تفسير المراغي/الجزء السابع عشر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تفسير المراغي
الجزء السابع عشر
أحمد مصطفى المراغي

محتويات

سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام[عدل]

هي مكية وآيها اثنتا عشرة ومائة.

أخرج البخاري عن ابن مسعود أنه قال: « بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء هن من العتاق الأول وهن من تلادي ».

وعن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم مثواه، وكلّم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت رسول الله واديا ما في ديار العرب واد أفضل، وقد أردت أن أقطع إليك قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لي في قطعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا، يريد هذه السورة.

ومناسبتها لما قبلها.

أن السورة السالفة ختمت بأن الناس قد شغلتهم زهرة الدنيا التي جعلها الله لهم فتنة، وأن الله نهى رسوله أن يتطلع إليها، وأمره بالصلاة والصبر عليها، وأن العاقبة للمتقين - وبدئت هذه السورة بمثل ما ختمت به السالفة، فذكر فيها أن الناس غافلون عن الساعة والحساب، وأنهم إذا سمعوا القرآن استمعوه وهم لاعبون، وقلوبهم لاهية عنه.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 1 الى 6][عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)

تفسير المفردات

اقترب وقرب بمعنى، والمراد من اقتراب الحساب اقتراب زمانه: وهو مجىء الساعة، والناس: هم المكلفون، معرضون: أي عن التأهب لهذا اليوم، من ذكر: أي قرآن، محدث: أي جديد إنزاله، يلعبون: أي يسخرون ويستهزئون، لاهية قلوبهم: أي غافلة قلوبهم عن ذكر الله، النجوى: التناجي، والمراد أنهم أخفوا تناجيهم ولم يتناجوا بمرأى من غيرهم، أضغاث أحلام: أي تخاليط أحلام رآها في النوم، افتراه: اختلقه من تلقاء نفسه، بل: كلمة تذكر للانتقال من غرض إلى آخر، ولا تذكر في القرآن إلا على هذا الوجه كما قال ابن مالك وسبقه إليه صاحب الوسيط ووافقه ابن الحاجب وهو الحق.

الإيضاح

(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) أي دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم، وعلى النعم التي أنعمها عليهم ربهم في أجسامهم وعقولهم ومطاعمهم ومشاربهم، ماذا عملوا فيها؟ هل أطاعوه فيها فانتهوا إلى أمره ونهيه؟ أو عصوه فخالفوا أمره فيها، وهم في هذه الحياة في غفلة عما يفعل الله بهم يوم القيامة، ومن ثم تركوا الفكر والاستعداد لهذا اليوم والتأهب له، جهلا منهم بما هم لاقوه حينئذ من عظيم البلاء وشديد الأهوال وآثر بيان اقتراب هذا اليوم مع أن الكلام مع المشركين المنكرين للبعث، للإشارة إلى أن البعث لا ريب فيه، وأن الذي يرجى بيانه ذكر ما يستتبعه من الأحوال والأهوال كالحساب الموجب للاضطراب على وجه أكيد ونهج سديد.

وخلاصة ذلك - أنه قد دنا وقت الساعة وهم غافلون عن حسابهم، ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم، مع أن قضية العقل تقضى بجزاء المحسن والمسيء، وإذا هم نبّهوا من غفلتهم بما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا، وسدوا أسماعهم عن سماعه.

ثم ذكر ما يدل على غفلتهم وإعراضهم بقوله:

(ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) أي ما ينزل الله من قرآن ويذكّرهم به إلا استمعوه وهم لاهون لاعبون مستهزئون.

والخلاصة - إنه ما جدد لهم الذكر وقتا فوقتا، وكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، إلا زادهم ذلك سخرية واستهزاء.

وفي هذا ذم لأولئك الكفار وزجر لغيرهم عن مثله، فالانتفاع بما يسمع لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر، وإلا حصل مجرد الاستماع الذي تشارك البهيمة فيه الإنسان

وبعد أن ذكر ما يظهرونه حين الاستماع من اللهو واللعب، ذكر ما يخفونه بقوله (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي وأسرّ هؤلاء الذين اقتربت الساعة منهم وهم في غفلتهم معرضون - التناجي بينهم وأخفوه عن سواهم.

ثم بين ما تناجوا به فقال:

(هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؟) أي قالوا في تناجيهم متعجّبين من دعواه النبوة، هل هذا الذي آتاكم بهذا الذكر إلا بشر مثلكم في خلقه وأخلاقه، يأكل كما تأكلون ويشرب كما تشربون، ويموت كما تموتون، فكيف يختص دونكم بالرسالة؟

(أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ؟) أي ما هذا الذي أتى به مما لا تقدرون عليه إلا سحر لا حقيقة له، فكيف تعلمون ذلك ثم تذعنون له وتتبعونه وتجيبون دعوته؟.

وخلاصة ذلك - إنهم طعنوا في نبوته بأمرين:

(1) إن الرسول لا يكون إلا ملكا.

(2) إن الذي يظهر على يديه من قبيل السحر.

وإنما أسروا ذلك، لأنه كالتشاور بينهم والتحاور لطلب الطريق الموصل إلى هدم دينه، وقد جرت عادة المتشاورين في خطب عظيم ألا يشركوا أعداءهم في مشورتهم، بل يجتهدون في طي سرهم عنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا كما جاء في حكمهم: « استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ».

فأجابهم عليه السلام عما قالوا:

(قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم في، فإن ربكم عليم بذلك وإنه معاقبكم عليه، وهو السميع لجميع المسموعات، العليم بجميع المعلومات.

وفي هذا من الوعيد والتهديد ما لا يخفى.

وإنما آثر كلمة (القول) التي تعم السر والجهر دون كلمة (السر) التي تقدمت في الكلام - للإيذان بأن علمه تعالى بالأمرين على وتيرة واحدة، لا تفاوت فيه بالجلاء والخفاء كما في علوم العباد.

وخلاصة ذلك - إنه يعلم هذا الضرب من الكلام وأعلى منه وأدنى منه، وفى هذا مبالغة في علمه تعالى بكل ما يمكن أن يسمع أو يعلم.

ثم بين سبحانه أنهم اقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم وفيما يقوله فقال:

(بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ، بَلِ افْتَراهُ، بَلْ هُوَ شاعِرٌ) أي إنهم لم يقتصروا على قولهم السابق (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) وعلى قولهم فيما ظهر على يديه أنه سحر - بل قال بعضهم: أخلاط أحلام قد رآها في النوم، وقال آخرون: بل اختلقه من تلقاء نفسه ونسبه إلى الله، وقال قوم: بل هو شاعر وما أتى به شعر يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها.

وخلاصة ذلك - إنهم ما صدّقوا بحكمة هذا القرآن، ولا أقروا أنه من عند الله، ولا أنه وحي أوحاه الله إليه، بل قالوا هذه المقالات.

وهذا الاضطراب والتردد في القول دأب المحجوج المغلوب على أمره، لا يتردد إلا بين باطل وأبطل منه، ويتذبذب بين فاسد وأفسد منه.

وقد ذكرت هذه المقالات على هذا الوضع، إشارة إلى ترقيها في الفساد، فإن كونها سحرا أقرب من كونها أضغاث أحلام، فقد يقال: « إن من البيان لسحرا »، بخلاف تخاليط الكلام التي لا تضبط، ولا شبه لها بهذا النظم البديع، وادّعاء كونها مفتريات أبعد وأبعد، لأنه عليه الصلاة والسلام قد شهر بالأمانة والصدق - إلى أنهم أعرف الناس بالفرق بين المنظوم والمنثور، وبين ما يساق له الشعر، وما سيق له هذا الكلام، إلى أنهم يعلمون من مخالطته مدى أربعين سنة أنه لا يتسهل له الشعر وإن أراده.

ولما قد حوا في القرآن طلبوا آية أخرى غيره فقالوا:

(فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) أي إن كان صادقا في أن الله بعثه رسولا إلينا، وأن الذي يتلوه وحي أوحاه الله إليه - فليأتنا بحجة تدل على ما يقول ويدّعى كما جاء به الرسل الأولون من قبله من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وناقة صالح وما أشبه ذلك من المعجزات التي لا يقدر عليها إلا الله ولا يأتي بها إلا الأنبياء والرسل.

وفي التعبير بقولهم (كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) بيان كونها آيات مسلمات تثبت الرسالة بمثلها، ويترتب عليها المقصود، وليس لأحد أن ينازع فيها.

ثم كذبهم سبحانه فيما تضمنته خاتمة مقالهم من الوعد بالإيمان حين إتيان الآية المقترحة، وبين أن في ترك إجابتهم عما طلبوا - إبقاء عليهم فإنهم لو أوتوها ولم يؤمنوا بها لاستؤصلوا بالعذاب كما هي سنة الله في الأمم السالفة إذا كذبت رسلها بعد إتيانهم بما اقترحوا، ولكن قد سبقت كلمة الله أن مشركي هذه الأمة لا يعذّبون بعذاب الاستئصال فقال:

(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ؟) أي إن هؤلاء أشد عتوّا من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات ووعدوا أنهم يؤمنون حين مجيئها، فلما جاءتهم نكثوا العهد وخالفوا، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلو أعطوا ما اقترحوا لكانوا أشد نكثا، فينزل بهم عذاب الاستئصال، وقد سبقت كلمة ربك أنه سيؤخر عذابهم إلى اليوم المعلوم.

قال قتادة: قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم إذا كان ما تقوله حقا ويسرّك أن نؤمن، فحوّل لنا الصفا ذهبا، فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان، ثم لم يؤمنوا لم ينظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال بل أستاني بقومي فأنزل الله « ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ » الآية.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 7 الى 10][عدل]

وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (10)

تفسير المفردات

أهل الذكر: هم أهل الكتاب، الجسد: كالجسم إلا أنه لا يقال لغير الإنسان كما قال الخليل بن أحمد، خالدين: أي باقين، الوعد: هو نصرهم وإهلاك أعدائهم، المسرفين: أي الكافرين، ذكركم: أي عظتكم، تعقلون: أي تتدبرون ما في تضاعيفه من العبر والمواعظ.

المعنى الجملي

لما ذكر سبحانه فيما سلف إنكارهم لأن يكون الرسول بشرا بقولهم « هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » أجاب عن هذه الشبهة بأن هذه سنة الله في الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فهو ليس ببدع بينهم، وإن كنتم في ريب من ذلك فاسألوا أهل الكتاب من قبلكم ثم ذكر أن الرسل كسائر البشر في سنن الطبيعة البشرية يأكلون الطعام ولا يخلدون في الأرض، بل يموتون كما يموت سائر الناس، وقد صدقهم الله وعده، فينجّيهم ومن آمن بهم ويهلك المكذبين لهم، وأعقب ذلك بأن في القرآن عظة لهم لو كانوا يعقلون ما في تضاعيفه من مواعظ وزواجر، ووعد ووعيد.

الإيضاح

(وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) أي وما أرسلنا قبلك أيها الرسول رسولا إلى أمة من الأمم التي خلت من قبلك إلا رجلا مثلهم نوحى إليه ما نريد من أمرنا ونهينا، لا ملكا نوحى إليه بوساطة الناموس ما نوحى من الشرائع والأحكام والقصص والأخبار، فما بالهم لا يفهمون أنك لست بدعا من الرسل؟.

وجاء بمعنى الآية قوله: « وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ من أهل القرى » وقوله: « قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ » وقوله حكاية عمن تقدم من الأمم: « أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا »؟.

ثم أمرهم سبحانه أن يسألوا في ذلك أهل الكتاب من اليهود والنصارى تبكيتا لهم وإزالة لما علق بأذهانهم من الاستبعاد بعد أن بين لهم وجه الحق فقال:

(فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أي فاسألوا أهل الكتاب ممن يؤمن بالتوراة والإنجيل - يخبروكم عن ذلك إن كنتم لا تعلمون الحق، ولا يستبين لكم الصواب.

وبعد أن بين أنه صلى الله عليه وسلم على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلا - بين أنه على سنتهم في سائر الأوصاف التي حكم بها على البشر في معيشتهم وموتهم فقال:

(وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) أي وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم من قبلك إلى الأمم الماضية قبل أمتك - جسدا لا يأكلون الطعام: أي لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، بل جعلناهم أجسادا مثلك يأكلون الطعام وتعرض لهم أطوار البشر جميعا من صحة ومرض وسرور وحزن ونوم ويقظة، وما كانوا مخلّدين لا يموتون ولا يفنون، ولكنهم غبروا حينا من الدهر وهم أحياء ثم طواهم الثرى وضمتهم القبور.

وخلاصة ذلك - إنا جعلنا الرسل أجساما تتغذّى حين الحياة، ثم يصير أمرها إلى الفناء بعد استيفاء آجالها، ولم نجعلهم ملائكة لا يتغذون، وما كانوا مخلدين بأجسادهم، بل يموتون كما مات الناس قبلهم وبعدهم، وإنما امتازوا عن غيرهم من سائر الناس بما يأتيهم عن الله من الوحي والزلفى عنده.

(ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) أي إنا أرسلنا رسلا من البشر وصدقناهم وعدنا فنصرناهم على المكذبين وأنجيناهم هم ومن آمن معهم وأهلكنا الذين أسرفوا على أنفسهم بتكذيبهم رسل ربهم.

ونحو الآية قوله: « فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ ».

وبعد أن حقق رسالته صلى الله عليه وسلم ببيان أنه كسائر الرسل الكرام - شرع يحقق فضل القرآن الكريم ويبين نفعه للناس بعد أن ذكر في صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته واضطرابهم في شأنه فقال:

(لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ) أي ولقد آتيناكم كتابا فيه عظتكم بما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق، وفاضل الآداب، وسديد الشرائع والأحكام، مما فيه سعادة البشر في حياتهم الدنيوية والأخروية.

ثم حثهم على التدبر في أمر هذا الكتاب فقال:

(أَفَلا تَعْقِلُونَ؟) أي أفلا تتفكرون فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ، وقوارع الزواجر، فتحذروا الوقوع فيما يخالف أمره ونهيه، ولا يخفى ما في هذا من الحث على التدبر، لأن الخوف من لوازم العقل، فمن لم يتدبر فكأنه لا عقل له.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 11 الى 15][عدل]

وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (14) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (15)

تفسير المفردات

كم: لفظ يفيد تكثير وقوع ما بعدها، القصم: هو الكسر بتفريق الأجزاء وإذهاب التئامها، والإحساس: الإدراك بالحساسة: أي أدركوا بحاسة البصر عذابنا الشديد، والبأس: الشدة، والركض: الفرار والهرب يقال ركض الرجل الفرس برجليه إذا كدّه بساقيه ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، ومنه « ارْكُضْ بِرِجْلِكَ » والإتراف: إبطار النعمة يقال أترف فلان أي وسّع عليه في معاشه وقلّ فيه همه، يا ويلنا: أي يا هلاكنا، دعواهم: أي دعوتهم التي يردّدونها، حصيدا: أي كالزرع المحصود بالمناجل، خامدين: أي كالنار التي خمدت وانطفأت.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر أنه سبحانه أهلك المسرفين في كفرهم بالله، والعاصين لأوامره ونواهيه - بيّن هنا طريق إهلاكهم، وكثرة ما حدث من ذلك في كثير من الأمم، ثم بين أنه أنشأ بعد الهالكين قوما آخرين، وأنهم حينما أحسّوا بأس الله فروا هاربين، فقيل لهم على ضرب من التهكم والسخرية فلترجعوا إلى ما كنتم فيه من الترف والنعيم وإلى تلك المساكن المشيدة والفرش المنجّدة، فلعلكم تسألون عما جرى عليكم، ونزل بأموالكم ومنازلكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، ثم بعد أن يئسوا من الخلاص وأيقنوا بالعذاب قالوا هلاكا لنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا، مستوجبين العذاب بما قدمنا، وما زالوا يكررون هذه الكلمة ويرددونها، وجعلوها هجّيراهم حتى صاروا كالنبات المحصود والنار الخامدة.

الإيضاح

(وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ) أي وكثير من أهل القرى أهلكناهم بكفرهم بالله وتكذيبهم رسله، ثم أنشأنا بعد إهلاكهم أمما أخرى سواهم.

ونحو الآية قوله: « وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ » وقوله: « فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ».

ثم بين حالهم حين حلول البأس بهم فقال:

(فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) أي فلما أيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة كما أوعدهم أنبياؤهم - إذا هم يهربون سراعا عجلين يعدون منهزمين.

والخلاصة - إنهم لما علموا شدة بأسنا وبطشنا علم حس ومشاهدة ركضوا في ديارهم هاربين من قواهم بعد أن كانوا قد تجبروا على رسلهم وقالوا لهم « لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ».

ثم ذكر أنهم في ذلك الحين ينهون عن الهرب ويقال لهم:

(لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) أي يقال لهم على طريق الاستهزاء والتهكم: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور، والمساكن الطيبة، والفرش المنجّدة الوثيرة، لعلكم تقصدون للسؤال عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائلين عما تشاهدون وتعلمون.

ثم حكى عنهم ما أجابوا به القائلين لهم لا تركضوا وارجعوا فقال:

(قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) أي قالوا حين يئسوا من الخلاص إذ نزل بهم بأس الله بظلمهم أنفسهم: هلاكا لنا، لكفرنا بربنا - وهذا منهم اعتراف بالكفر المستتبع للعذاب، وندم عليه حين لا ينفع الندم: ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتع مبتغيه وخيم

(فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ) أي فما زالوا يرددون هذه المقالة، ويجعلونها هجّيراهم حتى حصدوا حصدا، وخمدت حركاتهم، وهدأت أصواتهم، ولم ينبسوا ببنت شفة.

وخلاصة هذا - إنهم صاروا يكررون الاعتراف بظلمهم أنفسهم، ولكن لم ينفعهم ذلك كما قال: « فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا » حتى لم يبق لهم حس ولا حركة، وأبيدوا كما يباد الحصيد، وخمدوا كما تخمد النار.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 16 الى 20][عدل]

وما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20)

تفسير المفردات

اللعب: الفعل لا يقصد به مقصد صحيح، واللهو: الفعل يعمل ترويحا عن النفس، ومن ثم تسمى المرأة والولد لهوا لأنه يستروح بكل منهما، ويقال لا مرأة الرجل وولده ريحانتاه، من لدنا: أي من عندنا، القذف: الرمي البعيد، وأصل الدمغ: كسر الشيء الرّخو ويراد به هنا القهر والإهلاك، زاهق: أي زائل ذاهب، الويل: الهلاك، من عنده: هم الملائكة، لا يستكبرون أي لا يتعظمون، يستحسرون: أي يكلون ويتعبون، يقال حسر البعير إذا أعيا وكلّ، ومثل استحسر وتحسر، لا يفترون: أي لا يضعفون ولا يتراخون.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر مطاعنهم في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بتلك المقالات التي سلف ذكرها - قفّى على ذلك بذكر فساد تلك المطاعن وبيان أن من أنكر نبوته فقد جعل تلك المعجزات التي ظهرت على يديه من باب العبث واللعب. تنزه ربنا عن ذلك، فإنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما إلا لعبادته ومعرفته ومجازاة من قام بهما بالثواب والنعيم، ومن لم يقم بذلك بالعقاب الأليم، ولن يتم علم هذا إلا بإنزال الكتب، وإرسال الرسل صلوات الله عليهم، فمنكر الرسالة جاعل خلق السماء والأرض لهوا ولعبا، تعالى خالقهما علوّا كبيرا.

ثم أردف هذا بالرد على من ادعى أن المسيح ابن الله وعزير ابن الله، بأنه لو اتخذ ولدا لا تخذه من الملائكة، وعقّب على هذا بأن الغلبة للحق دائما مهما طال أمد الباطل، وأن جميع من في السموات والأرض كلهم عبيده لا يستكبرون عن عبادته ولا يملون.

الإيضاح

(وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) أي وما خلقنا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع، وما بينهما من أصناف المخلوقات البديعة - للهو واللعب، بل خلقناهما لفوائد دينية، وحكم ربانية، كأن تكون دليلا على معرفة الخالق لها، ووسيلة للعظة والاعتبار - إلى ما فيها من منافع أخرى لا حصر لها.

وخلاصة ذلك - إن إيجاد العالم كله، ولا سيما النوع الإنساني واستخلافه في الأرض - مبنى على بديع الحكم، مستتبع لغايات جليلة لا تخفى على ذوي الألباب، وقد علم بعضها من أنعموا النظر في الكون وعجائبه، وأوتوا حظا من صادق المعرفة، فعرفوا بعض أسراره، وانتفعوا ببعض ما أودع في باطن الأرض وما على ظاهر سطحها، مما كان سببا في رقي الإنسان، ولا يزال العلم يولّد لنا كل يوم عجيبا، ويظهر لنا من كنوزها غريبا « وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ».

ونحو الآية قوله تعالى: « وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ».

ثم أكد نفى اللعب بقوله:

(لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) أي لو أردنا أن نتخذ لهوا كما يتخذ العباد لاتخذناه من عندنا من العوالم المجردة من المادة كالملائكة، لكنا لا نتنزل لملابسة ما هو من شأنكم المادي كالزوج والولد، إذ لا يجمل بنا، لأنه خارج عن سنن حكمتنا، وقوانين نظامنا، ورفعة قدرنا، فنحن لا نلهو بالصور الجسمية، ولا بالنفوس الروحية.

