوا فيه فأخطؤوا، ويغفر لهم قصورهم. وقد يكونون من الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه، ولا يعطى غيره، ولا يرى أنه يتألف الناس من الكفار والفجار، لا بمال ولا بنفع، ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرم.

الفريق الثالث: الأمة الوسط، وهم أهل دين محمد ﷺ، وخلفاؤه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة، وهو إنفاق المال والمنافع للناس وإن كانوا رؤساء بحسب الحاجة، إلى صلاح الأحوال، ولإقامة الدين، والدنيا التى يحتاج إليها الدين، وعفته في نفسه، فلا يأخذ ما لا يستحقه. فيجمعون بين التقوى والإحسان { إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } [478].

ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة.

وهذا هو الذى يطعم الناس ما يحتاجون إلى طعامه، ولا يأكل هو إلا الحلال الطيب، ثم هذا يكفيه من الإنفاق أقل مما يحتاج إليه الأول، فإن الذى يأخذ لنفسه، تطمع فيه النفوس، ما لا تطمع في العفيف، ويصلح به الناس في دينهم ما لا يصلحون بالثانى، فإن العفة مع القدرة تقوى حرمة الدين، وفى الصحيحين عن أبى سفيان بن حرب: أن هرقل ملك الروم سأله عن النبي ﷺ: بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. وفى الأثر: أن الله أوحى إلى إبراهيم الخليل عليه السلام: يا إبراهيم، أتدرى لم اتخذتك خليلا؟ لأنى رأيت العطاء أحب إليك من الأخذ. وهذا الذى ذكرناه في الرزق، والعطاء الذى هو السخاء، وبذل المنافع، نظيره في الصبر والغضب، الذى هو الشجاعة ودفع المضار.

فإن الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم. وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم. والثالث وهو الوسط الذى يغضب لربه لا لنفسه، كما في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادما له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شىء فانتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شىء حتى ينتقم للّه.

فأما من يغضب لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطى غيره، فهذا القسم الرابع، شر الخلق، لا يصلح بهم دين ولا دنيا.

كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وهم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه، ويعفون عن حقوقهم، وهذه أخلاق رسول الله ﷺ في بذله ودفعه، وهى أكمل الأمور.

وكلما كان إليها أقرب، كان أفضل. فليجتهد المسلم في التقرب إليها بجهده، ويستغفر الله بعد ذلك من قصوره أو تقصيره بعد أن يعرف كمال ما بعث الله تعالى به محمدا ﷺ من الدين، فهذا في قول الله سبحانه وتعالى: { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } [479]. والله أعلم.

فصل الحكم بين الناس في الحدود والحقوق[عدل]

وأما قوله تعالى: { وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } [480]، فإن الحكم بين الناس يكون في الحدود والحقوق، وهما قسمان: فالقسم الأول: الحدود والحقوق التى ليست لقوم معينين، بل منفعتها لمطلق المسلمين، أو نوع منهم. وكلهم محتاج إليها. وتسمى حدود الله، وحقوق الله: مثل حد قطاع الطريق، والسراق، والزناة ونحوهم، ومثل الحكم في الأموال السلطانية، والوقوف والوصايا التى ليست لمعين. فهذه من أهم أمور الولايات؛ ولهذا قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: لابد للناس من إمارة: برة كانت أو فاجرة. فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ فقال: يقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفىء.

وهذا القسم يجب على الولاة البحث عنه، وإقامته من غير دعوى أحد به، وكذلك تقام الشهادة فيه من غير دعوى أحد به، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق: هل يفتقر إلى مطالبة المسروق بماله؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، لكنهم متفقون على أنه لا يحتاج إلى مطالبة المسروق بالحد، وقد اشترط بعضهم المطالبة بالمال؛ لئلا يكون للسارق فيه شبهة.

وهذا القسم يجب إقامته على الشريف، والوضيع، والضعيف، ولا يحل تعطيله، لا بشفاعة، ولا بهدية، ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه. ومن عطله لذلك وهو قادر على إقامته فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وهو ممن اشترى بآيات الله ثمنا قليلا. وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع. ومن قال في مسلم دين ما ليس فيه، حبس في رُدْغَة الخبال، حتى يخرج مما قال). قيل: يا رسول الله، وما ردغة الخبال؟ قال: (عصارة أهل النار). فذكر النبي ﷺ الحكماء والشهداء والخصماء، وهؤلاء أركان الحكم.

وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها: أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التى سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، فقال: (يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟ إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذى نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها). ففى هذه القصة عبرة، فإن أشرف بيت كان في قريش بطنان: بنو مخزوم، وبنو عبد مناف. فلما وجب على هذه القطع بسرقتها التى هى جحود العارية، على قول بعض العلماء، أو سرقة أخرى غيرها على قول آخرين وكانت من أكبر القبائل، وأشرف البيوت، وشفع فيها حب رسول الله ﷺ أسامة، غضب رسول الله ﷺ، فأنكر عليه دخوله فيما حرمه الله، وهو الشفاعة في الحدود، ثم ضرب المثل بسيدة نساء العالمين وقد برأها الله من ذلك فقال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها).

وقد روى أن هذه المرأة التى قطعت يدها تابت، وكانت تدخل بعد ذلك على النبي ﷺ، فيقضى حاجتها. فقد روى: أن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب، سبقته يده إلى النار. وروى مالك في الموطأ: أن جماعة أمسكوا لصا ليرفعوه إلى عثمان؟ رضى الله عنه فتلقاهم الزبير فشفع فيه فقالوا: إذا رفع إلى عثمان فاشفع فيه عنده فقال: إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع. يعنى الذى يقبل الشفاعة. وكان صفوان بن أمية نائما على رداء له في مسجد رسول الله ﷺ، فجاء لص فسرقه، فأخذه فأتى به النبي ﷺ، فأمر بقطع يده فقال: يارسول الله، أعلى ردائى تقطع يده؟ أنا أهبه له. فقال: (فهلا قبل أن تأتينى به ؟!)، ثم قطع يده. رواه أهل السنن، يعنى ﷺ أنك لو عفوت عنه قبل أن تأتينى به، لكان، فأما بعد أن رفع إلى، فلا يجوز تعطيل الحد، لا بعفو، ولا بشفاعة، ولا بهبة، ولا غير ذلك.

ولهذا اتفق العلماء فيما أعلم على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما، إذا رفعوا إلى ولى الأمر ثم تابوا بعد ذلك، لم يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته وإن تابوا، فإن كانوا صادقين في التوبة كان الحد كفارة لهم، وكان تمكينهم من ذلك من تمام التوبة بمنزلة رد الحقوق إلى أهلها، والتمكين من استيفاء القصاص في حقوق الآدميين. وأصل هذا في قوله تعالى: { مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا } [481]. فإن الشفاعة إعانة الطالب حتى يصير معه شفعا، بعد أن كان وترا، فإن أعانه على بر وتقوى، كانت شفاعة حسنة، وإن أعانه على إثم وعدوان، كانت شفاعة سيئة والبر ما أمرت به، والإثم ما نهيت عنه. وإن كانوا كاذبين، فإن الله لا يهدى كيد الخائنين.

وقد قال تعالى: { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [482]، فاستثنى التائبين قبل القدرة عليهم فقط، فالتائب بعد القدرة عليه باق فيمن وجب عليه الحد للعموم، والمفهوم، والتعليل. هذا إذا كان قد ثبت بالبينة. فأما إذا كان بإقرار، وجاء مقرا بالذنب تائبا، فهذا فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع. وظاهر مذهب أحمد: أنه لا تجب إقامة الحد في مثل هذه الصورة، بل إن طلب إقامة الحد عليه أقيم، وإن ذهب لم يقم عليه حد.

وعلى هذا حمل حديث ماعز بن مالك، لما قال: (فهلا تركتموه)، وحديث الذى قال: (أصبت حدا فأقمه) مع آثار أخر. وفى سنن أبى داود والنسائى عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغنى من حد فقد وجب). وفى سنن النسائى وابن ماجه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: (حد يعمل به في الأرض، خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا). وهذا لأن المعاصى سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة. فإذا أقيمت الحدود، ظهرت طاعة الله، ونقصت معصية الله تعالى فحصل الرزق والنصر.

ولا يجوز أن يؤخذ من الزانى أو السارق أو الشارب أو قاطع الطريق ونحوهم مال تعطل به الحدود؛ لا لبيت المال ولا لغيره. وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولى الأمر ذلك، فقد جمع فسادين عظيمين: أحدهما: تعطيل الحد، والثانى: أكل السحت. فترك الواجب وفعل المحرم. قال الله تعالى: { لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [483]. وقال الله تعالى عن اليهود: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } [484]؛ لأنهم كانوا يأكلون السحت من الرشوة التى تسمى البِرْطيل، وتسمى أحيانا الهدية وغيرها. ومتى أكل السحت ولى الأمر، احتاج أن يسمع الكذب من شهادة الزور وغيرها. وقد لعن رسول الله ﷺ الراشى والمرتشى والرائش الواسطة الذى بينهما. رواه أهل السنن.

وفى الصحيحين: أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ، فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله. فقال صاحبه وكان أفقه منه: نعم اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لى. فقال: (قل). فقال: إن ابنى كان عسيفا في أهل هذا يعنى أجيرا فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، وإنى سألت رجالا من أهل العلم، فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال: (والذى نفسى بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله: المائة والخادم رد عليك. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فاسألها، فإن اعترفت فارجمها) فسألها، فاعترفت، فرجمها.

ففى هذا الحديث، أنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحد عنه، أمر النبي ﷺ بدفع المال إلى صاحبه، وأمر بإقامة الحد، ولم يأخذ المال للمسلمين: من المجاهدين والفقراء وغيرهم. وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزانى، والسارق والشارب، والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد، مال سحت خبيث.

وكثير مما يوجد من فساد أمور الناس، إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه، وهذا من أكبر الأسباب التى هى فساد أهل البوادى والقرى والأمصار من الأعراب، والتركمان، والأكراد، والفلاحين، وأهل الأهواء كقيس، ويمن، وأهل الحاضرة من رؤساء الناس وأغنيائهم وفقرائهم، وأمراء الناس ومقدميهم وجندهم، وهو سبب سقوط حرمة المتولى، وسقوط قدره من القلوب، وانحلال أمره، فإذا ارتشى وتبرطل على تعطيل حد، ضعفت نفسه أن يقيم حدًا آخر، وصار من جنس اليهود الملعونين. وأصل البرطيل هو الحجر المستطيل، سميت به الرشوة؛ لأنها تلقم المرتشى عن التكلم بالحق، كما يلقمه الحجر الطويل، كما قد جاء في الأثر: إذا دخلت الرشوة من الباب، خرجت الأمانة من الكوة. وكذلك إذا أخذ مال للدولة على ذلك، مثل هذا السحت الذى يسمى التأديبات. ألا ترى أن الأعراب المفسدين أخذوا لبعض الناس، ثم جاؤوا إلى ولي الأمر فقادوا إليه خيلا يقدمونها له أو غير ذلك، كيف يقوي طمعهم في الفساد، وتنكسر حرمة الولاية والسلطنة، وتفسد الرعية؟!

وكذلك الفلاحون وغيرهم، وكذلك شارب الخمر إذا أخذ فدفع بعض ماله: كيف يطمع الخمارون، فيرجون إذا أمسكوا أن يفتدوا ببعض أموالهم، فيأخذها ذلك الوإلى سحتًا، لا يبارك فيها، والفساد قائم.

وكذلك ذوو الجاه، إذا حموا أحدًا أن يقام عليه الحد، مثل أن يرتكب بعض الفلاحين جريمة، ثم يأوي إلى قرية نائب السلطان أو أميره فيحمي على الله ورسوله، فيكون ذلك الذي حماه، ممن لعنه الله ورسوله، فقد روي مسلم في صحيحه، عن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لعن الله من أحدث حدثا أو آوي محدثا). فكل من آوي محدثا من هؤلاء المحدثين، فقد لعنه الله ورسوله. وإذا كان النبي ﷺ قد قال: (إن من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره)، فكيف بمن منع الحدود بقدرته ويده، واعتاض عن المجرمين بسحت من المال يأخذه، لاسيما الحدود على سكان البر؛ فإن من أعظم فسادهم حماية المعتدين منهم بجاه أو مال، سواء كان المال المأخوذ لبيت المال أو للوإلى: سرًا أو علانية، فذلك جميعه محرم بإجماع المسلمين، وهو مثل تضمين الحانات والخمر، فإن من مكن من ذلك، أو أعان أحدا عليه بمال يأخذه منه، فهو من جنس واحد.

والمال المأخوذ على هذا يشبه ما يؤخذ من مهر البغي، وحلوان الكاهن، وثمن الكلب، وأجرة المتوسط في الحرام الذي يسمي القواد. قال النبي ﷺ: (ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث). رواه البخاري. فمهر البغي الذي يسمي حدور القحاب. وفي معناه ما يعطاه المخنثون الصبيان من الممإليك أو الأحرار على الفجور بهم، وحلوان الكاهن: مثل حلاوة المنجم ونحوه على ما يخبر به من الأخبار المبشرة بزعمه، ونحو ذلك.

وولي الأمر إذا ترك إنكار المنكرات وإقامة الحدود عليها بمال يأخذه، كان بمنزلة مقدم الحرامية، الذي يقاسم المحاربين على الأخيذة، وبمنزلة القواد الذي يأخذ ما يأخذه؛ ليجمع بين اثنين على فاحشة، وكان حاله شبيها بحال عجوز السوء امرأة لوط، التي كانت تدل الفجار على ضيفه، التي قال الله تعالى فيها: { فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } [485]، وقال تعالى: { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ } [486]. فعذب الله عجوز السوء القوادة بمثل ما عذب قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث؛ وهذا لأن هذا جميعه أخذ مال للإعانة على الإثم والعدوان، وولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية. فإذا كان الوإلى يمكن من المنكر بمال يأخذه، كان قد أتي بضد المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوك، فأعان عدوك علىك. وبمنزلة من أخذ مالا ليجاهد به في سبيل الله، فقاتل به المسلمين.

يوضح ذلك أن صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، قال الله تعالى: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [487]. وقال تعالى: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [488]. وقال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [489]. وقال تعالى عن إسرائيل: { كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } [490]. وقال تعالى: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } [491]. فأخبر الله تعالى أن العذاب لما نزل، نجي الذين ينهون عن السوء، وأخذ الظالمين بالعذاب الشديد.

وفي الحديث الثابت: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عليكم أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [492]، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده). وفي حديث آخر: (إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر، ضرت العامة).

وهذا القسم الذي ذكرناه من الحكم في حدود الله وحقوقه، مقصوده الأكبر هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فالأمر بالمعروف: مثل الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والصدق، والأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن العشرة مع الأهل والجيران ونحو ذلك. فالواجب على ولي الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين، فإن كان التاركون طائفة ممتنعة، قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين، وكذلك يقاتلون على ترك الزكاة، والصيام، وغيرهما، وعلى استحلال المحرمات الظاهرة المجمع عليها، كنكاح ذوات المحارم، والفساد في الأرض، ونحو ذلك. فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء.

وإن كان التارك للصلاة واحدا، فقد قيل: إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلى، وجمهور العلماء على أنه يجب قتله إذا امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب، فإن تاب وصلى، وإلا قتل. وهل يقتل كافرًا أو مسلما فاسقا؟ فيه قولان. وأكثر السلف على أنه يقتل كافرًا وهذا كله مع الإقرار بوجوبها، أما إذا جحد وجوبها، فهو كافر بإجماع المسلمين، وكذلك من جحد سائر الواجبات المذكورات والمحرمات التي يجب القتال عليها. فالعقوبة على ترك الواجبات، وفعل المحرمات، هي مقصود الجهاد في سبيل الله، وهو واجب على الأمة بالاتفاق، كما دل عليه الكتاب والسنة.

وهو من أفضل الأعمال. قال رجل: يا رسول الله، دلني على عمل يعدل الجهاد في سبيل الله. قال: (لا تستطيعه، أو لا تطيقه). قال: أخبرني به؟ قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر، وتقوم ولا تفتر؟) قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: (فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله). وقال: (إن في الجنة لمائة درجة، بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله). كلاهما في الصحيحين. وقال النبي ﷺ: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله). وقال الله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [493]. وقال تعالى: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَإلىوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [494].

فصل ومن ذلك عقوبة المحاربين وقطاع الطريق[عدل]

ومن ذلك عقوبة المحاربين، وقطاع الطريق الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها، ليغصبوهم المال مجاهرة: من الأعراب، والتركمان، والأكراد، والفلاحين، وفسقة الجند، أو مردة الحاضرة، أو غيرهم، قال الله تعالى فيهم: { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [495]. وقد روي الشافعي رحمه الله في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق: (إذا قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا، نفوا من الأرض).

وهذا قول كثير من أهل العلم، كالشافعي وأحمد، وهو قريب من قول أبي حنيفة رحمه الله. ومنهم من قال: للإمام أن يجتهد فيهم، فيقتل من رأي قتله مصلحة، وإن كان لم يقتل مثل أن يكون رئيسًا مطاعا فيها، ويقطع من رأي قطعه مصلحة، وإن كان لم يأخذ المال، مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال، كما أن منهم من يري أنهم إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا. والأول قول الأكثر. فمن كان من المحاربين قد قتل، فإنه يقتله الإمام حدا، لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء. ذكره ابن المنذر، ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول، بخلاف ما لو قتل رجل رجلا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة، فإن هذا دمه لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية؛ لأنه قتله لغرض خاص.

وأما المحاربون، فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس، فضررهم عام، بمنزلة السراق، فكان قتلهم حدًا لله. وهذا متفق عليه بين الفقهاء، حتى لو كان المقتول غير مكافئ للقاتل، مثل أن يكون القاتل حرًا والمقتول عبدًا، أو القاتل مسلمًا، والمقتول ذميًا أو مستأمنا، فقد اختلف الفقهاء: هل يقتل في المحاربة؟ والأقوي أنه يقتل؛ لأنه قتل للفساد العام حدًا، كما يقطع إذا أخذ أموالهم، وكما يحبس بحقوقهم.

وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة، فالواحد منهم باشر القتل بنفسه، والباقون له أعوان وردء له، فقد قيل: إنه يقتل المباشر فقط، والجمهور على أن الجميع يقتلون، ولو كانوا مائة، وإن الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين. والربيئة: هو الناظر الذي يجلس على مكان عال، ينظر منه لهم من يجيء. ولأن المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته.

والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين، فهم مشتركون في الثواب والعقاب، كالمجاهدين. فإن النبي ﷺ قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعي بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ويرد متسريهم على قعدهم). يعني أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالا، فإن الجيش يشاركها فيما غنمت؛ لأنها بظهره وقوته تمكنت، لكن تنفل عنه نفلا، فإن النبي ﷺ كان ينفل السرية إذا كانوا في بدايتهم الربع بعد الخمس، فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية نفلهم الثلث بعد الخمس، وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية؛ لأنها في مصلحة الجيش، كما قسم النبي ﷺ لطلحة والزبير يوم بدر؛ لأنه كان قد بعثهما في مصلحة الجيش، فأعوان الطائفة الممتنعة، وأنصارها منها، فيما لهم وعليهم.

وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه، مثل المقتتلين على عصبية، ودعوي جاهلية، كقيس ويمن ونحوهما هما ظالمتان. كما قال النبي ﷺ: (إذا التقي المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار). قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: (إنه أراد قتل صاحبه). أخرجاه في الصحيحين. وتضمن كل طائفة ما أتلفته للأخري من نفس ومال. وإن لم يعرف عين القاتل؛ لأن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد، وفي ذلك قوله تعالى: { كُتِبَ عليكم الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَي } [496].

وأما إذا أخذوا المال فقط، ولم يقتلوا كما قد يفعله الأعراب كثيرا فإنه يقطع من كل واحد يده إلىمني، ورجله إلىسري، عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم. وهذا معني قول الله تعالى: { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ } [497]، تقطع إلىد التي يبطش بها، والرجل التي يمشي عليها، وتحسم يده ورجله بالزيت المغلي ونحوه؛ لينحسم الدم فلا يخرج فيفضي إلى تلفه، وكذلك تحسم يد السارق بالزيت.

وهذا الفعل قد يكون أزجر من القتل؛ فإن الأعراب وفسقة الجند وغيرهم، إذا رأوا دائما من هو بينهم مقطوع إلىد والرجل، ذكروا بذلك جرمه فارتدعوا، بخلاف القتل، فإنه قد ينسي، وقد يؤثر بعض النفوس الأبية قتله على قطع يده ورجله من خلاف، فيكون هذا أشد تنكيلا له ولأمثاله. وأما إذا شهروا السلاح ولم يقتلوا نفسًا، ولم يأخذوا مالا، ثم أغمدوه، أو هربوا، وتركوا الحراب، فإنهم ينفون. فقيل: نفيهم تشريدهم، فلا يتركون يأوون في بلد. وقيل: هو حبسهم. وقيل: هو ما يراه الإمام أصلح من نفي أو حبس أو نحو ذلك.

والقتل المشروع: هو ضرب الرقبة بالسيف ونحوه؛ لأن ذلك أروح أنواع القتل، وكذلك شرع الله قتل ما يباح قتله من الآدميين والبهائم، إذا قدر عليه على هذا الوجه. قال النبي ﷺ: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته). رواه مسلم. وقال: (إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان). وأما الصلب المذكور: فهو رفعهم على مكان عال ليراهم الناس، ويشتهر أمرهم، وهو بعد القتل عند جمهور العلماء. ومنهم من قال: يصلبون ثم يقتلون وهم مصلبون. وقد جوز بعض العلماء قتلهم بغير السيف، حتى قال: يتركون على المكان العإلى، حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل.

فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص، وقد قال عمران بن حصين رضي الله عنهما: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة، حتى الكفار إذا قتلناهم، فإنا لا نمثل بهم بعد القتل، ولا نجدع آذانهم وأنوفهم، ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا، فنفعل بهم مثل ما فعلوا. والترك أفضل كما قال الله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ } [498]. قيل: إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد رضي الله عنهم فقال النبي ﷺ: (لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ما مثلوا بنا) فأنزل الله هذه الآية، وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة، مثل قوله: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } [499]. وقوله: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [500]، وغير ذلك من الآيات التي نزلت بمكة، ثم جري بالمدينة سبب يقتضي الخطاب، فأنزلت مرة ثانية، فقال النبي ﷺ: (بل نصبر). وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش أو في حاجة نفسه أوصاه في خاصة نفسه بتقوي الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم يقول: (اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا).

ولو شهروا السلاح في البنيان لا في الصحراء لأخذ المال، فقد قيل: إنهم ليسوا محاربين، بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب؛ لأن المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث بالناس. وقال أكثرهم: إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد. وهذا قول مالك في المشهور عنه والشافعي، وأكثر أصحاب أحمد، وبعض أصحاب أبي حنيفة، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء؛ لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة، ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه غالبا إلا بعض ماله. وهذا هو الصواب؛ لا سيما هؤلاء المتحزبون الذين تسميهم العامة في الشام ومصر المنْسَر وكانوا يسمون ببغداد العيارين، ولو حاربوا بالعصي والحجارة المقذوفة بالأيدي، أو المقإلىع ونحوها، فهم محاربون أيضا. وقد حكي عن بعض الفقهاء: لا محاربة إلا بالمحدد. وحكي بعضهم الإجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقل. وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن.

فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين: أن من قاتل على أخذ المال بأي نوع كان من أنواع القتال، فهو محارب قاطع، كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع، كان من أنواع القتال فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف، أو رمح، أو سهم، أو حجارة أو عصي، فهو مجاهد في سبيل الله. وأما إذا كان يقتل النفوس سرا، لأخذ المال، مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل، فإذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم، أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة، أو طب أو نحو ذلك فيقتله، ويأخذ ماله، وهذا يسمي القتل غيلة، ويسميهم بعض العامة المعرجين، فإذا كان لأخذ المال، فهل هم كالمحاربين، أو يجري عليهم حكم القود؟ فيه قولان للفقهاء:

أحدهما: أنهم كالمحاربين؛ لأن القتل بالغيلة كالقتل مكابرة، كلاهما لا يمكن الاحتراز منه، بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنه لا يدري به.

والثاني: أن المحارب هو المجاهر بالقتال، وأن هذا المغتال يكون أمره إلى ولي الدم. والأول أشبه بأصول الشريعة، بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنه لا يدري به.

واختلف الفقهاء أيضا فيمن يقتل السلطان، كقتلة عثمان، وقاتل على رضي الله عنهما هل هم كالمحاربين، فيقتلون حدا، أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ لأن في قتله فسادًا عامًا.

فصل إذا طلبهم السلطان أو نوابه لإقامة الحد بلا عدوان فامتنعوا عليه[عدل]

وهذا كله إذا قدر عليهم. فأما إذا طلبهم السلطان أو نوابه؛ لإقامة الحد بلا عدوان فامتنعوا عليه، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء، حتى يقدر عليهم كلهم. ومتى لم ينقادوا إلا بقتال يفضي إلى قتلهم كلهم، قوتلوا. وإن أفضي إلى ذلك، سواء كانوا قد قتلوا أو لم يقتلوا. ويقتلون في القتال كيفما أمكن في العنق وغيره. ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويعينهم، فهذا قتال، وذاك إقامة حد. وقتال هؤلاء أوكد من قتل الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام. فإن هؤلاء قد تحزبوا لفساد النفوس والأموال، وهلاك الحرث والنسل، ليس مقصودهم إقامة دين ولا ملك.

وهؤلاء كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن، أو مغارة أو رأس جبل، أو بطن واد، ونحو ذلك، يقطعون الطريق على من مر بهم، وإذا جاءهم جند ولي الأمر يطلبهم للدخول في طاعة المسلمين والجماعة لإقامة الحدود، قاتلوهم ودفعوهم، مثل الأعراب الذين يقطعون الطريق على الحاج أو غيره من الطرقات، أو الجبلية الذين يعتصمون برؤوس الجبال أو المغارات لقطع الطريق. وكالأحلاف الذين تحالفوا لقطع الطريق بين الشام والعراق، ويسمون ذلك النهيضة، فإنهم يقاتلون كما ذكرنا لكن قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار، إذا لم يكونوا كفارا، ولا تؤخذ أموالهم إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق، فإن عليهم ضمانها، فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا، وإن لم نعلم عين الآخذ. وكذلك لو علم عينه، فإن الردء والمباشر سواء كما قلناه لكن إذا عرف عينه كان قرار الضمان عليه، ويرد ما يؤخذ منهم على أرباب الأموال، فإن تعذر الرد عليهم، كان لمصالح المسلمين من رزق الطائفة المقاتلة لهم، وغير ذلك.

بل المقصود من قتالهم التمكن منهم لإقامة الحدود، ومنعهم من الفساد. فإذا جرح الرجل منهم جرحًا مثخنًا، لم يجهز عليه حتى يموت، إلا أن يكون قد وجب عليه القتل. وإذا هرب وكفانا شره لم نتبعه، إلا أن يكون عليه حد أو نخاف عاقبته، ومن أسر منهم، أقيم عليه الحد الذي يقام على غيره. ومن الفقهاء من يشدد فيهم حتى يري غنيمة أموالهم وتخميسها، وأكثرهم يأبون ذلك. فأما إذا تحيزوا إلى مملكة طائفة خارجة عن شريعة الإسلام، وأعانوهم على المسلمين، قوتلوا كقتالهم.

وأما من كان لا يقطع الطريق، ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرؤوس، والدواب، والأحمال ونحو ذلك، فهذا مكاس، عليه عقوبة المكاسين. وقد اختلف الفقهاء في جواز قتله، وليس هو من قطاع الطريق، فإن الطريق لا ينقطع به، مع أنه أشد الناس عذابا يوم القيامة، حتى قال النبي ﷺ في الغامدية: (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس، لغفر له). ويجوز للمظلومين الذين تراد أموالهم قتال المحاربين بإجماع المسلمين. ولا يجب أن يبذل لهم من المال لا قليل ولا كثير، إذا أمكن قتالهم. قال النبي ﷺ: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد).

وهذا الذي تسميه الفقهاء الصائل وهو الظالم بلا تأويل ولا ولاية. فإذا كان مطلوبه المال، جاز دفعه بما يمكن، فإذا لم يندفع إلا بالقتال قوتل، وإن ترك القتال وأعطاهم شيئا من المال جاز، وأما إذا كان مطلوبه الحرمة، مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان، أو يطلب من المرأة، أو الصبي المملوك أو غيره الفجور به، فإنه يجب عليه أن يدفع عن نفسه بما يمكن، ولو بالقتال، ولا يجوز التمكين منه بحال بخلاف المال، فإنه يجوز التمكين منه؛ لأن بذل المال جائز، وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة غير جائز. وأما إذا كان مقصوده قتل الإنسان، جاز له الدفع عن نفسه. وهل يجب عليه؟ على قولين للعلماء في مذهب أحمد وغيره. وهذا إذا كان للناس سلطان، فأما إذا كان والعياذ بالله فتنة، مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين، ويقتتلان على الملك، فهل يجوز للإنسان إذا دخل أحدهما بلد الآخر، وجري السيف، أن يدفع عن نفسه في الفتنة، أو يستسلم فلا يقاتل فيها؟ على قولين لأهل العلم في مذهب أحمد وغيره.

فإذا ظفر السلطان بالمحاربين الحرامية وقد أخذوا الأموال التي للناس فعليه أن يستخرج منهم الأموال التي للناس، ويردها عليهم، مع إقامة الحد على أبدانهم. وكذلك السارق، فإن امتنعوا من إحضار المال بعد ثبوته عليهم عاقبهم بالحبس والضرب، حتى يمكنوا من أخذه بإحضاره أو توكيل من يحضره، أو الإخبار بمكانه، كما يعاقب كل ممتنع عن حق وجب عليه أداؤه، فإن الله قد أباح للرجل في كتابه أن يضرب امرأته إذا نشزت، فامتنعت من الحق الواجب عليها حتى تؤديه. فهؤلاء أولي وأحري. وهذه المطالبة والعقوبة حق لرب المال، فإن أراد هبتهم المال، أو المصالحة عليه، أو العفو عن عقوبتهم، فله ذلك، بخلاف إقامة الحد عليهم، فإنه لا سبيل إلى العفو عنه بحال، وليس للإمام أن يلزم رب المال بترك شيء من حقه.

وإن كانت الأموال قد تلفت بالأكل وغيره عندهم أو عند السارق، فقيل: يضمنونها لأربابها، كما يضمن سائر الغارمين، وهو قول الشافعي وأحمد رضي الله عنهما وتبقي مع الإعسار في ذمتهم إلى ميسرة. وقيل: لا يجتمع الغرم والقطع، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. وقيل: يضمنونها مع إلىسار فقط دون الإعسار، وهو قول مالك رحمه الله.

ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلا على طلب المحاربين، وإقامة الحد، وارتجاع أموال الناس منهم، ولا على طلب السارقين، لا لنفسه، ولا للجند الذين يرسلهم في طلبهم، بل طلب هؤلاء من نوع الجهاد في سبيل الله، فيخرج فيه جند المسلمين، كما يخرج في غيره من الغزوات التي تسمى البيكار. وينفق على المجاهدين في هذا من المال الذي ينفق منه على سائر الغزاة، فإن كان لهم إقطاع أو عطاء يكفيهم، وإلا أعطاهم تمام كفاية غزوهم من مال المصالح من الصدقات، فإن هذا من سبيل الله. فإن كان على أبناء السبيل المأخوذين زكاة، مثل التجار الذين قد يؤخذون، فأخذ الإمام زكاة أموالهم، وأنفقها في سبيل الله، كنفقة الذين يطلبون المحاربين جاز. ولو كانت لهم شوكة قوية تحتاج إلى تأليف، فأعطي الإمام من الفيء والمصالح والزكاة لبعض رؤسائهم يعينهم على إحضار الباقين، أو لترك شره فيضعف الباقون ونحو ذلك جاز، وكان هؤلاء من المؤلفة قلوبهم، وقد ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة، كأحمد وغيره، وهو ظاهر الكتاب والسنة وأصول الشريعة.

ولا يجوز أن يرسل الإمام من يضعف عن مقاومة الحرامية، ولا من يأخذ مالا من المأخوذين: التجار ونحوهم من أبناء السبيل، بل يرسل من الجند الأقوياء الأمناء، إلا أن يتعذر ذلك، فيرسل الأمثل فالأمثل.

فإن كان بعض نواب السلطان أو رؤساء القري ونحوهم يأمرون الحرامية بالأخذ في الباطن أو الظاهر، حتى إذا أخذوا شيئا قاسمهم ودافع عنهم، وأرضي المأخوذين ببعض أموالهم، أو لم يرضهم، فهذا أعظم جرمًا من مقدم الحرامية؛ لأن ذلك يمكن دفعه بدون ما يندفع به هذا. والواجب أن يقال فيه ما يقال في الردء والعون لهم. فإن قتلوا، قتل هو على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأكثر أهل العلم. وإن أخذوا المال، قطعت يده ورجله، وإن قتلوا وأخذوا المال، قتل وصلب، وعلى قول طائفة من أهل العلم: يقطع ويقتل ويصلب. وقيل: يخير بين هذين، وإن كان لم يأذن لهم، لكن لما قدر عليهم قاسمهم الأموال، وعطل بعض الحقوق والحدود.

ومن آوي محاربًا أو سارقًا، أو قاتلا ونحوهم، ممن وجب عليه حد أو حق لله تعالى أو لآدمي، ومنعه أن يستوفي منه الواجب بلا عدوان، فهو شريكه في الجرم. وقد لعنه الله ورسوله. روي مسلم في صحيحه، عن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول لله ﷺ: (لعن الله من أحدث حدثا أو آوي محدثا). وإذا ظفر بهذا الذي آوي المحدث، فإنه يطلب منه إحضاره، أو الإعلام به، فإن امتنع، عوقب بالحبس والضرب مرة بعد مرة حتى يمكن من ذلك المحدث، كما ذكرنا أنه يعاقب الممتنع من أداء المال الواجب. فمن وجب حضوره من النفوس والأموال يعاقب من منع حضورها.

ولو كان رجلا يعرف مكان المال المطلوب بحق، أو الرجل المطلوب بحق، وهو الذي يمنعه، فإنه يجب عليه الإعلام به والدلالة عليه. ولا يجوز كتمانه، فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوي، وذلك واجب، بخلاف ما لو كان النفس أو المال مطلوبا بباطل، فإنه لا يحل الإعلام به؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، بل يجب الدفع عنه؛ لأن نصر المظلوم واجب، ففي الصحيحين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا). قلت: يا رسول الله، أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: (تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه).

وروي مسلم نحوه عن جابر، وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، وإجابة الدعوة، ونصر المظلوم وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب بالفضة، وعن المياثر، وعن لبس الحرير، والقسي، والديباج، والإستبرق. فإن امتنع هذا العالم به من الإعلام بمكانه، جازت عقوبته بالحبس وغيره، حتى يخبر به؛ لأنه امتنع من حق واجب عليه، لا تدخله النيابة. فعوقب كما تقدم، ولا تجوز عقوبته على ذلك، إلا إذا عرف أنه عالم به.

وهذا مطرد في ما تتولاه الولاة والقضاة وغيرهم، في كل من امتنع من واجب، من قول أو فعل، وليس هذا بمطالبة للرجل بحق وجب على غيره، ولا عقوبة على جناية غيره، حتى يدخل في قوله تعالى: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَي } [501]، وفي قول النبي ﷺ: (ألا لا يجني جان إلا على نفسه). وإنما ذلك مثل أن يطلب بمال قد وجب على غيره، وهو ليس وكيلا ولا ضامنًا ولا له عنده مال. أو يعاقب الرجل بجريرة قريبه أو جاره، من غير أن يكون هو قد أذنب، لا بترك واجب، ولا بفعل محرم، فهذا الذي لا يحل. فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد علم مكان الظالم الذي يطلب حضوره لاستيفاء الحق، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلق به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة عليه في الكتاب والسنة والإجماع، إما محاباة أو حمية لذلك الظالم، كما قد يفعل أهل العصبية بعضهم ببعض، وإما معاداة أو بغضا للمظلوم. وقد قال الله تعالى: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَي } [502].

وإما إعراضا عن القيام لله والقيام بالقسط الذي أوجبه الله وجبنا وفشلا وخذلانا لدينه، كما يفعل التاركون لنصر الله ورسوله، ودينه وكتابه، الذين إذا قيل لهم: انفروا في سبيل الله اثاقلوا إلى الأرض.

وعلى كل تقدير، فهذا الضرب يستحق العقوبة باتفاق العلماء.

ومن لم يسلك هذه السبل، عطل الحدود وضيع الحقوق، وأكل القوي الضعيف.

وهو يشبه من عنده مال الظالم المماطل من عين أو دين، وقد امتنع من تسليمه لحاكم عادل، يوفي به دينه، أو يؤدي منه النفقة الواجبة عليه لأهله أو أقاربه أو ممإليكه أو بهائمه. وكثيرًا ما يجب على الرجل حق بسبب غيره، كما تجب عليه النفقة بسبب حاجة قريبة، وكما تجب الدية على عاقلة القاتل. وهذا الضرب من التعزير عقوبة لمن علم أن عنده مالا أو نفسا يجب إحضاره، وهو لا يحضره؛ كالقطاع والسراق وحماتهم، أو علم أنه خبير به وهو لا يخبر بمكانه. فأما إن امتنع من الإخبار والإحضار؛ لئلا يتعدي عليه الطالب أو يظلمه، فهذا محسن. وكثيرًا ما يشتبه أحدهما بالآخر، ويجتمع شبهة وشهوة. والواجب تمييز الحق من الباطل.

وهذا يقع كثيرًا في الرؤساء من أهل البادية والحاضرة، إذا استجار بهم مستجير، أو كان بينهما قرابة أو صداقة، فإنهم يرون الحمية الجاهلية، والعزة بالإثم، والسمعة عند الأوباش: أنهم ينصرونه وإن كان ظالما مبطلا على المحق المظلوم، لا سيما إن كان المظلوم رئيسا يناديهم ويناويهم، فيرون في تسليم المستجير بهم إلى من يناويهم ذلا أو عجزا، وهذا على الإطلاق جاهلية محضة. وهي من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا. وقد ذكر أنه إنما كان سبب كثير من حروب الأعراب، كحرب البسوس التي كانت بين بني بكر وتغلب، إلى نحو هذا، وكذلك سبب دخول الترك والمغول دار الإسلام، واستيلاؤهم على ملوك ما وراء النهر وخراسان، كان سببه نحو هذا.

ومن أذل نفسه لله فقد أعزها، ومن بذل الحق من نفسه فقد أكرم نفسه، فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، ومن اعتز بالظلم: من منع الحق، وفعل الإثم، فقد أذل نفسه وأهانها، قال الله تعالى: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا } [503]، وقال تعالى عن المنافقين: { يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [504]. وقال الله تعالى في صفة هذا الضرب: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ على مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّي سَعَي فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } [505].

وإنما الواجب على من استجار به مستجير إن كان مظلوما ينصره. ولا يثبت أنه مظلوما بمجرد دعواه، فطالما اشتكي الرجل وهو ظالم، بل يكشف خبره من خصمه وغيره، فإن كان ظالمًا رده عن الظلم بالرفق إن أمكن، إما من صلح أو حكم بالقسط، وإلا فبالقوة.

وإن كان كل منهم ظالمًا كأهل الأهواء من قيس ويمن ونحوهم، وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي، أو كانا جميعا غير ظالمين، لشبهة أو تأويل، أو غلط وقع فيما بينهما، سعي بينهما بالإصلاح، أو الحكم كما قال الله تعالى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الْأُخْرَي فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [506]. وقال تعالى: { لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [507]. وقد روي أبو داود في السنن، عن النبي ﷺ أنه قيل له: أمن العصبية أن ينصر الرجل قومه في الحق؟ قال: (لا). قال: (ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه في الباطل). وقال: (خيركم الدافع عن قومه ما لم يأثم). وقال: (مثل الذي ينصر قومه بالباطل كبعير تردي في بئر فهو يجر بذنبه). وقال: (من سمعتموه يتعزي بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا).

وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسب أو بلد، أو جنس أو مذهب، أو طريقة، فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: ياللأنصار، قال النبي ﷺ: (أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم؟). وغضب لذلك غضبًا شديدًا.

فصل يجب قطع يد السارق اليمنى[عدل]

وأما السارق فيجب قطع يده إلىمني بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عليه إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [508]، ولا يجوز بعد ثبوت الحد بالبينة عليه، أو بالإقرار تأخيره، لا بحبس، ولا مال يفتدي به ولا غيره، بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها؛ فإن إقامة الحد من العبادات، كالجهاد في سبيل الله. فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من الله بعباده، فيكون الوإلى شديدًا في إقامة الحد؛ لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا شفاء غيظه، وإرادة العلو على الخلق، بمنزلة الوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تشير به الأم رقة ورأفة لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به، وإصلاحًا لحاله، مع أنه يود ويؤثر ألا يحوجه إلى تأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل، والحجم، وقطع العروق بالفصاد، ونحو ذلك، بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه. وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة.

فهكذا شرعت الحدود، وهكذا ينبغي أن تكون نية الوإلى في إقامتها، فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهى عن المنكرات، بجلب المنفعة لهم، ودفع المضرة عنهم، وابتغي بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره، ألان الله له القلوب، وتيسرت له أسباب الخير، وكفاه العقوبة البشرية، وقد يرضي المحدود، إذا أقام عليه الحد.

وأما إذا كان غرضه العلو عليهم، وإقامة رياسته ليعظموه، أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال، انعكس عليه مقصوده. ويروي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قبل أن يلي الخلافة كان نائبا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي ﷺ، وكان قد ساسهم سياسة صالحة، فقدم الحجاج من العراق، وقد سامهم سوء العذاب. فسأل أهل المدينة عن عمر: كيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه. قال: كيف محبتكم له؟ قالوا: هو أحب إلينا من أهلنا. قال: فكيف أدبه فيكم؟ قالوا: ما بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة. قال: هذه هيبته، وهذه محبته، وهذا أدبه، هذا أمر من السماء.

وإذا قطعت يده حسمت، ويستحب أن تعلق في عنقه. فإن سرق ثانيا، قطعت رجله إلىسري. فإن سرق ثالثا، ورابعًا، ففيه قولان للصحابة، ومن بعدهم من العلماء: أحدهما: تقطع أربعته في الثالثة والرابعة، وهو قول أبي بكر رضي الله عنه ومذهب الشافعي وأحمد في إحدي الروايتين. والثاني: أنه يحبس، وهو قول على رضي الله عنه والكوفيين، وأحمد في روايته الأخري.

وإنما تقطع يده إذا سرق نصابا، وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، عند جمهور العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرهم، كمالك، والشافعي، وأحمد. ومنهم من يقول: دينار أو عشرة دراهم. فمن سرق ذلك قطع بالاتفاق، وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم. وفي لفظ لمسلم: قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم، والمجن: الترس. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: (تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا). وفي رواية لمسلم: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا). وفي رواية للبخاري: قال: (اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدني من ذلك). وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما.

ولا يكون السارق سارقًا حتى يأخذ المال من حرز، فأما المال الضائع من صاحبه، والثمر الذي يكون في الشجر في الصحراء بلا حائط، والماشية التي لا راعي عندها ونحو ذلك، فلا قطع فيه، لكن يعزر الآخذ، ويضاعف عليه الغرم، كما جاء به الحديث.

وقد اختلف أهل العلم في التضعيف، وممن قال به أحمد وغيره. قال رافع بن خديج: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا قطع في ثمر ولا كَثر) والكَثْرُ: جمار النخل. رواه أهل السنن. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، جئت أسألك عن الضالة من الإبل. قال: (معها حذاؤها وسقاؤها، تأكل الشجر، وترد الماء، فدعها حتى يأتيها باغيها). قال: فالضالة من الغنم؟ قال: (لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها). قال: فالحريسة التي تؤخذ من مراتعها؟ قال: (فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال. وما أخذ من عَطَنه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن). قال: يا رسول الله، فالثمار وما أخذ منها من أكمامها؟ قال: (من أخذ منها بفمه، ولم يتخذ خُبنَة، فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع، إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المِجَنّ، وما لم يبلغ ثمن المِجَنِّ، ففيه غرامة مثليه، وجلدات نكال). رواه أهل السنن. لكن هذا سياق النسائي؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا الخائن قطع)، فالمنتهب الذي ينهب الشيء والناس ينظرون، والمختلس الذي يجتذب الشيء، فيعلم به قبل أخذه، وأما الطرار وهو البطاط الذي يبط الجيوب والمناديل والأكمام ونحوها فإنه يقطع على الصحيح.

فصل حد الزنا[عدل]

وأما الزاني، فإن كان محصنا، فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت كما رجم النبي ﷺ ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم إليهوديين، ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده. وقد اختلف العلماء: هل يجلد قبل الرجم مائة؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. وإن كان غير محصن، فإنه يجلد مائة جلدة بكتاب الله، ويغرب عاما بسنة رسول الله ﷺ، وإن كان بعض العلماء لا يري وجوب التغريب.

ولا يقام عليه الحد حتى يشهد عليه أربعة شهداء، أو يشهد على نفسه أربع شهادات، عند كثير من العلماء أو أكثرهم. ومنهم من يكتفي بشهادته على نفسه مرة واحدة، ولو أقر على نفسه، ثم رجع فمنهم من يقول: يسقط عنه الحد، ومنهم من يقول: لا يسقط.

والمحصن من وطئ وهو حر مكلف لمن تزوجها نكاحا صحيحًا في قبلها، ولو مرة واحدة. وهل يشترط أن تكون الموطوءة مساوية للواطئ في هذه الصفات؟ على قولين للعلماء. . . وهل تحصن المراهقة للبالغ وبالعكس؟

فأما أهل الذمة، فإنهم محصنون أيضا عند أكثر العلماء كالشافعي وأحمد؛ لأن النبي ﷺ رجم يهوديين عند باب مسجده، وذلك أول رجم كان في الإسلام.

واختلفوا في المرأة إذا وجدت حبلي، ولم يكن لها زوج ولا سيد، ولم تدع شبهة في الحبل. ففيها قولان في مذهب أحمد وغيره: قيل: لا حد عليها؛ لأنه يجوز أن تكون حبلت مكرهة، أو بتحمل، أو بوطء شبهة. وقيل: بل تحد، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة؛ فإن الاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها، كاحتمال كذبها، وكذب الشهود.