وخلاصة هذا - إنا خلقناكم لحكمة، وصورناكم لغاية، وجعلنا لكم السمع والأبصار لمنافع قدرناها لكم، لا للهونا ولعبنا، ومن ثم لا نترككم سدى، بل نحاسبكم ونؤاخذكم، والجدّ مطلبنا، واللهو واللعب من شأن العبيد المخلوقين، لا من شأن رب العالمين.

ونحو الآية قوله: « لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ».

(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ) أي إن من شأننا أن رمى الحق الذي من جملته الجدّ، على الباطل الذي منه اللعب فيكسر دماغه بحيث يشق غشاءه فيؤدى ذلك إلى زهوق روحه فيهلك - وقد شبه الباطل بإنسان كسر دماغه فهلك -.

وإذا كان هذا شأننا فكيف نترككم بلا إنذار كأننا خلقناكم لنلهو بكم.

(وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) أي ولكم العذاب الشديد من وصفكم ربكم بغير صفته، وقيلكم إنه اتخذ ولدا وزوجة وافترائكم ذلك عليه.

ولما حكى كلام الطاعنين في النبوات وأجاب عنها، وبين أن غرضهم من تلك المطاعن إنما هو التمرد والعناد - بين في هذه الآية أنه غني عن طاعتهم، لأنه هو المالك لجميع المخلوقات، والملائكة على جلالة قدرهم مطيعون له خائفون منه، فأجدر بالبشر على ضعفهم أن يطيعوه، وما أخلقهم أن يعبدوه، فقال:

(وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي وله تعالى جميع المخلوقات خلقا وملكا وتدبيرا وتصرفا وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة دون أن يكون لأحد في ذلك سلطان لا استقلالا ولا استتباعا.

(وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) أي والملائكة الذين شرفت منزلتهم عند ربهم لا يستعظمون عن عبادته ولا يكلّون ولا يتعبون: وتخصيص الملائكة بالذكر للدلالة على رفعة شأنهم، كما خصص جبريل من بين الملائكة في قوله « تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ ».

ثم بين سبحانه كيف يعبدون ربهم فقال:

(يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) فهم دائبون في العمل ليلا ونهارا، مطيعون قصدا وعملا، قادرون عليه كما قال في الآية الأخرى: « لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ».

وخلاصة ذلك - المبالغة في تنزيه الله وتسبيحه، وهذا لا يمنع من تخلل فترات لا يفعلون فيها ذلك، كما يقال: فلان لا يفتر عن ثنائك وشكر آلائك.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 21 الى 29][عدل]

أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)

تفسير المفردات

ينشرون: من أنشره. أي أحياه، لفسدتا: أي لخرجتا عن نظامهما وخربتا، فسبحان الله: أي تنزيها له عما وصفوه به، هذا ذكر من معى: أي هذا الوحي المتضمن للتوحيد عظة أمتي، وذكر من قبلي: أي وموعظتهم وإرشادهم، لا يسبقونه بالقول: أي لا يتكلمون حتى يأمرهم، مكرمون: أي مقربون عنده، من خشيته: أي بسبب خوف عذابه، مشفقون: أي حذرون.

المعنى الجملي

بعد أن أبان سبحانه في سابق الآيات أن كثيرا من الأمم المكذبة لرسلها قد أبيدت وأنشئ بعدها أقوام آخرون، وأنهم حين أحسوا بالبأس ارعووا وندموا حيث لا ينفع الندم ثم أردف ذلك ذكر أن من في السموات والأرض عبيده، وأن الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، ولا يكلّون ولا يملون منها - ذكر هنا أنه كان يجب عليهم أن يبادروا إلى التوحيد، لكنهم لم يفعلوا ذلك، بل فعلوا ضده فكانوا جديرين بالتوبيخ والتعنيف، ثم أقام البرهان على وحدانيته وأنه لو كان في السموات والأرض إلهان لهلك من فيهما، تنزه ربنا عما يقول هؤلاء المشركون، وقد كذب من اتخذ آلهة لا دليل عليها، وأن جميع الأديان جاءت بإخلاص التوحيد، كما كذب من جعل لله ولدا فقال: الملائكة بنات الله، والملائكة خلق مطيعون لربهم لا يفعلون إلا ما يؤمرون به ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خوفه حذرون، ومن يقل منهم إنه إله فلا جزاء له إلا جهنم، وهي جزاء كل ظالم.

الإيضاح

(أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أي بل اتخذوا آلهة من الأرض هم مع حقارتهم وجماديتهم ينشرون الموتى.

وإنهم ولا شك بمعزل عن ذلك - والمشركين وإن لم يقولوا ذلك صريحا، فما ادّعوه لها من الألوهية يستدعى ثبوت إحياء الموتى لها، لأنه من خصائصها.

ووصف الآلهة بكونها من الأرض - للإشارة إلى أنها من الأصنام التي تعبد فيها، وللإيماء إلى ضعة شأنها، وحقارة أمرها.

ثم أقام الدليل العقلي على التوحيد ونفى أن يكون هناك إله غير الله فقال:

(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) أي لو كان في السموات والأرض إله غير الله لخريتا وهلك من فيهما - ذاك أنه لو كان فيهما إلهان فإما أن يختلفا أو يتفقا في التصرف في الكون، والأول ظاهر البطلان، لأنه إما أن ينفذ مرادهما معا فيريد أحدهما الإيجاد والثاني لا يريده فيثبت الوجود والعدم لشيء اختلفا فيه، وأما أن ينفذ مراد أحدهما دون الثاني، فيكون هذا مغلول اليد عاجزا، والإله لا يكون كذلك، والثاني باطل أيضا، لأنهما إذا أوجداه معا وجب توارد الخلق من خالقين على مخلوق واحد.

ولما أثبت بالدليل أن المدبر للسموات والأرض لا يكون إلا واحدا، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا الله قال:

(فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) أي فتنزيها لله رب العرش المحيط بهذا الكون ومركز تدبير العالم عما يقول هؤلاء المشركون من أن له ولدا أو شريكا.

ثم أكد هذا التنزيه بقوله:

(لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) أي هو الحاكم الذي لا معقّب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد، لعظمته وجلاله، وعلمه وحكمته، وعدله ولطفه، وهو سائل خلقه عما يعملون كما قال: « فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ » وقال: « وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ ».

ثم أعاد الإنكار مرة أخرى استفظاعا لشأنهم، واستعظاما لكفرهم، وإظهارا لجهلهم فقال:

(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) أي أبعد هذه الأدلة التي ظهرت تقولون: إن لله شركاء؟.

ثم أمرهم بإقامة الدليل على صحة ما يدّعون فقال:

(قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) أي بعد أن ثبت أنه لا إله غيره، فهاتوا برهانكم على صحة اتخاذ الآلهة من الأصنام والأوثان، ولا سبيل إلى ذلك، لا بالدليل العقلي، لأنه مر بطلانه، ولا بالدليل النقلى، لأن الكتب السماوية جميعا متفقة على هذا، وإلى ذلك أشار بقوله:

(هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) أي هذا هو الكتاب المنزل على من معى، وهذه هي الكتب المنزلة على من تقدمنى من الأنبياء كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، انظروا فيها هل تجدون إلا الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك.

قال الزجاج: قيل لهم: هاتوا برهانكم بأن رسولا من الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلها غير الله، فهل في ذكر من معى وذكر من قبلي إلا توحيد الله؟.

وفي هذا تبكيت لهم متضمن إثبات نقيض مدّعاهم، وإذا فليس لهم إلا العجز مركبا.

ولما كانوا لا يجدون لهم شبهة فضلا عن حجة، ذمهم على جهلهم بمواضع الحق فقال:

(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ) أي بل أكثر هؤلاء لا يميزون بين الحق والباطل، فلا تؤثّر فيهم الحجة والبرهان ولا يقتنعون به.

ثم ذكر أن هذا كان سببا في إعراضهم وتجافيهم عن سماع الحق فقال:

(فَهُمْ مُعْرِضُونَ) أي فهم لأجل هذا الجهل المستولى على أكثرهم أعرضوا عن قبول الحق وعن النظر الموصل إليه، فلا يتأملون حجة، ولا يتدبرون برهانا، ولا يتفكرون في دليل.

ثم أكد ما تقدم من أدلة التوحيد فقال:

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) أي وما أرسلنا رسولا إلى أمة من الأمم إلا أوحينا إليه أن لا معبود في السموات والأرض إلا أنا، فأخلصوا لي العبادة وأفردوا لي الألوهة.

وخلاصة ذلك - إن الرسل جميعا أرسلوا بالإخلاص والتوحيد لا يقبل منهم سواه ونحو الآية قوله: « واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا، اجعلنا من دون الرّحمن آلهة يعبدون؟ » وقوله: « وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ».

وبعد أن بيّن سبحانه بالدلائل الباهرة أنه منزه عن الشريك والندّ - أردف ذلك ببراءته من اتخاذ الولد فقال:

(وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا) أي وقال فريق من هؤلاء المشركين وهم بطون من خزاعة وجهينة وبنى سلمة - الملائكة بنات الله، فرد الله تعالى عليهم بقوله: (سُبْحانَهُ) أي تنزيها له عن ذلك، لأن الولد لا بد أن يكون شبيها بالوالد، فلو كان له ولد لأشبهه ولا مجانسة بين النعمة والمنعم، والخالق والمخلوق.

ثم أكد إبطال ما سلف بقوله:

(بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) أي ليس الملائكة كما قالوا، بل هم عباد مخلوقون له تعالى، فهم ملكه لكنهم مقربون عنده في منازل عالية، ومقامات سامية.

ثم بين سبحانه كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره وتادبهم معه تعالى فقال:

(لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) أي لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يخالفونه فيما أمرهم به، بل يبادرون إلى فعله.

وخلاصة ذلك - إنهم في نهاية المراقبة لربهم، يجمعون بين الطاعة في القول والفعل.

ثم علل هذه الطاعة، بعلمهم بأن ربهم محيط بهم، لا تخفى عليه خافية من أمرهم فقال:

(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) أي ما يعلم ما عملوا وما هم عاملون، لا تخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا، فلا يزالون يراقبونه في جميع شئونهم.

(وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) أي وهم لا يشفعون إلا لمن رضى عنه، فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه تعالى.

قال ابن عباس: هم أهل شهادة أن لا إله إلا الله، وقد ثبت في الصحيح أن الملائكة يشفعون في الدار الآخرة، قال قتادة أي لأهل التوحيد.

(وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) أي وهم من خوف الله والإشفاق من عقابه حذرون أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه.

(وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) أي ومن يدعى منهم أنه إله مع الله فجزاؤه جهنم على ما ادعى كسائر المجرمين، ولا يغني عنه ما سبق من أوصافه ومرضي أفعاله.

قال قتادة والضحاك وغيرهما: عنى بهذه الآية إبليس حيث ادعى الشركة ودعا إلى عبادة نفسه وكان من الملائكة، ولم يقل أحد من الملائكة (إِنِّي إِلهٌ) غيره.

(كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) أي وهكذا نجزى كل من ظلم نفسه، فكفر بالله وعبد غيره.

وخلاصة ما تقدم - إنه تعالى وصف الملائكة بخمس صفات تدل على العبودية وتنافى الولادة.

(1) المبالغة في الطاعة، فإنهم لا يقولون قولا ولا يفعلون فعلا إلا بإذنه.

(2) إنه سبحانه يعلم أسرارهم وهم لا يعلمون أسراره، فهو المستحق للعبادة لا هم كما قال عيسى عليه السلام: « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ».

(3) (إنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الشفاعة له، ومن يكون إلها أو ولدا للإله لا يكون كذلك.

(4) إنهم في نهاية الإشفاق والوجل من الله.

(5) إن حالهم كحال سائر المكلفين في الوعد والوعيد، فكيف يكونون آلهة

[سورة الأنبياء (21): الآيات 30 الى 33][عدل]

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)

تفسير المفردات

الرتق: الضم والالتحام خلقة كان أو صنعة، والفتق: الفصل بين الشيئين الملتصقين، الرواسي: الثوابت واحدها راسية، وتميد: تتحرك وتضطرب، والفجاج واحدها فج، وهو شقة يكتنفها جبلان، والسبل واحدها سبيل: وهو الطريق الواسع والفلك: كل شيء دائر، وجمعه أفلاك.

المعنى الجملي

بعد أن حكى مقالات أولئك المشركين الذين كانوا يعبدون آلهة من دون الله، ومقالات أولئك الذين قالوا اتخذ الله ولدا من الملائكة وطالبهم بالدليل على صدق ما يدّعون، وبين لهم أنه لا سبيل إلى إثبات ذلك لا من طريق العقل كما هو واضح ولا من طريق النقل، إذ كل الرسل السابقين كان أسّ دعوتهم أن لا إله إلا أنا فاعبدون، قفى على ذلك بتوبيخهم على عدم تدبرهم الآيات المنصوبة في الكون الدالة على التوحيد: ولفت أنظارهم إلى أنه لا ينبغي عبادة الأصنام والأوثان، فإن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات لا يعبد سواه من حجر أو شجر لا يضر ولا ينفع.

الإيضاح

اعلم أنه سبحانه ذكر أدلة ستة تثبت وجود الخالق الواحد القادر، لو تدبرها المنصفون، وعقلها الجاحدون، لم يجدوا مجالا للإنكار، ولا سبيلا إلى الجحد:

(1) (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما) أي ألم يعلم الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا مرتوقتين: أي ملتحمتين متصلتين، ففصلناهما وأزلنا اتحادهما.

وهكذا يقول علماء الفلك حديثا، إذ يثبتون أن الشمس كانت كرة نارية دائرة حول نفسها ملايين السنين، وفى أثناء سيرها السريع انفصلت منها أرضنا والأرضون الأخرى وهي السيارات من خط الاستواء الشمسى، فتباعدت عنها، وما زالت أرضنا دائرة حول نفسها وحول الشمس على نظام خاص بحكم الجاذبية.

قال الأستاذ عبد الحميد سماحة وكيل المرصد الملكي المصري: إن النظرية الحديثة في كيفية مولد الأرض وأخواتها الكواكب السيارة من الشمس، هي افتراض اقتراب نجم كبير من الشمس فيما مضى من الزمن اقترابا كافيا، فجذب من سطحها كتلة لم تلبث أن انفصلت من الشمس على شكل منهم مدبب الطرفين سميك في الوسط، ثم تكثفت هذه الكتلة في الفضاء البارد إلى كتل منفصلة، وبقيت هذه الكتل التي تمثل الأرض وأخواتها الكواكب السيارة تدور بفعل الجاذبية للشمس في مدارتها حولها بلا انقطاع، وانطفأ نورها لأن كتلها كانت أصغر من أن تحتفظ بصفتها الأصلية قبل الانفصال وهو إشعاع الضوء فالكواكب السيارة ومنها الأرض لا نراها بضوء يتشعع منها، بل بضوء الشمس منعكسا على سطوحها كما نرى القمر وكما نرى وجوهنا بضوء الشمس أو المصباح منعكسا عليها.

والكواكب السيارة تسعة، وهي بترتيب قربها من الشمس عطارد. الزّهرة.

الأرض. المرّيخ. المشترى. زحل. أورانوس. نبتون. بلوتوه.

ويدخل ضمن هذه الأسرة المجموعة كبيرة العدد من أجسام صغيرة تقع بين مدارى المريخ والمشترى وتدور حول الشمس كسرب من الطير، ومن بينها المذنّبات أيضا، والشهب التي نرى الكثير منها كل ليلة يهوى نحو الأرض ويحترق باحتكاكه بالغلاف الجوى الذي حولها.

أما بقية الأجرام السماوية التي نراها ليلا تزين سطح القبة السماوية فهي النجوم.

والنجوم شموس موادها المركبة منها هي المواد المركبة منها شمسنا، فسبحان الخلاق العظيم اهـ.

وبعد أزمنة طويلة لا يعلم مداها بردت القشرة الأرضية وصارت صالحة لإنبات بعض أنواع النبات، ثم لسكنى الحيوان ثم لسكنى الإنسان.

ولا شك أن هذه النظرية التي لم يكن يعرفها العرب ولا الأمم المعاشرة لهم، ولم تعرف إلا منذ القرن السابع عشر الميلادي ومحّصت بعض التمحيص في عصرنا الحاضر - تدل أكبر دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن وحي أرسله إليه ربه هداية للبشر ورحمة للعالمين.

وخلاصة ذلك - إن العقل البشرى مستعد لدرس عجائب هذا الكون، ومعرفة سير هذه الكواكب ودورانها بنظام الجاذبية حول الشمس على سنن لا يتغير ولا يتبدل، وقد دل البحث على أنها كلها كانت مجموعة واحدة انفصل بعضها من بعض بأسباب خاصة قدّرها العليم الخبير.

وقد أرشد إلى بيان هذا خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله، ولم يكن قومه ولا الأمم المعاصرون لهم يفكرون فيه، مما يدل على أن ذلك وحي أوحى إليه من لدن عليم خبير، وقد كان هذا وحده كافيا في الإسراع إلى تصديقه والإيمان برسالته لو لا الجحد والإنكار وعمى القلوب « فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ».

(2) (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) أي وخلقنا من الماء كل حيوان كما قال في آية أخرى « وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ » وكذا يحيا به كل نبات وينمو. وقال قتادة: خلقنا كل نام من الماء، فيدخل الحيوان والنبات.

ويرى بعض علماء العصر الحاضر أن كل حيوان خلق أولا في البحر، فأصل جميع الطيور والزواحف وحيوان البر - من البحر.

ثم تطبعت بطباع حيوان البر على مدى الأيام وتنوعت أصنافها، ولهم على ذلك كثير من الأدلة.

(أَفَلا يُؤْمِنُونَ) بأن يتدبروا هذه الأدلة، فيعلموا بها الخالق الذي لا يشبه غيره، ويتركوا طريق الشرك.

(3) (وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) أي وجعلنا فيها جبالا ثوابت، لئلا تميد وتضطرب بهم.

وقد أثبت العلم حديثا أن الأرض كانت نارا ملتهبة، ثم بردت قشرتها، وصارت صوّانية صلبة، وقدّروا زمن ذلك بنحو ثلاثمائة مليون سنة.

ومما يدل على صدق هذه النظرية ما نراه من حمم النيران التي تخرجها البراكين في جهات كثيرة من الأرض كما حدث في سنة 1909 لبركان ويزوف بإيطاليا، وقد طغى على مدينة مسيّنا، وابتلعها في باطنه ولم يبق منها شيئا.

فهذه البراكين أشبه بأفواه تتنفس بها الأرض، لتخرج من باطنها نيرانا ومواد ذائبة، مما يرشد إلى أنها كلها في أحقاب طويلة كانت كذلك.

ولو لا هذه القشرة الصّلبة لتفجرت ينابيع النيران من سائر جهاتها كما كانت بعد ما انفصلت من الشمس كثيرة الثوران والفوران.

وهذه القشرة الصوانية البعيدة الفور المغلّفة للكرة النارية هي الحافظة لكرة النار التي تحتها، وهي التي نبتت منها الجبال التي نراها فوق أرضنا، وقد جعلت لحفظ الأرض من أن تميد، وما هي إلا كأسنان لها، طالت وامتدت فوق طبقات الأرض، فلو زالت هذه الجبال لبقى ما تحتها مفتوحا، وإذ ذاك ربما تثور البراكين في جهات كثيرة من الأرض وتضطرب اضطرابا شديدا وتزلزل زلزالا كثيرا.

وخلاصة ذلك - إنه لو لم تكن هذه لجبال التي هي قطعة من قشرة الأرض مرتفعة لما وجد ما يحفظ النيران المشتعلة في باطن الأرض من الظهور على سطحها بالبراكين والزلازل، وإذ ذاك ربما تضطرب الأرض اضطرابا شديدا وتخرج نيرانها الملتهبة من باطنها وتطغى على سطحها وتهلك الحرث والنسل.

وقد قدر العلماء حديثا نسبة الجبال إلى الأرض فقالوا: لو كان قطر الكرة الأرضية مترا لم تزد الجبال على ملليمتر ونصف فحسب.

وهذه هي المعجزة الثالثة في الآية التي ترشد الى أن القرآن وحي يوحى، فما محمد ولا قومه ولا الأمم المعاصرون لهم يعلمون شيئا من هذه الآيات الكونية التي أيد صحتها تقدم العلوم، ففهم ظاهر الأرض وباطنها.

وفي هذا مصداق لما أثر عن علي كرم الله وجهه « القرآن جديد لا تبلى جدّته ».

(4) (وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أي وجعلنا في الأرض طرقا بين جبالها يسلكها الناس من قطر إلى قطر ومن إقليم إلى آخر، ليهتدوا بذلك إلى مصالحهم ومهامّ أمورهم المعيشية.

(5) (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) أي إنه تعالى نظّم السماء وجعلها كالسقف المحفوظ من الاختلال وعدم النظام، فقد حفظت الشموس والكواكب في مداراتها بحيث لا يختلط بعضها ببعض، ولا يختبط بعضها في بعض، بل جعلت في أماكنها الخاصة بها بقوة الجاذبية.

فالشمس والقمر والكواكب الأخرى متجاذبات حافظات لمداراتها لا تخرج عنها، وإلا اختل نظام هذا العالم، وبهذا الحفظ ونظام الدوران كان الليل والنهار الحادثين من جرى الأرض حول الشمس.

ونحو الآية قوله: « وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ».

(وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) أي والمشركون معرضون عن التفكر في تلك الآيات الدالة على وحدانيتنا وعظيم قدرتنا وإحاطة علمنا.

(6) (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) أي والله خلق لكم الليل والنهار نعمة منه عليكم، وحجة على عظيم سلطانه، فهما يختلفان عليكم لصلاح معايشكم وأمور دنياكم وآخرتكم، وخلق الأرض والشمس والقمر تجرى في أفلاكها كما يجرى السمك في الماء.