وأما اللواط، فمن العلماء من يقول: حده كحد الزنا. وقد قيل دون ذلك. والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أن يقتل الاثنان، الأعلى والأسفل، سواء كانا محصنين أو غير محصنين؛ فإن أهل السنن رووا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به). وروي أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما في البكر يوجد على اللوطية. قال: يرجم. ويروي عن على بن أبي طالب رضي الله عنه نحو ذلك.

ولم تختلف الصحابة في قتله، ولكن تنوعوا فيه. فروي عن الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريقه. وعن غيره: قتله، وعن بعضهم: أنه يلقي عليه جدار حتى يموت تحت الهدم، وقيل: يحبسان في أنتن موضع حتى يموتا. وعن بعضهم: أنه يرفع على أعلى جدار في القرية ويرمي منه، ويتبع بالحجارة، كما فعل الله بقوم لوط. وهذه رواية عن ابن عباس. والرواية الأخري قال: يرجم، وعلى هذا أكثر السلف، قالوا: لأن الله رجم قوم لوط، وشرع رجم الزاني تشبيها برجم قوم لوط، فيرجم الاثنان، سواء كانا حرين أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكا والآخر حرًا، إذا كانا بالغين، فإن كان أحدهما غير بالغ، عوقب بما دون القتل، ولا يرجم إلا البالغ.

فصل حد الخمر[عدل]

وأما حد الشرب، فإنه ثابت بسنة رسول الله ﷺ، وإجماع المسلمين، فقد روي أهل السنن، عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه)، وثبت عنه أنه جلد الشارب غير مرة، هو وخلفاؤه والمسلمون بعده.

والقتل عند أكثر العلماء منسوخ. وقيل: هو محكم. يقال: هو تعزير يفعله الإمام عند الحاجة.

وقد ثبت عن النبي ﷺ: أنه ضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين. وضرب أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وضرب عمر في خلافته ثمانين. وكان على رضي الله عنه يضرب مرة أربعين، ومرة ثمانين. فمن العلماء من يقول: يجب ضرب الثمانين. ومنهم من يقول: الواجب أربعون، والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة، إذا أدمن الناس الخمر، أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها، ونحو ذلك.

فأما مع قلة الشاربين وقرب أمر الشارب فتكفي الأربعون. وهذا أوجه القولين، وهو قول الشافعي وأحمد رحمهما الله في إحدي الروايتين عن أحمد.

وقد كان عمر رضي الله عنه لما كثر الشرب زاد فيه النفي وحلق الرأس مبالغة في الزجر عنه، فلو غرب الشارب مع الأربعين لينقطع خبره، أو عزله عن ولايته كان حسنا؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه عن بعض نوابه أنه تمثل بأبيات في الخمر فعزله.

والخمر التي حرمها الله ورسوله، وأمر النبي ﷺ بجلد شاربها، كل شراب مسكر من أي أصل كان، سواء كان من الثمار كالعنب، والرطب، والتين. أو الحبوب، كالحنطة، والشعير. أو الطلول كالعسل. أو الحيوان، كلبن الخيل. بل لما أنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد ﷺ تحريم الخمر، لم يكن عندهم بالمدينة من خمر العنب شيء؛ لأنه لم يكن بالمدينة شجر عنب، وإنما كانت تجلب من الشام، وكان عامة شرابهم من نبيذ التمر، وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين وأصحابه رضي الله عنهم أنه حرم كل مسكر، وبين أنه خمر.

وكانوا يشربون النبيذ الحلو، وهو أن ينبذ في الماء تمر وزبيب، أي: يطرح فيه والنبذ: الطرح ليحلو الماء لا سيما كثير من مياه الحجاز، فإن فيه ملوحة، فهذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين؛ لأنه لا يسكر، كما يحل شرب عصير العنب قبل أن يصير مسكرًا، وكان النبي ﷺ قد نهاهم أن ينبذوا هذا النبيذ في أوعية الخشب، أو الجري، وهو ما يصنع من التراب، أو القرع، أو الظروف المزفتة، وأمرهم أن ينبذوا في الظروف التي تربط أفواهها بالأوكية؛ لأن الشدة تدب في النبيذ دبيبًا خفيفًا، ولا يشعر الإنسان، فربما شرب الإنسان ما قد دبت فيه الشدة المطربة، وهو لا يشعر، فإذا كان السقاء موكأ انشق الظرف، إذا غلا فيه النبيذ، فلا يقع الإنسان في محذور، وتلك الأوعية لا تنشق.

وروي عنه أنه ﷺ رخص بعد هذا في الانتباذ في الأوعية، وقال: (كنت نهىتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا، ولا تشربوا المسكر). فاختلف الصحابة ومن بعدهم من العلماء، منهم من لم يبلغه النسخ أو لم يثبته، فنهى عن الانتباذ في الأوعية. ومنهم من اعتقد ثبوته وأنه ناسخ فرخص في الانتباذ في الأوعية. فسمع طائفة من الفقهاء أن بعض الصحابة كانوا يشربون النبيذ فاعتقدوا أنه المسكر، فترخصوا في شرب أنواع من الأشربة التي ليست من العنب والتمر، وترخصوا في المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب إذا لم يسكر الشارب.

والصواب ما عليه جماهير المسلمين: أن كل مسكر خمر، يجلد شاربه، ولو شرب منه قطرة واحدة، لتداو أو غير تداو، فإن النبي ﷺ سئل عن الخمر يتداوي بها، فقال: (إنها داء وليست بدواء)، (وإن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها).

والحد واجب إذا قامت البينة، أو اعترف الشارب؛ فإن وجدت منه رائحة الخمر، أو رُئي وهو يتقيؤها ونحو ذلك. فقد قيل: لا يقام عليه الحد، لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمر، أو شربها جاهلا بها، أو مكرها ونحو ذلك. وقيل: بل يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر. وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، كعثمان، وعلى، وابن مسعود؛ وعليه تدل سنة رسول الله ﷺ، وهو الذي يصلح عليه الناس، وهو مذهب مالك، وأحمد في غالب نصوصه، وغيرهما.

والحشيشة المصنوعة من ورق العنب حرام أيضا يجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر، من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة، وغير ذلك من الفساد، والخمر أخبث، من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة، وكلاهما يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.

وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدها، ورأي أن آكلها يعزر بما دون الحد، حيث ظنها تغير العقل من غير طرب. بمنزلة البنج، ولم نجد للعلماء المتقدمين فيها كلاما، وليس كذلك، بل آكلوها ينشون عنها، ويشتهونها، كشراب الخمر وأكثر، وتصدهم عن ذكر الله، وعن الصلاة. إذا أكثروا منها، مع ما فيها من المفاسد الأخري: من الدياثة والتخنث، وفساد المزاج والعقل وغير ذلك.

ولكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابا، تنازع الفقهاء في نجاستها، على ثلاثة أقوال: في مذهب أحمد وغيره. فقيل: هي نجسة كالخمر المشروبة، وهذا هو الاعتبار الصحيح. وقيل: لا؛ لجمودها. وقيل: يفرق بين جامدها ومائعها. وبكل حال فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظًا ومعني. قال أبو موسي الأشعري رضي الله عنه: يا رسول الله، أفتنا في شرابين كنا نصنعهما بإلىمن: البِتْع، وهو من العسل ينبذ حتى يشتد. والمِزْر، وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد. قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطي جوامع الكلم وخواتيمه. فقال: (كل مسكر حرام). متفق عليه في الصحيحين.

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من الحنطة خمرًا، ومن الشعير خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن التمر خمرًا، ومن العسل خمرًا، وأنا أنهى عن كل مسكر). رواه أبو داود وغيره. ولكن هذا في الصحيحين عن عمر موقوفا عليه: أنه خطب به على منبر رسول الله ﷺ، فقال: الخمر ما خامر العقل. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)، وفي رواية: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) رواهما مسلم في صحيحه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: (كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام). قال الترمذي: حديث حسن. وروي أهل السنن عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: (ما أسكر كثيره، فقليله حرام). وصححه الحفاظ. وعن جابر رضي الله عنه: أن رجلا سأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المِزْر، فقال: (أمسكر هو؟). قال: نعم. فقال: (كل مسكر حرام، إن على الله عهدًا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال). قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: (عَرَق أهل النار، أو عصارة أهل النار). رواه مسلم في صحيحه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: (كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام). رواه أبو داود.

والأحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة، جمع رسول الله ﷺ بما أوتيه من جوامع الكلم، كل ما غطي العقل وأسكر، ولم يفرق بين نوع ونوع، ولا تأثير لكونه مأكولا أو مشروبا، على أن الخمر قد يصطبغ بها، والحشيشة قد تذاب في الماء وتشرب، فكل خمر يشرب ويؤكل، والحشيشة تؤكل وتشرب، وكل ذلك حرام، وإنما لم يتكلم المتقدمون في خصوصها؛ لأنه إنما حدث أكلها من قريب، في أواخر المائة السادسة، أو قريبا من ذلك، كما أنه قد أحدثت أشربة مسكرة بعد النبي ﷺ، وكلها داخلة في الكلم الجوامع، من الكتاب والسنة.

فصل حد القذف[عدل]

ومن الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة، وأجمع عليها المسلمون حد القذف، فإذا قذف الرجل محصنًا بالزنا أو اللواط، وجب عليه الحد ثمانون جلدة، والمحصن هنا: هو الحر العفيف، وفي باب حد الزنا هو الذي وطئ وطأ كاملا في نكاح تام.

فصل في المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة[عدل]

وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة، كالذي يقَبِّل الصبي والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع أو يأكل ما لا يحل، كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حرز، ولو شيئًا يسيرًا، أو يخون أمانته، كولاة أموال بيت المال أو الوقوف، ومال إلىتيم ونحو ذلك، إذا خانوا فيها، وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو يغش في معاملته، كالذين يغشون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزي بعزاء الجاهلية، أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ذلك من أنواع المحرمات، فهؤلاء يعاقبون تعزيرًا وتنكيلا وتأديبا، بقدر ما يراه الوإلى، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته. فإذا كان كثيرًا زاد في العقوبة؛ بخلاف ما إذا كان قليلا. وعلى حسب حال المذنب؛ فإذا كان من المدمنين على الفجور زيد في عقوبته، بخلاف المقل من ذلك. وعلى حسب كبر الذنب وصغره؛ فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، بما لا يعاقب من لم يتعرض إلا لمرأة واحدة، أو صبي واحد.

وليس لأقل التعزير حد، بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان، من قول وفعل، وترك قول، وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجر النبي ﷺ وأصحابه (الثلاثة الذين خُلِّفوا)، وقد يعزر بعزله عن ولايته، كما كان النبي ﷺ وأصحابه يعزرون بذلك، وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين، كالجندي المقاتل إذا فر من الزحف؛ فإن الفرار من الزحف من الكبائر، وقطع أجره نوع تعزير له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يستعظم فعزله عن إمارته تعزير له. وكذلك قد يعزر بالحبس، وقد يعزر بالضرب، وقد يعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوبا؛ كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بمثل ذلك في شاهد الزور، فإن الكاذب سود الوجه، فسود وجهه، وقلب الحديث، فقلب ركوبه.

وأما أعلاه، فقد قيل: (لا يزاد على عشرة أسواط). وقال كثير من العلماء لا يبلغ به الحد. ثم هم على قولين: منهم من يقول: (لا يبلغ به أدني الحدود): لا يبلغ بالحر أدني حدود الحر، وهي الأربعون، أو الثمانون، ولا يبلغ بالعبد أدني حدود العبد، وهي العشرون أو الأربعون. وقيل: بل لا يبلغ بكل منهما حد العبد. ومنهم من يقول: لا يبلغ بكل ذنب حد جنسه وإن زاد على حد جنس آخر، فلا يبلغ بالسارق من غير حرز قطع إلىد، وإن ضرب أكثر من حد القاذف. ولا يبلغ بمن فعل ما دون الزنا حد الزاني، وإن زاد على حد القاذف، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رجلا نقش على خاتمه، وأخذ بذلك من بيت المال، فأمر به فضرب مائة ضربة، ثم ضربه في إلىوم الثاني مائة ضربة، ثم ضربه في إلىوم الثالث مائة ضربة.

وروي عن الخلفاء الراشدين، في رجل وامرأة وجدا في لحاف: يضربان مائة. وروي عن النبي ﷺ في الذي يأتي جارية امرأته: (إن كانت أحلتها له جلد مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجم). وهذه الأقوال في مذهب أحمد، وغيره. والقولان الأولان في مذهب الشافعي، وغيره.

وأما مالك وغيره، فحكي عنه: أن من الجرائم ما يبلغ به القتل. ووافقه بعض أصحاب أحمد، في مثل الجاسوس المسلم، إذا تجسس للعدو على المسلمين، فإن أحمد توقف في قتله، وجوز مالك وبعض الحنابلة كابن عقيل قتله، ومنعه أبو حنيفة، والشافعي وبعض الحنابلة، كالقاضي أبي يعلى.

وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من أصحاب مالك. وقالوا: إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض، لا لأجل الردة، وكذلك قد قيل في قتل الساحر؛ فإن أكثر العلماء على أنه يقتل، وقد روي عن جندب رضي الله عنه موقوفًا ومرفوعًا: (إن حد الساحر ضربه بالسيف) رواه الترمذي. وعن عمر وعثمان وحفصة وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم: قتله. فقال بعض العلماء: لأجل الكفر، وقال بعضهم: لأجل الفساد في الأرض. لكن جمهور هؤلاء يرون قتله حدا. وكذلك أبو حنيفة يعزر بالقتل فيما تكرر من الجرائم، إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يقتل من تكرر منه اللواط، أو اغتيال النفوس لأخذ المال ونحو ذلك.

وقد يستدل على أن المفسد متى لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل؛ بما رواه مسلم في صحيحه، عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه). وفي رواية: (ستكون هنات، وهنات. فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف، كائنا من كان).

وكذلك قد يقال في أمره بقتل شارب الخمر في الرابعة؛ بدليل ما رواه أحمد في المسند، عن ديلم الحميري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ: فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض نعالج بها عملا شديدا، وإنا نتخذ شرابا من القمح نتقوي به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا. فقال: (هل يسكر؟) قلت: نعم. قال: (فاجتنبوه). قلت: إن الناس غير تاركيه. قال: (فإن لم يتركوه فاقتلوهم). وهذا لأن المفسد كالصائل. فإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل.

وجماع ذلك أن العقوبة نوعان:

أحدهما: على ذنب ماض، جزاء بما كسب نكالا من الله، كجلد الشارب والقاذف، وقطع المحارب والسارق.

والثاني: العقوبة لتأدية حق واجب، وترك محرم في المستقبل، كما يستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب، وإلا قتل. وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها، فالتعزير في هذا الضرب أشد منه في الضرب الأول. ولهذا يجوز أن يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الصلاة الواجبة، أو يؤدي الواجب عليه، والحديث الذي في الصحيحين، عن النبي ﷺ، أنه قال: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)، قد فسره طائفة من أهل العلم، بأن المراد بحدود الله ما حرم لحق الله؛ فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام، مثل آخر الحلال وأول الحرام. فيقال في الأول: { تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا } [509]. ويقال في الثاني: { تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا } [510].

وأما تسمية العقوبة المقدرة حدا، فهو عرف حادث، ومراد الحديث: أن من ضرب لحق نفسه، كضرب الرجل امرأته في النشوز، لا يزيد على عشر جلدات.

والجلد الذي جاءت به الشريعة: هو الجلد المعتدل بالسوط؛ فإن خيار الأمور أوساطها، قال على رضي الله عنه: ضرب بين ضربين، وسوط بين سوطين. ولا يكون الجلد بالعصي ولا بالمقارع، ولا يكتفي فيه بالدِّرَّةِ بل الدرة تستعمل في التعزير.

أما الحدود، فلابد فيها من الجلد بالسوط، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤدب بالدرة، فإذا جاءت الحدود دعا بالسوط، ولا تجرد ثيابه كلها، بل ينزع عنه ما يمنع ألم الضرب، من الحشايا والفراء ونحو ذلك. ولا يربط إذا لم يحتج إلى ذلك، ولا يضرب وجهه؛ فإن النبي ﷺ قال: (إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه ولا يضرب مقاتله)، فإن المقصود تأديبه لا قتله، ويعطي كل عضو حظه من الضرب، كالظهر والأكتاف والفخذين ونحو ذلك.

فصل العقوبات نوعان[عدل]

العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصي الله ورسوله نوعان:

أحدهما: عقوبة المقدور عليه، من الواحد والعدد، كما تقدم.

والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة، كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال.

فأصل هذا هو جهاد الكفار، أعداء الله ورسوله، فكل من بلغته دعوة رسول الله ﷺ، إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له؛ فإنه يجب قتاله { حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه } [511].

ولأن الله لما بعث نبيه، وأمره بدعوة الخلق إلى دينه، لم يأذن له في قتل أحد على ذلك ولا قتاله، حتى هاجر إلى المدينة، فأذن له وللمسلمين بقوله تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [512]

ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم القتال بقوله تعالى: { كُتِبَ عليكم الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَي أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَي أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ } [513].

وأكد الإيجاب، وعظم أمر الجهاد، في عامة السور المدنية، وذم التاركين له، ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب، فقال تعالى: { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إليكم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [514]، وقال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [515]. وقال تعالى: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إليكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عليه مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَي لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ً } [516]. فهذا كثير في القرآن.

وكذلك تعظيمه وتعظيم أهله في سورة الصف التي يقول فيها: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ إلىمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَي تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [517]. وقوله تعالى: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليوم الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [518]. وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ على الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ على الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عليمٌ } [519]؛ وقال تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [520]. فذكر ما يتولد من أعمالهم، وما يباشرونه من الأعمال.

والأمر بالجهاد، وذكر فضائله في الكتاب والسنة، أكثر من أن يحصر.

ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة، ومن الصلاة التطوع، والصوم التطوع. كما دل عليه الكتاب والسنة، حتى قال النبي ﷺ: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذِرْوَة سَنَامه الجهاد)، وقال: (إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله) متفق عليه، وقال: (من اغبَرَّت قدماه في سبيل الله حَرَّمَه الله على النار) رواه البخاري، وقال ﷺ: (رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه. وإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفَتَّان) رواه مسلم، وفي السنن: (رباط يوم في سبيل الله، خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل)، وقال ﷺ: (عينان لا تمسهما النار: عين بَكَتْ من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) قال الترمذي: حديث حسن. وفي مسند الإمام أحمد: (حرس ليلة في سبيل الله، أفضل من ألف ليلة يقام ليلها، ويصام نهارها)، وفي الصحيحين: أن رجلا قال: يارسول الله، أخبرني بشيء يعدل الجهاد في سبيل الله ؟ قال: (لا تستطيع). قال: أخبرني به ؟ قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر، وتقوم لا تفتر؟). قال: لا. قال: (فذلك الذي يعدل الجهاد). وفي السنن أنه ﷺ قال: (إن لكل أمة سياحة، وسياحة أمتى الجهاد في سبيل الله).

وهذا باب واسع، لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه.

وهو ظاهر عند الاعتبار؛ فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتمل من محبة الله تعالى والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله، وسائر أنواع الأعمال، على ما لا يشتمل عليه عمل آخر.

والقائم به من الشخص والأمة بين إحدي الحسنيين دائما؛ إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة.

فإن الخلق لابد لهم من محيا وممات، ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة، وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما؛ فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قلة منفعتها، فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت، فموت الشهيد أيسر من كل ميتة، وهي أفضل الميتات.

وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله للّه، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين. وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة، كالنساء والصبيان، والراهب، والشيخ الكبير، والأعمي، والزمن ونحوهم، فلا يقتل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يري إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر، إلا النساء والصبيان؛ لكونهم مالا للمسلمين. والأول هو الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال الله تعالى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } [521]، وفي السنن عنه ﷺ: أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه، قد وقف عليها الناس. فقال: (ما كانت هذه لتقاتل)، وقال لأحدهم: (الحق خالدا فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عَسِيفا). وفيها أيضا عنه ﷺ أنه كان يقول: (لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة).

وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى: { وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } [522] أي: أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه؛ ولهذا قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، يعاقب بما لا يعاقب به الساكت.

وجاء في الحديث: (إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر ضَرَّت العامة).

ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم، بل إذا أسر الرجل منهم في القتال، أو غير القتال، مثل أن تلقيه السفينة إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة، فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله، أو استعباده، أو المن عليه، أو مفاداته، بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة، وإن كان من الفقهاء من يري المن عليه ومفاداته منسوخا.

فأما أهل الكتاب والمجوس، فيقاتلون حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

ومن سواهم، فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم، إلا أن عامتهم لا يأخذونها من العرب، وأيما طائفة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة، فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين، حتى يكون الدين كله للّه، كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وكان قد توقف في قتالهم بعض الصحابة، ثم اتفقوا، حتى قال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها، فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)؟ فقال له أبو بكر: فإن الزكاة من حقها. والله لو منعوني عَنَاقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق.

وقد ثبت عنه ﷺ من وجوه كثيرة، أنه أمر بقتال الخوارج، ففي الصحيحين عن على ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة). وفي رواية لمسلم عن على رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرج قوم من أمتى يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز قراءتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل)، وعن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ في هذا الحديث: (يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعُون أهل الأوثان؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) متفق عليه. وفي رواية لمسلم: (تكون أمتى فرقتين فتخرج من بينهما مارقة، يلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق).

فهولاء الذين قتلهم أمير المؤمنين على رضي الله عنه لما حصلت الفرقة بين أهل العراق والشام، وكانوا يسمون الحرورية، بين النبي ﷺ أن كلا الطائفتين المفترقتين من أمته، وأن أصحاب على أولي الطائفتين بالحق، ولم يحرض إلا على قتال أولئك المارقين الذين خرجوا من الإسلام، وفارقوا الجماعة، واستحلوا دماء من سواهم من المسلمين وأموالهم.

فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام، وإن تكلم بالشهادتين.

وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة، لو تركت السنة الراتبة، كركعتي الفجر: هل يجوز قتالها؟ على قولين. فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة والمستفيضة، فيقاتل عليها بالاتفاق، حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات، ويؤدوا الزكاة، ويصوموا شهر رمضان، ويحجوا البيت، ويلتزموا ترك المحرمات؛ من نكاح الأخوات، وأكل الخبائث، والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال، ونحو ذلك.

وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد بلوغ دعوة النبي ﷺ إليهم بما يقاتلون عليه. فأما إذا بدؤوا المسلمين فيتأكد قتالهم، كما أكدناه في قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطرق. وأبلغ الجهاد الواجب للكفار، والممتنعين عن بعض الشرائع، كمانعي الزكاة والخوارج ونحوهم، يجب ابتداءً ودفعًا. فإذا كان ابتداء، فهو فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين، وكان الفضل لمن قام به، كما قال الله تعالى: { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } الآية [523].

فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين، فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين؛ لإعانتهم، كما قال الله تعالى: { وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعليكم النَّصْرُ إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ } [524]، وكما أمر النبي ﷺ بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن. وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، مع القلة والكثرة، والمشي والركوب، كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد، كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو، الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج. بل ذم الذين يستأذنون النبي ﷺ: { يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا } [525].

فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس، وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار؛ للزيادة في الدين وإعلائه، ولإرهاب العدو، كغزاة تبوك ونحوها. فهذا النوع من العقوبة هو للطوائف الممتنعة.

فأما غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام ونحوهم، فيجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس وغيرها، من أداء الأمانات والوفاء بالعهود في المعاملات وغير ذلك.

فمن كان لا يصلى من جميع الناس، من رجالهم ونسائهم، فإنه يؤمر بالصلاة، فإن امتنع عوقب حتى يصلى بإجماع العلماء. ثم إن أكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصل، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهل يقتل كافرًا أو مرتدًا أو فاسقًا؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره. والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره، وهذا مع الإقرار بالوجوب.

فأما من جحد الوجوب فهو كافر بالاتفاق، بل يجب على الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضربوه عليها لعشر، كما أمر النبي ﷺ حيث قال: (مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، وكذلك ما تحتاج إليه الصلاة من الطهارة الواجبة ونحوها.

ومن تمام ذلك تعاهد مساجد المسلمين وأئمتهم، وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاة النبي ﷺ حيث قال: (صلوا كما رأيتموني أصلى)، رواه البخاري. وصلى مرة بأصحابه على طرف المنبر فقال: (إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي).

وعلى إمام الناس في الصلاة وغيرها أن ينظر لهم، فلا يفوتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينهم، بل على كل إمام للصلاة أن يصلى بهم صلاة كاملة ولا يقتصر على ما يجوز للمنفرد الاقتصار عليه من قدر الإجزاء إلا لعذر؛ وكذلك على إمامهم في الحج، وأميرهم في الحرب. ألا تري أن الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله؟ وهو في مال نفسه يفوت نفسه ما شاء، فأمر الدين أهم، وقد ذكر الفقهاء هذ المعني.

ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس، صلح للطائفتين دينهم ودنياهم، وإلا اضطربت الأمور عليهم. وملاك ذلك كله صلاح النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه. فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [526]. فإن هاتين الكلمتين قد قيل: إنهما يجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء. وقد روي أن النبي ﷺ كان مرة في بعض مغازيه، فقال: (يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين)، فجعلت الرؤوس تندر عن كواهلها، وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه، كقوله: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليه } [527]. وقوله تعالى: { عليه تَوَكَّلْتُ وَإليه أُنِيبُبٍ } [528]، وكان ﷺ إذا ذبح أضحيته يقول: (اللهم منك ولك).

وأعظم عون لولي الأمر خاصة، ولغيره عامة، ثلاثة أمور:

أحدها: الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره. وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن.

الثاني: الإحسان إلى الخلق، بالنفع والمال الذي هو الزكاة.

الثالث: الصبر على أذي الخلق وغيره من النوائب.

ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرًا، كقوله تعالى: { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } [529]، وكقوله تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَي لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [530]، وقوله تعالى: { فَاصْبِرْ على مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } [531]، وكذلك في سورة ق: { فَاصْبِرْ على مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } [532]، وقال تعالى: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ } [533].

وأما قرنه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدًا.

فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية، إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة، يدخل في الصلاة ذكر الله تعالى، ودعاؤه، وتلاوة كتابه، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه. وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع: من نصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، وقضاء حاجة المحتاج. ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (كل معروف صدقة)، فيدخل فيه كل إحسان. ولو ببسط الوجه، والكلمة الطيبة. ففي الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يري إلا شيئًا قدمه، وينظر أشأم منه فلا يري إلا شيئًا قدمه، فينظر أمامه، فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة).

وفي السنن، عن النبي ﷺ قال: (لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقي أخاك ووجهك إليه منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي). وفي السنن عن النبي ﷺ: (إن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن). وروي عنه ﷺ أنه قال لأم سلمة: (يا أم سلمة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة).

وفي الصبر احتمال الأذي، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، ومخالفة الهوي، وترك الأشر والبطر، كما قال تعالى: { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [534]؛ وقال لنبيه ﷺ: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [535]. وقال تعالى: { وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [536]. وقال تعالى: { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعليم } [537]. وقال تعالى: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ على اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [538]. قال الحسن البصري رحمة الله عليه: إذا كان يوم القيامة، نادي مناد من بطنان العرش: ألا ليقم من وجب أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا وأصلح.

فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم: أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله تعالى: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } [539]. وقال تعالى للصحابة: { وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ } [540]، وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من كرهه، لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه. ففي الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه)، وقال ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف).

وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: والله إني لأريد أن أخرج لهم المرة من الحق، فأخاف أن ينفروا عنها، فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا، فأخرجها معها، فإذا نفروا لهذه، سكنوا لهذه.

وهكذا كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول. وسأله مرة بعض أقاربه أن يوليه على الصدقات، ويرزقه منها، فقال: (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد). فمنعهم إياها وعوضهم من الفيء. وتحاكم إليه على، وزيد، وجعفر، في ابنة حمزة، فلم يقض بها لواحد منهم، ولكن قضي بها لخالتها، ثم إنه طيب قلب كل واحد منهم بكلمة حسنة، قال لعلى: (أنت مني وأنا منك)، وقال لجعفر: (أشبهت خلقي وخلقي).

وقال لزيد: (أنت أخونا ومولانا).

فهكذا ينبغي لولي الأمر في قسمه وحكمه؛ فإن الناس دائمًا يسألون ولي الأمر ما لا يصلح بذله من الولايات، والأموال والمنافع والأجور، والشفاعة في الحدود وغير ذلك، فيعوضهم من جهة أخري إن أمكن، أو يردهم بميسور من القول، ما لم يحتج إلى الإغلاظ؛ فإن رد السائل يؤلمه، خصوصًا من يحتاج إلى تأليفه، وقد قال الله تعالى: { وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ } [541]. وقال الله تعالى: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَي حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلا مَّيْسُورًا } [542].

وإذا حكم على شخص فإنه قد يتأذي، فإذا طيب نفسه بما يصلح من القول والعمل كان ذلك تمام السياسة، وهو نظير ما يعطيه الطبيب للمريض، من الطب الذي يسوغ الدواء الكريه، وقد قال الله لموسي عليه السلام لما أرسله إلى فرعون: { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَي } [543].

وقال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل، وأبي موسي الأشعري رضي الله عنهما لما بعثهما إلى إلىمن: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا). وبال مرة أعرابي في المسجد فقام أصحابه إليه، فقال: (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله، ثم أمر بدلو من ماء فصب عليه. وقال النبي ﷺ: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، والحديثان في الصحيحين.

وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ورعيته؛ فإن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة. ألا تري أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان؟ حتى لو اضطر إلى الميتة وجب عليه الأكل عند عامة العلماء، فإن لم يأكل حتى مات دخل النار؛ لأن العبادات لا تؤدي إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ولهذا كانت نفقة الإنسان على نفسه وأهله مقدمة على غيرها، ففي السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (تصدقوا). فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار. فقال: (تصدق به على نفسك). قال: عندي آخر. قال: (تصدق به على زوجتك). قال: عندي آخر. قال: (تصدق به على ولدك). قال: عندي آخر. قال: (تصدق به على خادمك). قال: عندي آخر. قال: (أنت أبصر به). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك). وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (يابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى). وهذا تأويل قوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ } [544] أي: الفضل.

وذلك لأن نفقة الرجل على نفسه وأهله فرض عين، بخلاف النفقة في الغزو والمساكين؛ فإنه في الأصل إما فرض على الكفاية، وإما مستحب؛ وإن كان قد يصير متعينًا إذا لم يقم غيره به، فإن إطعام الجائع واجب؛ ولهذا جاء في الحديث: (لو صدق السائل لما أفلح من رده). ذكره الإمام أحمد، وذكر أنه إذا علم صدقه وجب إطعامه.

وقد روي أبو حاتم البستي في صحيحه حديث أبي ذر رضي الله عنه الطويل، عن النبي ﷺ الذي فيه من أنواع العلم، والحكمة وفيه: أنه كان في حكمة آل داود عليه السلام: (حق على العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات)، فبين أنه لابد من اللذات المباحة الجميلة، فإنها تعين على تلك الأمور.

ولهذا ذكر الفقهاء: أن العدالة هي الصلاح في الدين والمروءة، باستعمال ما يجمله ويزينه، وتجنب ما يدنسه ويشينه. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل، لأستعين به على الحق. والله سبحانه إنما خلق اللذات والشهوات في الأصل لتمام مصلحة الخلق؛ فإنه بذلك يجتلبون ما ينفعهم، كما خلق الغضب ليدفعوا به ما يضرهم، وحرم من الشهوات ما يضر تناوله، وذم من اقتصر عليها. فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق، فهذا من الأعمال الصالحة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (في بُضْع أحدكم صدقة). قالوا: يارسول الله، أيأتي أحدنا شهوته يكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أما يكون عليه وزر؟) قالوا: بلي. قال: (فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال). وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها في في امرأتك). والآثار في هذا كثيرة.

فالمؤمن إذا كانت له نية، أتت على عامة أفعاله، وكانت المباحات من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته، والمنافق لفساد قلبه ونيته يعاقب على ما يظهره من العبادات رياء، فإن في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب).

وكما أن العقوبات شرعت داعية إلى فعل الواجبات، وترك المحرمات، فقد شرع أيضًا كل ما يعين على ذلك. فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة، والإعانة عليه، والترغيب فيه بكل ممكن، مثل أن يبذل لولده، وأهله، أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح، من مال، أو ثناء، أو غيره؛ ولهذا شرعت المسابقة بالخيل، والإبل، والمناضلة بالسهام، وأخذ الجعل عليها؛ لما فيه من الترغيب في إعداد القوة ورباط الخيل للجهاد في سبيل الله، حتى كان النبي ﷺ يسابق بين الخيل، هو وخلفاؤه الراشدون، ويخرجون الأسباق من بيت المال، وكذلك عطاء المؤلفة قلوبهم، فقد روي: أن الرجل كان يسلم أول النهار رغبة في الدنيا فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس.

وكذلك الشر والمعصية، ينبغي حسم مادته، وسد ذريعته، ودفع ما يفضي إليه، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، مثال ذلك، ما نهى عنه النبي ﷺ فقال: (لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان). وقال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومين إلا ومعها زوج أو ذو محرم). فنهى ﷺ عن الخلوة بالأجنبية، والسفر بها؛ لأنه ذريعة إلى الشر. وروي عن الشعبي: أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﷺ، كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلسه خلف ظهره. وقال: (إنما كانت خطيئة داود النظر). وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يعس بالمدينة فسمع امرأة تتغني بأبيات تقول فيها:

هل من سبيل إلى الخمر فأشربها ** هل من سبيل إلى نصر بن حجاج

فدعي به. فوجده شابًا حسنًا، فحلق رأسه فازداد جمالا، فنفاه إلى البصرة، لئلا تفتتن به النساء. وروي عنه: أنه بلغه أن رجلا يجلس إليه الصبيان فنهى عن مجالسته.

فإذا كان من الصبيان من تخاف فتنته على الرجال، أو على النساء، منع وليه من إظهاره لغير حاجة، أو تحسينه، لاسيما بترييحه الحمامات، وإحضاره مجالس اللهو والأغاني؛ فإن هذا مما ينبغي التعزير عليه.

وكذلك من ظهر منه الفجور يمنع من تملك الغلمان المردان الصِّبَاح، ويفرق بينهما؛ فإن الفقهاء متفقون على أنه لو شهد شاهد عند الحاكم، وكان قد استفاض عنه نوع من أنواع الفسوق القادحة في الشهادة، فإنه لا يجوز قبول شهادته، ويجوز للرجل أن يجرحه بذلك وإن لم يره. فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا. فقال: (وجبت، وجبت). ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًا، فقال: (وجبت، وجبت). فسألوه عن ذلك، فقال: (هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًا فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض). مع أنه كان في زمانه امرأة تعلن الفجور. فقال: (لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت هذه).

فالحدود لا تقام إلا بالبينة، وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك، فلا يحتاج إلى المعاينة، بل الاستفاضة كافية في ذلك، وما هو دون الاستفاضة، حتى إنه يستدل عليه بأقرانه، كما قال ابن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم. فهذا لدفع شره، مثل الاحتراز من العدو. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: احترسوا من الناس بسوء الظن. فهذا أمر عمر، مع أنه لا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن.

فصل حد القتل[عدل]

وأما الحدود والحقوق التي لآدمي معين فمنها النفوس، قال الله تعالى: { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عليكم أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ إلىتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَي وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [545]. وقال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا } إلى قوله: { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عليه وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [546]. وقال تعالى: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا على بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } [547]. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء).

فالقتل ثلاثة أنواع:

أحدها: العمد المحض، وهو أن يقصد من يعلمه معصومًا بما يقتل غالبا، سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه، أو بثقله كالسندان وكوذين القصار؛ أو بغير ذلك كالتحريق والتغريق، والإلقاء من مكان شاهق، والخنق؛ وإمساك الخصيتين حتى تخرج الروح، وغم الوجه حتى يموت، وسقي السموم ونحو ذلك من الأفعال. فهذا إذا فعله وجب فيه القود، وهو أن يمكن أولياء المقتول من القاتل؛ فإن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية. وليس لهم أن يقتلوا غير قاتله، قال الله تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } [548]. قيل في التفسير: لا يقتل غير قاتله.

وروي عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من أصيب بدم أو خبل الخبل: الجراح فهو بالخيار بين إحدي ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه: أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية. فمن فعل شيئًا من ذلك فعاد، فإن له جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا). رواه أهل السنن. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، فمن قتل بعد العفو أو أخذ الدية فهو أعظم جرمًا ممن قتل ابتداء، حتى قال بعض العلماء: إنه يجب قتله حدًا، ولا يكون أمره لأولياء المقتول. قال الله تعالى: { كُتِبَ عليكم الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَي الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَي بِالأُنثَي فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إليه بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَي بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ إلىمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [549].

قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يؤثروا أن يقتلوا القاتل وأولياءه، وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرًا من أصحاب القاتل كسيد القبيلة ومقدم الطائفة، فيكون القاتل قد اعتدي في الابتداء، وتعدي هؤلاء في الاستيفاء، كما كان يفعله أهل الجاهلية الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات، من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيمًا أشرف من المقتول، فيفضي ذلك إلى أن أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل، وربما حالف هؤلاء قوما واستعانوا بهم، وهؤلاء قومًا، فيفضي إلى الفتن والعداوات العظيمة. وسبب ذلك خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلي، فكتب الله علىنا القصاص وهو المساواة والمعادلة في القتلي وأخبر أن فيه حياة؛ فإنه يحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين.

وأيضًا، فإذا علم من يريد القتل أنه يقتل، كف عن القتل. وقد روي عن على بن أبي طالب رضي الله عنه وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعي بذمتهم أدناهم. ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده). رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن. فقضي رسول الله ﷺ أن المسلمين تتكافأ دماؤهم، أي: تتساوي وتتعادل، فلا يفضل عربي على عجمي، ولا قرشي أو هاشمي على غيره من المسلمين. ولا حر أصلى على مولي عتيق، ولا عالم أو أمير، على أمي أو مأمور.

وهذا متفق عليه بين المسلمين، بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود، فإنه كان بقرب مدينة النبي ﷺ صنفان من اليهود: قريظة والنضير، وكانت النضير تفضل على قريظة في الدماء، فتحاكموا إلى النبي ﷺ في ذلك، وفي حد الزنا، فإنهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى التحميم، وقالوا: إن حكم بينكم بذلك كان لكم حجة، وإلا فأنتم قد تركتم حكم التوراة، فأنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } إلى قوله: { فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } إلى قوله: { فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَكَتَبْنَا عليهمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [550].

فبين سبحانه وتعالى أنه سوي بين نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسًا على أخري، كما كانوا يفعلونه إلى قوله: { وَأَنزَلْنَا إليك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا علىهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } إلى قوله: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [551]. فحكم الله سبحانه في دماء المسلمين أنه كلها سواء، خلاف ما علىه أهل الجاهلية. وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر إنما هو البغي، وترك العدل؛ فإن إحدي الطائفتين قد يصيب بعضها بعضًا من الأخرى: دمًا، أو مالا، أو تعلو عليهم بالباطل ولا تنصفها، ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق؛ فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء والأموال وغيرها بالقسط الذي أمر الله به، ومحو ما كان علىه كثير من الناس من حكم الجاهلية، وإذا أصلح مصلح بينهما فليصلح بالعدل، كما قال الله تعالى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونًَ } [552].

وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول؛ فإنه أفضل لهم، كما قال تعالى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } [553]. قال أنس رضي الله عنه: ما رفع إلى رسول الله ﷺ أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو. رواه أبو داود وغيره. وروي مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).

وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ، هو في المسلم الحر مع المسلم الحر. فأما الذمي فجمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم، كما أن المستأمن الذي يقدم من بلاد الكفار رسولا أو تاجرًا ونحو ذلك، ليس بكفء له وفاقًا. ومنهم من يقول: بل هو كفء له، وكذلك النزاع في قتل الحر بالعبد.

والنوع الثاني: الخطأ الذي يشبه العمد. قال النبي ﷺ: ( ألا إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان في السوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها). سماه شبه العمد؛ لأنه قصد العدوان علىه بالضرب، لكنه لا يقتل غالبًا. فقد تعمد العدوان، ولم يتعمد ما يقتل.

والثالث: الخطأ المحض وما يجري مجراه؛ مثل أن يرمي صيدًا، أو هدفًا فيصيب إنسانًا بغير علمه ولا قصده. فهذا ليس فيه قود. وإنما فيه الدية والكفارة. وهنا مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم وبينهم.

فصل القصاص في الجراح[عدل]

والقصاص في الجراح أيضًا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة؛ فإذا قطع يده اليمني من مفصل، فله أن يقطع يده كذلك. وإذا قلع سِنَّه، فله أن يقلع سنه. وإذا شَجَّه في رأسه أو وجهه، فأوضح العظم، فله أن يشجه كذلك. وإذا لم تمكن المساواة؛ مثل أن يكسر له عظمًا باطنًا، أو يشجه دون الموضحة، فلا يشرع القصاص، بل تجب الدية المحدودة، أو الأرش. وأما القصاص في الضرب بيده أو بعصاه أو سوطه، مثل أن يلطمه، أو يلكمه، أو يضربه بعصا، ونحو ذلك؛ فقد قالت طائفة من العلماء: إنه لا قصاص فيه، بل فيه التعزير؛ لأنه لا تمكن المساواة فيه.

والمأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين: أن القصاص مشروع في ذلك، وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء، وبذلك جاءت سنة رسول الله ﷺ، وهو الصواب. قال أبو فراس: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر حديثًا قال فيه: ألا إني والله ما أرسل عمالى إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم؛ ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم. فمن فعل به سوي ذلك فليرفعه إلى، فوالذي نفسي بيده، إذا لأقصنه منه، فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان رجل من المسلمين أُمِّر على رعية فأدب رعيته، أئنك لتقصه منه؟ قال: إي والذي نفس محمد بيده، إذا لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه. ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم. رواه الإمام أحمد وغيره.

ومعني هذا، إذا ضرب الوإلى رعيته ضربًا غير جائز. فأما الضرب المشروع، فلا قصاص فيه بالإجماع، إذ هو واجب، أو مستحب، أو جائز.

فصل القصاص في الأعراض[عدل]

والقصاص في الأعراض مشروع أيضًا وهو أن الرجل إذا لعن رجلا أو دعا عليه، فله أن يفعل به كذلك، وكذلك إذا شتمه بشتمة لا كذب فيها. والعفو أفضل. قال الله تعالى: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ على اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عليهم مِّن سَبِيلٍ } [554]، وقال النبي ﷺ: (المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم). ويسمى هذا الانتصار. والشتيمة التي لا كذب فيها مثل الإخبار عنه بما فيه من القبائح، أو تسميته بالكلب أو الحمار ونحو ذلك. فأما إن افتري عليه، لم يحل له أن يفتري عليه، ولو كفره أو فسقه بغير حق لم يحل له أن يكفره أو يفسقه بغير حق، ولو لعن أباه أو قبيلته، أو أهل بلده ونحو ذلك، لم يحل له أن يتعدي على أولئك، فإنهم لم يظلموه. قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَي } [555]، فأمر الله المسلمين ألا يحملهم بغضهم للكفار على ألا يعدلوا، وقال: { اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَي }.

فإن كان العدوان عليه في العرض محرمًا لحقه؛ لما يلحقه من الأذى، جاز الاقتصاص منه بمثله؛ كالدعاء عليه بمثل ما دعاه، وأما إذا كان محرمًا لحق الله تعالى كالكذب، لم يجز بحال، وهكذا قال كثير من الفقهاء: إذا قتله بتحريق، أو تغريق، أو خنق أو نحو ذلك، فإنه يفعل به كما فعل، ما لم يكن الفعل محرمًا في نفسه كتجريع الخمر واللواط به. ومنهم من قال: لا قود عليه إلا بالسيف. والأول أشبه بالكتاب والسنة والعدل.

فصل في حد القذف[عدل]

وإذا كانت الفرية، ونحوها لا قصاص فيها، ففيها العقوبة بغير ذلك. فمنه حد القذف الثابت في الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [556].

فإذا رمي الحر محصنًا بالزنا واللواط فعليه حد القذف، وهو ثمانون جلدة، وإن رماه بغير ذلك عوقب تعزيرًا.

وهذا الحد يستحقه المقذوف، فلا يستوفي إلا بطلبه باتفاق الفقهاء. فإن عفا عنه سقط عند جمهور العلماء؛ لأن المغلب فيه حق الآدمي، كالقصاص والأموال. وقيل: لا يسقط، تغليبًا لحق الله، لعدم المماثلة، كسائر الحدود. وإنما يجب حد القذف إذا كان المقذوف محصنًا، وهو المسلم الحر العفيف.

فأما المشهور بالفجور فلا يحد قاذفه، وكذلك الكافر والرقيق، لكن يعزر القاذف، إلا الزوج فإنه يجوز له أن يقذف امرأته إذا زنت ولم تحبل من الزنا. فإن حبلت منه وولدت فعليه أن يقذفها، وينفي ولدها؛ لئلا يلحق به من ليس منه. وإذا قذفها فإما أن تقر بالزنا، وإما أن تلاعنه، كما ذكره الله في الكتاب والسنة. ولو كان القاذف عبدًا فعليه نصف حد الحر، وكذلك في جلد الزنا وشرب الخمر؛ لأن الله تعالى قال في الإماء: { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعليهِنَّ نِصْفُ مَا على الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } [557]. وأما إذا كان الواجب القتل، أو قطع اليد، فإنه لا يتنصف.

فصل في الحقوق الأبضاع[عدل]

ومن الحقوق الأبضاع، فالواجب الحكم بين الزوجين بما أمر الله تعالى به، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. فيجب على كل من الزوجين أن يؤدي إلى الآخر حقوقه، بطيب نفس وانشراح صدر؛ فإن للمرأة على الرجل حقًا في ماله، وهو الصداق والنفقة بالمعروف. وحقًا في بدنه، وهو العشرة و المتعة؛ بحيث لو إلى منها استحقت الفرقة بإجماع المسلمين، وكذلك لو كان مجبوبًا أو عنينًا لا يمكنه جماعها فلها الفرقة؛ ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء.