وهذا هو الرأي الحديث، وأن هذه كلها تجرى في عالم الأثير المالئ لهذا الفضاء، فالشمس تجرى، والأرض تجرى، والقمر يجرى، وبينها هذه المخلوقات الحية، فما مثل هذه العوالم إلا كآلة الطباعة والمخلوقات كلماتها وسطورها، أو كدار صناعة تخرج كل يوم مصنوعات جديدة بعد فناء القديمة وزوالها.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 34 الى 36][عدل]

وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36)

تفسير المفردات

الخلد: الخلود والبقاء، الذوق: هنا الإدراك والمراد من الموت مقدماته من الآلام العظيمة، والمدرك لذلك هي النفس المفارقة التي تدرك مفارقتها للبدن، ونبلوكم: أي نختبركم والمراد نعاملكم معاملة من يختبركم، بالخير والشر: أي المحبوب والمكروه، فتنة: أي ابتلاء، إن يتخذونك إلا هزوا: أي ما يتخذونك إلا مهزوءا به مسخورا منه.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه الأدلة على وجود الخالق الواحد القادر، بما يرون من الآيات الكونية - أردف ذلك ببيان أن هذه الدنيا ما خلقت للخلود والدوام، ولا خلق من فيها للبقاء، بل خلقت للابتلاء والامتحان، ولتكون وسيلة إلى الآخرة التي هي دار الخلود، فلا تشمتوا إذا مات محمد صلى الله عليه وسلم فما هذا بسبيله وحده، بل هذا سنة الله في الخلق أجمعين.

تمنى رجال أن أموت، وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تزوّد لأخرى مثلها فكأن قد

ثم ذكر أنهم نعوا على نبيه صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، ورد عليهم بأنهم قد كفروا بالرحمن المنعم على عباده، الخالق لهم، المحيي المميت، ولا شيء أقبح من هذا وأخلق بالذم منه.

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي « أنه صلى الله عليه وسلم مرّ على أبي سفيان وأبى جهل وهما يتحادثان، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال: هذا نبي بنى عبد مناف، فغضب أبو سفيان وقال: أتنكر أن يكون لعبد مناف نبي؟ فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى أبى جهل فوقع به وخوّفه وقال: ما أراك منتهيا حتى يصيبك ما أصاب عمك الوليد بن المغيرة، وقال لأبي سفيان: أما إنك لم تقل ما قلت إلا حميّة، فنزلت الآية ».

الإيضاح

(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) أي وما كتب لأحد من قبلك البقاء في الدنيا حتى نبقيك فيها، بل قدّر لك أن تموت كما مات رسلنا من قبلك.

(أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ؟) أي أفهؤلاء المشركون بربهم هم الخالدون بعدك؟ لا - ما ذلك كذلك، بل هم ميتون، عشت أو متّ.

أخرج البيهقي وغيره عن عائشة قالت: دخل أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وقد مات فقبّله وقال: وا نبياه، وا خليلاه، وا صفيّاه، ثم تلا: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد: الآية.

ثم أكد ما سلف وبين أن أحدا لا يبقى في هذه الدنيا فقال:

(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) أي كل نفس منفوسة من خلقه ذائقة مرارة الموت، ومتجرعة كأسه، وشدة مفارقة الروح للبدن وقد جاء في الحديث « إن للموت لسكرات » فلا يفرحنّ أحد لموت أحد ولا يظهرنّ التشفي منه، كما لا ينبغي أن تبدو عليه علامات الجزع والحسرة لموت أحد.

(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) أي ونختبركم أيها الناس بالمضار الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد، وبنعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور والتمكين من حصول ما تريدون، لنرى أتصبرون في المحن، وتشكرون في المنح؟ فيزداد ثوابكم عند ربكم إذا قمتم بأداء ذلك، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فالمنحة أعظم البلاءين ومن ثم قال عمر رضي الله عنه: بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر.

وقال علي كرم الله وجهه: من وسّع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله.

وخلاصة ذلك - إنا نعاملكم معاملة من يختبركم ونفتنكم كما يفتن الذهب إذا أريد تصفيته بالنار عما يخالطه من الغش، لنرى أتصبرون في الشدائد وتشكرون حين الرخاء؟.

(وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) فنجازيكم وفق ما يظهر من أعمالكم.

ولا يخفى ما في هذا من الوعد والوعيد بالثواب والعقاب.

(وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا) أي وإذا رآك المشركون لم يكن لهم عمل إلا أن يجعلوك موضع السخرية والهزؤ، وقد كان من حقهم أن يفكّروا مليّا فيما يشاهدون من أخلاقك وآدابك، وفيما ينزل عليك من الوحي الذي فيه عظة وذكرى لقوم يعقلون، لعل بصائرهم تستنير، وطباعهم ترقّ، وقلوبهم ترعوى عن غيها، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: « إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ».

(أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) أي ويقولون استنكارا وتعجبا: أهذا الذي يسبّ آلهتكم ويسفّه أحلامكم؟ وكيف يعجبون من ذلك وهم كافرون بالله الذي خلقهم وأنعم عليهم، وبيده نفعهم وضرهم وإليه مرجعهم؟

قال الزجاج يقال فلان يذكر الناس أي يغتابهم ويذكرهم بالعيوب، وفلان يذكر الله أي يصفه بالتعظيم ويثنى عليه.

وخلاصة ذلك - كيف يعجبون من نبز آلهتهم بالسوء، وهم قد كفروا بربهم الذي برأهم وصورهم فأحسن صورهم، وإليه مرجعهم فيحاسبهم على النّقير والقطمير.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 37 الى 41][عدل]

خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (41)

تفسير المفردات

العجل والعجلة: طلب الشيء قبل أوانه، والمراد بالإنسان: هذا النوع، وقد جعل لفرط استعجاله وقلة صبره كأنه مخلوق من العجل مبالغة كما يقال للرجل الذكي هو نار تشتعل، ويقال لمن يكثر منه الكرم: فلان خلق من الكرم، قال المبرد: خلق الإنسان من عجل: أي إن من شأنه العجلة كقوله: « خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ » أي خلقكم ضعفاء، والآيات هي آيات النقم التي هددهم بوقوعها، وإراءتهم إياها: إصابتهم بها. والمراد بالوعد قيام الساعة، لا يكفون: أي لا يمنعون، بغتة: أي فجأة، تبهتهم: أي تدهشهم وتحيّرهم، ينظرون: أي يمهلون ويؤخّرون، حاق: حل ونزل.

المعنى الجملي

بعد أن بين جلت قدرته أنه كلما آتى المشركين آية كفروا بها، وكلما توعدهم بالعذاب كذبوا به وقالوا تهكما وإنكارا: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ - قفى على ذلك بنهيهم عن العجلة وبيان أن ما أوعدوا به آت لا محالة، ثم أرشد إلى أن العجلة من طبيعة الإنسان التي جبل عليها، ثم ذكّرهم بجهلهم بما يستعجلون، فإنهم لو عرفوا كنه ما طلبوا ما دار بخلدهم ذلك المطلب.

وفي هذا تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم كما سلّاه بأن الاستهزاء به وبما أتى به ليس بدعا من المشركين، فكثير من الرسل قبله أوذوا واستهزىء بهم، وكان النصر آخرا حليفهم وحاق الهلاك بالمكذبين، فانتظر لهؤلاء يوما يحل بهم فيه مثل ما حل بمن قبلهم، وقل لهم: انتظروا إنا منتظرون.

روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث، وهو القائل: « اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ».

الإيضاح

(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) أي إنه تعالى فطر هذا النوع على العجلة، وجعلها من سجيته وجبلّته، فليس بعجيب من المشركين أن يستعجلوا عذاب الله ونزول نقمته بهم، وقد كان من الحق عليهم أن يتلبّثوا قليلا، فإن الله سينزل بهم من سخطه مثل ما أنزل بالمكذبين قبلهم، ويحلّ بهم من العذاب ما لا قبل لهم بدفعه، وهذا ما أشار إليه بقوله:

(سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) أي إن نقمى ستصيبكم لا محالة، فلا تتعجلوا عذابى، واصبروا حتى يأتي وعد الله، إن الله لا يخلف الميعاد.

وقد نهى الإنسان عن العجلة مع أنها ركّبت في طبيعته، من قبل أنه أوتى المقدرة التي يستطيع بها تركها وكف النفس عنها.

ثم حكى عنهم ما يستعجلون فقال:

(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أي ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين الذين يتلون الآيات المنبئة بقرب الساعة ونزول العذاب بمن كفر بها استهزاء: متى يجيئنا هذا العذاب الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في وعدكم.

وهذا منهم استبطاء للموعود به يراد به إنكار وقوعه وأنه لن يكون البتة.

ثم بين شديد جهلهم بما يستعجلون وعظيم حماقتهم لهذا الطلب فقال:

(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي لو يعلم هؤلاء الكفار المستعجلون ما ذا أعدّ لهم ربهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون، فلا يستطيعون ردها عن تلك الوجوه، ولا يدفعونها بأنفسهم عن الظهور، ولا يجدون ناصرا ينصرهم وينقذهم من ذلك

العذاب - لما أقاموا على كفرهم بربهم ولسارعوا إلى التوبة منه، ولما استعجلوا لأنفسهم هذا النكال والوبال.

وإنما خص الوجوه والظهور، لأن مس العذاب لهما أعظم موقعا.

ولما بين شدة العذاب في ذلك اليوم بين أن وقته لا يكون معلوما لهم فقال:

(بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي بل تأتيهم الساعة وهم لأمرها غير مستعدين، فتدعهم حائرين لا يستطيعون حيلة في ردها، ولا منصرفا عما يأتيهم منها، ولا هم يمهلون لتوبة، ولا لتقديم معذرة، فقد فات مافات، وأحاط بهم ما كانوا به يستهزئون.

وإنما لم يعلم الله عباده وقتها، لما في ذلك من فائدة، فإن المرء يكون مع جهله بها أشد حذرا، وأقرب إلى التلافي وانتهاز الفرصة.

ثم سلى رسوله على استهزائهم به فقال:

(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أي ولقد استهزىء برسل من رسلنا الذين أرسلناهم قبلك إلى أممهم، فنزل بالذين استهزءوا بهم العذاب والبلاء الذي كانت الرسل تخوّفهم نزوله، ولن يعدو أن يكون أمر هؤلاء الكفار كأمر أسلافهم من الأمم المكذبة لرسلها، فينزل بهم من عذاب الله وسخطه باستهزائهم مثل ما نزل بمن قبلهم فانظر لهم عاقبة وخيمة كعاقبة أولئك، وسيكون لك النصر عليهم.

ونحو الآية قوله: « وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ».

[سورة الأنبياء (21): الآيات 42 الى 47][عدل]

قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (46) ونَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (47)

تفسير المفردات

يكلؤكم: يحرسكم ويحفظكم قاله ابن عباس، من الرحمن: أي من بأسه وعقابه الذي تستحقونه، من دوننا: أي من غيرنا، يصحبون: أي يجارون من عذابنا تقول العرب أنا لك جار وصاحب من فلان: أي ومجير منه واختاره الطبري، نفحة: أي قسط ونصيب ضئيل، حبة الخردل: مثل في الصغر، حاسبين: أي عادّين محصين.

المعنى الجملي

بعد أن أبان سبحانه أن الكافرين في الآخرة لا يستطيعون أن يمنعوا عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم، وأنه سيكون لهم من الأهوال ما لم يكن يخطر لهم ببال أعقبه ببيان أنه لولا أن الله قدر لهم السلامة في الدنيا وحرسهم إلى حين لما بقوا سالمين، وأنه مع إنعامه عليهم ليلا ونهارا بالحفظ والحراسة - هم معرضون عن الدلائل الدالة على أنه لا حافظ لهم سواه، وأنه قد كان ينبغي لهم أن يتركوا عبادة الأصنام التي لا حظ لها في شيء من ذلك، فهي لا تستطيع أن تحفظ أنفسها من الآفات.

فضلا عن منع بأس الله إن حل بهم، ثم أردف ذلك ببيان أن الذي حملهم على الإعراض عن ذلك هو طول الأمد حتى نسوا العهد وجهلوا مواقع النعمة، وقد كان لهم في نقص الأرض من أطرافها وفتح المسلمين لها عبرة أيّما عبرة، فهاهم يرون محمدا صلى الله عليه وسلم وأتباعه يفتحون البلاد والقرى حول مكة ويدخلونها تحت راية الإسلام ويقتلون الرؤساء والعشائر من المشركين، فمن حقهم أن يفكروا في هذا مليّا ويرعووا عن غيهم ويعلموا آثار قدرتنا وأن جندناهم الغالبون، ثم قفى على ذلك ببيان أن وظيفة الرسل هي الإنذار والتبليغ، وليس عليهم الإلزام والقبول، فإذا كانت القلوب متحجرة، والآذان صماء، فماذا تجدى العظة، وما ذا ينفع النصح، ولئن أصابهم القليل من عذاب الله لتنادوا بالويل والثبور، واعترفوا على أنفسهم بأنهم كانوا ظالمين - ثم قفى على ذلك ببيان أن الدار الآخرة لا ظلم فيها ولا محاباة، فالمرء يحاسب فيها على الجليل والحقير، فهناك تنصب موازين العدل ويجازى كل امرئ بما قدم من خير أو شر: « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ».

الإيضاح

(قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) أي سل أيها الرسول أولئك المستهزئين سؤال إنكار وتوبيخ، من يستطيع أن يحفظكم من الرحمن إذا أراد أن ينزل بكم بأسه وعذابه الذي تستحقونه؟.

والخلاصة - من يحفظكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا تصرفتم في أمور معايشكم من عذاب الرحمن إن نزل بكم، ومن بأسه إذا حل بساحتكم؟

وفي ذكر (الرحمن) إيماء وتنبيه إلى أنه لا حفظ لهم إلا برحمته، وإلى أن بأسه أليم شديد، وإلى أنه قد عذبهم من غلبت رحمته قسوته، جزاء وفاقا بما دسّوا به أنفسهم من فاسد الطوايا، وسيىء الأعمال.

ثم ذكر أنهم قد غفلوا عن الكالئ الحافظ فقال:

(بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) أي إن هؤلاء القوم قد ألهتهم النعم عن المنعم، فلا يذكرون الله حتى يخافوا بأسه، أو يعدّوا ما كانوا فيه من الأمن والدعة كلاءة وحفظا لهم حتى يسألوا عن الكالئ الحافظ.

وخلاصة ذلك - إنهم على وجود الدلائل العقلية والنقلية الدالة على أنه تعالى هو الكالئ الحافظ - معرضون عنها، لا يتأملون فيها.

وفي ذكر (الرب) إيماء إلى أنهم خاضعون لسلطانه، وأنهم في ملكوته وتدبيره، وجميل رعايته وتربيته، وهم على ذلك معرضون، فهم في الغاية القصوى من الضلال وفى النهاية من الجهل والغباء.

ثم انتقل من وصفهم بالإعراض إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهة لا تضر ولا تنفع فقال:

(أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا؟) أي بل ألهؤلاء المستعجلى عذابنا آلهة تمنعهم منا إن نحن أنزلناه بهم، وتدفع عنهم بأسنا إن حل بساحتهم؟.

ومجمل ذلك - إن آلهتهم لا تمنعهم بأسنا إن أردنا؟.

ثم وصف تلك الآلهة التي اتخذوها بالضعف فقال:

(لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) أي وكيف تستطيع آلهتهم أن تمنعهم منا وهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا دفع ما ينزل بهم من البلاء، ولا هم يصحبون منا بنصر، فكيف يتوهّم أن ينصروا غيرهم.

والخلاصة - إنهم في غاية العجز، فكيف يتوهّم فيهم ما يتوهمون من القدرة والسلطان، ويدينون لهم بالخضوع والعبادة.

ثم بين سبحانه تفضله عليهم مع سوء ما أتوا به من الأعمال فقال:

(بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) أي إن الذي غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنهم متّعوا في الحياة الدنيا ونعموا بها وطال عليهم العمر حتى اعتقدوا أنهم على شيء.

وقصارى ذلك - إنهم طالت أعمارهم وهم في الغفلة فنسوا عهدنا، وجهلوا مواقع نعمتنا، فاغتروا بذلك ولم يعرفوا مواضع الشكر.

ثم بين لهم سوء مغبتهم فقال:

(أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها؟) أي أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون للعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها، ففتحناها للمؤمنين وزدناها في ملكهم واقتطعناها من أيدي المشركين؟ فقد تم لهم فتح البلاد التي حوالى مكة وقتل رؤسائها وإزالة دولة الشرك وأهله منها، ألا يفكرون في هذا فيكون لهم فيه مزدجر لو كانوا يعقلون؟.

والخلاصة - ألا يعتبرون ويحذروا أن ينزل بهم بأسنا كما أنزلناه بسواهم؟.

ثم وبخهم وأنّبهم على غفلتهم عن الحق بعد وضوحه فقال:

(أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) أي أفهم الغالبون أم نحن؟ أي أفبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم إياه يتوهمون غلبتهم؟.

وبعد أن بين هول ما يستعجلون، وحالهم السيئة حين نزوله بهم، ثم نعى عليهم جهلهم وإعراضهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل وحوادث النهار، أمر رسوله أن يقول لهم: إن ما أخبركم به جاء به الوحي الصادق فقال:

(قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) أي إني إنما أنذركم ما تستعجلونه من الساعة وشديد أهوالها - بالوحي الصادق الناطق بحصوله وفظاعة أهواله، وقد أمرني ربى بذلك، وهأنذا قد قمت بما أمرني به، فإن لم تجيبوا داعي الله وتقبلوا ما دعوتكم إليه فعليكم النكال والوبال لا علي.

ثم أردف هذا أن الإنذار مع مثل هؤلاء لا يجدى فتيلا، فما حالهم إلا حال الصم الذين لا يسمعون دعوة الداعي فقال:

(وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) أي فما مثلهم إذ لم ينتفعوا بما سمعوا من الإنذار على كثرته وتتابعه إلا مثل الصم الذين لا يسمعون شيئا، إذ ليس الغرض من الإنذار السماع فحسب، بل العمل بما يسمع بالإقدام على فعل الواجب والتحرز من الإنذار السماع فحسب، بل العمل بما يسمع بالإقدام على فعل الواجب والتحرز من المحرم ومعرفة الحق، فإذا لم يحصل شيء من هذا فلا جدوى في السمع وكأن لم يكن.

والخلاصة - إن الكافر بالله لا يوجه همه إلى العظة بما في كتابه من المواعظ حتى يقلّع عما هو عليه مقيم من الضلال، بل يعرض عن التفكر فيها فعل الأصم الذي لا يسمع ما يقال له حتى يعمل به.

ثم بين سرعة تأثرهم من العذاب حين مجيئه إثر بيان عدم تأثرهم به حين مجىء خبره فقال:

(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) أي ولئن أصاب هؤلاء المستعجلين للعذاب أدنى قسط من عقاب ربك بكفرهم به وتكذيبهم رسوله - ليقولنّ إنا كنا ظالمين لأنفسنا بعبادتنا الآلهة والأنداد وتركنا عبادة الذي برأنا وأنعم علينا، وجحدنا لما يجب علينا من الشكر له بالإخلاص في عبادته.

والخلاصة - إنهم يوم القيامة حين يمسهم العذاب يدعون على أنفسهم بالويل والثبور وعظائم الأمور ويقولون هلاكا لنا، إنا ظلمنا أنفسنا بكفرنا بمن خلقنا، وخصوعنا لمن لا يضر ولا ينفع، ويندمون على ما فرط منهم، ولات ساعة مندم.

ثم بين الأحداث التي ستقع حين يأتي ما أنذروا به فقال:

(وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) أي ونحضر يوم القيامة الموازين العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال، وهذا قول أئمة السلف، وقال مجاهد وقتادة والضحاك المراد من الوزن العدل بينهم، فلا يظلم عباده مثقال ذرة، فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه: أي ذهبت حسناته بسيئاته، ومن أحاطت سيئاته بحسناته خفت موازينه: أي ذهبت سيئاته بحسناته.

(فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) أي فلا تظلم أي نفس شيئا من الظلم، فلا ينقص ثوابها الذي تستحقه، ولا يزاد عذابها الذي كان لها على قدر ما دسّت به نفسها من سيىء الأعمال.

(وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها) أي وإن كان العمل الذي فعلته النفس صغيرا مقدار حبة الخردل جازينا عليه جزاء وفاقا، سيئا كان أو حسنا.

(وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) أي وحسب من شهدوا ذلك الموقف بنا حاسبين لأعمالهم محصنين لها، لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم وما سلف منهم في الدنيا من صالح أو سيىء منا.

ولا يخفى ما في الآية من التحذير وشديد الوعيد للكافرين على ما فرطوا في جنب الله، فإن المحاسب إذا كان عليما بكل شيء ولا يعجز عن شيء كان جديرا بالعاقل أن يكون في حذر وخوف منه.

نزول التوراة على موسى عليه السلام[عدل]

[سورة الأنبياء (21): الآيات 48 الى 50][عدل]

ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)

تفسير المفردات

الفرقان: هي التوراة، وهي الضياء والموعظة، وكانت فرقانا، لأنها تفرق بين الحق والباطل، وكانت ضياء لأنها تنير طريق الهدى للمتقين، وكانت موعظة لما فيها من عبرة للسالكين سبل النجاة، يخشون ربهم: أي يخشون عذابه، مشفقون. أي خائفون، مبارك: أي كثير الخير غزير النفع.