وقد قيل: إنه لا يجب اكتفاء بالباعث الطبيعي. والصواب: أنه واجب، كما دل عليه الكتاب والسنة والأصول. وقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه لما رآه يكثر الصوم والصلاة: (إن لزوجك عليك حقًا).

ثم قيل: يجب عليه وطؤها كل أربعة أشهر مرة. وقيل: يجب وطؤها بالمعروف، على قدر قوته وحاجتها. كما تجب النفقة بالمعروف كذلك، وهذا أشبه.

وللرجل عليها أن يستمتع منها متى شاء، ما لم يضر بها، أو يشغلها عن واجب. فيجب عليها أن تمكنه كذلك.

ولا تخرج من منزله إلا بإذنه، أو بإذن الشارع. واختلف الفقهاء: هل عليها خدمة المنزل كالفرش والكنس والطبخ ونحو ذلك؟ فقيل: يجب عليها. وقيل: لا يجب. وقيل: يجب الخفيف منه.

فصل يجب الحكم بين الناس فيها بالعدل في الأموال[عدل]

وأما الأموال، فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر الله ورسوله، مثل قسم المواريث بين الورثة، على ما جاء به الكتاب والسنة.

وقد تنازع المسلمون في مسائل من ذلك. وكذلك في المعاملات من المبايعات والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا، ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض، فإن العدل فيها هو قوام العالمين، لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به.

فمن العدل فيها ما هو ظاهر، يعرفه كل أحد بعقله، كوجوب تسليم الثمن على المشتري، وتسليم المبيع على البائع للمشتري، وتحريم تطفيف المكيال والميزان، ووجوب الصدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة والغش، وأن جزاء القرض الوفاء والحمد.

ومنه ما هو خفي، جاءت به الشرائع أو شريعتنا أهل الإسلام فإن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل، والنهى عن الظلم: دِقه وجُله؛ مثل أكل المال بالباطل. وجنسه من الربا والميسر. وأنواع الربا والميسر التي نهى عنها النبي ﷺ: مثل بيع الغرر، وبيع حبل الحبلة، وبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والبيع إلى أجل غير مسمي، وبيع المصراة، وبيع المدلس، والملامسة، والمنابذة، والمزابنة، والمحاقلة، والنجش، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، وما نهى عنه من أنواع المشاركات الفاسدة، كالمخابرة بزرع بقعة بعينها من الأرض.

ومن ذلك ما قد تنازع فيه المسلمون لخفائه واشتباهه، فقد يري هذا العقد والقبض صحيحًا عدلا، وإن كان غيره يري فيه جورًا يوجب فساده، وقد قال الله تعالى: { أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا اْ } [558]، والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله، إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه؛ إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرمه الله، بخلاف الذين ذمهم الله، حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته، والحرام ما حرمته، والدين ما شرعته.

فصل لا غنى لولي الأمر عن المشاورة[عدل]

لا غنى لولي الأمر عن المشاورة؛ فإن الله تعالى أمر بها نبيه ﷺ، فقال تعالى: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ على اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [559]، وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ. وقد قيل: إن الله أمر بها نبيه لتإلىف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وليستخرج بها منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي؛ من أمر الحروب، والأمور الجزئية، وغير ذلك، فغيره ﷺ أولي بالمشورة.

وقد أثني الله على المؤمنين بذلك في قوله: { وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَي لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَي بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [560]. وإذا استشارهم، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين، فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيما في الدين والدنيا، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [561].

وإن كان أمرًا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به، كما قال تعالى: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَإلىوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } [562].

وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهما أن يتحري بما يقوله ويفعله طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب الله. ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه. هذا أقوي الأقوال. وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره.

وكذلك ما يشترط في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان، بل وسائر العبادات من الصلاة والجهاد وغير ذلك، كل ذلك واجب مع القدرة. فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولهذا أمر الله المصلى أن يتطهر بالماء، فإن عدمه، أو خاف الضرر باستعماله لشدة البرد أو جراحة أو غير ذلك، تيمم صعيدا طيبا، فمسح بوجهه ويديه منه. وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين: (صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب). فقد أوجب الله فعل الصلاة في الوقت على أي حال أمكن، كما قال تعالى: { حَافِظُواْ على الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَي وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } [563].

فأوجب الله الصلاة على الآمن والخائف، والصحيح والمريض، والغني والفقير، والمقيم والمسافر، وخففها على المسافر والخائف والمريض، كما جاء به الكتاب والسنة.

وكذلك أوجب فيها واجبات؛ من الطهارة، والستارة، واستقبال القبلة، وأسقط ما يعجز عنه العبد من ذلك. فلو انكسرت سفينة قوم، أو سلبهم المحاربون ثيابهم، صلوا عراة بحسب أحوالهم، وقام إمامهم وسطهم؛ لئلا يري الباقون عورته.

ولو اشتبهت عليهم القبلة، اجتهدوا في الاستدلال عليها. فلو عميت الدلائل صلوا كيفما أمكنهم، كما قد روي أنهم فعلوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ؛ فهكذا الجهاد والولايات وسائر أمور الدين، وذلك كله في قوله تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [564].

وفي قول النبي ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). كما أن الله تعالى لما حرم المطاعم الخبيثة قال: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عليه } [565]. وقال تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [566]. وقال تعالى: { مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عليكم مِّنْ حَرَجٍ } [567]، فلم يوجب ما لا يستطاع، ولم يحرم ما يضطر إليه، إذا كانت الضرورة بغير معصية من العبد.

فصل نصب السلطان من أعظم الواجبات[عدل]

يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي ﷺ: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم). رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة.

وروي الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم)، فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم. وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ولهذا روي: (أن السلطان ظل الله في الأرض) ويقال: (ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان). والتجربة تبين ذلك.

ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان. وقال النبي ﷺ: (إن الله يرضي لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم). رواه مسلم. وقال: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم). رواه أهل السنن. وفي الصحيح عنه أنه قال: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة). قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).

فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة يتقرب بها إلى الله؛ فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها. وقد روي كعب بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فأخبر أن حرص المرء على المال والرياسة يفسد دينه، مثل أو أكثر من فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم.

وقد أخبر الله تعالى عن الذي يؤتي كتابه بشماله أنه يقول: { مَا أَغْنَي عَنِّي مَإليه هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ } [568].

وغاية مريد الرياسة أن يكون كفرعون، وجامع المال أن يكون كقارون، وقد بين الله تعالى في كتابه حال فرعون وقارون، فقال تعالى: { أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ } [569]. وقال تعالى: { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [570]، فإن الناس أربعة أقسام:

القسم الأول: يريدون العلو على الناس، والفساد في الأرض وهو معصية الله، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه. وهؤلاء هم شرار الخلق، قال الله تعالى: { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } [571]. وروي مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان). فقال رجل: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ثوبي حسنًا، ونعلى حسنًا، أفمن الكبر ذاك؟ قال: (لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس). فبطر الحق: دفعه وجحده. وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم، وهذا حال من يريد العلو والفساد.

والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد بلا علو، كالسراق والمجرمين من سفلة الناس.

والقسم الثالث: يريدون العلو بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس.

وأما القسم الرابع: فهم أهل الجنة، الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم، كما قال الله تعالى: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [572]. وقال تعالى: { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [573]. وقال: { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [574].

فكم ممن يريد العلو، ولا يزيده ذلك إلا سفولا! وكم ممن جعل من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد! وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم؛ لأن الناس من جنس واحد، فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم، ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه؛ لأن العادل منهم لا يحب أن يكون مقهورًا لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر، ثم إنه مع هذا لابد له في العقل والدين من أن يكون بعضهم فوق بعض، كما قدمناه، كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس، قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } [575]. وقال تعالى: { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا } [576]، فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في سبيل الله.

فإن كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإنفاق ذلك في سبيله، كان ذلك صلاح الدين والدنيا. وإن انفرد السلطان عن الدين، أو الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس، وإنما يمتاز أهل طاعة الله عن أهل معصيته بالنية والعمل الصالح، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف، صاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان في ولايتهم؛ رأي كثير من الناس أن الإمارة تنافي الإيمان وكمال الدين. ثم منهم من غلب الدين وأعرض عما لا يتم الدين إلا به من ذلك. ومنهم من رأي حاجته إلى ذلك، فأخذه معرضا عن الدين؛ لاعتقاده أنه مناف لذلك، وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل، لا في محل العلو والعز. وكذلك لما غلب على كثير من أهل الدينين العجز عن تكميل الدين، والجزع لما قد يصيبهم في إقامته من البلاء: استضعف طريقتهم واستذلها من رأي أنه لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها.

وهاتان السبيلان الفاسدتان سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين هما سبيل المغضوب عليهم والضالين. الأولي للضالين النصاري، والثانية للمغضوب عليهم اليهود.

وإنما الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين هي سبيل نبينا محمد ﷺ، وسبيل خلفائه وأصحابه، ومن سلك سبيلهم. وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، ذلك الفوز العظيم.

فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه، فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه، ومصالح المسلمين وأقام فيها، وما يمكنه من الواجبات واجتناب ما يمكنه من المحرمات، لم يؤاخذ بما يعجز عنه؛ فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار. ومن كان عاجزا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد، ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه والدعاء للأمة، ومحبة الخير، وفعل ما يقدر عليه من الخير، لم يكلف ما يعجز عنه؛ فإن قوام الدين بالكتاب الهادي، والحديد الناصر، كما ذكره الله تعالى.

فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى ولطلب ما عنده، مستعينا بالله في ذلك؛ ثم الدنيا تخدم الدين، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: يا بن آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا، فانتظمها انتظاما، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة، وأنت من الدنيا على خطر. ودليل ذلك ما رواه الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (من أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا أكبر همه فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له). وأصل ذلك في قوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمتينُ } [577].

فنسأل الله العظيم أن يوفقنا وسائر إخواننا، وجميع المسلمين لما يحبه لنا ويرضاه من القول والعمل؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا دائمًا إلى يوم الدين.

تهنئة شيخ الإسلام إلى الملك الناصر بفتح جبل كسروان[عدل]

وكتب شيخ الإسلام إلى الملك الناصر بعد وقعة جبل كسروان بسبب فتوح الجبل:

بسم الله الرحمن الرحيم

من الداعي أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين، ومن أيد الله في دولته الدين، وأعز بها عباده المؤمنين، وقمع فيها الكفار والمنافقين، والخوارج المارقين، نصره الله ونصر به الإسلام، وأصلح له وبه أمور الخاص والعام، وأحيا به معالم الإيمان، وأقام به شرائع القرآن، وأذل به أهل الكفر والفسوق والعصيان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلى على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.

أما بعد: فقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. وأنعم الله على السلطان، وعلى المؤمنين في دولته نعما لم تعهد في القرون الخالية. وجدد الإسلام في أيامه تجديدًا، بانت فضيلته على الدول الماضية. وتحقق في ولايته خبر الصادق المصدوق، أفضل الأولين والآخرين، الذين أخبر فيه عن تجديد الدين في رؤوس المئين. والله تعالى يوزعه والمسلمين شكر هذه النعم العظيمة في الدنيا والدين، ويتمها بتمام النصر على سائر الأعداء المارقين.

وذلك أن السلطان أتم الله نعمته حصل للأمة بيمن ولايته، وحسن نيته، وصحة إسلامه وعقيدته، وبركة إيمانه ومعرفته، وفضل همته وشجاعته، وثمرة تعظيمه للدين وشرعته، ونتيجة اتباعه لكتاب الله وحكمته، ما هو شبيه بما كان يجري في أيام الخلفاء الراشدين، وما كان يقصده أكابر الأئمة العادلين، من جهاد أعداء الله المارقين من الدين، وهم صنفان:

أهل الفجور والطغيان، وذوو الغي والعدوان، الخارجون عن شرائع الإيمان، طلبا للعلو في الأرض والفساد، وتركا لسبيل الهدي والرشاد. وهؤلاء هم التتار، ونحوهم من كل خارج عن شرائع الإسلام وإن تمسك بالشهادتين، أو ببعض سياسة الإسلام.

والصنف الثاني: أهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون، الخارجون عن السنة والجماعة، المفارقون للشرعة والطاعة، مثل هؤلاء الذين غزوا بأمر السلطان من أهل الجبل، والجرد، والكسروان. فإن ما مَنَّ الله به من الفتح والنصر على هؤلاء الطغام، هو من عزائم الأمور التي أنعم الله بها على السلطان وأهل الإسلام.

وذلك أن هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين في أمر الدنيا والدين؛ فإن اعتقادهم: أن أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر، وبيعة الرضوان وجمهور المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الإسلام وعلماءهم أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعبادهم، وملوك المسلمين وأجنادهم، وعوام المسلمين وأفرادهم، كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون، أكفر من اليهود والنصاري؛ لأنهم مرتدون عندهم، والمرتد شر من الكافر الأصلى؛ ولهذا السبب يقدمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان.

ولهذا لما قدم التتار إلى البلاد، وفعلوا بعسكر المسلمين ما لا يحصي من الفساد، وأرسلوا إلى أهل قبرص فملكوا بعض الساحل، وحملوا راية الصليب، وحملوا إلى قبرص من خيل المسلمين وسلاحهم وأسراهم ما لا يحصي عدده إلا الله، وأقام سوقهم بالساحل عشرين يوما يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرص، وفرحوا بمجيء التتار، هم وسائر أهل هذا المذهب الملعون، مثل أهل جزين وما حوإليها. وجبل عامل ونواحيه.

ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية، ظهر فيهم من الخزي والنكال ما عرفه الناس منهم. ولما نصر الله الإسلام النصرة العظمي عند قدوم السلطان، كان بينهم شبيه بالعزاء.

كل هذا، وأعظم منه عند هذه الطائفة التي كانت من أعظم الأسباب في خروج جنكسخان إلى بلاد الإسلام، وفي استيلاء هولاكو على بغداد، وفي قدومه إلى حلب، وفي نهب الصالحية، وفي غير ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله.

لأن عندهم أن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر مرتد. ومن استحل الفقاع فهو كافر. ومن مسح على الخفين فهو عندهم كافر. ومن حرم المتعة فهو كافر. ومن أحب أبا بكر، أو عمر، أو عثمان، أو ترضي عنهم، أو عن جماهير الصحابة، فهو عندهم كافر. ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر.

وهذا المنتظر صبي عمره سنتان أو ثلاث، أو خمس. يزعمون أنه دخل السرداب بسامرا من أكثر من أربعمائة سنة. وهو يعلم كل شيء. وهو حجة الله على أهل الأرض. فمن لم يؤمن به فهو عندهم كافر. وهو شيء لا حقيقة له، ولم يكن هذا في الوجود قط.

وعندهم من قال: إن الله يري في الآخرة فهو كافر. ومن قال: إن الله تكلم بالقرآن حقيقة فهو كافر. ومن قال: إن الله فوق السموات فهو كافر. ومن آمن بالقضاء والقدر، وقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وإن الله يقلب قلوب عباده، وإن الله خالق كل شيء، فهو عندهم كافر. وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله، فهو عندهم كافر.

هذا هو المذهب الذي تلقنه لهم أئمتهم، مثل بني العود؛ فإنهم شيوخ أهل هذا الجبل، وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين، ويفتونهم بهذه الأمور.

وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف ابن العود وغيره. وفيها هذا وأعظم منه. وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علموهم وأمروهم، لكنهم مع هذا يظهرون التقية والنفاق. ويتقربون ببذل الأموال إلى من يقبلها منهم. وهكذا كان عادة هؤلاء الجبلية، فإنما أقاموا بجبلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق، ويبذلونه من البرطيل لمن يقصدهم.

والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة. ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله؛ ولهذا كثر فسادهم، فقتلوا من النفوس، وأخذوا من الأموال، ما لا يعلمه إلا الله.

ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها معهم في أمر لا يضبط شره، كل ليلة تنزل عليهم منهم طائفة، ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. كانوا في قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عرفت من أهل الجنايات، يرد إليهم النصاري من أهل قبرص فيضيفونهم ويعطونهم سلاح المسلمين، ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين، فإما أن يقتلوه أو يسلبوه. وقليل منهم من يفلت منهم بالحيلة.

فأعان الله ويسر بحسن نية السلطان وهمته في إقامة شرائع الإسلام، وعنايته بجهاد المارقين أن غزوا غزوة شرعية، كما أمر الله ورسوله، بعد أن كشفت أحوالهم، وأزيحت عللهم، وأزيلت شبههم، وبذل لهم من العدل والإنصاف ما لم يكونوا يطمعون به، وبين لهم أن غزوهم اقتداء بسيرة أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه في قتال الحرورية المارقين، الذين تواتر عن النبي ﷺ الأمر بقتالهم ونعت حالهم من وجوه متعددة. أخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه، من حديث على بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن حنيف، وأبي ذر الغفاري، ورافع بن عمرو، وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ.

قال فيهم: ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل. يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يقرؤون القرآن، يحسبون أنه لهم وهو عليهم، شر قتلي تحت أديم السماء، خير قتلي من قتلوه).

وأول ما خرج هؤلاء زمن أمير المؤمنين على رضي الله عنه وكان لهم من الصلاة، والصيام، والقراءة، والعبادة، والزهادة ما لم يكن لعموم الصحابة، لكن كانوا خارجين عن سنة رسول الله ﷺ، وعن جماعة المسلمين، وقتلوا من المسلمين رجلا اسمه عبد الله بن خباب، وأغاروا على دواب المسلمين.

وهؤلاء القوم كانوا أقل صلاة وصياما، ولم نجد في جبلهم مصحفا ولا فيهم قارئا للقرآن، وإنما عندهم عقائدهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، وأباحوا بها دماء المسلمين. وهم مع هذا فقد سفكوا من الدماء وأخذوا من الأموال ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى.

فإذا كان على بن أبي طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر الخوارج، مع أنه قتلهم جميعهم، كان هؤلاء أحق بأخذ أموالهم. وليس هؤلاء بمنزلة المتأولين الذين نادي فيهم على بن أبي طالب يوم الجمل: أنه لا يقتل مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يغنم لهم مالا ولا يسبي لهم ذرية؛ لأن مثل أولئك لهم تأويل سائغ، وهؤلاء ليس لهم تأويل سائغ. ومثل أولئك إنما يكونون خارجين عن طاعة الإمام. وهؤلاء خرجوا عن شريعة رسول الله ﷺ وسنته. وهم شر من التتار من وجوه متعددة، لكن التتر أكثر وأقوي؛ فلذلك يظهر كثرة شرهم.

وكثير من فساد التتر هو لمخالطة هؤلاء لهم، كما كان في زمن قازان، وهولاكو وغيرهما؛ فإنهم أخذوا من أموال المسلمين أضعاف ما أخذوا من أموالهم. وأرضهم فيء لبيت المال.

وقد قال كثير من السلف: إن الرافضة لا حق لهم من الفيء؛ لأن الله إنما جعل الفيء للمهاجرين والأنصار، { وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [578]، فمن لم يكن قلبه سليما لهم، ولسانه مستغفرًا لهم، لم يكن من هؤلاء.

وقطعت أشجارهم؛ لأن النبي ﷺ لما حاصر بني النضير قطع أصحابه نخلهم وحرقوه. فقال اليهود: هذا فساد. وأنت يا محمد تنهى عن الفساد. فأنزل الله: { مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } [579].

وقد اتفق العلماء على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر عند الحاجة إليه. فليس ذلك بأولي من قتل النفوس وما أمكن غير ذلك.

فإن القوم لم يحضروا كلهم من الأماكن التي اختفوا فيها، وأيسوا من المقام في الجبل إلا حين قطعت الأشجار. وإلا كانوا يختفون حيث لا يمكن العلم بهم. وما أمكن أن يسكن الجبل غيرهم؛ لأن التركمان إنما قصدهم الرعي، وقد صار لهم مرعي، وسائر الفلاحين لا يتركون عمارة أرضهم ويجيؤون إليه.

فالحمد لله الذي يسر هذا الفتح في دولة السلطان بهمته وعزمه وأمره، وإخلاء الجبل منهم وإخراجهم من ديارهم.

وهم يشبهون ما ذكره الله في قوله: { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عليهمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } [580].

وأيضا، فإنه بهذا قد انكسر من أهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز، واليمن، والعراق ما يرفع الله به درجات السلطان، ويعز به أهل الإيمان.

فصل تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان بحسم مادة أهل الفساد[عدل]

تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان بحسم مادة أهل الفساد، وإقامة الشريعة في البلاد؛ فإن هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان في قري كثيرة من يقتدون بهم، وينتصرون لهم، وفي قلوبهم غل عظيم، وإبطان معاداة شديدة، لا يؤمنون معها على ما يمكنهم. ولو أنه مباطنة العدو. فإذا أمسك رؤوسهم الذين يضلونهم مثل بني العود زال بذلك من الشر ما لا يعلمه إلا الله.

ويتقدم إلى قراهم، وهي قري متعددة بأعمال دمشق، وصفد، وطرابلس، وحماة، وحمص، وحلب، بأن يقام فيهم شرائع الإسلام، والجمعة، والجماعة، وقراءة القرآن، ويكون لهم خطباء ومؤذنون، كسائر قري المسلمين، وتقرأ فيهم الأحاديث النبوية، وتنشر فيهم المعالم الإسلامية، ويعاقب من عرف منهم بالبدعة والنفاق بما توجبه شريعة الإسلام.

فإن هؤلاء المحاربين وأمثالهم قالوا: نحن قوم جهال. وهؤلاء كانوا يعلموننا، ويقولون لنا: أنتم إذا قاتلتم هؤلاء تكونون مجاهدين، ومن قتل منكم فهو شهيد.

وفي هؤلاء خلق كثير لا يقرون بصلاة، ولا صيام، ولا حج ولا عمرة، ولا يحرمون الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنة والنار، من جنس الإسماعيلية، والنصيرية، والحاكمية، والباطنية، وهم كفار أكفر من اليهود والنصاري بإجماع المسلمين.

فتقدم المراسيم السلطانية بإقامة شعائر الإسلام: من الجمعة، والجماعة، وقراءة القرآن، وتبليغ أحاديث النبي ﷺ في قري هؤلاء من أعظم المصالح الإسلامية. وأبلغ الجهاد في سبيل الله. وذلك سبب لانقماع من يباطن العدو من هؤلاء، ودخولهم في طاعة الله ورسوله، وطاعة أولي الأمر من المسلمين وهو من الأسباب التي يعين الله بها على قمع الأعداء. فإن ما فعلوه بالمسلمين في أرض سيس نوع من غدرهم الذي به ينصر الله المسلمين عليهم. وفي ذلك لله حكمة عظيمة، ونصرة للإسلام جسيمة.

قال ابن عباس: ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو.

ولولا هذا وأمثاله ما حصل للمسلمين من العزم بقوة الإيمان، وللعدو من الخذلان، ما ينصر الله به المؤمنين، ويذل به الكفار والمنافقين.

والله هو المسؤول أن يتم نعمته على سلطان الإسلام خاصة، وعلى عباده المؤمنين عامة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

وكتب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية لما قدم العدو من التتار إلى حلب[عدل]

وكتب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه لما قدم العدو من التتار سنة تسع وتسعين وستمائة إلى حلب، وانصرف عسكر مصر، وبقي عسكر الشام:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة، وأسبغ عليهم نعمه باطنة وظاهرة، ونصرهم نصرا عزيزا، وفتح عليهم فتحًا كبيرًا، وجعل لهم من لدنه سلطانًا نصيرا، وجعلهم معتصمين بحبله المتين، مهتدين إلى صراطه المستقيم سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلى على صفوته من خليقته، وخيرته من بريته، محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.