المعنى الجملي

بعد أن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: إنما أنذركم بالوحي - أردفه ببيان أن هذه سنة الله في أنبيائه، فكلهم قد آتاهم الوحي، وبلغهم من الشرائع والأحكام ما فيه هداية للبشر وسعادة لهم في دنياهم وآخرتهم.

الإيضاح

(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) أي قسما لقد آتيناهم كتابا جامعا لأوصاف كلها مدح وفخار، فهو كتاب فارق بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وعظة يتعظ بها من يتعظ، ويتذكر بها ما يجب لله من اعتقاد وعمل، وما ينبغي سلوكه من أدب وفضيلة.

ثم ذكر أوصاف المتقين فقال:

(1) (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) أي إن المتقين يخافون عذاب ربهم وهو غائب عنهم غير مرئي لهم.

ونحو الآية قوله تعالى: « مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ » وقوله: « الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ».

(2) (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) أي وهم من عذاب يوم القيامة وسائر أحوالها خائفون وجلون.

وبعد أن ذكر فرقان موسى وكان العرب يشاهدون تمسك اليهود به - حثهم على التمسك بالكتاب الذي نزله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال:

(وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ) أي وهذا القرآن الذي أنزلناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ذكر لمن تذكر به، وموعظة لمن اتعظ بها، وهو كثير النفع والخير لمن اتبع أوامره، وانتهى بنواهيه

وبعد أن أبان صفة هذا الكتاب وبخهم على إنكارهم له فقال:

(أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ؟) أي أفبعد أن استبان لكم جليل خطره، وعظيم أمره، تنكرون وتقولون: هو أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون.

وقد يكون المعنى - كيف تنكرون كونه منزلا من عند الله؟ وأنتم من أهل اللسان تدركون مزايا الكلام ولطائفه، وتفهمون من بلاغة القرآن ما لا يدركه غيركم، وفيه شرفكم وصيتكم.

وخلاصة ذلك - أفبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة، تنكرون أنه منزل من عند الله؟ فهذا ما لا يستسيغه عقل راجح، ولا فكر رصين، فمثل هذا في غاية الوضوح والجلاء.

حجاج إبراهيم لأبيه وقومه ودعوتهم إلى التوحيد

[سورة الأنبياء (21): الآيات 51 الى 58][عدل]

وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (51) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (52) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (53) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (54) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (55) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)

تفسير المفردات

الرشد: هو الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا، والاسترشاد بالنواميس الإلهية، التماثيل: واحدها تمثال وهو الصورة المصنوعة على شبه مخلوق من صنع الله كطير أو شجر أو إنسان والمراد بها هنا الأصنام، سماها بذلك تحقيرا لشأنها، والعكوف على الشيء: ملازمته والإقبال عليه، بالحق: أي بالشيء الثابت في الواقع، اللاعبين: أي الهازلين، فطرهن: أي أنشأهن، من الشاهدين: أي المتحققين صحته، المثبتة بالبرهان، والكيد: الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه، والمراد المبالغة في إلحاق الأذى بها، جذاذا: أي قطعا، من الجذ، وهو القطع.

الإيضاح

(وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) أي ولقد آتينا إبراهيم ما فيه صلاحه وهداه من قبل موسى وهرون، ووفقناه للحق، وأضأنا له سبيل الرشاد، وأنقذناه من بين قومه من عبادة الأصنام، وكنا عالمين بأنه ذو يقين وإيمان بالله وتوحيد له، لا يشرك به شيئا، فهو جامع لأحاسن الفضائل ومكارم الأخلاق وجميل الصفات، وقال الفراء: أعطيناه هداه من قبل النبوة والبلوغ ا هـ. أي وفقناه للنظر والاستدلال لما جنّ عليه الليل فرأى الشمس والقمر والنجم، وعلى هذا جرى كثير من المفسرين.

(إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟) أي آتيناه الرشد حين قال لأبيه آزر ولقومه وهم مجتمعون: ما هذه الأصنام التي تقيمون على عبادتها وتعظيمها؟.

وقد أراد عليه السلام بهذا السؤال تنبيه أذهانهم إلى التأمل في شأنها، وتحقير أمرها، متجاهلا حقيقتها، وكأنه يومىء بذلك إلى أنهم لو تأملوا قليلا لأدركوا أن مثل هذه الأحجار والخشب لا تغنى عنهم قلّا ولا كثرا.

ولما لم يجدوا ما يعوّل عليه في تعرف حقيقتها لجئوا إلى التشبث بالتقليد دون إقامة الحجة والبرهان.

(قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) أي قال آزر وقومه له: إنا وجدنا آباءنا يعبدون هذه الأوثان فسرنا على نهجهم واقتفينا أثرهم ولا حجة لنا غير ذلك.

وخلاصة مقالهم: ليس لنا برهان على صحة ما نفعل، وإنما نحن مقلدون للآباء والأجداد، وكفى بهذا سبّة لهم، فإن الشيطان قد استدرجهم وكاد لهم حتى عفّروا لها جباههم وجدّوا في نصرتها، وجادلوا أهل الحق فيها - وما كان أجدرهم أن يتواروا خجلا وحياء ولا يقولوا مثل هذا.

والتقليد هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز، والحبل الذي يتشبث به كل غريق وهكذا يجيب المقلّدة من أهل الملة الإسلامية إذا أنكر عليهم العالم بالكتاب والسنة العمل بالرأي الذي يدفعه الدليل - بهذا قال إمامنا الذي وجدنا آباءنا له مقلدين، وبرأيه آخذين وكأنه يقول:

وهل أنا إلا من غزيّة إن غوت غويت وإن ترشد غزيّة أرشد

وقد أجابهم إبراهيم ببيان قبح ما يصنعون، وبكّتهم على سوء ما يفعلون.

(قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي قال لهم: لقد كنتم أيها القوم أنتم وآباؤكم بعبادتكم إياها في ضلال بيّن، وجور واضح عن سبيل الحق لمن تأمله بلبه، وفكّر فيه بعقله.

وخلاصة هذا - إن المقلدين ومن قلّدوا في ضلال ظاهر لا يخفى على من لديه أدنى مسكة من عقل، فالفريقان لا يستندان إلا إلى هوى متبع، وشيطان مطاع وقد أحسن من قال:

يأبى الفتى إلا اتّباع الهوى ومنهج الحق له واضح

وفي ذلك إيماء إلى أن الباطل لا يصير حقا بكثرة المستمسكين به.

وقد أجابوه إجابة مستفهم متعجب مما يسمع ويرى.

(قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ؟) أي قالوا له حين سمعوا مقالته، مستبعدين أنهم في ضلال، ومتعجبين من تضليله إياهم: أجادّ أنت فيما تقول أم أنت لاعب مازح؟ فإنا لم نسمع بمثله من قبل.

وخلاصة هذا - إنهم لما سمعوا منه ما يدل على تحقير آلهتهم، وتضليله إياهم، وشاهدوا منه الجد في القول والغلظة فيه، طلبوا منه الدليل على صدق ما يقول إن كان جادا، ثم ارتقوا من هذا إلى بيان أنه هازل لاعب، كما هو دأبه وعادته من قبل، ولا يقصد بذلك إظهار حق البتة.

فردّ عليهم منتقلا من تضليلهم في عبادة الأوثان، إلى بيان الحق، وذكر المستحق للعبادة.

(قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ) أي قال لهم: بل جئتكم بالحق لا اللعب - إن الذي يستحق العبادة من أنشأ السموات والأرض على غير مثال يحتذى، وأنتم مغمورون بجميل عطفه، وعظيم جوده وبرّه.

وصفوة هذا - إن الجدير بالعبادة هو من ربّاكم تحت ظلال عطفه، وأنعم عليكم بجزيل برّه ولطفه، وأوجدكم وأوجد السموات والأرض من العدم، لا من كان بمعزل عن كل ذلك.

وفي هذا إرشاد إلى أنه ينبغي لهم أن يرعووا عن غيهم، ويعلموا من يستحق العبادة، فيعبدونه ويخضعون له، وبذلك يهتدون إلى الطريق السوي.

ثم ختم مقاله بنفي اللعب والهزل عن نفسه فقال:

(وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي وأنا أدلى على ما أقول بالحجة كما تصحح الدعوى بالشهادة، وأبرهن عليه كما تبين القضايا بالبينات، فلست مثلكم أقول ما لا أقدر على إثباته، فإنكم لم تقدروا على الاحتجاج على مذهبكم، ولم تزيدوا على أن تقولوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.

وقصارى ما أقول: لست من اللاعبين الهازلين، بل من العالمين بذلك بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة، كالشاهد الذي يكون قوله الفصل في إثبات الدعوى، وإحقاق الحق.

وبعد أن أقام البرهان على إثبات الحق أتبعه بالتهديد لهدم الباطل ومحو آثاره، وأنه سينتقل من المحاجة القولية إلى تغيير المنكر بالفعل ثقة بالله، ومخاماة عن دينه، جمعا بين القول والفعل (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) أي وتالله القوى العظيم لأجتهدنّ في كسر أصنامكم وإلحاق الأذى بها بعد أن تذهبوا إلى عيدكم، وقد فعل ذلك عليه السلام، ليرشدهم إلى ما هم فيه من الضلال، ويبين لهم خطأهم على ألطف أسلوب، وأتم وجه.

وفي التعبير بالكيد إيذان بصعوبة انتهاز الفرصة، وتوقفها على استعمال الحيلة في كل زمان، ولا سيما زمن نمرود، على عتوه واستكباره، وقوة سلطانه وتهالكه على نصرة دينه.

قال مجاهد وقتادة: قال إبراهيم هذه المقالة سرا من قومه ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد، فأفشاه عليه وقال: إنا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم.

وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع عيد، وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد قال آزر: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم، ولما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه وقال إني سقيم أشتكى برجلي، فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي فيهم ضعفاء الناس: تالله لأكيدنّ أصنامكم، فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهي في بهو عظيم، وكان مستقبل هذا البهو صنم عظيم إلى جنبيه أصغر منه والأصنام بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين يدي الآلهة وقالوا إذا رجعنا وباركت الآلهة عليه أكلنا منه، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم مستهزئا: ألا تأكلون، فلما لم يجيبوه قال لهم: مالكم لا تنطقون؟ وراغ عليهم ضربا باليمين، وجعل يكسرهن بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج فذلك قوله:

(فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ) أي فتولّوا فأتى إبراهيم الأصنام فجعلهم قطعا قطعا إلا كبيرا لهم لم يكسره.

(لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) أي لعل هؤلاء الضلال يرجعون إلى الكبير كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات، فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحا والفأس في عنقك أو في يدك؟ وحينئذ يستبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر ويظهر لهم أنهم في عبادتهم على جهل عظيم.

وقد كان هذا بناء على ظنه في أمرهم لما جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم في آلهتهم وتعظيمهم لها.

فلما عادوا إلى أصنامهم فوجدوها على تلك الحال.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 59 الى 65][عدل]

قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (60) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (62) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65)

تفسير المفردات

يذكرهم: أي يعيبهم ويسبهم، على أعين الناس: أي على رءوس الأشهاد في الملأ، يشهدون: أي بفعله أو قوله، فرجعوا إلى أنفسهم: أي ففكروا وتدبروا، الظالمون: أي الظالمون لأنفسكم بغفلتكم عن آلهتكم وعدم حفظكم إياها، ويقال نكسته: أي قلبته فجعلت أعلاه أسفله، والمراد أنهم بعد أن أفروا أنهم ظالمون انقلبوا من تلك الحال إلى المكابرة والجدل بالباطل.

الإيضاح

(قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا؟) أي قال قوم إبراهيم على سبيل التوبيخ والتأنيب حين رأوا آلهتهم قد صارت جذاذا إلا الذي علق فيه إبراهيم الفأس: من كسر هذه الآلهة وجعلها هكذا؟.

وفي تعبيرهم بالآلهة دون الأصنام تشنيع ومبالغة في اللوم والتعنيف.

(إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي إنه لمن زمرة الذين ظلموا أنفسهم وجرءوا على إهانة هذه الآلهة، وهي الحفيّة بالإعظام والتكريم.

(قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) أي قال بعض منهم ممن سمع قوله تالله لأكيدن أصنامكم: سمعنا فتى يعيهم ويستهزىء بهم ولم نسمع أحدا يقول ذلك غيره، وإنا لنظن أنه صنع ذلك بهم.

(قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ) أي قال أولئك القائلون من فعل هذا بآلهتنا:

إذا كان الأمر كما ذكرتم فأتوا به بمرأى من الناس ومسمع.

(لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) أنه الذي فعل ذلك، فتكون شهادتهم عليه حجة لنا.

(قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) أي فلما أتوا به قالوا له أأنت الذي كسر هذه الأصنام وجعلهم جذاذا؟ وقد طلبوا منه الاعتراف بذلك ليقدموا على إيذائه وهم مقتنعون بصحة هذه الجريمة في زعمهم، فما كان منه إلا أن بادرهم بما أدهشهم حتى تمنّوا الخلاص منه فقال:

(بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) أي قال: بل الذي فعل هذا هو الصنم الأكبر الذي لم يكون.

وإيضاح هذا - أن إبراهيم عليه السلام لما رأى تعظيمهم لهذا الصنم أشد من تعظيمهم لسائر ما معه من الأصنام غضب أشد الغضب وأسند إليه الفعل الصادر منه هو من قبلي أنه هو الذي حمله على ذلك، وهو يومىء بذلك إلى مقصده وهو إلزامهم الحجة على ألطف وجه وأحسنه، مع حملهم على التأمل في شأن آلهتهم.

ومجمل كلامه - إن شديد غضبى من تعظيمكم له حملنى على أن أفعل هذا، والفعل كما ينسب إلى المباشر له ينسب إلى الباعث عليه فهذا الصنم الأكبر قد كان السبب في استهانتي بهم وتحطيمي إياهم.

(فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) أي فاسألوهم عن كسرها ليخبروكم به إن كانوا ممن ينطق على زعمكم أنهم آلهة تنفع وتضر.

وقد كانت مقالة إبراهيم عليه السلام قوية الحجة شديدة الوقع في نفوسهم، وكأنما ألقمهم حجرا، وذلك ما أشار إليه بقوله:

(فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ) أي فرجعوا على أنفسهم بالملامة، إذ علموا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على إلحاق الضر بمن ألحق به الأذى - يستحيل أن يقدر على دفع مضرة عن غيره أو جلب منفعة له، وإذا فكيف يستحق أن يكون معبودا؟

ثم بين ملامتهم لأنفسهم بقوله:

(فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) أي فقال بعضهم لبعض: إنكم أنتم الظالمون بعبادة ما لا ينطق، وما هذا منكم إلا غرور وجهل بما ينبغي أن تكون عليه حال المعبود.

ثم أبان أنهم اركسوا بعدئذ ورجعوا عن فكرة سليمة لا غبار عليها بوصفهم أنفسهم بالظلم إلى فكرة خاطئة وهي الحكم بصحة عبادتها مع اعترافهم بأن حالهم دون حال الحيوان، فلا ينبغي لعاقل أن يعبدها فقال:

(ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) أي لقد بلغ الأمر بهم أن قالوا إنما اتخذناهم آلهة مع علمنا بأنهم لا ينطقون ولا يتكلمون، فكيف تأمرنا بسؤالهم، وإنما قال ينطقون ولم يقل يسمعون أو يعقلون، مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضا، من قبل أن نتيجة السؤال الجواب، وأن عدم نطقهم أبلغ في تبكيتهم.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 66 الى 70][عدل]

قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (67) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (68) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ (69) وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)

تفسير المفردات

أف: كلمة تدل على أن قائلها متضجر متألم من أمر، والكيد: المكر والخديعة.

المعنى الجملي

بعد أن أقروا على أنفسهم بأن لا فائدة في آلهتهم، قامت لإبراهيم الحجة عليهم فوبخهم على عبادة ما لا يضر ولا ينفع، إذ هذا ما لا ينبغي لعاقل أن يقدم عليه، وبعد أن دحضت حجتهم وبان عجزهم انقلبوا إلى العناد واستعمال القوة الحسية، إذ أعيتهم الحجة، فقالوا حرقوا إبراهيم بالنار، وانصروا آلهتكم التي جعلها جذادا، ولكن الله سلمه من كيدهم وجعل النار بردا وسلاما عليه.

الإيضاح

(قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ؟) أي قال إبراهيم مبكتا لهم: أفتعبدون غير الله معبودات لا تنفعكم شيئا فتعلقوا رجاءكم بها، ولا تضركم شيئا فتخافوها.

(أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي تبّا لكم وقبحا لمعبوداتكم التي اتخذتموها من دون الله.

(أَفَلا تَعْقِلُونَ؟) أي أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الذي لا يروج إلا على جاهل فاجر، وأنتم الشيوخ الذين بلوا الزمان حلوه ومرّه، وحنّكتهم تجارب الأيام، فمن حقكم أن تعاودوا الرأي وتقلّبوه ظهرا لبطن، لعلكم ترشدون بعد الضلال، وتهتدون بعد الغي والعمى.

ولما بان عجزهم وحصحص الحق لجئوا إلى الغلظة واستعمال القسوة، وذلك ما أشار إليه بقوله:

(قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) أي قال بعضهم لبعض: حرّقوا إبراهيم بالنار، وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها، ولا تريدون خذلانها وترك عبادتها.

ثم أبان سبحانه أنه أبطل كيدهم ودفع عنه هلاكا محققا بمعونته وتأييده فقال:

(قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ) أي فأوقدوا له نارا ليحرّقوه ثم ألقوه فيها فقلنا للنار: يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم أي ابردى بردا غير ضارّ به.

روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك ».

(وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) أي وأرادوا بإبراهيم مكرا لإيصال الأذى به، فجعلناهم من ذوي الخسران والوبال، إذ صار سعيهم في إطفاء نور الحق قولا وفعلا - برهانا على أنه عليه السلام على الحق وهم على الباطل، وأنهم استحقوا أشد العذاب.

وفي هذا القصص من العبرة - أن الجهاد لنصرة الحق والفضيلة فيه الخير كل الخير، وأنه مهما صادف المرء فيه من آلام وأهوال فهي هيّنة لينة، فلنجاهد إذا مثل ما جاهد إبراهيم، فإن متنا أو قتلنا فإن ما يصيبنا في سبيل الحق يكون لنا عزا وشرفا.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 71 الى 75][عدل]

ونَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (71) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (72) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (73) وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)

تفسير المفردات

لوط: هو ابن أخي إبراهيم: قاله ابن عباس، والأرض: هي أرض الشام.نافلة: أي عطية ومنحة، حكما: أي نبوة، القرية: هي سدوم التي بعث إليها لوط، والخبائث: الأعمال الخبيثة التي يستقذرها أرباب الفطر السليمة.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه ما أكرم به إبراهيم من نجاته من النار - قفى على ذلك ببيان أنه أخرجه من بين قومه مهاجرا إلى بلاد الشام وهي الأرض المباركة، ثم وهب له من الذرية إسحق وابنه يعقوب عليهما السلام وكانا أهل صلاح وتقوى يقتدى بهما ويأتمر بأمرهما، ثم أردف ذلك بذكر ما آتاه لوطا من العلم والنبوة، وجعله يعزف عن مفاسد تلك القرية التي كان يقيم فيها بين ظهراني أهلها وقد أهلكهم جميعا، وأنجاه هو وأهله وأدخله في جنات النعيم، وقرّبه إلى حظيرة قدسه، وساحة رحمته.

الإيضاح

(وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) أي إنه تعالى أتم عليه النعمة فأنجاه وأنجى لوطا معه إلى الأرض التي باركها بكثرة ما بعث فيها من الأنبياء الذين انتشرت شرائعهم في أقاصى المعمور وكثرة خصبها وأشجارها وثمارها وأنهارها، فهي أس الخيرات الدينية والدنيوية معا.

وقد خرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق ومعه لوط وسارّة يلتمس الفرار بدينه، والأمان على عبادة ربه، حتى نزل حرّان فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج منها وجاء إلى مصر، ثم رجع إلى الشام ونزل بفلسطين، وترك لوطا بالمؤتفكة وهي منها مسيرة يوم وليلة.

ثم ذكر سبحانه ما أفاضه من النعم على إبراهيم فقال:

(1) (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) أي ووهبنا لإبراهيم إسحق ولدا ويعقوب ولد ولد، عطية منا وفضلا، لا جزاء مستحقا.

(2) (وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) أي وجعلنا كلا من إبراهيم وإسحق ويعقوب مطيعا لربه، مجتنبا محارمه.

(3) (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) أي وجعلناهم أئمة يدعون الناس إلى دين الله تعالى، وإلى الخيرات بأمرنا وإذننا.

(4) (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ) أي وأوحينا إليهم فيما أوحينا، أن افعلوا الطاعات، واتركوا المحرمات.

(5، 6) (وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ) أي وأوحينا إليهم، أن أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وقد خصهما بالذكر من بين سائر العبادات، لأن الصلاة أشرف العبادات البدنية، والزكاة أفضل العبادات المالية، والمال شقيق الروح، ومجموع العبادتين تعظيم الخالق والشفقة على المخلوق.

وبعد أن بين صنوف نعمه عليهم ذكر اشتغالهم بعبادته فقال:

(وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) أي وكانوا خاشعين لا يستكبرون عن طاعتنا وعبادتنا، ولا يخطر لهم ببال سواها.

وفي هذا إيماء إلى أنه تعالى حين وفى لهم بعهد الربوبية من الإحسان والإنعام وفوا له بعهد العبودية وهو الاشتغال بالطاعة والعبادة.

وبعد أن ذكر ما أنعم به على إبراهيم أتبعه بذكر ما أنعم به على لوط فقال:

(1) (وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا) أي وآتينا لوطا الحكم وهو حسن الفصل بين الخصوم في القضاء.

(2) (وعلما) بأمر دينه وما يجب عليه لله من واجب الطاعة والإخبات له.

(3) (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ) أي ونجيناه من عذابنا الذي أحللناه بأهل تلك القرية التي كانت تعمل خبائث الأعمال، التي من أشنعها إتيان البيوت من غير أبوابها.

ثم بين السبب الذي دعاهم إلى ذلك فقال:

(إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ) أي إن الذي حملهم على ذلك وجرأهم على ارتكابه أنهم كانوا خارجين عن طاعة الله، منتهكين حرماته، قد دسّوا أنفسهم بقبيح الأفعال والأقوال، فلا عجب إذا هم لجوا في طغيانهم يعمهون.

(4) (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا) أي وجعلناه في جملة من يستحقون رحمتنا ولطفنا، بإدخاله جنتنا، كما جاء في الحديث الصحيح: « قال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتى، أرحم بك من أشاء من عبادي ».

ثم ذكر علة هذا بقوله:

(إِنَّهُ مِنَ عبادنا الصَّالِحِينَ) الذين سبقت لهم منا الحسنى، إذ كان ممن يعملون بطاعتنا، فيأتمرون بأمرنا، وينتهون عن نهينا.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 76 الى 77][عدل]

وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (77)

تفسير المفردات

الكرب: الغم الشديد والمراد به هنا العذاب النازل بقومه وهو الغرق بعد أن لقى منهم الأذى، قوم سوء: أي منهمكين في شرورهم وآثامهم.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه قصة إبراهيم وهو أبو العرب - أردفها بقصة نوح وهو الأب الثاني للبشر على المشهور من أن جميع الباقين بعد الطوفان من ذريته عليه السلام.

الإيضاح

(وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) أي واذكر أيها الرسول نبأ نوح إذ نادى ربه من قبلك ومن قبل إبراهيم، فسألنا أن نهلك قومه الذين كذبوا الله فيما توعدهم به من وعيده، وكذبوه فيما آتاهم به من الحق من عند ربه فقال: « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا » وقال: « أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ » فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهل الإيمان من ولده وأزواجهم، مما حل بالمكذبين من الغرق.

روي أنه بعث وهو ابن الأربعين ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فذلك ألف وخمسون سنة. كذا في التحبير.

(وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي ونصرناه على القوم الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا.

(إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) لأنهم كانوا يسيئون الأعمال، فيعصون الله ويخالفون أوامره، ويتصدّون لأذى نبيهم، ويتواصون جيلا بعد جيل بمخالفة أمره، ورفع راية العصيان في وجهه.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 78 الى 82][عدل]

وداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (82)

تفسير المفردات

الحرث هنا: الزرع، والنفش: رعى الماشية في الليل بلا راع، وشاهدين: أي حاضرين، واللبوس: الدروع، والبأس: الحرب، والريح العاصف: الشديدة الهبوب، إلى الأرض التي باركنا فيها: هي أرض الشام، والغوص: النزول إلى قاع البحار لإخراج شيء منها، ودون ذلك: أي غير ذلك كبناء المدن والقصور واختراع الصناعات الغريبة.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر ما أنعم الله به على نوح عليه السلام من النعم الجليلة - قفّى على ذلك بذكر الإحسان العظيم الذي آتاه داود وسليمان عليهما السلام وهو قسمان:

(1) نعم مشتركة بينهما وبين غيرهما من النبيين وهي العلم والفهم وإلى ذلك أشار بقوله: وكلا آتينا حكما وعلما.

(2) نعم خاصة بواحد دون الآخر.

(ا) فأنعم على داود بتسخير الجبال والطير للتسبيح معه، وتعليم صنعة الدروع للوقاية من أذى الحرب.

(ب) وأنعم على سليمان بتسخير الريح العاصفة التي تجرى بأمره، وبتسخير الشياطين تغوص في البحار، لتخرج له اللؤلؤ والمرجان، وتعمل له أعمالا أخرى غير ذلك.

الإيضاح

(وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ. فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا) أي واذكر أيها الرسول الكريم نبأ داود وسليمان عليهما السلام حين حكما في الزرع الذي رعته غنم لقوم آخرين غير صاحب الحرث ليلا فأفسدته، وكان ربك شاهدا عليما بما حكم به داود وسليمان بين القوم الذين أفسدت غنمهم الحرث وصاحب الحرث، لا يخفى عليه شيء منه ولا يغيب عنه علمه، ففهّم الفتيا في ذلك لسليمان دون داود، وقد كان كل منهما فيصلا في الحكم في الخصومات، ذا علم بالدين والتشريع.

وقد روى الرواة في تفصيل هذه القصة - أن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا الرجل أرسل غنمه في حرثى فلم تبق منه شيئا، فقال داود: اذهب فإن الغنم كلها لك، ومرّ صاحب الغنم بسليمان فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود فقال يا نبي الله: إن القضاء سوى الذي قضيت، فقال كيف؟ قال ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فيكون له منافعها من درّها وأولادها وأشعارها، والحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه حتى يعود كما كان، ثم يترادان فيأخذ صاحب الحرث حرثه وصاحب الغنم غنمه، فقال داود:

القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك.

وجه الرأي لدى كل منهما - إن داود قدر الضرر في الحرث فكان مساويا لقيمة الغنم فسلم الغنم للمجنى عليه، وإن سليمان قدر منافع الغنم بمنافع الحرث فحكم بها، وكان حكمهما بالاجتهاد دون الوحي، إذ لو كان به ما أمكن تغييره.

نعم الله على داود عليه السلام[عدل]

(1) (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) أي وسخرنا الجبال والطير لداود تقدّس الله معه بحيث تتمثل له مسبّحة، فيكون ذلك أملك لوجدانه وجميع مشاعره، فيستغرق في التسبيح، وكنا فاعلين لأمثاله، فليس ذلك ببدع منا وإن كنتم أنتم تعجبون منه، فإن المستغرقين في التسبيح والتقديس يحصل لهم من الأنس بالله ما يجعل العالم كله في نظرهم مسبحا، وكأن العوالم كلها تنطق لهم به بلسان أفصح من لسان المقال، ولا يدرك هذا أحد إلا بوجدانه.

ونحو الآية قوله: « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ».

(2) (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) أي وعلمناه صنعة الدروع وقد كانت صفائح فجعلها حلقا، فتمنع عنكم إذا لبستموها ولقيتم أعداءكم - أذى الحرب من قتل وجرح ونحوهما.

(فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ؟) أي فاشكروا الله على ما يسّره لكم من هذه الصنعة التي تمنع عنكم غوائل الحروب وتقيكم ضرها وعظيم أذاها.

نعم الله على سليمان عليه السلام[عدل]

ورّث الله سليمان من داود ملكه ونبوته وزاده أمرين أشار إليهما بقوله:

(1) (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة شديدة الهبوب تارة، ورخاء لينة تارة أخرى.

وفي كل حال منهما تجرى بأمره إلى أي بقعة من الأرض المقدسة، فيخرج هو وأصحابه حين الغداة إلى حيث شاءوا ثم يرجعون في يومهم إلى منزله بالشام.

وقد رووا أنه كان له بساط من الخشب يضع عليه كل ما يحتاج إليه من أدوات الحرب كالخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله فتدخل تحته ثم تحركه ثم ترفعه وتسير به، وتظله الطير لتقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، ثم ينزل وتؤخذ الآلات إلى حيث شاء كما قال: « فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ » وقال: « غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ ».

(وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ) أي فما آتيناه الملك والنبوة وما سخرنا له الريح تجرى بأمره إلا لعلمنا بما في ذلك من الحكمة والمصلحة، وأن قومه سيعرفون نعمتنا فيشكروننا عليها.

(2) (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) أي وسخرنا له من الشياطين من يغوصون له في البحار ويستخرجون منها اللؤلؤ والمرجان ونحو ذلك.

(وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ) أي ويعلمون له غير ذلك كبناء المحاريب والتماثيل والقصور والجفان ونحو ذلك.

(وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) أي وكنا حافظين لأعمالهم فلا يناله أحد منهم بسوء، فكل في قبضته وتحت قهره لا يجسر على الدنوّ منه وهو المتحكم فيهم إن شاء حبس وإن شاء أطلق كما قال: « وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ».

[سورة الأنبياء (21): الآيات 83 الى 84][عدل]

وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (84)

تفسير المفردات

أيوب: هو أيوب بن أموص اصطفاه الله وبسط الدنيا وكثر أهله وماله، ثم ابتلاه بموت أولاده بسقوط البيت وبذهاب أمواله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة، وسنه إذ ذاك سبعون سنة، ثم آتاه الله من الأولاد ضعف ما كان وأزال عنه ما به من مرض، وسيأتي تفصيل قصصه في سورة ص، والضرر: شائع في كل ضرر، والضر (بالضم): خاص بما في النفس من مرض وهزال ونحوهما، والذكرى: التذكرة.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر قصص داود وسليمان وما كان منهما من شكر على النعماء - أردف ذلك قصص أيوب لما فيه من صبر على البلاء، فداود وسليمان شكرا على النعم المترادفة، وأيوب صبر على النقم النازلة، فأزيلت عنه.

وإن في قصصه الذي ذكر هنا وفى مواضع من الكتاب الكريم لعبرا له ولغيره ممن سمع به، ولفتا لأنظارهم إلى أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الواجب على المرء أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها ويجتهد في القيام بحق الله ويصبر في حالى السراء والضراء.

الإيضاح

(وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أي واذكر نبأ أيوب حين دعا ربه وقد مسه الضر والبلاء فقال: رب إني قد مسنى الضر وأنت أعظم رحمة من كل رحيم.

وقد وصف أيوب نفسه بما يستحق به الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بمطلوبه إيماء منه بأن ربه به عليم، فكأنه يقول: أنا أهل لأن أرحم، وأنت الكريم الجواد الذي يرحم، فأفض علي من جودك ورحمتك ما يسعفنى ويدفع الضر عنى فأنت أرحم الراحمين.

وهذا أسلوب من الطلب دقيق المسلك حكيم المنحى.

روي أن امرأته قالت له يوما لو دعوت الله، فقال: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت ثمانين سنة، فقال أستحيى من الله أن أدعوه، ما بلغت مدة بلائي مدة رخائي.

(فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ) أي فاستجبنا له دعاءه فكشفنا ضره، وقد كان الذي نزل به امتحانا من الله واختبارا له.

(وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) أي وأعطيناه في الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر، فولد له من الأولاد ضعف ما كان.

(رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) أي آتيناه ما ذكر رحمة منا لأيوب، وتذكرة للعابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة.

وخلاصة ما سلف - إن أيوب ابتلى في نفسه وولده وماله، فابتلى بالمرض وهلاك الأولاد وضياع الأموال امتحانا منه تعالى واختبارا له، ثم كشف عنه ما به من ضر فشفى من أمراضه التي أصيب بها، وأنجب من الأولاد ضعف ما كان، وحسن حاله في ماله فزال ما به من عدم وإقتار.

ولم يصرح القرآن الكريم بما صار إليه من سعة في المال كما صرح بما صار إليه أمره من كثرة الولد.

وما روى من مقدار ما لحقه من الضر في نفسه حتى وصل إلى حد النفرة منه، وأن الناس جميعا تحاموه وطردوه من مقامه إلى ظاهر المدينة في موضع الكناسة ولم يكن يتصل به إلا امرأته التي تذهب إليه بالزاد والقوت - فكل ذلك من الإسرائيليات التي يجب الاعتقاد بكذبها، لأنه ليس لها من سند صحيح يؤيدها، ولأن من شروط النبوة ألا يكون في النبي من الأمراض والأسقام ما ينفر الناس منه، ولأنه متى كان كذلك لا يستطيع الاتصال بهم وتبليغ الشرائع والأحكام إليهم، وسيأتي لهذا مزيد إيضاح في سورة ص.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 85 الى 86][عدل]

وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه صبر أيوب عليه السلام ودعاءه ربه وانقطاعه إليه حتى كشف عنه الضر - قفّى على ذلك بذكر هؤلاء الأنبياء الذين صبروا على ما أصابهم من لمحن والشدائد.

الإيضاح

(وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) أي واذكر نبأ هؤلاء الرسل الكرام الذين صبروا على ما ابتلاهم الله به وأخبتوا له، فنالوا رضاه وأدخلهم جنته.

(1) أما إسماعيل فإنه صبر على الانقياد للذبح، وصبر على المقام ببلد لا زرع فيه ولا ضرع، وصبر على بناء البيت وتكلف المشاق في ذلك وقد أكرمه الله فأخرج من صلبه خاتم النبيين.

(2) وأما إدريس - أخنوخ - فهو موضع التجلة والاحترام لدى قدماء المصريين وهو المسمى عندهم (أوزيس) ويزعم كثير من الناس أنه أول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وكانوا من قبل يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح عدّة، وقد تقدم قصصه بإسهاب في سورة مريم.

(3) وأما ذو الكفل - والكفل: الحظ والنصيب - فقد اختلف العلماء في شأنه، فمن قائل إنه نبي وهم الأكثرون، وقالوا إنه ابن أيوب عليه السلام، بعثه الله نبيا بعد أبيه وسماه ذا الكفل، وأمره بالدعاء إلى توحيد الله، وأقام عمره بالشام. وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد لم يكن نبيا بل كان عبدا صالحا استخلفه اليسع عنه على أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ففعل.

(وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) أي وأدخلنا كل هؤلاء جنات النعيم جزاء لهم على ما فعلوا من صالح الأعمال.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 87 الى 88][عدل]

وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)

تفسير المفردات

النون: الحوت وجمعه نينان، وذو النون: أي صاحب الحوت وهو يونس بن متى، مغاضبا: أي غضبان من قومه، لتماديهم في العناد والطغيان، نقدر عليه: أي نضيق عليه في أمره بحبس ونحوه، والظلمات: هي ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل

الإيضاح

(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا) أي واذكر نبأ يونس عليه السلام حين بعثه الله إلى أهل نينوى (قرية بالموصل) فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته، فأبوا عليه وتمادوا في كفرهم، فخرج من بين ظهرانيهم مغاضبا لهم، وأوعدهم بالعذاب بعد ثلاث.

فلما تحققوا أنه كائن لا محالة، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله وجأروا إليه ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وعجاجيلها، وثغت الغنم وسخالها، فرفع الله عنهم العذاب كما قال: « فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ».

وأما يونس عليه السلام فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة، فلما وصلوا اللجة تكفّأت بهم وأشرفوا على الغرق، فاقترعوا على رجل منهم يلقونه في البحر يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها فوقعت القرعة عليه أيضا فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا كما يرشد إلى ذلك قوله: « فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ »

ثم قام يونس وتجرد من ثيابه وألقى بنفسه في البحر، فأرسل الله إليه حوتا يشق البحر فالتقمه.

ومعنى مغاضبته قومه أنه أغضبهم بفراقه وهجرته من ديارهم، لأنهم حين تمادوا في تكديبه توعدهم بالعذاب، لكنه لم يأتهم لأنهم تابوا، فكره أن يكون بين ظهراني قوم جرّبوا عليه الخلف فيما أوعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم توبتهم التي كانت سبب رفع العذاب عنهم.

وخلاصة ذلك - إن غضبه كان أنفة من ظهور خلف وعده لا كراهية لحكم الله، وقد بحث عنه قومه فلم يجدوه، لأنه نزل إلى سفينة في البحر هاربا، فأخرجه الله من الأنبياء أولى العزم كما قال لنبيه: « فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ » أي لا تلق أمري كما ألقاه.

(فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) أي فظن أن لن نضيّق، عليه الأمر بالحبس أو بغيره.

(فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ) أي فدعا ربه في الظلمات الثلاث التي سبق ذكرها - سبحانك لا إله غيرك، ولا يعجزك شيء.

(إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) لنفسى بالمبادرة بالهجرة دون أمر منك.

(فَاسْتَجَبْنا لَهُ) دعاءه الذي دعا به، وأظهر به التوبة على ألطف وجه وأحسنه.

روى ابن جرير والبيهقي في جماعة عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « دعوة ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له ».

وروي عن أنس مرفوعا أنه عليه الصلاة والسلام حين دعا بذلك أقبلت دعوته تحفّ بالعرش، فقالت الملائكة هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا يا رب من هو؟ قال ذاك عبدي يونس، قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبّل ودعوة مجابة، يا رب أفلا ترحم من كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال بلى، فأمر الحوت فطرحه، فذلك قوله:

(وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ) الذي ناله حين التقمه الحوت، فجعلناه يقدفه إلى الساحل بعد ساعات، قال الشعبي: التقمه ضحى، ولفظه عشيّة.

(وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) من كربهم إذا استغاثوا بنا طالبين رحمتنا.

قال الرازي: شرط كل من يلتجىء إلى الله أن يبدأ بالتوحيد، ثم بعده بالتسبيح والثناء، ثم بالاستغفار والاعتراف بالذنب، وسيأتي ذكر هذا القصص في الصافات ون.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 89 الى 90][عدل]

وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (90)

المعنى الجملي

بين سبحانه في هذا القصص انقطاع زكريا إلى ربه لمّا مسه الضر بتفرده، وأحب أن يكون معه من يؤنسه ويقوّيه على أمر دينه ودنياه، ويقوم مقامه بعد موته، فدعا ربه دعاء مخلص عارف بأنه قادر على ذلك، وأنه قد انتهت الحال به وبزوجه من كبر وغيره إلى اليأس من الولد على مجرى العادة.

الإيضاح

(وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) أي واذكر خبر زكريا حين طلب أن يهبه الله ولدا يكون من بعده نبيا، فقال خفية عن قومه: رب لا تدعنى وحيدا لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في النادي، فإن لم ترزقنى من يرثنى فلا أبالى فإنك خير وارث، وقد تقدم هذا القصص، مبسوطا في سورتى آل عمران ومريم.

(فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) أي فأجبنا سؤله، ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه بأن أزلنا عنها الموانع التي كانت تمنعها من الولادة، فولدت له بعد أن كانت عقيما.

ثم ذكر السبب في إجابة مطلبهم فقال:

(إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) أي لأن زكريا وزوجه ويحيى كانوا يسارعون في طاعتنا، والعمل بما يقرّبهم إلينا.

(وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا) أي ويعبدوننا، رغبة منهم فيما يرجون من رحمتنا وفضلنا، وخوفا من عذابنا وعقابنا.

(وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) أي وكانوا لنا متواضعين متذللين، لا يستكبرون عن عبادتنا ودعائنا.

وخلاصة ما سلف - إنهم نالوا من الله ما نالوا، لا تصافهم بتلك الخلال الحميدة.

[سورة الأنبياء (21): آية 91][عدل]

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (91)

تفسير المفردات

الإحصان: المنع مطلقا، والفرج في الأصل: الشق بين الشيئين كالفرجة، ثم أطلق على السّوءة، وكثر حتى صار كالصريح في ذلك، والروح هو المعنى المعروف، ونفخ الروح: هو الإحياء، آية: أي برهانا ودليلا على قدرة الله.

الإيضاح

(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) أي ومريم التي منعت نفسها من قربان الرجال سواء أكان من حلال أم من حرام كما قالت: « وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا » وجاء في سورة التحريم: « وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها ».

(فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا) أي فنفخنا الروح في عيسى في بطنها وجعلناه يجرى في جوفها.

(وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) أي وجعلنا أمرهما آية للناس يستدلون به على قدرة الله وحكمته، ويتدبرون فيما خصّا به من الآيات.

أما آيات مريم فمنها:

(1) ظهور الحمل من غير ذكر.

(2) إن الملائكة كانت تأتيها برزقها كما حكى القرآن قول زكريا لها وردها عليه: « يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ».

وأما آيات عيسى فقد سبق تفصيلها في سورتى آل عمران ومريم.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 92 الى 97][عدل]

إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (94) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) واقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (97)

تفسير المفردات

الأمة: القوم المجتمعون على أمر ثم شاع استعمالها في الدين، وتقطعوا أمرهم بينهم: أي جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا، وحرام: أي ممتنع، وقرية: أي أهلها، أهلكناها: أي قدرنا هلاكها، يأجوج ومأجوج تقدم الكلام فيهما وفى بيان أصلهما، وحدب: أي مرتفع من الأرض، ينسلون: أي يسرعون، واقترب: أي قرب، الوعد الحق: هو يوم القيامة، شاخصة: أي مرتفعة أجفانها لا تكاد تطرف من شدة الهول، والويل: الهلاك.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر قصص جمع من الأنبياء كنوح وإبراهيم وإدريس وموسى وعيسى وبيّن ما أوتوا من الشرائع والأحكام على وجه الإجمال - قفى على ذلك ببيان أن لبّ الدين عند الله واحد، وأن جميع الأنبياء قد اتفقوا عليه، ولم يختلفوا فيه في عصر من الأعصار، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وأنه هو القاهر فوق عباده المالك لجميع السموات والأرض، لا يئوده حفظهما وهو العلى العظيم، وإن اختلفوا في الرسوم والأشكال بحسب اختلاف الأزمان والأمكنة، فعليكم أيها المسلمون أن تحافظوا على وحدة دينكم، وألا تجعلوه عضين، وكأنه يقول لهم: عليكم ألا تركنوا إلى خوارق العادات كما رأيتم في قصص موسى، ولا تدعوا نظم الدولة بل سوسوها كما كان يفعل داود وسليمان، ولا تذروا الصبر في جميع الأعمال كما رأيتم في قصص أيوب ومن بعده.