أما بعد: فإن الله عز وجل بعث محمدًا ﷺ بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفي بالله شهيدا، وجعله خاتم النبيين، وسيد ولد آدم من الناس أجمعين، وجعل كتابه الذي أنزله عليه مهيمنا على ما بين يديه من الكتب ومصدقا لها، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ فهم يوفون سبعين فرقة، هم خيرها وأكرمها على الله، وقد أكمل لهم دينهم، وأتم عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام دينًا. فليس دين أفضل من دينهم الذي جاء به رسولهم، ولا كتاب أفضل من كتابهم، ولا أمة خيرًا من أمتهم، بل كتابنا ونبينا وديننا وأمتنا أفضل من كل كتاب ودين ونبي وأمة.

فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم، { وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } [581]، واحفظوا هذه التي بها تنالون نعيم الدنيا والآخرة، واحذروا أن تكونوا ممن بدل نعمة الله كفرًا، فتعرضون عن حفظ هذه النعمة ورعايتها، فيحيق بكم ما حاق بمن انقلب على عقبيه، واشتغل بما لا ينفعه من أمر الدنيا عما لا بد له منه من مصلحة دينه ودنياه، فخسر الدنيا والآخرة.

فقد سمعتم ما نعت الله به الشاكرين والمنقلبين حيث يقول: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ على أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ } [582]. أنزل الله سبحانه هذه الآية وما قبلها وما بعدها في غزوة أحد، لما انكسر المسلمون مع النبي ﷺ، وقتل جماعة من خيار الأمة، وثبت رسول الله ﷺ مع طائفة يسيرة حتى خلص إليه العدو، فكسروا رباعيته، وشجوا وجهه، وهشموا البيضة على رأسه، وقتل وجرح دونه طائفة من خيار أصحابه لذبهم عنه، ونعق الشيطان فيهم: أن محمدا قد قتل. فزلزل ذلك قلوب بعضهم، حتى انهزم طائفة، وثبت الله آخرين حتى ثبتوا.

وكذلك لما قبض النبي ﷺ، فتزلزلت القلوب، واضطرب حبل الدين، وغشيت الذلة من شاء الله من الناس، حتى خرج عليهم الصديق رضي الله تعالى عنه فقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وقرأ قوله: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ على أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ } [583]، فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها الصديق رضي الله عنه فلا يوجد من الناس إلا من يتلوها.

وارتد بسبب موت الرسول ﷺ ولما حصل لهم من الضعف جماعات من الناس، قوم ارتدوا عن الدين بالكلية، وقوم ارتدوا عن بعضه، فقالوا: نصلى، ولا نزكي. وقوم ارتدوا عن إخلاص الدين الذي جاء به محمد ﷺ. فآمنوا مع محمد بقوم من النبيين الكذابين، كمسيلمة الكذاب، وطليحة الأسدي، وغيرهما، فقام إلى جهادهم الشاكرون، الذين ثبتوا على الدين، أصحاب رسول الله ﷺ، من المهاجرين والأنصار، والطلقاء، والأعراب، ومن اتبعهم بإحسان، الذين قال الله عز وجل فيهم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [584]، هم أولئك الذين جاهدوا المنقلبين على أعقابهم الذين لم يضروا الله شيئًا.

وما أنزل الله في القرآن من آية إلا وقد عمل بها قوم، وسيعمل بها آخرون. فمن كان من الشاكرين الثابتين على الدين، الذين يحبهم الله عز وجل ورسوله، فإنه يجاهد المنقلبين على أعقابهم، الذين يخرجون عن الدين، ويأخذون بعضه ويدعون بعضه، كحال هؤلاء القوم المجرمين المفسدين، الذين خرجوا على أهل الإسلام، وتكلم بعضهم بالشهادتين، وتسمي بالإسلام من غير التزام شريعته، فإن عسكرهم مشتمل على أربع طوائف:

كافرة باقية على كفرها: من الكرج، والأرمن، والمغل.

وطائفة كانت مسلمة فارتدت عن الإسلام، وانقلبت على عقبيها: من العرب، والفرس، والروم، وغيرهم. وهؤلاء أعظم جرمًا عند الله وعند رسوله والمؤمنين من الكافر الأصلى من وجوه كثيرة. فإن هؤلاء يجب قتلهم حتمًا ما لم يرجعوا إلى ما خرجوا عنه، لا يجوز أن يعقد لهم ذمة، ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم، ولا يفادي بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، ولا يسترقون، مع بقائهم على الردة بالاتفاق. ويقتل من قاتل منهم، ومن لم يقاتل؛ كالشيخ الهرم، والأعمي، والزمن، باتفاق العلماء. وكذا نساؤهم عند الجمهور.

والكافر الأصلى يجوز أن يعقد له أمان وهدنة، ويجوز المن عليه والمفاداة به إذا كان أسيرًا عند الجمهور، ويجوز إذا كان كتابيا أن يعقد له ذمة، ويؤكل طعامهم، وتنكح نساؤهم، ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو عمل، باتفاق العلماء. وكذلك لا يقتل منهم إلا من كان من أهل القتال عند جمهور العلماء، كما دلت عليه السنة.

فالكافر المرتد أسوأ حالا في الدين والدنيا من الكافر المستمر على كفره. وهؤلاء القوم فيهم من المرتدة ما لا يحصي عددهم إلا الله. فهذان صنفان.

وفيهم أيضًا من كان كافرًا فانتسب إلى الإسلام ولم يلتزم شرائعه: من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، والكف عن دماء المسلمين وأموالهم، والتزام الجهاد في سبيل الله، وضرب الجزية على اليهود والنصاري، وغير ذلك.

وهؤلاء يجب قتالهم بإجماع المسلمين، كما قاتل الصديق مانعي الزكاة، بل هؤلاء شر منهم من وجوه، وكما قاتل الصحابة أيضًا مع أمير المؤمنين على رضي الله عنه الخوارج بأمر رسول الله ﷺ، حيث قال ﷺ في وصفهم: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)، وقال: (لو يعلم الذين يقاتلون ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل)، وقال: (هم شر الخلق والخليقة، شر قتلي تحت أديم السماء، خير قتلي من قتلوه). فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتهم وقراءتهم، أمر النبي ﷺ بقتالهم، وقاتلهم أمير المؤمنين على، وسائر الصحابة الذين معه، ولم يختلف أحد في قتالهم، كما اختلفوا في قتال أهل البصرة والشام؛ لأنهم كانوا يقاتلون المسلمين. فإن هؤلاء شر من أولئك من غير وجه، وإن لم يكونوا مثلهم في الاعتقاد؛ فإن معهم من يوافق رأيه في المسلمين رأي الخوارج. فهذه ثلاثة أصناف.

وفيهم صنف رابع شر من هؤلاء. وهم قوم ارتدوا عن شرائع الإسلام وبقوا مستمسكين بالانتساب إليه. فهؤلاء الكفار المرتدون، والداخلون فيه من غير التزام لشرائعه، والمرتدون عن شرائعه لا عن سمته، كلهم يجب قتالهم بإجماع المسلمين، حتى يلتزموا شرائع الإسلام، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وحتى تكون كلمة الله التي هي كتابه وما فيه من أمره ونهيه وخبره هي العليا. هذا إذا كانوا قاطنين في أرضهم، فكيف إذا استولوا على أراضي الإسلام: من العراق، وخراسان، والجزيرة، والروم، فكيف إذا قصدوكم وصالوا عليكم بغيا وعدوانًا؟! { أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عليهمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ على مَن يَشَاء وَاللهُ عليمٌ حَكِيمٌ } [585].

واعلموا أصلحكم الله أن النبي ﷺ قد ثبت عنه من وجوه كثيرة أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة)، وثبت أنهم بالشام.

فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق: الطائفة المنصورة، وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين. والطائفة المخالفة، وهم هؤلاء القوم، ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام. والطائفة المخذلة، وهم القاعدون عن جهادهم؛ وإن كانوا صحيحي الإسلام. فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة؟فما بقي قسم رابع.

واعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في كتابه: { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَي الْحُسْنَيَيْنِ } [586] يعني: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة. فمن عاش من المجاهدين كان كريمًا له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة. قال النبي ﷺ: (يعطي الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه، ويري مقعده من الجنة، ويكسي حلة من الإيمان، ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين، ويوقي فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر) رواه أهل السنن. وقال ﷺ: (إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، أعدها الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في سبيله)، فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد. وقال ﷺ: (مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت، الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام)، وقال رجل: أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: (لا تستطيعه). قال: أخبرني به؟ قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر، وتقوم لا تفتر؟) قال: لا، قال: (فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله). وهذه الأحاديث في الصحيحين وغيرهما.

وكذلك اتفق العلماء فيما أعلم على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد. فهو أفضل من الحج، وأفضل من الصوم التطوع، وأفضل من الصلاة التطوع.

والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس، حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود. فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في أفضل الليالى عند أفضل البقاع؛ ولهذا كان النبي ﷺ وأصحابه يقيمون بالمدينة دون مكة؛ لمعان منها: أنهم كانوا مرابطين بالمدينة. فإن الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدو ويخيف العدو، فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط، والأعمال بالنيات. قال رسول الله ﷺ: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل). رواه أهل السنن وصححوه. وفي صحيح مسلم عن سلمان، أن النبي ﷺ قال: (رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطًا أجري عليه عمله، وأجري عليه رزقه من الجنة، وأمن الفتان)، يعني: منكر ونكير. فهذا في الرباط فكيف الجهاد؟! وقال ﷺ: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد أبدًا)، وقال: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار)، فهذا في الغبار الذي يصيب الوجه والرجل، فكيف بما هو أشق منه، كالثلج، والبرد، والوحل؟!

ولهذا عاب الله عز وجل المنافقين الذين يتعللون بالعوائق، كالحر والبرد، فقال سبحانه وتعالى: { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } [587]، وهكذا الذين يقولون: لا تنفروا في البرد، فيقال: نار جهنم أشد بردًا. كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (اشتكت النار إلى ربها، فقالت: ربي أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر والبرد فهو من زمهرير جهنم)، فالمؤمن يدفع بصبره على الحر والبرد في سبيل الله حر جهنم وبردها، والمنافق يفر من حر الدنيا وبردها حتى يقع في حر جهنم وزمهريرها.

واعلموا أصلحكم الله أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين، وأن الله مع الذين اتقوا

والذين هم محسنون. وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون. والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم، ومنتقم لنا منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [588]، وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه، والحمد لله رب العالمين. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } [589].

واعلموا أصلحكم الله أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيرًا أن أحياه إلى هذا الوقت الذى يجدد الله فيه الدين، ويحيى فيه شعار المسلمين، وأحوال المؤمنين والمجاهدين، حتى يكون شبيها بالسابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار. فمن قام في هذا الوقت بذلك، كان من التابعين لهم بإحسان، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم. فينبغى للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على هذه المحنة التى حقيقتها منحة كريمة من الله، وهذه الفتنة التى باطنها نعمة جسيمة، حتى والله لو كان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار كأبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وغيرهم حاضرين في هذا الزمان، لكان من أفضل أعمالهم جهاد هؤلاء القوم المجرمين.

ولا يفوت مثل هذه الغزاة إلا من خسرت تجارته، وسفه نفسه، وحرم حظًا عظيمًا من الدنيا والآخرة، إلا أن يكون ممن عذر الله تعالى كالمريض، والفقير، والأعمى وغيرهم، وإلا فمن كان له مال وهو عاجز ببدنه فليغز بماله. ففى الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من جهز غازيًا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)، ومن كان قادرًا ببدنه وهو فقير، فليأخذ من أموال المسلمين ما يتجهز به سواء كان المأخوذ زكاة، أو صلة، أو من بيت المال، أو غير ذلك، حتى لو كان الرجل قد حصل بيده مال حرام وقد تعذر رده إلى أصحابه لجهله بهم ونحو ذلك، أو كان بيده ودائع أو رهون أو عوار قد تعذر معرفة أصحابها فلينفقها في سبيل الله، فإن ذلك مصرفها.

ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد؛ فإن الله عز وجل يغفر ذنوبه، كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } [590]. ومن أراد التخلص من الحرام والتوبة ولا يمكن رده إلى أصحابه فلينفقه في سبيل الله على أصحابه، فإن ذلك طريق حسنة إلى خَلاَصه، مع ما يحصل له من أجر الجهاد.

وكذلك من أراد أن يُكَفِّر الله عنه سيئاته في دعوى الجاهلية وحميتها فعليه بالجهاد؛ فإن الذين يتعصبون للقبائل وغير القبائل مثل قيس ويمن، وهلال وأسد ونحو ذلك كل هؤلاء إذا قتلوا، فإن القاتل والمقتول في النار، كذلك صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار). قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: (إنه كان حريصًا على قتل أخيه). أخرجاه في الصحيحين. وقال ﷺ: (من قتل تحت راية عَمِيَّة: يغضب لعَصَبِيَّة، ويدعو لعصبية فهو في النار). رواه مسلم. وقال ﷺ: (من تَعَزَّى بعزاء أهل الجاهلية فأعِضُّوه بهن أبيه ولا تَكْنُوا) فسمع أبى بن كعب رجلا يقول: يا لفلان، فقال: اعضض أيْرَ أبيك، فقال: يا أبا المنذر، ما كنت فاحشا. فقال: بهذا أمرنا رسول الله ﷺ. رواه أحمد في مسنده.

ومعنى قوله: (من تعزى بعزاء الجاهلية) يعنى: يتعزى بعزواتهم، وهى الانتساب إليهم في الدعوة، مثل قوله: يا لقيس! يا ليمن! ويا لهلال! ويا لأسد، فمن تعصب لأهل بلدته، أو مذهبه، أو طريقته، أو قرابته، أو لأصدقائه دون غيرهم، كانت فيه شعبة من الجاهلية، حتى يكون المؤمنون كما أمرهم الله تعالى معتصمين بحبله وكتابه وسنة رسوله. فإن كتابهم واحد، ودينهم واحد، ونبيهم واحد، وربهم إله واحد، لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم، وإليه ترجعون. قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } [591]. قال ابن عباس رضى الله عنهما: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل الفرقة والبدعة.

فالله، الله، عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله، والجهاد في سبيله؛ يجمع الله قلوبكم، ويكفر عنكم سيئاتكم، ويحصل لكم خير الدنيا والآخرة. أعاننا الله وإياكم على طاعته وعبادته، وصرف عنا وعنكم سبيل معصيته، وأتانا وإياكم في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة، ووقانا عذاب النار، وجعلنا وإياكم ممن رضى الله عنه وأعد له جنات النعيم، إنه على كل شىء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

عن أعداء الله[عدل]

وقال قدس الله روحه:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنا نحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شىء قدير، ونسأله أن يصلى على صفوته من خليقته وخيرته من بريته محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.

أما بعد: فقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا } [592] والله تعالى يحقق لنا التمام بقوله: { وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا } [593].

فإن هذه الفتنة التى ابتلى بها المسلمون مع هذا العدو المفسد، الخارج عن شريعة الإسلام، قد جرى فيها شبيه بما جرى للمسلمين مع عدوهم على عهد رسول الله ﷺ في المغازى التى أنزل الله فيها كتابه، وابتلى بها نبيه والمؤمنين، مما هو أسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرًا إلى يوم القيامة، فإن نصوص الكتاب والسنة، اللذين هما دعوة محمد ﷺ، يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظى والمعنوى، أو بالعموم المعنوى. وعهود الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخر هذه الأمة، كما نالت أولها. وإنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأمم، لتكون عبرة لنا. فنشبه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها. فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين. ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين، كما قال تعالى لما قص قصة يوسف مفصلة، وأجمل قصص الأنبياء، ثم قال: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى } [594] أى: هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من القصص المكذوبة، كنحو ما يذكر في الحروب من السير المكذوبة.

وقال تعالى لما ذكر قصة فرعون: { فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى } [595]. وقال في سيرة نبينا محمد ﷺ مع أعدائه ببدر وغيرها: { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ } [596]. وقال تعالى في محاصرته لبنى النضير: { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } [597]. فأمرنا أن نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من هذه الأمة، وممن قبلها من الأمم.

وذكر في غير موضع: أن سنته في ذلك سنة مطردة، وعادته مستمرة. فقال تعالى: { لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا } [598]. وقال تعالى: { وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا } [599]. وأخبر سبحانه أن دأب الكافرين من المستأخرين كدأب الكافرين من المستقدمين.

فينبغى للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده. ودأب الأمم وعاداتهم، لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التى طبق الخافقين خبرها، واستطار في جميع ديار الإسلام شررها، وأطلع فيها النفاق ناصية رأسه، وكشر فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيه عمود الكتاب أن يجتث ويخترم. وحبل الإيمان أن ينقطع ويصطلم. وعقر دار المؤمنين أن يحل بها البوار. وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار. وظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أن ما وعدهم الله ورسوله إلا غرورًا. وأن لن ينقلب حزب الله ورسوله إلى أهليهم أبدًا، وزين ذلك في قلوبهم، وظنوا ظن السوء وكانوا قومًا بورًا، ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران، وأنزلت الرجل الصاحى منزلة السكران، وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، حتى بقى للرجل بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان، وميز الله فيها أهل البصائر والإيقان، من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق وضعف إيمان، ورفع بها أقوامًا إلى الدرجات العالية، كما خفض بها أقوامًا إلى المنازل الهاوية، وكفر بها عن آخرين أعمالهم الخاطئة، وحدث من أنواع البلوى ما جعلها قيامة مختصرة من القيامة الكبرى.

فإن الناس تفرقوا فيها ما بين شقى وسعيد، كما يتفرقون كذلك في اليوم الموعود، وفر الرجل فيها من أخيه وأمه وأبيه؛ إذ كان لكل امرئ منهم شأن يغنيه. وكان من الناس من أقصى همته النجاة بنفسه، لا يلوى على ماله ولا ولده ولا عرسه. كما أن منهم من فيه قوة على تخليص الأهل والمال. وآخر فيه زيادة معونة لمن هو منه ببال. وآخر منزلته منزلة الشفيع المطاع. وهم درجات عند الله في المنفعة والدفاع. ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلا الإيمان والعمل الصالح، والبر والتقوى. وبليت فيها السرائر. وظهرت الخبايا التى كانت تكنها الضمائر. وتبين أن البهرج من الأقوال والأعمال يخون صاحبه أحوج ما كان إليه في المآل. وذم سادته وكبراءه من أطاعهم فأضلوه السبيلا. كما حمد ربه من صدق في إيمانه فاتخذ مع الرسول سبيلا. وبان صدق ما جاء به الآثار النبوية، من الأخبار بما يكون. وواطأتها قلوب الذين هم في هذه الأمة محدثون، كما تواطأت عليه المبشرات التى أريها المؤمنون. وتبين فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين، الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة. حيث تحزبت الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين. وآخر خاذل له. وآخر خارج عن شريعة الإسلام.

وانقسم الناس ما بين مأجور ومعذور. وآخر قد غره بالله الغرور. وكان هذا الامتحان تمييزًا من الله وتقسيمًا؛ { لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } [600].

ووجه الاعتبار في هذه الحادثة العظيمة: أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرع له الجهاد إباحة له أولا، ثم إيجابًا له ثانيًا لما هاجر إلى المدينة، وصار له فيها أنصار ينصرون الله ورسوله، فغزا بنفسه ﷺ مدة مقامه بدار الهجرة، وهو نحو عشر سنين؛ بضعًا وعشرين غزوة. أولها غزوة بدر وآخرها غزوة تبوك. أنزل الله في أول مغازيه سورة الأنفال وفى آخرها سورة براءة. وجمع بينهما في المصحف؛ لتشابه أول الأمر وآخره، كما قال أمير المؤمنين عثمان لما سئل عن القران بين السورتين من غير فصل بالبسملة.

وكان القتال منها في تسع غزوات.

فأول غزوات القتال بدر، وآخرها حنين، والطائف. وأنزل الله فيها ملائكته، كما أخبر به القرآن؛ ولهذا صار الناس يجمعون بينهما في القول، وإن تباعد ما بين الغزوتين مكانًا وزمانًا؛ فإن بدرًا كانت في رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، ما بين المدينة ومكة، شامى مكة، وغزوة حنين في آخر شوال من السنة الثامنة. وحنين واد قريب من الطائف، شرقى مكة. ثم قسم النبي ﷺ غنائمها بالجِعْرَانة واعتمر من الجعرانة. ثم حاصر الطائف فلم يقاتله أهل الطائف زحفًا وصفوفًا وإنما قاتلوه من وراء جدار. فآخر غزوة كان فيها القتال زحفًا واصطفافًا هى غزوة حنين. وكانت غزوة بدر أول غزوة ظهر فيها المسلمون على صناديد الكفار، وقتل الله أشرافهم وأسر رؤوسهم، مع قلة المسلمين وضعفهم؛ فإنهم كانوا ثلاثمائة وبضع عشر، ليس معهم إلا فرسان، وكان يعتقب الاثنان والثلاثة على البعير الواحد. وكان عدوهم بقدرهم أكثر من ثلاث مرات، في قوة وعدة وهيئة وخيلاء.

فلما كان من العام المقبل غزا الكفار المدينة، وفيها النبي ﷺ وأصحابه. فخرج إليهم النبي ﷺ وأصحابه في نحو من ربع الكفار، وتركوا عيالهم بالمدينة، لم ينقلوهم إلى موضع آخر. وكانت أولا الكَرَّة للمسلمين عليهم، ثم صارت للكفار. فانهزم عامة عسكر المسلمين إلا نفرًا قليلا حول النبي ﷺ منهم من قتل، ومنهم من جرح. وحرصوا على قتل النبي ﷺ حتى كسروا رباعيته، وشجوا جبينه، وهشموا البيضة على رأسه. وأنزل الله فيها شطرًا من سورة آل عمران، من قوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [601]، وقال فيها: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [602]، وقال فيها: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [603]، وقال فيها: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [604].

وكان الشيطان قد نعق في الناس: أن محمدًا قد قتل، فمنهم من تزلزل لذلك فهرب. ومنهم من ثبت فقاتل، فقال الله تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ } [605].

وكان هذا مثل حال المسلمين لما انكسروا في العام الماضي. وكانت هزيمة المسلمين في العام الماضي بذنوب ظاهرة، وخطايا واضحة، من فساد النيات، والفخر والخيلاء، والظلم، والفواحش، والإعراض عن حكم الكتاب والسنة، وعن المحافظة على فرائض الله، والبغى على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم، وكان عدوهم في أول الأمر راضيًا منهم بالموادعة والمسالمة، شارعًا في الدخول في الإسلام. وكان مبتدئًا في الإيمان والأمان، وكانوا قد أعرضوا عن كثير من أحكام الإيمان.

فكان من حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم بما ابتلاهم به ليمحص الله الذين آمنوا، وينيبوا إلى ربهم، وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغى والمكر، والنكث، والخروج عن شرائع الإسلام، فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر، وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام.

فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم الذى هو على الحال المذكورة لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف. كما أن نصر الله للمسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة. وهزيمتهم يوم أحد كان نعمة ورحمة على المؤمنين؛ فإن النبي ﷺ قال: (لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء فشكر الله كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له).