ثم نعى على المسلمين ما سيحدث منهم في مستأنف الزمان حين يتفرقون شيعا، يذوق بعضهم بأس بعض، ويجعلون الدين قطعا فيما بينهم كما تتوزع الجماعة الشيء يقتسمونه، فيصير لهذا نصيب ولذاك آخر.

وهذا إخبار بالغيب، لما سيحصل في هذه الأمة الإسلامية، وقد حدث فعلا وافترقت الأمة سياسيا واجتماعيا بوساطة بعض رؤساء الدين، فأعرض الله عن هؤلاء المختلفين وقطّعهم بين الأمم، كما قطعوا أمرهم بينهم واقتسموه.

ثم بين سبحانه أنه يثيب عباده على صالح الأعمال إذا كانت القلوب عامرة بالإيمان به وبكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن كل عمل جلّ أو قل فهو مكتوب محفوظ لديه، لا يغيب عنه مثقال ذرة، وأن جميع الخلق راجعون إليه، فيثيب كل إنسان بما عمل من خير أو شر، وأن الساعة قد اقترب ميقاتها، ثم أخبر أن المشركين يدعون إذ ذاك على أنفسهم بالويل والثبور، ويقولون يا حسرتنا على ما فرطنا في جنب الله، وكنا ظالمين لأنفسنا، ولا ينفع الندم إذ ذاك.

ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتع مبتغيه وخيم

الإيضاح

(إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) أي إن الدين عند الله هو الانقياد له وحده لا يقبل غيره، وعليه اتفق جميع الأنبياء والشرائع، وما اختلفوا إلا في الرسوم والصور بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة، فعليكم أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا من صنم أو وثن، شجر أو حجر أو بشر أو ملك.

ثم نعى على المسلمين ما فعلوا من تفريق شأنهم فرقا وشيعا فقال:

(وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) أي وإنهم قد فرقوا أمرهم بينهم فرقا شتى كل فرقة تنمى على من سواها، وتشيد بمفاخرها، وقد كان لهم في عبر الماضين ما يمنعهم أن يقترفوا مثل هذا الجرم وكبير ذلك الإثم.

قال الحسن البصري في هذه الآية - يبين لهم ما يتّقون وما يأتون - يريد أن هذا إخبار بالغيب بما سيكون منهم.

والخلاصة - إنهم قد غفلوا عما أمر به دينهم من وجوب الاعتصام بوحدة الأمة ونبذ الفرقة، ففعلوا ضد هذا، وذاق بعضهم بأس بعض، وكان في هذا وبال للجميع، وتمكن عدوهم من أن يهيض جناحهم، ويبطش بهم ويستعبدهم في عقر دارهم، ويسيمهم الخسف والصغار، بعد أن كانوا سادة أحرارا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ثم توعدهم على ما فعلوا فقال:

(كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) أي إنهم سيرجعون إلينا ونجازيهم على تفرقهم واختلافهم شيعا.

وفي هذا إخبار بالغيب بما سيحدث في هذه الأمة التي ذاقت وبال أمرها، وعاقبة اختلافها، وكانت لقمة سائغة للآكلين، ونهبا مقسّما بين الطامعين، جزاء ما اجترحت من التفرق شذر مذر « وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ».

وبعد أن أبان أن افتراق الأمة واقع لا محالة أردفه فتح باب الرجاء في لمّ شعثها واتفاقها بعد تفرقها، عسى أن تقوم من كبوتها، وترجع إلى وحدتها، وتصير لها الدّولة والصّولة كما كانت في سالف عهدها فقال:

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) أي ومن يعمل صالح الأعمال وقلبه مليء بالإيمان بربه، والتصديق لأنبيائه ورسله، واليقين بيوم الآخر يوم تجزى كل نفس بما عملت من خير أو شر، فإنا لا نضيع سعيه ولا نبخسه حقه، بل نوفيه على عمله الجزاء الأوفى، وإنا مثبتون له ذلك في صحيفة أعماله، لا نترك منه شيئا جلّ أو قل، عظم أو حقر.

ونحو الآية قوله: « وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا » وقوله: « إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ».

(وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) أي ممتنع أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا.

(حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) أي ويستمر هذا الامتناع إلى قيام الساعة: ومن أماراتها فتح سد يأجوج ومأجوج، وإتيان الناس سراعا من كل مرتفع من الأرض، والمقصود الرد على المشركين في إنكارهم للبعث والجزاء.

والخلاصة - إنه لا تزال حياة من مات وهلك ممتنعة ولا يمكن رجوعهم إليها حتى تقوم الساعة، ويسرع الناس من كل حدب من الأرض.

(وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي وقرب مجىء يوم القيامة، وإذ ذاك تشخص أبصار الذين كفروا وترتفع أجفانهم، فلا تكاد تطرف من هول ما هم فيه حين يقومون من قبورهم ويعلمون أن هذا يوم الحساب الذي لم يعدّوا له العدّة، بل كانوا ينكرون مجيئه وحينئذ يقولون:

(يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) أي يا هلاكنا احضر فهذا أوانك، فقد كنا في الدنيا في غفلة من هذا الذي دهمنا من البعث والرجوع إلى الله للحساب والجزاء - لا بل الحق أننا لم نكن في غفلة إذ نبهتنا الآيات والنذر، وإنما كنا ظالمين لأنفسنا بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب.

وصفوة القول - إن الناس لا يرجعون إلى الحياة حتى تزلزل الأرض زلزالها، ويختل نظام هذا العالم، فتموج الأمم بعضها في بعض بتفريق أجزائها، لا فرق بين يأجوج ومأجوج وغيرهما - فذكرهما رمز لاختلال الأرض وخرابها، فكأنه قيل إنهم لا يرجعون إلى الحياة إلا إذا اختل نظام العالم ورجّت الأرض رجا، وماجت الأمم بعضها في بعض، وخرج الكفار من قبورهم شاخصة أبصارهم من الهول الذي هم فيه، وقد ذكرنا في سورة الكهف من يأجوج ومأجوج؟ وأين مساكنهم على وجه البسط؟ فلا حاجة إلى إعادته هنا.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 98 الى 104][عدل]

إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (98) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (101) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (102) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (104)

تفسير المفردات

الحصب: ما يرمى به في النار لاشتعالها، والزفير: صوت نفس المغموم يخرج من أقصى الجوف، والحسنى: أي الكلمة الحسنى التي تتضمن البشارة بثوابهم حين الجزاء على أعمالهم، والحسيس: الصوت الذي يحس من حركتها، والسجل: هو الصحيفة.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه هول الموقف، ودعاء المشركين على أنفسهم بالهلاك في هذا الحين، وشخوص أبصارهم من الحيرة والدّهش مما يشاهدون ويرون - أردف هذا ذكر ما يئول إليه أمرهم بعد الحساب، وأنهم يكونون هم ومعبوداتهم من الأصنام والأوثان حطبا للنار حين يردونها، وأنهم من شدة العذاب فيها يكون لهم أنين وزفير، حتى لا يسمع بعضهم أصوات بعض، لفظاعة ما هم فيه من العذاب.

أما من كتبت له السعادة والنجاة من النار فأولئك يكونون مبعدين عنها لا يسمعون صوت لهيبها، ولا يخافون من أهوالها وآلامها، بل يكونون في نعيم دائم وتستقبلهم الملائكة مهنئين لهم قائلين: هذا يومكم الذي كنتم توعدون في الدنيا.

ثم أعقب ذلك بذكر حال السماء حينئذ، وأنها تطوى طيا وكأنها لم تكن كما يطوى الكاتب الطومار الذي يكتب فيه، ويحوّل ذلك العالم المشاهد إلى عالم آخر فيخلق الله أرضا جديدة وكواكب جديدة ويعيد الناس للحساب، وهو القادر على ذلك، فكما قدر على خلقه أول مرة يعيده في حال أخرى كما قال: « يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ».

الإيضاح

(إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) أي إنكم أيها المشركون بالله العابدون من دونه الأوثان والأصنام، وما تعبدون من دونه من الآلهة - وقود جهنم، وإنكم واردوها وداخلون فيها.

ونحو الآية قوله: « فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ».

والحكمة في أن الآلهة تقرن بهم وتدخل معهم في النار:

(1) إنهم كلما رأوهم ازدادوا غما وحسرة، لأنهم ما وقعوا في العذاب إلا بسببهم وقد قالوا: النظر إلى وجه العدوّ باب من أبواب العذاب (2) إنهم قد كانوا في الدنيا يظنون أنهم يشفعون لهم في الآخرة ويدفعون عنهم العذاب، فإذا استبان لهم أن الأمر على عكس ما كانوا يظنون لم يكن شيء أبغض إليهم منهم.

(3) إن إلقاءهم في النار استهزاء بهم وبعبادتهم.

ثم بين لهم بالدليل خطأ ما يعتقدون فقال:

(لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها) أي لو كان هؤلاء الأصنام آلهة كما تزعمون أيها العابدون - ما وردوا النار ولا دخلوها، لكنه قد اتضح لكم على أتمّ وجه أنهم وردوها، إذ صاروا حطبها، فامتنع كونهم آلهة.

وقصارى ذلك - إن الأصنام إذا كانت لا تنفع نفسها، ولا تدفع الضر عنها، فهي أبعد من أن تدفع الضر عن غيرها، ومن جرّاء ذلك فهي جديرة بالتحقير والإهانة، لا بالتعظيم والعبادة.

(وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) أي وكل من الآلهة ومن عبدوها ما كثون في النار أبدا، لا خلاص لهم منها.

ثم بين أحوالهم فيها فقال:

(1) (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ) أي لهم في النار أنين ونفس متقطع، من شدة ما ينالهم من العذاب.

(2) (وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) أي وهم في النار لا يسمع بعضهم زفير بعض، لعظم الهول وفظاعة العذاب.

وبعد أن ذكر حال أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف عليه بيان أحوال السعداء من المؤمنين بالله ورسوله وقد أسلفوا صالح الأعمال فقال:

(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) أي إن الذين سبق لهم التوفيق للطاعة، وأخبتوا لله وأخلصوا له العمل - لا يدخلون النار ولا يقربونها البتة.

ثم ذكر أوصافهم حينئذ فقال:

(1) (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) أي لا يسمعون صوت النار الذي يحسّ من حركتها، ولا يرون اضطرابها من شدة توهّجها.

(2) (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ) أي إنهم في حبور دائم، ونعيم لا ينقطع.

(3) (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) أي لا يخيفهم هول النفخة الأخيرة في الصور حين قيامهم من قبورهم للحساب كما قال: « وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ».

(4) (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) أي وتستقبلهم الملائكة بالبشرى من النجاة من العذاب قائلين لهم: هذا هو اليوم الذي كنتم توعدون في الدنيا بمجيئه، وتبشرون بما لكم فيه من الثواب، كفاء إيمانكم بالله وطاعتكم له، وتزكية أنفسكم بصالح الأعمال، باتباعكم أوامر ربكم واجتنابكم نواهيه.

وقصارى ذلك - إنهم خلصوا من كل ما يكرهون، وفازوا بكل ما يحبون (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) أي هم لا يفزعون حين تطوى السماء وتزال، وتأتى سماء أخرى جديدة، وكواكب أخرى، كما يطوى الطومار على ما يكتب فيه، لحفظه من الضياع والمحو.

والخلاصة - إنه لا يلحقهم الفزع حين تمحى رسوم السماء وتذهب آثارها، وتخلق أرض جديدة وكواكب جديدة.

(كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) أي وهكذا نخلقكم خلقا جديدا للحشر كى تحاسبوا، فالناس ترجع للحياة على طراز غير طراز الدنيا، وكذلك العوالم جميعها.

(وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) أي تلك الإعادة عدة منا كائنة لا محالة، ولا بد من تحققها، لأنا قادرون عليها.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 105 الى 107][عدل]

وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ (106) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107)

تفسير المفردات

الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والذكر: اللوح المحفوظ، والبلاغ الكفاية، والعابد: من عمل بما يعلم من أحكام الشريعة وآدابها.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر أحوال كل من الكافرين والمؤمنين في الآخرة - ذكر أن الدنيا ليست كالآخرة، فلا يرثها إلا من كان قادرا على إصلاحها، والانتفاع بخيراتها، والاستفادة مما على ظاهرها وباطنها، فمن كان أحصف رأيا، وأحكم فكرا، ملكها وتسلط عليها، وجنى ثمارها واهتدى إلى ما أودع فيها من الخير.

ثم بين أن ما أوحى إلى الرسول من الشرائع وضروب الهداية كاف جدّ الكفاية لمن يعتبر بسنن الله في الكون، فيستفيد منها ما ينفعه في دينه ودنياه، فجميع ما جاء به الوحي من المواعظ وأحكام الشرائع هداية وذكرى لو تدبرها المتدبرون، وتأملها المنصفون.

الإيضاح

(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) أي ولقد كتب الله عنده، وأثبت في قديم علمه الأزلى الذي لا ينسى، ثم أثبت في الكتب السماوية من بعد ذلك أن الأرض لا يعمرها من عباده إلا من يصلح لعمارتها من أي دين كان وأي مذهب انتجل.

وصلاح الأمة يقوم على أربعة عمد:

(1) أن يكون قادتها علماء مفكرين، وساستها حكماء عادلين، بعيدين عن الجور والظلم والمحاباة، يأخذون بيد المظلوم وينصفونه من الظالم، ويعملون لخير الأمة وسعادتها، ويواصلون ليلهم بنهارهم في كل ما يرفع من شأنها، ويسمو بها على الأمم.

(2) أن يكون لها جيش منظم يحمى حريمها، ويدافع عنها إذا جدّ الجدّ، وادلّهم الخطب، ولن يكون كذلك إلا إذا كان فيه المهندسون والمخترعون والقادة البارعون، ولديه من السلاح وعدد الحرب ما يكشف عنه العلم من وسائل الدفاع، من طائرات وغواصات وسفن خربية وآلات للهدم والتدمير، وجند حذقوا فنون الحرب، ويلوا أساليبها المختلفة.

(3) أن يقوم أبناء الحرف المختلفة، من تجار وصناع وزراع بأداء أعمالهم على الوجه المرضى، وكل طائفة منها تظاهر الطوائف الأخرى وتعاونها لخير الجميع، وتقوم بما يجب نحوها من المساعدة فيما يكفل نجاح الأعمال.

(4) أن تنظّم هذه الطوائف أعمالها بحيث تتوزع هذه المهن بين الأفراد بحسب حاجة الأمة إليها حتى لا تمد يدها إلى غيرها لمعونتها، ويكون في كل طائفة جماعة مبرّزون، يفكرون فيما يرقى شئون الطائفة، بحيث تنافس أمثالها في الأمم الأخرى أو تفوقها، بما أوتيت من حسن التدبير والتصرف.

وهذا حكم أيدته التجارب في سائر العصور لدى جميع الدول، فما من أمة تهاونت في هذه الأمور أو في شيء منها إلا حكم عليها بالفناء والزوال، وتواريخ الفرس والروم والأمم الإسلامية والدولة التركية تدل على صدق ما نقول.

ونحو الآية قوله تعالى: « إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ».

(إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ) أي إن فيما ذكر في هذه السورة من أنظمة الدول والتسلط على ألطف الأشياء كالهواء، وعلى أصلبها كالحديد، ومن الجمع بين حرب الأعداء، والاستغراق في ذكر الله، وتسخير العمال في المباني العظيمة، واستخراج ما في البحار من أصناف اللآلئ، وما في باطن الأرض من مختلف المعادن - لكفاية لقوم يجمعون بين العلم والعمل، إذ يعلمون أن العلم شجرة، ثمرتها العمل.

فعلى المسلمين قاطبة أن يصدعوا بما أمروا به في هذا الكتاب، وأن يعرضوا عن الجاهلين بأمور دينهم، فالله محاسبهم على أعمالهم، كما يحاسبهم على قدرهم الجسمية، وليعلموا أنه متى ذاعت هذه الآراء في الأمة، قامت كلها قومة رجل واحد، في تنظيم شئونها، وتربية أبنائها تربية تؤهلهم أن يكونوا قادة العالم الإنساني.

(وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) أي وما أرسلناك بهذا وأمثاله من الشرائع والأحكام التي بها مناط السعادة في الدارين - إلا لرحمة الناس وهدايتهم، في شئون معاشهم ومعادهم.

بيان هذا أنه عليه الصلاة السلام أرسل بما فيه المصلحة في الدارين، إلا أن الكافر فوّت على نفسه الانتفاع بذلك، وأعرض عما هنالك، لفساد استعداده وقبح طويّته، ولم يقبل هذه الرحمة، ولم يشكر هذه النعمة، فلم يسعد لا في دين ولا دنيا، كما قال « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ » وقال في صفة القرآن « قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ »

وقال صلى الله عليه وسلم « إن الله بعثني رحمة مهداة ».

[سورة الأنبياء (21): الآيات 108 الى 112][عدل]

قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (111) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (112)

تفسير المفردات

مسلمون: أي منقادون خاضعون، تولوا: أي أعرضوا، آذنتكم: أي أعلمتكم وكثر استعماله في الإنذار كما في قوله: « فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ » ما توعدون: من غلبة المسلمين عليكم، فتنة: أي اختبار، واحكم: أي اقض، وبالحق: أي العدل والمراد بذلك تعجيل العذاب لهم، ما تصفون: أي ما تقولون وتفترون من الكذب كقولكم « بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ » وقولكم إن للرحمن ولدا.

المعنى الجملي

بعد أن أورد سبحانه الحجج والبراهين، لإقناع الكافرين بأن رسالة الرسول حق، حتى لم يبق في القوس منزع، وبلغ الغاية التي ليس بعدها غاية، وبين أن هذا الرسول رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين، وأن من اتبعه سلك سبيل الرشاد، ومن نأى عنه ضل وسار في طريق الغواية والعناد - أردف ذلك ما يكون إعذارا وإنذارا، في مجاهدتهم والإقدام على مناوأتهم، بعد أن أعيته الحيل، وضاقت به السبل، ولم تغنهم الآيات والنذر، فتمادوا في غوايتهم، ولجّوا في عنادهم، وأصبح من العسير إقناعهم وهدايتهم.

الإيضاح

(قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) أي قل لمشركي قومك ولمن بلغته الدعوة من غيرهم: ما أوحى إلي ربى إلا أنه لا إله إلا هو، فلا تصلح العبادة لسواه، فانقادوا لأمره، وأذعنوا لطاعته، وابتعدوا عن عبادة الأوثان والأصنام، وتبرءوا منها حتى تسلكوا سبيل النجاة، وتفوزوا بالسعادة.

(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) أي فإن أعرضوا عن اتباع ما أوحى إليك فقل لهم: هأنذا أعلمكم بأني حرب لكم، كما أنكم حرب لي، فأنا بريء منكم كما أنكم برآء مني، وأنتم سواء في هذا الإعلام، لا أخص أحدا منكم دون أحد.

ونحو الآية قوله « وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ».

(وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) أي وإن ما توعدون من غلب المسلمين عليكم واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده، لأن الله لم يطلعني على ذلك.

(إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ) أي إن الله يعلم ما تجهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات، ويعلم ما تكتمون من الأضغان والعداوات للمسلمين، فيجازيكم على قليل ذلك وجليله.

(وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) أي وما أدرى سبب تأخير جزائكم، ولعل ذلك زيادة في افتتانكم وامتحانكم، لينظر كيف تعملون، وإنه ليؤخركم إلى حين، كى تتمتعوا بلذات الدنيا مع إعراضكم عن الإيمان، فيكون في ذلك زيادة عذابكم، لأن المعرض عن الإيمان مع توالى الآيات وتتابع البينات والنذر يكون عقابه أشد.

(قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) أي قال الرسول: رب افصل بيني وبين من كذبنى من مشركي قومي، وكفر بك وعبد غيرك، بإحلال عذابك ونقمتك به بالعدل الذي يقتضى تعجيل العذاب به، وتشديده عليه.

وخلاصة ذلك - رب عجّل بعذابهم وقد أجاب الله دعوته وأنزل بهم العذاب الأليم يوم بدر.

قال قتادة: كان الأنبياء يقولون « رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ » فأمر رسول الله أن يقول ذلك.

(وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) أي والله المستعان على ما تصفون، من الشرك والكفر، والكذب والأباطيل، كقولكم إن الله اتخذ ولدا، وقولكم في الرسول « بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ ».

وخلاصة ذلك - إنه طلب من ربه أن يحكم بما يظهر الحق للجميع، وأمره ربه أن يتوعد الكفار بقوله: وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون.

وقد كثر استعمال الوصف في الكتاب الكريم بمعنى الكذب كقوله « وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ » وقوله « سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ » وصلّى الله على محمد وآله.

خلاصة ما تتضمنه هذه السورة[عدل]

(1) الإنذار بقرب الساعة مع غفلتهم عنها.

(2) إنكار المشركين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه بشر مثلهم، وأن ما جاء به أضغاث أحلام، وأنه قد افتراه، ولو كان نبيا حقا لأتى بآية كآيات موسى وعيسى.

(3) الرد على هذه الشبهة بأن الأنبياء جميعا كانوا بشرا، وأهل العلم من اليهود والنصارى يعلمون ذلك حق العلم.

(4) الإخبار بأن الله أهلك كثيرا من الأمم المكذبة لرسلها وأنشأ بعدهم أقواما آخرين.

(5) بيان أن السموات والأرض لم تخلقا عبثا، وأن الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ولا يملّون.

(6) إقامة الدليل على وحدانية الله تعالى والنعي على من يتخذ آلهة من دونه بلا دليل على صدق ما يقولون مع أن الأنبياء جميعا أوحى إليهم أنه لا إله إلا هو.

(7) النعي على من ادعى أن الملائكة بنات الله.

(8) وصف النشأة الأولى ببيان أن السموات والأرض كانتا رتقا فانفصلتا، وأن الجبال جعلت في الأرض أوتادا حتى لا تميد بأهلها، وأن كلا من الشمس والقمر يسبح في فلكه.

(9) استعجال الكافرين للعذاب، مع أنهم لو علموا كنهه ما طلبوه.

(10) بيان أن الساعة تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.

(11) قصص بعض الأنبياء كموسى وهارون وإبراهيم ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذي الكفل ويونس وزكريا وقصص مريم.

(12) بيان أن الدين الحق عند الله هو الإسلام وبه جاءت جميع الشرائع والاختلاف بينها إنما هو في الرسوم بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة.

(13) حادث يأجوج ومأجوج من أشراط الساعة واقتراب يوم القيامة.

(14) بيان أن الأصنام وعابديها يكونون يوم القيامة حطب جهنم، وأنهم لو كانوا آلهة حقا ما دخلوها.

(15) وصف ما يلاقيه الكفار من الأهوال في النار يوم القيامة.

(16) وصف النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة إذ ذاك.

(17) بيان أن الأرض ستبدل غير الأرض، وأن السماء تطوى طى السحل للكتاب.

(18) إن سنة الله في الكون أن يرث الأرض من يصلح لعمارتها من أي دين كان وأيّ مذهب اعتنق.

(19) الوحي إنما جاء بالتوحيد وأن لا إله إلا إله واحد، وأن الواجب الاستسلاء له والانقياد لأمره.

(20) ما ختمت به السورة من طلب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحكم الله بينه وبين أعدائه المشركين، وأنّ الله هو المستعان على ما يصفونه به من أنه مفتر وأنه محنور وأنه شاعر يتربصون به ريب المنون.

سورة الحج[عدل]

هي مدينة إلا الآيات 52، 53، 54، 55 فبين مكة والمدينة، والأصح أنها مختلطة منها المكي ومنها المدني، قال العزيزي وهي من أعاجيب السور نزلت ليلا ونهارا سفرا وحضرا، مكيا ومدنيا، سلميا وحربيا، محكما ومتشابها.

وآيها ثمان وسبعون.

وهي بحسب موضوعاتها أقسام ثلاثة:

(1) البعث والدليل عليه وما يتبع ذلك.

(2) الحج والمسجد الحرام.

(3) أمور عامة كالقتال وهلاك الظالمين والاستدلال بنظام الدنيا على وجود الخالق وضرب المثل بعجز الأصنام وعدم استطاعتها خلق الذباب.

ومناسبتها للسورة قبلها من وجوه:

(1) إن آخر السورة قبلها كان في أمر القيامة كقوله: يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب، وقوله: واقترب الوعد الحق - وأول هذه السورة الاستدلال على البعث بالبراهين العقلية.

(2) إنه قد أقيمت في السورة السالفة الحجج الطبيعية على الوحدانية - وفى هذه جعل العلم الطبيعي من براهين البعث.

(3) في السورة السالفة وما قبلها قصص الأنبياء وبراهينهم لقومهم، وفى هذه السورة خطاب من الله للأمم الحاضرة، وهو خطاب يسترعى السمع ويوجب علينا ولو إجمالا أن نعرف صنع الله في أرضه وسمائه وتدبيره خلق الأجنّة والنبات والحيوان

[سورة الحج (22): الآيات 1 الى 2][عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)

تفسير المفردات

التقوى: التباعد عن كل ما يكسب الإثم من فعل أو ترك، والزلزلة: الحركة الشديدة بحيث تزيل الأشياء من أماكنها، والذهول: الدهش الناشئ عن الهمّ والغم الكثير، والمرضعة: الأنثى حال الإرضاع، والمرضع ما من شأنها أن ترضع ولو لم ترضع حال وصفها به.

الإيضاح

(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) أي يا أيها الناس احذروا عقاب ربكم، فأطيعوه ولا تعصوه، بفعل ما أمركم به من الواجبات، وترك ما نهاكم عنه من المحرمات، وهذا خطاب ينتظم فيه المكلفون حين النزول ومن سيوجدون بعده إلى يوم القيامة.

ثم علل هذا الأمر بقوله:

(إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) أي إن الزلزلة التي تكون حين قيام الساعة قبل قيام الناس من أجداثهم كما قال: « إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها. وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها » وقال: « وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ » الآية، وقال: « إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا » الآية - أمر هائل وخطر عظيم، لا يقدر قدره إلا موجده، وإذا كانت الزلزلة وحدها لا تحتمل، فما بالك بما يحدث في ذلك اليوم من الحشر والجزاء والحساب على الأعمال لدى من لا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

ثم بين شيئا من أهوال هذا اليوم فقال:

(1) (يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) أيفي هذا اليوم يبلغ الأمر من الدهشة والاضطراب والحيرة والذهول أن تذهل المرضعة عن ولدها الذي ترضعه، وهو أعز شيء لديها، فكيف بذهولها عن سواه؟.

(2) (وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها) أيوتسقط كل ذات حمل الجنين الذي في بطنها قبل التمام رعبا وفزعا قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام.

(3) (وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) أيوترى الناس حينئذ، كأنهم سكارى وما هم بسكارى على التحقيق، ولكن شدة العذاب هي التي أذهلت عقولهم، وأذهبت تمييزهم.

وقد يكون المراد من ذهول الحامل ووضع المرضع ضرب المثل لشدة الأمر وبلوغه أقصى الغايات كما يؤوّل به أيضا قوله تعالى: « يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا ».

[سورة الحج (22): الآيات 3 الى 4][عدل]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (4)

المعنى الجملي

بعد أن أخبر فيما سلف بأهوال يوم القيامة وشدتها، ودعا الناس إلى تقوى الله - بين أنه مع هذا التحذير الشديد فإن كثيرا من الناس ينكرون هذا البعث، ويجادلون في أمور الغيب بغير علم.

أخرج ابن أبي حاتم أن هذه الآيات نزلت في النضر بن الحارث وكان جدلا يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ولا يقدر الله على إحياء من بلى وصار ترابا.

الإيضاح

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي ومن الناس من يتعاطى الجدل فيما يجوز على الله من الصفات والأفعال، وما لا يجوز عليه، غير متبع في ذلك حجة ولا برهانا بل يجهل بحقيقة ما يقول، فيزعم أن الله غير قادر على إحياء من بلى وصار ترابا، وأن لله ولدا، وأن القرآن ما هو إلا أسطورة من أساطير الأولين إلى نحو ذلك من الترّهات والأباطيل.

وقد ذم المجادلة بغير علم فأومأ إلى أن الجدل إذا كان مع العلم والحجة والبرهان فلا يدم ولا يقبح، وعليه جاء قوله تعالى: « وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ».

(وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ) المريد المتجرد للفساد، العاري عن الخير، من قولهم شجرة مرداء إذا كان لا ورق لها، ورملة مرداء إذا لم تنبت شيئا، أي ومن الناس من يتّبع في كل ما يأتي وما يذر من شئونه وأهوائه، شياطين من شياطين الإنس والجن الذين يزينون له طرق الغواية، ويسلكون به الطرق التي تزلق به في المهاوى، ويقودونه إلى الأعمال التي تصل به إلى النار، من شرك بالله وعبادة للأوثان والأصنام، وشرب للخمر، ولعب للميسر، إلى نحو أولئك مما يحسّنون له عمله، ويكونون له فيه القادة الذين لا يردّ لهم قول، ولا يقبح منهم فعل.

ثم وصف سبحانه ذلك الشيطان بقوله:

(كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) أي قدر سبحانه أن من اتبع ذلك الشيطان، وسلك سبيله، أضله في الدنيا، بما يوسوس له، ويدسّى به نفسه، ويزين لها من اتباع الغواية، الفجور، وسلوك سبيل المعاصي والآثام التي توبقه في جهنم وبئس القرار.

وخلاصة ذلك - إنه يضله في الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، بما يجترح من السيئات، ويرتكب من الآثام.

[سورة الحج (22): الآيات 5 الى 7][عدل]

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)

تفسير المفردات

الريب: الشك، وأصل النطفة: الماء العذب ويراد بها هنا ماء الرجل، والعلقة: القطعة الجامدة من الدم، والمضغة: القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ، والأجل المسمى: هو حين الوضع، والطفل: يكون للواحد والجمع، والأشد: القوة، وأرذل العمر: أدنؤه وأردؤه، هامدة: أي ميتة يابسة من قولهم همدت الأرض إذا يبست ودرست، وهمد الثوب: بلى، واهتزت: أي اهتز نباتها وتحرك، وربت: ازدادت وانتفخت لما يتداخلها من الماء والنبات، زوج: أي صنف، بهيج: أي حسن سارّ للناظرين، والحق: هو الثابت الذي يحق ثبوته.

المعنى الجملي

لما حكى سبحانه عن المشركين الجدل بغير علم في البعث والحشر وذمهم على ذلك - قفى على هذا بإثباته من وجهين:

(1) الاستدلال بخلق الحيوان وهو ما أشار إليه في الآية الأخرى: « قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ » وقوله « فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا؟ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ».

(2) الاستدلال بحال خلق النبات في قوله « وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً » إلخ.

الإيضاح

(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) أي إن كنتم في شك من مجىء البعث فانظروا إلى مبدإ خلقكم ليزول ريبكم وتعلموا أن القادر على خلقكم أول مرة قادر على إعادة خلقكم ثانيا.

وعبر سبحانه بالريب مع أنهم موقنون بعدم حصوله، إيذانا بأن أقصى ما يمكن صدوره منهم وإن بلغوا غاية المكابرة والعناد - هو الارتياب في شأنه، أما الجزم بعدم إمكانه فلا يدور بخلد عاقل على حال.

ثم ذكر سبحانه من مراتب الخلق أمورا سبعة:

(1) (فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ) إذ خلق الإنسان من المنى المتولد من الأغذية، والأغذية تنتهى إلى النبات، وهو يتولد من الأرض والماء.

(2) (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) أي ثم من مني مكون من الدم المتولد من الغذاء المنتهى إلى التراب:

(3) (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) أي ثم من دم جامد غليظ، ولا يخفى ما بين الماء والدم من المباينة والمخالفة.

(4) (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أي ثم من قطعة من اللحم مسوّاة، لا نقص فيها ولا عيب في ابتداء خلقها، ومضغة غير مسواة، فيها عيب، وبهذا التفاوت في الخلق يتفاضل الناس في صورهم وأشكالهم وطولهم وقصرهم.

(لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) أي خلقناكم على هذا النمط البديع، لنبين لكم جميل نظامنا، وعظيم حكمتنا، التي من جملتها أمر البعث.

(وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي ونبقى ما نشاء من الأجنّة إلى الوقت الذي قدّر أن تلد فيه المرأة.

(5) (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) أي ثم نخرجكم من أرحام أمهاتكم إذا بلغتم الأجل الذي قدّرته لخروجكم منها أطفالا صغارا في المهد.

(6) (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) أي ثم يعمّركم ويسّهل تربيتكم حتى تبلغوا كمال عقولكم، ونهاية قواكم.

(7) (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) أي ومنكم من يتوفى على كمال قوته وكمال عقله، ومنكم من يبقى حتى يبلغ الهرم والخرف فيصير كما كان في أول طفولته ضعيف البنية سخيف العقل قليل الفهم.

وخلاصة ذلك - إنه إما أن يميتكم أو يردكم إلى أرذل العمر الذي يسلب فيه العلم والقدرة على العمل.

ثم ذكر الاستدلال على إمكان البعث بحال خلق النبات أيضا فقال:

(وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) أي وترى الأرض يابسة دارسة الآثار من النبات والزرع، فإذا نحن أنزلنا عليها الماء تحركت بالنبات وازدادت وانتفخت، لما يتداخلها من الماء والنبات، ثم أنبتت أنواعا يسر الناظرين ببديع منظرها، وجميل شكلها، واختلاف طعومها وروائحها، ومقاديرها ومنافعها.

وبعد أن قرر سبحانه هذين البرهانين رتب عليهما النتيجة الحتمية لذلك، وذكر أمورا خمسة:

(1) (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) أي هذا الذي ذكرت لكم من بدئنا خلقكم في بطون أمهاتكم، ووصفنا أحوالكم قبل الميلاد وبعده، طفلا وكهلا وشيوخا في حال الهرم، وتنبيهنا إياكم إلى فعلنا بالأرض الهامدة بما ينزل عليها من الغيث - لتصدّقوا بأن الذي فعل ذلك هو الله الحق الذي لا شك فيه، وأن ما تعبدون من الأوثان والأصنام فهو باطل، لأنها لا تقدر على فعل شيء من ذلك.

(2) (وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى) أي ولتعلموا أن الذي قدر على هذه الأشياء البديعة لا يتعذر عليه أن يحيي الموتى بعد فنائها ودروسها في التراب.

(3) (وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي وأن فاعل ذلك قادر على كل شيء.

ولا يمتنع عليه شيء أراده، فهو قادر على إيجاد جميع الممكنات، ومن ذلك إعادة الأجسام بعد موتها.

(4) (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها) أي ولتعلموا أن الساعة التي وعدكم أن يبعث فيها الموتى من قبورها آتية لا محالة، ولا شك في حدوثها، وليس لأحد أن يرتاب فيها (5) (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) أي ولتوقنوا بأن الله حينئذ يبعث من في القبور أحياء إلى مواقف الحساب.

وخلاصة ذلك - أنكم إذا تأملتم في خلق الحيوان والنبات أمكنكم أن تستدلوا بذلك على وجود الخالق وقدرته على إحياء الموتى وعلى غيرها من الممكنات، وأن الساعة آتية لا شك فيها، وأنه يبعث من في القبور للحساب والجزاء، ولو لا ذلك ما أوجد هذا العالم، لأن أفعاله تعالى مبنية على الحكم الباهرة، والغايات السامية.

[سورة الحج (22): الآيات 8 الى 10][عدل]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (8) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (9) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (10)

تفسير المفردات

الهدى: الاستدلال والنظر الصحيح الموصل إلى المعرفة، والكتاب المنير: الوحي المظهر للحق، ثاني عطفه: أي لاويا جانبه متكبرا مختالا، ونحوه تصعير الخد ولي الجيد. والخزي: الهوان والذل، عذاب الحريق: أي عذاب النار التي تحرق داخليها..

المعنى الجملي

بعد أن ذكر في الآية قبلها حال الضلال المقلدين الذين يتبعون أهل الكفر والمعاصي - أردف ذلك بذكر حال الدعاة إلى الضلال من رءوس الكفرة والمبتدعين.

الإيضاح

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) أي ومن الناس من يخاصم في توحيد الله والإقرار بالألوهية، بغير علم منه بما يخاصم به، ولا برهان معه على ما يقول، ولا وحي من الله أتاه ينير حجته، بل يقول ما يقول من الجهل ظنا منه وتخرّصا.

وخلاصة ذلك - إنه يجادل بلا عقل صحيح، ولا نقل صريح، بل يجادل اتباعا للرأى والهوى.

(ثاني عطفه) تقول العرب: جاءني فلان ثاني عطفه إذا جاء متبخترا متكبرا، فالمراد - ومن الناس من يجادل وهو لاو عنقه معرض عما يدعى إليه من الحق مستكبر عن قبوله.

ونحو الآية قول لقمان لابنه: « وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ».

(لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي ليصد المؤمنين بالله عن دينهم الذي هداهم الله إليه ويستنزلهم عنه.

وبعد أن ذكر فعله وثمرته ذكر ما أعدّ له عليه في الدنيا والآخرة فقال:

(لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ) أي له في الدنيا إهانة وذل كفاء استكباره عن آيات الله كما حدث من القتل والأسر بأيدي المؤمنين يوم بدر، وسيصلى في الآخرة عذاب النار ويحرق بلهبها.

ثم بين سبحانه سبب هذا الخزي المعجّل والعذاب المؤجل فقال:

(ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ) أي ويقال له حينئذ: إن هذه النار التي تصطلى بلهبها اليوم - جزاء ما اجترحت يداك في الدنيا من الآثام، واكتسبته من الذنوب والمعاصي (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) أي وقد فعلنا ذلك، لأن الله لا يظلم عباده، فيعاقب بعض عبيده على جرم، ويعفو عن مثله عن آخر غيره.

وقصارى ذلك - إنهم استحقوا هذا العذاب لما اجترحوه من الآثام والذنوب، والله لا يظلم أحدا بغير جرم قد فعله.

ومآل ذلك توبيخهم وتبكيتهم بأنهم هم سبب هذا العذاب.

[سورة الحج (22): الآيات 11 الى 13][عدل]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)

تفسير المفردات

على حرف: أي على طرف، خير: أي سعة في المال وكثرة في الولد، فتنة: أي بلاء ومحنة في نفسه أو أهله أو ماله، على وجهه: أي جهته ويراد بذلك أنه ارتد ورجع إلى الكفر، خسر الدنيا والآخرة: أي ضيّعهما، إذ فاته فيهما ما يسره، يدعو الأولى يراد بها يعبدو يدعو الثانية يراد بها يقول - والمولى: الناصر، والعشير: الصاحب والمعاشر

المعنى الجملي

بعد أن ذكر حال الضالين المقلدين الذين يجادلون في توحيد الله بلا بينة ولا دليل، وحال المضلين الذين يجادلون بلا سلطان من عقل، ولا برهان صحيح من نقل، ثم سوء مآلهما في الدنيا والآخرة وأن لهما في الدنيا خزيا وفى الآخرة عذابا في النار تحترق منه أجسامهما - أعقب ذلك بذكر قوم مضطربى الإيمان، مذبذبين في دينهم، لا ثبات لهم في عقيدتهم، ولا استقرار لهم في آرائهم، إن أصابوا خيرا فرحوا به وركنوا إليه، وإن نالهم بلاء وشدة في أنفسهم أو أهليهم أو أموالهم ارتدوا كفارا، فلحقهم الخسار والدمار في دينهم ودنياهم، وذلك هو الخسران الذي لا خسران بعده وهم في ذلك الحين يعبدون الأصنام والأوثان، لتكشف عنهم ضرهم وتدفع عنهم ما نزل بهم من البلاء، وقد ضلوا في ذلك ضلالا بعيدا، وأنهم يوم القيامة ليجأرون ويصرخون ويقولون:

(لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ).

روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا صح جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا أو ولدت امرأته غلاما أو كثر ماله وما شيته - رضى به واطمأن إليه وإن أصابه وجع أو ولدت امرأته جارية أو أجهضت رماكه (خيله) أو ذهب ماله.

أو تأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان وقال له: ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين فينقلب عنه.

الإيضاح

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ) أي على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، فهو في قلق واضطراب فيه لا في سكون وطمأنينة، فمثله مثل الذي يكون على طرف من العسكر إن أحسّ بغنيمة قرّ وسكن، وإن كانت هزيمة فرّ وهام على وجهه، وهذا ما أشار إليه بقوله:

(فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ) أي فإن أصابه ورخاء وسعة في العيش سكن واستبشر بهذا الخير والدين فعبد الله، وإن أصابه شر وبلاء في جسمه أو ضيق في معيشته ارتد ورجع إلى الكفر.

والثبات في الدين إنما يكون إذا كان الغرض منه إصابة الحق وطاعة الرب والخوف من عقابه، أما إذا كان المقصد منه الخير المعجّل فإنه يظهر في السراء ويختفى لدى الضراء، وهذا هو النفاق بعينه كما يرشد إلى ذلك قوله في المنافقين: « مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ » وقوله: « فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ».

وخلاصة ذلك - أن من الناس من ليس له ثبات في أمر دينه، بل هو مرجحنّ مضطرب مذبذب، يعبد الله على وجه التجربة انتظارا للنعمة، فإن أصابه خير بقي مؤمنا، وإن أصابه شر من سقم أو ضياع مال أو فقد ولد ترك دينه وارتد كافرا.

ثم بين سوء عاقبة عمله فقال:

(خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ) أي ضيّع نفعهما، وزالت عنه فائدتهما، فإنه خسر في الدنيا العزّ والكرامة وإصابة الغنيمة، وخسر في الآخرة الثواب الدائم، بل حل به العقاب اللازب.

(ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) أي ذلك هو الخسران الذي لا خسران مثله لمن تدبر فيه وتفكر.

ثم أكد عظم ذلك الخسران بقوله:

(يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ) أي يعبد من دون الله آلهة لا تضره إن لم يعبدها في الدنيا، ولا منفعة له في الآخرة إن عبدها.

(ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) أي ذلك الارتداد وعبادة تلك الآلهة دون الله هو السير على غير استقامة والذهاب على غير هدى، فما مثله إلا مثل من أبعد في التيه ضالا، وبعدت مسافة ضلاله، فلم يهتد إلى الصراط السوي، ولم ينل ما يبتغى وبلغت به الحيرة كل مبلغ.

ثم زاد ما سلف توكيدا وبين مآل دعائه وعبادته غير الله فقال:

(يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) أي يقول الكافر برفع صوت وصراخ حين يرى تضرره بذلك المعبود ودخوله النار بسببه، ولا يرى أثرا مما كان يتوقع من نفعه لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير.