فلما كانت حادثة المسلمين عام أول شبيهة بأحد، وكان بعد أحد بأكثر من سنة وقيل: بسنتين قد ابتلى المسلمون عام الخندق، كذلك في هذا العام ابتلى المؤمنون بعدوهم، كنحو ما ابتلى المسلمون مع النبي ﷺ عام الخندق، وهى غزوة الأحزاب التى أنزل الله فيها سورة الأحزاب وهى سورة تضمنت ذكر هذه الغزاة، التى نصر الله فيها عبده ﷺ، وأعز فيها جنده المؤمنين، وهزم الأحزاب الذين تحزبوا عليه وحده بغير قتال، بل بثبات المؤمنين بإزاء عدوهم. ذكر فيها خصائص رسول الله ﷺ، وحقوقه، وحرمته، وحرمة أهل بيته، لما كان هو القلب الذى نصره الله فيها بغير قتال. كما كان ذلك في غزوتنا هذه سواء. وظهر فيها سر تأييد الدين، كما ظهر في غزوة الخندق. وانقسم الناس فيها كانقسامهم عام الخندق.

وذلك أن الله تعالى منذ بعث محمدًا ﷺ وأعزه بالهجرة والنصرة صار الناس ثلاثة أقسام:

قسمًا مؤمنين: وهم الذين آمنوا به ظاهرًا وباطنًا.

وقسمًا كفارا: وهم الذين أظهروا الكفر به.

وقسمًا منافقين: وهم الذين آمنوا ظاهرًا، لا باطنًا.

ولهذا افتتح سورة البقرة بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين. وثلاث عشرة آية في صفة المنافقين.

وكل واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب، كما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة، وكما فسره أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه في الحديث المأثور عنه في الإيمان ودعائه وشعبه.

فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبىّ وغيره؛ بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك، مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا لله ورسوله. وهذا القدر كان موجودًا في زمن رسول الله ﷺ، وما زال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده؛ لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى. فإذا كانت مع قوتها وكان النفاق معها موجودًا فوجوده فيما دون ذلك أولى.

وكما أنه ﷺ كان يعلم بعض المنافقين، ولا يعلم بعضهم، كما بينه قوله: { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } [606]، كذلك خلفاؤه بعده وورثته، قد يعلمون بعض المنافقين، ولا يعلمون بعضهم. وفى المنتسبين إلى الإسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون، في الخاصة والعامة. ويسمون الزنادقة.

وقد اختلف العلماء في قبول توبتهم في الظاهر، لكون ذلك لا يعلم؛ إذ هم دائمًا يظهرون الإسلام. وهؤلاء يكثرون في المتفلسفة من المنجمين، ونحوهم، ثم في الأطباء، ثم في الكتاب أقل من ذلك. ويوجدون في المتصوفة والمتفقهة، وفى المقاتلة والأمراء، وفى العامة أيضًا. ولكن يوجدون كثيرًا في نحل أهل البدع، لاسيما الرافضة، ففيهم من الزنادقة والمنافقين ما ليس في أحد من أهل النحل؛ ولهذا كانت الخُرَّمِيَّة، والباطنية، والقرامطة، والإسماعيلية، والنُّصَيْريَّة، ونحوهم من المنافقية الزنادقة، منتسبة إلى الرافضة.

وهؤلاء المنافقون في هذه الأوقات لكثير منهم ميل إلى دولة هؤلاء التتار؛ لكونهم لا يلزمونهم شريعة الإسلام، بل يتركونهم وما هم عليه. وبعضهم إنما ينفرون عن التتار لفساد سيرتهم في الدنيا، واستيلائهم على الأموال، واجترائهم على الدماء، والسبى، لا لأجل الدين.

فهذا ضرب النفاق الأكبر.

وأما النفاق الأصغر، فهو النفاق في الأعمال ونحوها؛ مثل أن يكذب إذا حدث، ويخلف إذا وعد، ويخون إذا ائتمن، أو يفجر إذا خاصم. ففى الصحيحين عن النبي ﷺ: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)، وفى رواية صحيحة: (وإن صلى، وصام، وزعم أنه مسلم)، وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا عاهد غدر. وإذا خاصم فجر).

ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين. قال النبي ﷺ: (من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من نفاق). رواه مسلم. وقد أنزل الله سورة براءة التى تسمى الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين. أخرجاه في الصحيحين عن ابن عباس، قال: هى الفاضحة، ما زالت تنزل: (ومنهم)، (ومنهم) حتى ظنوا ألا يبقى أحد إلا ذكر فيها. وعن المقداد بن الأسود قال: هي سورة البحوث؛ لأنها بحثت عن سرائر المنافقين. وعن قتادة قال: هى المثيرة؛ لأنها أثارت مخازى المنافقين.

وعن ابن عباس قال: هى المبعثرة. والبعثرة والإثارة متقاربان.

وعن ابن عمر: أنها المقشقشة؛ لأنها تبرئ من مرض النفاق. يقال: تقشقش المريض إذا برأ. وقال الأصمعى: وكان يقال لسورتى الإخلاص: المقشقشتان؛ لأنهما يبرئان من النفاق.

وهذه السورة نزلت في آخر مغازى النبي ﷺ غروة تبوك عام تسع من الهجرة، وقد عز الإسلام، وظهر. فكشف الله فيها أحوال المنافقين، ووصفهم فيها بالجبن، وترك الجهاد. ووصفهم بالبخل عن النفقة في سبيل الله، والشح على المال. وهذان داءان عظيمان: الجبن والبخل. قال النبي ﷺ: (شر ما في المرء شح هالع، وجبن خالع). حديث صحيح؛ ولهذا قد يكونان من الكبائر الموجبة للنار، كما دل عليه قوله: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [607]. وقال تعالى: { وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفا لِّقِتَالٍ أَوْ

مُتَحَيِّزا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [608].

وأما وصفهم بالجبن والفزع، فقال تعالى: { وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } [609]. فأخبر سبحانه أنهم وإن حلفوا أنهم من المؤمنين فما هم منهم؛ ولكن يفزعون من العدو. ف { لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً } يلجؤون إليه من المعاقل والحصون التى يفر إليها من يترك الجهاد، أو { مَغَارَاتٍ } وهى جمع مغارة. ومغارات سميت بذلك؛ لأن الداخل يغور فيها، أى: يستتر كما يغور الماء. { أّوً مٍدَّخّلاْ } وهو الذى يتكلف الدخول إليه، إما لضيق بابه، أو لغير ذلك، أى: مكانا يدخلون إليه. ولو كان الدخول بكلفة ومشقة. { لَّوَلَّوْاْ } عن الجهاد { إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } أى: يسرعون إسراعا لا يردهم شىء، كالفرس الجموح الذى إذا حمل لا يرده اللجام. وهذا وصف منطبق على أقوام كثيرين في حادثتنا، وفيما قبلها من الحوادث، وبعدها.

وكذلك قال في سورة محمد ﷺ: { فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ } أى: فبعدا لهم { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ } [610]، وقال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [611]، فحصر المؤمنين فيمن آمن وجاهد.

وقال تعالى: { لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } [612]. فهذا إخبار من الله بأن المؤمن لا يستأذن الرسول في ترك الجهاد، وإنما يستأذنه الذى لا يؤمن، فكيف بالتارك من غير استئذان ؟!

ومن تدبر القرآن وجد نظائر هذا متظافرة على هذا المعنى.

وقال في وصفهم بالشح: { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ } [613]. فهذه حال من أنفق كارها، فكيف بمن ترك النفقة رأسا؟! وقال: { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } [614]. وقال: { وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } [615].

وقال في السورة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } [616]، فانتظمت هذه الآية حال من أخذ المال بغير حقه، أو منعه من مستحقه من جميع الناس؛ فإن الأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد. وقد أخبر أن كثيرا منهم يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون أى: يعرضون ويمنعون. يقال: صد عن الحق صدودا، وصد غيره صدا.

وهذا يندرج فيه ما يؤكل بالباطل: من وقف، أو عَطِيَّة على الدين، كالصلاة، والنذور التى تنذر لأهل الدين، ومن الأموال المشتركة، كأموال بيت المال، ونحو ذلك. فهذا فيمن يأكل المال بالباطل بشبهة دين.

ثم قال: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ }، فهذا يندرج فيه من كنز المال عن النفقة الواجبة في سبيل الله. والجهاد أحق الأعمال باسم سبيل الله، سواء كان ملكا أو مقدما، أو غنيا، أو غير ذلك. وإذا دخل في هذا ما كنز من المال الموروث والمكسوب، فما كنز من الأموال المشتركة التى يستحقها عموم الأمة ومستحقها: مصالحهم أولى وأحرى.

فصل في النفاق الأكبر والنفاق الأصغر[عدل]

فإذًا تبين بعض معنى المؤمن والمنافق. فإذا قرأ الإنسان سورة الأحزاب وعرف من المنقولات في الحديث، والتفسير، والفقه، والمغازي، كيف كانت صفة الواقعة التى نزل بها القرآن، ثم اعتبر هذه الحادثة بتلك، وجد مصداق ما ذكرنا. وأن الناس انقسموا في هذه الحادثة إلى الأقسام الثلاثة. كما انقسموا في تلك. وتبين له كثير من المتشابهات.

افتتح الله السورة بقوله: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } [617]، وذكر في أثنائها قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } [618]، ثم قال: { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } [619]. فأمره باتباع ما أوحى إليه من الكتاب والحكمة التى هى سنته وبأن يتوكل على الله. فبالأولى يحقق قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }، وبالثانية يحقق قوله: { إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }. ومثل ذلك قوله: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } [620]، وقوله: { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [621].

وهذا وإن كان مأمورا به في جميع الدين، فإن ذلك في الجهاد أوكد؛ لأنه يحتاج إلى أن يجاهد الكفار والمنافقين، وذلك لا يتم إلا بتأييد قوى من الله؛ ولهذا كان الجهاد سنام العمل، وانتظم سنام جميع الأحوال الشريفة. ففيه سنام المحبة، كما في قوله: { فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ } [622]. وفيه سنام التوكل، وسنام الصبر، فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل؛ولهذا قال تعالى: { وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [623]، { قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [624].

ولهذا كان الصبر واليقين اللذان هما أصل التوكل يوجبان الإمامة في الدين، كما دل عليه قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } [625].

ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التى هى محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [626]. فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى؛ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شىء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم؛ لأن الله يقول: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }

وفى الجهاد أيضا: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا، وفى الدار الدنيا.

وفيه أيضا: حقيقة الإخلاص؛ فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله، لا في سبيل الرياسة، ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحمية، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هى العليا.

وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود، كما قال تعالى: { إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } [627]. و { الجَنَّةَ } اسم للدار التى حوت كل نعيم. أعلاه النظر إلى الله، إلى ما دون ذلك مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، مما قد نعرفه وقد لا نعرفه، كما قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله ﷺ: (أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).

فقد تبين بعض أسباب افتتاح هذه السورة بهذا.

ثم إنه تعالى قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } [628].

وكان مختصر القصة: أن المسلمين تحزب عليهم عامة المشركين الذين حولهم، وجاؤوا بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين، فاجتمعت قريش وحلفاؤها من بنى أسد، وأشجع، وفزارة، وغيرهم من قبائل نجد. واجتمعت أيضا اليهود، من قريظة، والنضير. فإن بنى النضير كان النبي ﷺ قد أجلاهم قبل ذلك، كما ذكره الله تعالى في سورة الحشر. فجاؤوا في الأحزاب إلى قريظة وهم معاهدون للنبى ﷺ، ومجاورون له، قريبًا من المدينة، فلم يزالوا بهم حتى نقضت قريظة العهد، ودخلوا في الأحزاب. فاجتمعت هذه الأحزاب العظيمة، وهم بقدر المسلمين مرات متعددة. فرفع النبي ﷺ الذرية من النساء والصبيان في آطام المدينة، وهى مثل الجواسق، ولم ينقلهم إلى مواضع أخر. وجعل ظهرهم إلى سلع وهو الجبل القريب من المدينة من ناحية الغرب والشام وجعل بينه وبين العدو خندقا. والعدو قد أحاط بهم من العالية والسافلة. وكان عدوا شديد العداوة، لو تمكن من المؤمنين لكانت نكايته فيهم أعظم النكايات.

وفى هذه الحادثة تحزب هذا العدو من مغل وغيرهم من أنواع الترك، ومن فرس ومستعربة، ونحوهم من أجناس المرتدة، ومن نصارى الأرمن وغيرهم. ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين، وهو بين الإقدام والإحجام، مع قلة من بإزائهم من المسلمين. ومقصودهم الاستيلاء على الدار، واصطلام أهلها. كما نزل أولئك بنواحى المدينة بإزاء المسلمين.

ودام الحصار على المسلمين عام الخندق على ما قيل: بضعا وعشرين ليلة. وقيل: عشرين ليلة.

وهذا العدو عبر الفرات سابع عشر ربيع الآخر، وكان أول انصرافه راجعا عن حلب لما رجع مقدمهم الكبير قازان بمن معه؛ يوم الاثنين حادى أو ثانى عشر جمادى الأولى، يوم دخل العسكر عسكر المسلمين إلى مصر المحروسة. واجتمع بهم الداعى، وخاطبهم في هذه القضية. وكان الله سبحانه وتعالى لما ألقى في قلوب المؤمنين ما ألقى من الاهتمام والعزم: ألقى الله في قلوب عدوهم الروع والانصراف.

وكان عام الخندق برد شديد، وريح شديدة منكرة، بها صرف الله الأحزاب عن المدينة، كما قال تعالى: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا } [629].

وهكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد على خلاف أكثر العادات حتى كره أكثر الناس ذلك. وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك؛ فإن لله فيه حكمة ورحمة. وكان ذلك من أعظم الأسباب التى صرف الله به العدو؛ فإنه كثر عليهم الثلج والمطر والبرد، حتى هلك من خيلهم ما شاء الله. وهلك أيضًا منهم من شاء الله. وظهر فيهم وفى بقية خيلهم من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال، حتى بلغنى عن بعض كبار المقدمين في أرض الشام أنه قال: لا بيض الله وجوهنا، أعدونا في الثلج إلى شعره، ونحن قعود لا نأخذهم؟ وحتى علموا أنهم كانوا صيدًا للمسلمين، لو يصطادونهم، لكن في تأخير الله اصطيادهم حكمة عظيمة.

وقال الله في شأن الأحزاب: { إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا } [630].

وهكذا هذا العام. جاء العدو من ناحيتى علو الشام وهو شمال الفرات وهو قبلى الفرات فزاغت الأبصار زيغًا عظيمًا، وبلغت القلوب الحناجر؛ لعظم البلاء، لا سيما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر، وتقرب العدو، وتوجهه إلى دمشق. وظن الناس بالله الظنونا. هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام، حتى يصطلموا أهل الشام. وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة، وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر. وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن، ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام. وهذا يظن أنهم يأخذونها، ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها، فلا يقف قدامهم أحد، فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن، ونحوها. وهذا إذا أحسن ظنه قال: إنهم يملكونها العام، كما ملكوها عام هولاكو، سنة سبع وخمسين. ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم، كما خرج ذلك العام. وهذا ظن خيارهم. وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية، وأهل التحديث والمبشرات أمانى كاذبة، وخرافات لاغية. وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع، حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب، ليس له عقل يتفهم، ولا لسان يتكلم.

وهذا قد تعارضت عنده الأمارات، وتقابلت عنده الإرادات، لا سيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب. ولا يميز في التحديث بين المخطئ والصائب. ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء، بل إما أن يكون جاهلا بها وقد سمعها سماع العبر، ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها الخفية، ولا يهتدى لدفع ما يتخيل أنه معارض لها في بادئ الروية.

فلذلك استولت الحيرة على من كان متسمًا بالاهتداء، وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء، { هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا } [631]. ابتلاهم الله بهذا الابتلاء، الذى يكفر به خطيآتهم، ويرفع به درجاتهم، وزلزلوا بما يحصل لهم من الرجفات، ما استوجبوا به أعلى الدرجات. قال الله تعالى: { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا } [632]. وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية، والخلافة الرسالية، وحزب الله المحدثون عنه. حتى حصل لهؤلاء التأسى برسول الله ﷺ، كما قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [633].

فأما المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم.

وأما الذين في قلوبهم مرض، فقد تكرر ذكرهم في هذه السورة، فذكروا هنا، وفى قوله: { لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ } [634]، وفى قوله: { فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } [635].

وذكر الله مرض القلب في مواضع، فقال تعالى: { إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ } [636].

والمرض في القلب كالمرض في الجسد، فكما أن هذا هو إحالة عن الصحة والاعتدال من غير موت، فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال، من غير أن يموت القلب، سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه، أو أفسد عمله وحركته.

وذلك كما فسروه هو من ضعف الإيمان، إما بضعف علم القلب واعتقاده، وإما بضعف عمله وحركته. فيدخل فيه من ضعف تصديقه، ومن غلب عليه الجبن والفزع؛ فإن أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك، كلها أمراض. وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التى فيه.

وعلى هذا فقوله: { فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } [637] هو إرادة الفجور، وشهوة الزنا، كما فسروه به. ومنه قول النبي ﷺ: (وأى داء أدوأ من البخل؟!).

وقد جعل الله تعالى كتابه شفاء لما في الصدور، وقال النبي ﷺ: (إنما شفاء العِىِّ السؤال).

وكان يقول في دعائه: (اللهم إنى أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء).

ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه، كما ذكروا أن رجلا شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحدًا. أى: خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك؛ ولهذا أوجب الله على عباده ألا يخافوا حزب الشيطان، بل لا يخافون غيره تعالى فقال: { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [638] أى: يخوفكم أولياءه. وقال لعموم بنى إسرائيل تنبيهًا لنا: { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } [639].

وقال: { فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ } [640]. وقال: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [641]. وقال تعالى: { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ } [642]. وقال: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ } [643]. وقال: { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ } [644]. وقال: { أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } [645].

فدلت هذه الآية وهى قوله تعالى: { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } [646] على أن المرض والنفاق في القلب يوجب الريب في الأنباء الصادقة التى توجب أمن الإنسان من الخوف، حتى يظنوا أنها كانت غرورًا لهم، كما وقع في حادثتنا هذه سواء.

ثم قال تعالى: { وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا } [647]، وكان النبي ﷺ قد عسكر بالمسلمين عند سَلْع، وجعل الخندق بينه وبين العدو. فقالت طائفة منهم: لا مقام لكم هنا؛ لكثرة العدو، فارجعوا إلى المدينة. وقيل: لا مقام لكم على دين محمد، فارجعوا إلى دين الشرك. وقيل: لا مقام لكم على القتال، فارجعوا إلى الاستئمان والاستجارة بهم.

وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم، فينبغى الدخول في دولة التتار. وقال بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن، بل ننتقل عنها، إما إلى الحجاز واليمن، وإما إلى مصر. وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء، كما قد استسلم لهم أهل العراق، والدخول تحت حكمهم.

فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة. كما قيلت في تلك. وهكذا قال طائفة من المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، لأهل دمشق خاصة والشام عامة: لا مقام لكم بهذه الأرض.

ونفى المقام بها أبلغ من نفى المقام. وإن كانت قد قرئت بالضم أيضًا. فإن من لم يقدر أن يقوم بالمكان، فكيف يقيم به؟!

قال الله تعالى: { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا } [648].

وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون والناس مع النبي ﷺ عند سَلْع داخل الخندق، والنساء والصبيان في آطام المدينة: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، أى: مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل وأصل العورة: الخالى الذى يحتاج إلى حفظ وستر. يقال: اعور مجلسك إذا ذهب ستره، أو سقط جداره. ومنه عورة العدو. وقال مجاهد والحسن: أى ضائعة تخشى عليها السراق. وقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلى العدو، فلا نأمن على أهلنا، فائذن لنا أن نذهب إليها؛لحفظ النساء والصبيان. قال الله تعالى: { وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ } ؛ لأن الله يحفظها { إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا } فهم يقصدون الفرار من الجهاد، ويحتجون بحجة العائلة.

وهكذا أصاب كثيرًا من الناس في هذه الغزاة. صاروا يفرون من الثغر إلى المعاقل والحصون، وإلى الأماكن البعيدة، كمصر، ويقولون: ما مقصودنا إلا حفظ العيال، وما يمكن إرسالهم مع غيرنا، وهم يكذبون في ذلك، فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق، لو دنا العدو، كما فعل المسلمون على عهد رسول الله ﷺ. وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد، فكيف بمن فر بعد إرسال عياله؟ قال الله تعالى: { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا } [649]، فأخبر أنه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة وهى الافتتان عن الدين بالكفر، أو النفاق لأعطوا الفتنة، ولجاؤوها من غير توقف.

وهذه حال أقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم. ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام وتلك فتنة عظيمة لكانوا معه على ذلك. كما ساعدهم في العام الماضي أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا، ما بين ترك واجبات، وفعل محرمات، إما في حق الله، وإما في حق العباد. كترك الصلاة، وشرب الخمور، وسب السلف، وسب جنود المسلمين، والتجسس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين، وحريمهم. وأخذ أموال الناس، وتعذيبهم، وتقوية دولتهم الملعونة، وإرجاف قلوب المسلمين منهم، إلى غير ذلك من أنواع الفتنة.

ثم قال تعالى: { وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا } [650]، وهذه حال أقوام عاهدوا ثم نكثوا قديمًا وحديثًا في هذه الغزوة. فإن في العام الماضي، وفى هذا العام في أول الأمر كان من أصناف الناس من عاهد على أن يقاتل ولا يفر، ثم فر منهزمًا، لما اشتد الأمر.

ثم قال الله تعالى: { قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا } [651]، فأخبر الله أن الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل. فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه). والفرار من القتل كالفرار من الجهاد. وحرف لن ينفى الفعل في الزمن المستقبل. والفعل نكرة. والنكرة في سياق النفى تعم جميع أفرادها. فاقتضى ذلك: أن الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة أبدًا. وهذا خبر الله الصادق. فمن اعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره.

والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن. فإن هؤلاء الذين فروا في هذا العام لم ينفعهم فرارهم، بل خسروا الدين والدنيا، وتفاوتوا في المصائب. والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدين والدنيا، حتى الموت الذى فروا منه كثر فيهم. وقل في المقيمين. فما منع الهرب من شاء الله. والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم أحد، ولا قتل، بل الموت قل في البلد من حين خرج الفارون. وهكذا سنة الله قديمًا وحديثًا.

ثم قال تعالى: { وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا } [652]، يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة، ثم تموتون. فإن الموت لابد منه. وقد حكى عن بعض الحمقى أنه قال: فنحن نريد ذلك القليل. وهذا جهل منه بمعنى الآية. فإن الله لم يقل: إنهم يمتعون بالفرار قليلا. لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه أبدًا. ثم ذكر جوابًا ثانيًا: أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل. ثم ذكر جوابًا ثالثًا: وهو أن الفار يأتيه ما قضى له من المضرة، ويأتى الثابت ما قضى له من المسرة. فقال: { قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } [653].

ونظيره قوله في سياق آيات الجهاد: { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } الآية [654]. وقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [655]. فمضمون الأمر: أن المنايا محتومة، فكم ممن حضر الصفوف فسلم، وكم ممن فر من المنية فصادفته، كما قال خالد بن الوليد لما احتضر: لقد حضرت كذا وكذا صفًا، وإن ببدنى بضعًا وثمانين، ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهاأنذا أموت على فراشى كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء.

ثم قال تعالى: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } [656]. قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحد قالوا له: ويحك! اجلس فلا تخرج. ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر: أن ائتونا بالمدينة، فإنا ننتظركم. يثبطونهم عن القتال. وكانوا لا يأتون العسكر إلا ألا يجدوا بدًا. فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم. فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة. فانصرف بعضهم من عند النبي ﷺ، فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ. فقال: أنت هاهنا، ورسول الله ﷺ بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلىَّ، فقد أحيط بك وبصاحبك.

فوصف المثبطين عن الجهاد وهم صنفان بأنهم إما أن يكونوا في بلد الغزاة، أو في غيره، فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول، أو بالعمل، أو بهما. وإن كانوا في غيره راسلوهم، أو كاتبوهم: بأن يخرجوا إليهم من بلد الغزاة، ليكونوا معهم بالحصون، أو بالبعد. كما جرى في هذه الغزاة.

فإن أقوامًا في العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو، وأقوامًا بعثوا من المعاقل والحصون وغيرها إلى إخوانهم: هلم إلينا. قال الله تعالى فيهم: { وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } [657] أى: بخلاء عليكم بالقتال معكم، والنفقة في سبيل الله. وقال مجاهد: بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة. وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله، أو شح عليهم بفضل الله، من نصره ورزقه الذى يجريه بفعل غيره، فإن أقوامًا يشحون بمعروفهم، وأقوامًا يشحون بمعروف الله وفضله. وهم الحساد.

ثم قال تعالى: { فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } [658]، من شدة الرعب الذى في قلوبهم، يشبهون المغمى عليه وقت النزع؛ فإنه يخاف ويذهل عقله، ويشخص بصره ولا يطرف. فكذلك هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل.

{ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } [659]، ويقال في اللغة: صلقوكم وهو رفع الصوت بالكلام المؤذى. ومنه: الصالقة وهى التى ترفع صوتها بالمصيبة. يقال: صلقه، وسلقه وقد قرأ طائفة من السلف بها، لكنها خارجة عن المصحف إذا خاطبه خطابًا شديدًا قويًا. ويقال: خطيب مسلاق: إذا كان بليغًا في خطبته، لكن الشدة هنا في الشر لا في الخير. كما قال: { بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ } [660]. وهذا السلق بالألسنة الحادة، يكون بوجوه:

تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذى جرى علينا بشؤمكم، فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم؛ فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة.

وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا، والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا.

وتارة يقولون: أنتم مع قلتكم وضعفكم تريدون أن تكسروا العدو، وقد غركم دينكم، كما قال تعالى: { إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [661].

وتارة يقولون: أنتم مجانين، لا عقل لكم، تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم.

وتارة يقولون أنواعًا من الكلام المؤذى الشديد. وهم مع ذلك أشحة على الخير، أى: حراص على الغنيمة والمال الذى قد حصل لكم. قال قتادة: إن كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم. يقولون: أعطونا، فلستم بأحق بها منا. فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق. وأما عند الغنيمة فأشح قوم. وقيل: أشحة على الخير، أى: بخلاء به، لا ينفعون، لا بنفوسهم ولا بأموالهم.

وأصل الشح: شدة الحرص الذى يتولد عنه البخل والظلم، من منع الحق، وأخذ الباطل. كما قال النبي ﷺ: (إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمَرَهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا). فهؤلاء أشحاء على إخوانهم، أى: بخلاء عليهم، وأشحاء على الخير، أى: حراص عليه. فلا ينفقونه، كما قال: { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } [662]، ثم قال تعالى: { يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا } [663].

فوصفهم بثلاثة أوصاف:

أحدها: أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد. وهذه حال الجبان الذى في قلبه مرض؛ فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن.

الوصف الثاني: أن الأحزاب إذا جاؤوا تمنوا ألا يكونوا بينكم، بل يكونون في البادية بين الأعراب، يسألون عن أنبائكم: إيش خبر المدينة؟ وإيش جرى للناس؟

والوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا وهم فيكم لم يقاتلوا إلا قليلا. وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس في هذه الغزوة كما يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه منهم من خبرهم.

ثم قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [664]، فأخبر سبحانه أن الذين يبتلون بالعدو، كما ابتلى رسول الله ﷺ، فلهم فيه أسوة حسنة، حيث أصابهم مثل ما أصابه. فليتأسوا به في التوكل والصبر، ولا يظنون أن هذه نقم لصاحبها، وإهانة له. فإنه لو كان كذلك ما ابتلى بها رسول الله ﷺ خير الخلائق بل بها ينال الدرجات العالية، وبها يكفر الله الخطايا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا، وإلا فقد يبتلى بذلك من ليس كذلك، فيكون في حقه عذابًا كالكفار والمنافقين.

ثم قال تعالى: { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } [665]. قال العلماء: كان الله قد أنزل في سورة البقرة: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ } [666]، فبين الله سبحانه منكرًا على من حسب خلاف ذلك أنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد أن يبتلوا مثل هذه الأمم قبلهم بالبأساء، وهى الحاجة والفاقة. والضراء وهى الوجع والمرض. والزلزال وهى زلزلة العدو.

فلما جاء الأحزاب عام الخندق فرأوهم، قالوا: { هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } [667]، وعلموا أن الله قد ابتلاهم بالزلزال. وأتاهم مثل الذين خلوا من قبلهم، وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا لحكم الله وأمره. وهذه حال أقوام في هذه الغزوة قالوا ذلك.

وكذلك قوله: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ } [668] أى: عهده الذى عاهد الله عليه، فقاتل حتى قتل، أو عاش. والنحب: النذر والعهد. وأصله من النحيب. وهو الصوت. ومنه: الانتحاب في البكاء، وهو الصوت الذى تكلم به في العهد. ثم لما كان عهدهم هو نذرهم الصدق في اللقاء ومن صدق في اللقاء فقد يقتل صار يفهم من قوله: { قَضَى نَحْبَهُ } أنه استشهد، لا سيما إذا كان النحب: نذر الصدق في جميع المواطن؛ فإنه لا يقضيه إلا بالموت. وقضاء النحب هو الوفاء بالعهد، كما قال تعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ } [669] أى: أكمل الوفاء. وذلك لمن كان عهده مطلقًا بالموت، أو القتل. { وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ } قضاءه، إذا كان قد وفى البعض، فهو ينتظر تمام العهد. وأصل القضاء: الإتمام والإكمال.

{ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } [670]. بين الله سبحانه أنه أتى بالأحزاب ليجزى الصادقين بصدقهم، حيث صدقوا في إيمانهم، كما قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [671] فحصر الإيمان في المؤمنين المجاهدين، وأخبر أنهم هم الصادقون في قولهم: آمنا، لا من قال، كما قالت الأعراب: { آمنا } [672]، والإيمان لم يدخل في قلوبهم، بل انقادوا واستسلموا. وأما المنافقون فهم بين أمرين: إما أن يعذبهم، وإما أن يتوب عليهم. فهذا حال الناس في الخندق وفى هذه الغزاة.

وأيضًا، فإن الله تعالى ابتلى الناس بهذه الفتنة، ليجزى الصادقين بصدقهم، وهم الثابتون الصابرون، لينصروا الله ورسوله، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم. ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلق كثير من هؤلاء المذمومين؛ فإن منهم من ندم. والله سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. وقد فتح الله للتوبة بابا من قبل المغرب عرضه أربعون سنة، لا يغلقه حتى تطلع الشمس من مغربها.

وقد ذكر أهل المغازى منهم ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال في الخندق: (الآن نغزوهم، ولا يغزونا)، فما غزت قريش ولا غطفان، ولا اليهود المسلمين بعدها، بل غزاهم المسلمون، ففتحوا خيبر ثم فتحوا مكة. كذلك إن شاء الله هؤلاء الأحزاب من المغل وأصناف الترك ومن الفرس، والمستعربة، والنصارى، ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة الإسلام، الآن نغزوهم ولا يغزونا. ويتوب الله على من يشاء من المسلمين، الذين خالط قلوبهم مرض أو نفاق، بأن ينيبوا إلى ربهم، ويحسن ظنهم بالإسلام، وتقوى عزيمتهم على جهاد عدوهم. فقد أراهم الله من الآيات ما فيه عبرة لأولى الأبصار، كما قال: { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا } [673].

فإن الله صرف الأحزاب عام الخندق بما أرسل عليهم من ريح الصبا ريح شديدة باردة وبما فرق به بين قلوبهم، حتى شتت شملهم، ولم ينالوا خيرًا. إذ كان همهم فتح المدينة والاستيلاء عليها وعلى الرسول والصحابة، كما كان هم هذا العدو فتح الشام والاستيلاء على من بها من المسلمين، فردهم الله بغيظهم، حيث أصابهم من الثلج العظيم، والبرد الشديد، والريح العاصف، والجوع المزعج، ما الله به عليم.

وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التى وقعت في هذا العام، حتى طلبوا الاستصحاء غير مرة. وكنا نقول لهم: هذا فيه خيرة عظيمة. وفيه لله حكمة وسر، فلا تكرهوه. فكان من حكمته: أنه فيما قيل: أصاب قازان وجنوده، حتى أهلكهم، وهو كان فيما قيل: سبب رحيلهم. وابتلى به المسلمون ليتبين من يصبر على أمر الله وحكمه ممن يفر عن طاعته وجهاد عدوه. وكان مبدأ رحيل قازان فيمن معه من أرض الشام وأراضى حلب: يوم الاثنين حادى عشر جمادى الأولى، يوم دخلت مصر عقيب العسكر، واجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين، وألقى الله في قلوبهم من الاهتمام بالجهاد ما ألقاه. فلما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو، جزاء منه، وبيانًا أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها، وإن لم يقع الفعل، وإن تباعدت الديار.

وذكر أن الله فرق بين قلوب هؤلاء المغل والكرج وألقى بينهم تباغضًا وتعاديًا، كما ألقى سبحانه عام الأحزاب بين قريش وغطفان، وبين اليهود. كما ذكر ذلك أهل المغازى. فإنه لم يتسع هذا المكان لأن نصف فيه قصة الخندق، بل من طالعها علم صحة ذلك، كما ذكره أهل المغازى، مثل عروة بن الزبير، والزهرى، وموسى بن عقبة، وسعيد بن يحيى الأموى، ومحمد بن عائذ، ومحمد بن إسحاق، والواقدى، وغيرهم.

ثم تبقى بالشام منهم بقايا، سار إليهم من عسكر دمشق أكثرهم، مضافا إلى عسكر حماة وحلب، وما هنالك. وثبت المسلمون بإزائهم. وكانوا أكثر من المسلمين بكثير، لكن في ضعف شديد وتقربوا إلى حماة، وأذلهم الله تعالى فلم يقدموا على المسلمين قط. وصار من المسلمين من يريد الإقدام عليهم، فلم يوافقه غيره، فجرت مناوشات صغار، كما جرى في غزوة الخندق، حيث قتل على بن أبى طالب رضي الله عنه فيها عمرو بن عبد ود العامرى لما اقتحم الخندق، هو ونفر قليل من المشركين.

كذلك صار يتقرب بعض العدو فيكسرهم المسلمون، مع كون العدو المتقرب أضعاف من قد سرى إليه من المسلمين. وما من مرة إلا وقد كان المسلمون مستظهرين عليهم. وساق المسلمون خلفهم في آخر النوبات، فلم يدركوهم إلا عند عبور الفرات. وبعضهم في جزيرة فيها، فرأوا أوائل المسلمين فهربوا منهم، وخالطوهم، وأصاب المسلمون بعضهم. وقيل: إنه غرق بعضهم.

وكان عبورهم وخلو الشام منهم في أوائل رجب، بعد أن جرى ما بين عبور قازان أولا وهذا العبور رجفات ووقعات صغار، وعزمنا على الذهاب إلى حماة غير مرة؛ لأجل الغزاة، لما بلغنا أن المسلمين يريدون غزو الذين بقوا. وثبت بإزائهم المقدم الذى بحماة، ومن معهم من العسكر، ومن أتاه من دمشق، وعزموا على لقائهم، ونالوا أجرًا عظيمًا. وقد قيل: إنهم كانوا عدة كمانات، إما ثلاثة، أو أربعة. فكان من المقدر أنه إذا عزم الأمر وصدق المؤمنون الله يلقى في قلوب عدوهم الرعب فيهربون، لكن أصابوا من البليدات بالشمال مثل تيزين والفوعة ومعرة مصرين وغيرها ما لم يكونوا وطئوه في العام الماضي.

وقيل: إن كثيرًا من تلك البلاد كان فيهم ميل إليهم بسبب الرفض وأن عند بعضهم فرامين منهم، لكن هؤلاء ظلمة، ومن أعان ظالمًا بلى به، والله تعالى يقول: { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [674].

وقد ظاهروهم على المسلمين الذين كفروا من أهل الكتاب، من أهل سيس والأفرنج. فنحن نرجو من الله أن ينزلهم من صياصيهم وهى الحصون ويقال للقرون: الصياصى ويقذف في قلوبهم الرعب. وقد فتح الله تلك البلاد. ونغزوهم إن شاء الله تعالى فنفتح أرض العراق وغيرها، وتعلو كلمة الله ويظهر دينه؛ فإن هذه الحادثة كان فيها أمور عظيمة جازت حد القياس. وخرجت عن سنن العادة. وظهر لكل ذى عقل من تأييد الله لهذا الدين، وعنايته بهذه الأمة، وحفظه للأرض التى بارك فيها للعالمين بعد أن كاد الإسلام أن ينثلم، وكر العدو كرة فلم يلو عن. . وخذل الناصرون فلم يلووا على. . . وتحير السائرون فلم يدروا من. . . ولا إلى. . . وانقطعت الأسباب الظاهرة. وأهطعت الأحزاب القاهرة، وانصرفت الفئة الناصرة، وتخاذلت القلوب المتناصرة، وثبتت الفئة الناصرة، وأيقنت بالنصر القلوب الطاهرة، واستنجزت من الله وعده العصابة المنصورة الظاهرة، ففتح الله أبواب سمواته لجنوده القاهرة، وأظهر على الحق آياته الباهرة، وأقام عمود الكتاب بعد ميله، وثبت لواء الدين بقوته وحوله، وأرغم معاطس أهل الكفر والنفاق، وجعل ذلك آية للمؤمنين إلى يوم التلاق.

فالله يتم هذه النعمة بجمع قلوب أهل الإيمان على جهاد أهل الطغيان، ويجعل هذه المنة الجسيمة مبدأ لكل منحة كريمة، وأساسًا لإقامة الدعوة النبوية القويمة، ويشفى صدور المؤمنين من أعاديهم، ويمكنهم من دانيهم وقاصيهم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.

قال الشيخ رحمه الله: كتبت أول هذا الكتاب بعد رحيل قازان وجنوده، لما رجعت من مصر في جمادى الآخرة، وأشاعوا أنه لم يبق منهم أحد. ثم لما بقيت تلك الطائفة اشتغلنا بالاهتمام بجهادهم، وقصد الذهاب إلى إخواننا بحماة، وتحريض الأمراء على ذلك، حتى جاءنا الخبر بانصراف المتبقين منهم. فكتبته في رجب، والله أعلم. والحمد لله وحده، وصلى الله على أشرف الخلق محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

سئل عن الرافضة الإمامية هل يجب قتالهم ويكفرون باعتقادهم[عدل]

وسئل شيخ الإسلام تقى الدين عمن يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويعتقدون أن الإمام الحق بعد رسول الله ﷺ هو على ابن أبى طالب، وأن رسول الله ﷺ نص على إمامته، وأن الصحابة ظلموه ومنعوه حقه، وأنهم كفروا بذلك، فهل يجب قتالهم؟ ويكفرون بهذا الاعتقاد أم لا؟

فأجاب:

الحمد لله رب العالمين، أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها، حتى يكون الدين كله لله.

فلو قالوا: نصلي ولا نزكي، أو نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا الجماعة، أو نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم، أو لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر، أو نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله ﷺ ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه، أو نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين، وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة، أو قالوا: إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين، أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة رسول الله ﷺ وسنته، وما عليه جماعة المسلمين، فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها، كما جاهد المسلمون مانعى الزكاة، وجاهدوا الخوارج وأصنافهم، وجاهدوا الخرمية والقرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام.

وذلك لأن الله تعالى يقول في كتابه: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه } [675]. فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله، وقال تعالى: { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } [676]، فلم يأمر بتخلية سبيلهم إلا بعد التوبة من جميع أنواع الكفر، وبعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ } [677]، فقد أخبر تعالى أن الطائفة الممتنعة إذا لم تنته عن الربا فقد حاربت الله ورسوله، والربا آخر ما حرم الله في القرآن، فما حرمه قبله أوكد. وقال تعالى: { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ } [678].

فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فسادًا؛ ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى أهل القبلة، حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال، وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فسادًا. وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه، ويقرون بالإيمان بالله ورسوله.

فالذى يعتقد حل دماء المسلمين، وأموالهم، ويستحل قتالهم، أولى بأن يكون محاربًا لله ورسوله، ساعيًا في الأرض فسادًا من هؤلاء. كما أن الكافر الحربى الذى يستحل دماء المسلمين وأموالهم، ويرى جواز قتالهم، أولى بالمحاربة من الفاسق الذى يعتقد تحريم ذلك. وكذلك المبتدع الذى خرج عن بعض شريعة رسول الله ﷺ وسنته، واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله ﷺ وشريعته، وأموالهم، هو أولى بالمحاربة من الفاسق وإن اتخذ ذلك دينًا يتقرب به إلى الله. كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينًا تتقرب به إلى الله.

ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب التى يعتقد أصحابها أنها ذنوب. وبذلك مضت سنة رسول الله ﷺ؛ حيث أمر بقتال الخوارج عن السنة، وأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم، والصلاة خلفهم مع ذنوبهم، وشهد لبعض المصرين من أصحابه على بعض الذنوب أنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته، وأخبر عن ذى الخويصرة وأصحابه مع عبادتهم وورعهم أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. وقد قال تعالى في كتابه: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا } [679].

فكل من خرج عن سنة رسول الله ﷺ وشريعته، فقد أقسم الله بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن حتى يرضي بحكم رسول الله ﷺ في جميع ما يشجر بينهم من أمور الدين والدنيا، وحتى لا يبقى في قلوبهم حرج من حكمه. ودلائل القرآن على هذا الأصل كثيرة.

وبذلك جاءت سنة رسول الله ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين. ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال: لما توفى رسول الله ﷺ، وارتد من ارتد من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبى بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)؟ فقال أبو بكر: ألم يقل: (إلا بحقها)؟! فإن الزكاة من حقها. والله لو منعونى عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق. فاتفق أصحاب رسول الله ﷺ على قتال أقوام يصلون ويصومون إذا امتنعوا عن بعض ما أوجبه الله عليهم من زكاة أموالهم.

وهذا الاستنباط من صِدِّيق الأمة قد جاء مصرحًا به. ففى الصحيحين عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، فأخبر ﷺ أنه أمر بقتالهم حتى يؤدوا هذه الواجبات.

وهذا مطابق لكتاب الله. وقد تواتر عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، وأخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه، ذكرها مسلم في صحيحه، وأخرج منها البخارى غير وجه. وقال الإمام أحمد رحمه الله: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه. قال ﷺ: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل)، وفى رواية: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفى رواية: (شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه).

وهؤلاء أول من قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ، قاتلهم بحرورى لما خرجوا عن السنة والجماعة، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم؛ فإنهم قتلوا عبد الله بن خباب، وأغاروا على ماشية المسلمين. فقام أمير المؤمنين على بن أبى طالب وخطب الناس، وذكر الحديث، وذكر أنهم قتلوا وأخذوا الأموال، فاستحل قتالهم، وفرح بقتلهم فرحًا عظيمًا، ولم يفعل في خلافته أمرًا عامًا كان أعظم عنده من قتال الخوارج. وهم كانوا يكفرون جمهور المسلمين، حتى كفروا عثمان وعليا. وكانوا يعملون بالقرآن في زعمهم، ولا يتبعون سنة رسول الله ﷺ التى يظنون أنها تخالف القرآن. كما يفعله سائر أهل البدع مع كثرة عبادتهم وورعهم.

وقد ثبت عن على في صحيح البخارى وغيره، من نحو ثمانين وجهًا، أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر. وثبت عنه أنه حرق غالية الرافضة الذين اعتقدوا فيه الإلهية. وروى عنه بأسانيد جيدة أنه قال: لا أوتى بأحد يفضلنى على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى. وعنه أنه طَلَب عبد الله بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر ليقتله فهرب منه.

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر برجل فَضله على أبى بكر أن يجلد لذلك. وقال عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عَسْل؛ لما ظن أنه من الخوارج: لو وجدتك محلوقًا لضربت الذى فيه عيناك.

فهذه سنة أمير المؤمنين على وغيره، قد أمر بعقوبة الشيعة؛ الأصناف الثلاثة، وأخفهم المفَضِّلة. فأمر هو وعمر بجلدهم. والغالية يقتلون باتفاق المسلمين، وهم الذين يعتقدون الإلهية والنبوة في على وغيره، مثل النصيرية والإسماعيلية الذين يقال لهم: بيت صاد، وبيت سين، ومن دخل فيهم من المعطلة الذين ينكرون وجود الصانع، أو ينكرون القيامة، أو ينكرون ظواهر الشريعة، مثل الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت الحرام، ويتأولون ذلك على معرفة أسرارهم، وكتمان أسرارهم، وزيارة شيوخهم. ويرون أن الخمر حلال لهم، ونكاح ذوات المحارم حلال لهم.

فإن جميع هؤلاء الكفار أكفر من اليهود والنصارى، فإن لم يظهر عن أحدهم ذلك كان من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، ومن أظهر ذلك كان أشد من الكافرين كفرًا. فلا يجوز أن يقر بين المسلمين لا بجزية ولا ذمة، ولا يحل نكاح نسائهم، ولا تؤكل ذبائحهم؛ لأنهم مرتدون من شر المرتدين. فإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم كما يقاتل المرتدون، كما قاتل الصديق والصحابة أصحاب مسيلمة الكذاب، وإذا كانوا في قرى المسلمين فرقوا وأسكنوا بين المسلمين بعد التوبة، وألزموا بشرائع الإسلام التى تجب على المسلمين.

وليس هذا مختصًا بغالية الرافضة، بل من غلا في أحد من المشايخ، وقال: إنه يرزقه، أو يسقط عنه الصلاة أو أن شيخه أفضل من النبى، أو أنه مستغن عن شريعة النبي ﷺ، وأن له إلى الله طريقًا غير شريعة النبي ﷺ، أو أن أحدًا من المشايخ يكون مع النبي ﷺ كما كان الخضر مع موسى.

وكل هؤلاء كفار يجب قتالهم بإجماع المسلمين، وقتل الواحد المقدور عليه منهم.

وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة، فقد روى عنهما أعنى: عمر وعلى قتلهما أيضًا. والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء، فلم يتنازعوا في وجوب قتالهم إذا كانوا ممتنعين؛ فإن القتال أوسع من القتل، كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة، وإن كان أحدهم إذا قدر عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله ورسوله به.

وهذه النصوص المتواترة عن النبي ﷺ في الخوارج، قد أدخل فيها العلماء لفظًا أو معنى من كان في معناهم من أهل الأهواء الخارجين عن