وخلاصة ذلك - أي عشير هذا، وأي ناصر ذاك الذي لا ينفع ولا ينصر من يعاشره؟ والله لبئس العشير ولبئس النصير.

[سورة الحج (22): آية 14][عدل]

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (14)

المعنى الجملي

لما ذكر في الآية السالفة حال عباده المنافقين وحال معبوديهم - عطف على ذلك بذكر حال المؤمنين الذين آمنوا بقلوبهم، وصدّقوا إيمانهم بأفعالهم، وعملوا الصالحات وتركوا المنكرات.

الإيضاح

(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي إن الله سبحانه يتفضل على المؤمنين الذين عملوا صالح الأعمال، ويكافئهم لقاء إحسانهم، بدخول الجنات التي تجرى من تحت أشجارها الأنهار جزاء وفاقا على ما قاموا به من جليل الأعمال، وما زكّوا به أنفسهم من جميل الخصال.

ولما بين سبحانه حال الفريقين ذكر أنه قادر على أن يفعل بهما ما يشاء فقال:

(إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) من إكرام من يطيعه وإهانة من يعصيه، لا رادّ لحكمه، ولا مانع لقضائه، فهو يعطى المتقين ضروبا من الفضل والإحسان زيادة على أجورهم كما قال: « فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ » ويدخل الكافرين نارا وقودها الناس والحجارة، لما دسّوا به أنفسهم من أنواع الرجس والفسوق.

[سورة الحج (22): الآيات 15 الى 16][عدل]

مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (15) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16)

تفسير المفردات

بسبب: أي بحبل، إلى السماء: أي إلى سقف بيته، ليقطع: أي ليختنق، فلينظر: أي فليقدر في نفسه النظر، كيده: أي فعله، ما يغيظ: أي غيظه.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر حال المجادل بالباطل وخذلانه في الدنيا، لأنه لا يدلى بحجة من العقل ولا ببرهان من الوحي، ثمّ بيّن ما يئول إليه أمره من النكال في الدنيا والخزي في الآخرة، ثم ذكر مشايعيه وعمم خسارهم في الدارين، وأردف ذلك ذكر حال المؤمنين وما يلقونه من السعادة والنعيم في الدار الآخرة - قفى على ذلك بذكر المجادل عنهم وعن دين الله بالتي هي أحسن، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالغ في إثبات نصره بما لا مزيد عليه، ثم ذكر شأن كتابه وأنه آيات واضحات ترشد إلى سواء السبيل.

الإيضاح

(مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ) أي من كان يحسب أن الله لن ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى سماء بيته ثم ليختنق به، ثم ليصور في نفسه النظر، هل يذهبنّ ذلك الكيد الذي كاده، والفعل الذي فعله ما يغيظه من النصرة - كلّا.

وخلاصة المعنى - من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدا ولا كتابه ولا دينه فليذهب وليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصره لا محالة كما قال: « إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ » وسيعلى في الدنيا كلمته ويظهر دينه، ويرفع في الآخرة درجته ويدخل من صدقه جنات تجرى من تحتها الأنهار وينتقم ممن كذّبه، ويذيقه عذاب الحريق، فمن كان من أعاديه يغيظه ذلك فليبالغ في كيده إلى أقصى مجهوده، فقصارى أمره خيبة مسعاه ودوام غيظه دون أن يصل إلى غاية، أو يبلغ أمنيّة.

وتلخيص هذا - أيها الكاره لمحمد الذي أرسل لإنقاذك، إن نعم الله على عباده كثيرة ولا سيما بعثة الأنبياء، فإذا كرهت ما أنعم الله به عليك ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فكأنك تختنق، لأنك تكره النعم لنفسك فتستبيح خنقها من حيث لا تشعر.

(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ) أي وكما بينت لكم حججى على من جحد قدرتى على إحياء من مات من الخلق بعد فنائه وأوضحتها غاية الإيضاح - أنزلنا القرآن كله آيات واضحات الدلالة على معانيها.

وخلاصة ذلك - إن القرآن كله كامل البيان في جميع أبوابه وفصوله لا في أمر البعث وحده.

(وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ) أي وكذلك أنزله ليوفق به لسبيل الحق من أراد هدايته وإرشاده إلى سبل السلام.

[سورة الحج (22): آية 17][عدل]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)

تفسير المفردات

الذين هادوا: هم اليهود، والصابئين: قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة ويقرءون الزبور، وفى كتاب الملل والنحل للشّهرستانى: إن الصابئة كانوا على عهد إبراهيم عليه السلام، ويقال لمقابليهم الحنفاء، وعمدة مذهبهم تعظيم النجوم ثوابتها وسياراتها، والمجوس - على ما قاله قتادة - قوم يعبدون الشمس والقمر والنيران، والذين أشركوا: هم عبّاد الأوثان، فالأديان ستة: خمسة للشيطان، وواحد للرحمن، يفصل: أي يقضى بإظهار المحقّ من المبطل، شهيد: أي عالم بكل الأشياء ومراقب لها.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر في الآية السالفة أنه سبحانه يهدى من يريد - أتبعه ببيان من يهديه ومن لا يهديه.

الإيضاح

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي إن الله يقضى بين هذه الفرق، ويجازى كلّا بما يفعل، ويضعه في الموضع اللائق به، إذ ليس شيء من أحوالهم بغائب عنه، بل هو عليم بأقوالهم مراقب لأفعالهم.

وخلاصة ذلك - إنه تعالى يحكم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة، ويلقى من كفر به في جهنم، وبئس القرار، وهو الشهيد على أعمالهم، الحفيظ لأفعالهم، العليم بسرائرهم، وما تكنّه ضمائرهم.

[سورة الحج (22): آية 18][عدل]

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (18)

تفسير المفردات

ألم تر: أي ألم تعلم، والسجود: لغة التطامن والتذلل، ثم أطلق على التذلل لله وعبادته، وهو ضربان: سجود بالاختيار، وهو خاص بالإنسان وبه يستحق الثواب. وسجود بالتسخير والانقياد لإرادته سبحانه، وهو دالّ على الذلة والافتقار إلى عظمته، جلّت قدرته، من في السموات: هم الملائكة، ومن في الأرض: هم الإنس والجن، وحق، أي ثبت وتقرر.

المعنى الجملي

بعد أن أبان فيما سلف أنه تعالى يقضى بين أرباب الفرق السالفة يوم القيامة وهو شهيد على أقوالهم وأفعالهم - أردف هذا ببيان أنه ما كان ينبغي لهم أن يختلفوا، ألا يرون أن جميع العوالم العلوية والسفلية كبيرها وصغيرها، شمسها وقمرها ونجومها، وجبالها وحيوانها ونباتها - خاضعة لجبروته مسخرة لقدرته، وقد كان في هذا مقنع لهم لو أرادوا - ولكن من يهنه الله ويكتب عليه الشقاء فلا يستطيع أحد أن يسعده.

فالله وحده هو القدير على الإشقاء والإسعاد.

الإيضاح

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أي ألم تعلم أيها المخاطب بهذا أن هذه الخلائق مسخرة لقدرة بارئها، وجبروت منشئها، منقادة لإرادته طوعا أو كرها فهي مفتقرة في وجودها وبقائها إليه، فهو الذي أنشأها ورتّبها، وأكمل وجودها على النحو الذي أراده، والحكمة التي قدرها لها في البقاء.

وأفرد الشمس وما بعدها بالذكر لأنها قد عبدت من دون الله، فعبدت الشمس حمير، والقمر كنانة، والشّعرى لخم، والثريّا طي، والمصريون عبدوا العجل (أبيس) وعبدت العزّى - شجرة - غطفان.

(وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) أي وكثير منهم لا يسجدون فاستحقوا بذلك العذاب (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) أي ومن يهنه الله من خلقه فيكتب له الشقاء لسوء استعداده فما له من مكرم يسعده، لأن الأمور كلها بيده يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء لتدسيته نفسه، واجتراحه للسيئات، وارتكابه للآثام والمعاصي.

(إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) أي إن الله يفعل في خلقه ما يشاء من إهانة من أراد إهانته، وإكرام من أراد إكرامه، فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

[سورة الحج (22): الآيات 19 الى 24][عدل]

هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (23) وهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (24)

تفسير المفردات

خصمان: واحدهما خصم، وهو من له رأى غير رأيك في موضوع ما، وكل منهما يحاجّ صاحبه فيه، قطعت لهم: أي قدّرت، والحميم: الماء الذي بلغت حرارته أقصى الغاية، يصهر به: أي يذاب، ومقامع: واحدها مقمعة، وهي السوط، والغم: الحزن الشديد، والطيّب من القول: ما يقع في محاورة أهل الجنة بعضهم بعضا، وصراط الحميد: أي الطريق المحمود في آداب المعاشرة والاجتماع.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر أرباب الفرق الست فيما سلف، وذكر أن الله يفصل بينهم يوم القيامة وهو العليم بأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم - قفي على ذلك بذكر طرفى الخصومة، وتعيين موضع الخصومة، وبيان مآل كل من الفريقين من الإهانة والكرامة، والعذاب والنعيم.

أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: تخاصم المؤمنون واليهود فقالت اليهود: نحن أولى بالله تعالى وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله تعالى. آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وآمنا بنبيكم، وبما أنزل الله تعالى من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدا فنزلت الآية ويرى جماعة من الصحابة والتابعين وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول أن المراد بالخصمين هنا هم الذين برزوا يوم بدر، فمن المؤمنين حمزة وعلى وعبيدة، ومن الكافرين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وكان أبو ذر يقسم إن هذه الآيات نزلت في هؤلاء المتبارزين كما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما.

وروى البخاري وغيره عن علي أنه قال: فينا نزلت هذه الآية وأنا أول من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة.

الإيضاح

(هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) أي إن أهل الأديان الستة التي سبق ذكرها فريقان: فريق المؤمنين. وفريق الكافرين أرباب الديانات الخمس المتقدمة - جادلوا في دين الله، فكل فريق يعتقد أن ما هو عليه هو الحق وأن ما عليه خصمه هو الباطل، وبنى على ذلك كل أقواله وأفعاله، وهذا كاف في تحقيق الخصومة وإن لم يحصل بينهما تحاور بالفعل.

ثم ذكر مآل كل فريق وما يلقاه من الجزاء بعد أن يفصل الله بينهما، وذكر من جزاء فريق الكافرين أمورا ثلاثة:

(1) (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ) أي فالكافرون أعدّت لهم نيران تحيط بهم كأنها ثياب قدّرت على قدر أجسامهم.

ولا يخفى ما في هذا الأسلوب من التهكم بهم واحتقار شأنهم.

والتعبير بثياب، للإشارة إلى تراكم طبقات النار المحيط بهم وكون بعضها فوق بعض.

وشبيه بالآية قوله: « لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ ».

(2) (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) أي يصب من فوق رءوسهم الماء الحار الذي يذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يحرق جلودهم، فله أثر في الباطن والظاهر.

أخرج عبد بن حميد والترمذي في جماعة عن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ من الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان ».

(3) (وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) أي ولتعذيبهم سياط من حديد، تضرب بها رءوسهم ووجوههم، يقمعون بها ويردّون ردا عنيفا إذا أرادوا الهرب من النار.

وإلى هذا أشار بقوله:

(كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) أي إنهم كلما حاولوا الهرب من جهنم والخروج منها حين يلحقهم عظيم عذابها أعيدوا فيها وضربوا بسياط من حديد وقيل لهم: ذوقوا عذاب هذه النار التي تحرق الأمعاء والأحشاء.

وبعد أن بين سوء حال الكافرين أردف ذلك ببيان ما يناله المؤمنون من الكرامة في المسكن والحلية والملبس وحسن القول والعمل فقال:

(1) (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي إن الله يدخل من آمن به وبرسله وعمل صالح الأعمال التي تزكى نفوسهم وتقربهم إلى ربهم - جنات تجرى من تحت قصورها وأشجارها الوارفة الظلال: الأنهار الواسعة يتمتعون بها كما شاءوا.

(2) (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا) أي يلبسون في أيديهم حلية من ذهب، وفى رءوسهم تيجانا من لؤلؤ.

(3) (وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) أي ويلبسون الحرير الذي حرم عليهم لبسه في الدنيا، وكان فيها عنوان العزة والكرامة فأوتوه في الآخرة إجلالا وتعظيما لهم.

(4) (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) أي وأرشدوا إلى القول الطيب وهو قولهم حين دخول الجنة: « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ».

(5) (وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ) أي وأرشدوا إلى الطريق الحميد الذي يجعل أقوالهم وأفعالهم مرضيّة عند ربهم، محمودة لدى معاشريهم وإخوانهم لما فيها مما يجمل في المعاشرة والاجتماع.

[سورة الحج (22): آية 25][عدل]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (25)

تفسير المفردات

المراد بالمسجد الحرام: مكة، وعبر به عنها لأنه المقصود المهم منها، العاكف: المقيم، والبادي: الطارئ القادم عليها، والإلحاد: العدول عن الاستقامة، بظلم: أي بغير حق.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر مآل كل فريق من الكفار والمؤمنين - أردف ذلك بيان عظيم حرمة البيت، وأنكر على الكفار صدهم المؤمنين عن شهوده وقضاء مناسكهم فيه، ودعواهم أنهم أولياؤه.

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية عن المسجد الحرام، وقد كره عليه الصلاة والسلام أن يقاتلهم وكان محرما بعمرة، ثم صالحوه على أن يعود في العام المقبل.

الإيضاح

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) أي إن الذين جحدوا توحيد الله وكذبوا رسوله وأنكروا ما جاءهم به من عند ربهم، ويمنعون الناس أن يدخلوا في دين الله، ويصدون عن الدخول في المسجد الحرام الذي جعله للذين آمنوا به كافة، سواء منهم المقيم فيه والطارئ عليه النازع إليه من غربته - نذيقهم عذابا مؤلما موجعا لهم، ويدل على هذا قوله:

(وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) أي ومن يرد أن يميل إلى الظلم في المسجد الحرام فيعصى الله ويخالف أو امره - نذقه يوم القيامة العذاب الموجع له.

وخلاصة ذلك - إنه سبحانه توعد الكفار الذين يصدون عن الدين، ويمنعون الناس عن اعتناقه، ويحولون بين الناس ودخول مكة - بالعذاب المؤلم لهم يوم القيامة، كما توعد بذلك من يرتكب الذنوب والآثام في المسجد الحرام.

[سورة الحج (22): الآيات 26 الى 29][عدل]

وإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)

تفسير المفردات

يقال بوأه منزلا: أي أنزله فيه وأصل البيت مأوى الإنسان بالليل ثم أطلق على كل مأوى متخذ من حجر أو مدر أو صوف أو وبر، والمراد به هنا الكعبة، وقد بنيت عدة مرات في أوقات مختلفة، وأذن: أي ناد بالحج: أي بالدعوة إليه، رجالا: أي مشاة، والضامر: البعير الهزيل الذي أتعبته كثرة الأسفار، ويطلق على الذكر والأنثى، والفج: الطريق، والعميق: البعيد، ويذكروا اسم الله: أي يحمدوه ويشكروه، والأيام المعلومات: هي أيام النحر وهي ثلاثة أيام يوم العيد ويومان بعده، والمراد ببهيمة الأنعام: الإبل والبقر والضأن، والبائس: الذي أصابه البؤس والشدة، وليقضوا: أي ليزيلوا، والتفث: الوسخ، ويراد به هنا قص الشعور وتقليم الأظفار، والنذور: ما ينذر من أعمال البر في الحج، والعتيق: القديم لأنه أول بيت وضع للناس.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر أن كثيرا من مشركي قريش صدوا عن دين الله وعن دخول المسجد الحرام - أردف ذلك بتأنيبهم وتوبيخهم على ما يفعلون، فبيّن أنه ما كان ينبغي لهم ذلك، فإن أباهم إبراهيم الذي يفخرون به وينتسبون إليه هو الذي ابتناه وجعله مباءة للناس وأمر بتطهيره من الشرك للطائفين والمصلين، وأن ينادى في النّاس ليأتوه من كل فج عميق، لما لهم في ذلك من منافع دينية ودنيوية، ويذكروا اسم الله في أيام النحر على ما آتاهم من بهيمة الأنعام، فاذكروه على ذلك، وكلوا منها، وأطعموا الفقراء والبائسين، فإذا قضيتم مناسككم فأزيلوا ما عليكم من الوسخ والقذر، فقلّموا أظفاركم وأزيلوا شعوركم، ثم وفّوا ما عليكم من نذور كنتم قد نذرتموها من أعمال البر والخير، ثم طوفوا طواف الزيارة بالبيت العتيق، وبذلك تكونون قد أتممتم مناسك الحج.

الإيضاح

(وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) أي واذكر أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين يصدون عن سبيل الله وعن دخول المسجد الحرام - الوقت الذي جعلنا فيه هذا البيت مباءة للناس يرجعون إليه للعبادة، والمراد بذكر الوقت ذكر ما وقع فيه من حوادث جسام، ليتذكروا فيقلعوا عن غيّهم ويرعووا إلى رشدهم، ويستبين لهم عظيم ما ارتكبوا من خطاء، وكبير ما اجترحوا من جرم، بصدهم الناس عن بيت بناه أبوهم، وجعله الله قبلة للناس في الصلاة ومكانا للطواف حين أداء شعيرة الحج.

(أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) أي وقلنا له: لا تشرك بي شيئا من خلقى في العبادة وطهّر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلى عنده.

(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أي وقلنا له: ناد الناس داعيا لهم إلى الحج وزيارة هذا البيت الذي أمرت بينائه - يأتوك مشاة على أرجلهم وركبانا على ضوامر من الإبل من كل طريق بعيد.

ثم بين السبب في هذه الزيارة فقال:

(لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ) أي يأتونك ليحضروا منافع لهم في الدنيا من تجارة رائجة وسلع نافقة، ومنافع في الآخرة بما يعملون من عمل يرضى ربهم، وبما يحمدونه على النعم التي تترى عليهم، وما رزقهم من الهدايا والبدن التي أهدوها أيام النحر الثلاثة يوم العيد ويومين بعده.

(فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ) أي فاذكروا اسم الله على ضحاياكم، وكلوا من لحومها، وأطعموا ذوي الحاجة الفقراء الذين مسّهم الضر والبؤس.

(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) أي ثم ليزيلوا ما علق بهم من الأوساخ، فيحلقوا الشعر ويقلمّوا الأظفار ويأخذوا من الشوارب والعارضين، وليوفوا ما نذروه من أعمال البر وليطوّفوا طواف الوداع بالبيت العتيق، إذ هو أقدم بيت للعبادة في حياة البشر.

[سورة الحج (22): الآيات 30 الى 33][عدل]

ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (31) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)

تفسير المفردات

ذلك: أي الأمر هكذا، ويقع للفصل بين كلامين أو بين وجهى كلام واحد كقوله تعالى « هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ »، والحرمات: التكاليف الدينية من مناسك الحج وغيرها، وتعظيمها: العلم بوجوبها والعمل على موجب ذلك، والزور: الكذب، وحنفاء واحدهم حنيف: وهو المائل عن كل دين زائغ إلى الدين الحق، وخر: سقط، والخطف: الاختلاس بسرعة، تهوى: أي تسقط، سحيق: أي بعيد، والشعائر واحدها شعيرة: وهي العلامة والمراد بها البدن الهدايا، وتعظيمها أن تختار حسانا سمانا غالية الأثمان، والأجل المسمى: هو أن تنحر وتذبح، ومحلّها مكان نحرها، والمراد بالبيت العتيق: ما يليه ويقرب منه وهو الحرم.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه أنه أمر إبراهيم ببناء البيت وتطهيره من عبادة الأوثان والأصنام، وأن ينادى الناس ليحجوا هذا البيت الحرام مشاة وركبانا من كل فج عميق، لما لهم في ذلك من منافع دنيوية ودينية، وأن ينحروا البدن الهدايا ذاكرين اسم الله عليها في أيام معلومات، وأن يأكلوا منها ويطعموا البائس الفقير، وأن يقصوا شعورهم ويقلّموا أظفارهم ثم ليطوّفوا بهذا البيت العتيق - قفي على ذلك ببيان أن اجتناب المحرمات حال الإحرام خير عند الله مثوبة وأعظم أجرا، وأن ذبح الأنعام وأكلها حلال إلا ما حرّم عليكم، وأنه يجب اجتناب عبادة الأوثان وترك شهادة الزور، وأن من يشرك بالله فقد هلك، وأن تعظيم شعائر الله علامة على أن القلوب مثيئة بالتقوى والخوف من الله، وأن في هذه الهدايا منافع من الدرّ والصوف والنسل إلى أجل مسمّى وهو أن تنحر ثم تؤكل ويتصدق بلحومها.

الإيضاح

(ذلِكَ، وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) أي هذا الذي أمر به من قضاء التفث والوفاء بالنذور والطواف بالبيت هو الفرض الواجب عليكم أيها الناس في حجكم - ومن يجتنب ما أمر باجتنابه في حال إحرامه تعظيما منه لحدود الله ان يواقعها، وحرمه أن يستحلها - فهو خير له عند ربه في الآخرة، بما يناله من رضاه وحزيل ثوابه.

وعن ابن زيد: الحرمات المشعر الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام.

و(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) أي وأحل لكم أيها الناس أن تأكلوا الأنعام إذا ذكيتموها، فلم يحرّم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حاميا إلا ما يتلى عليكم في كتاب الله، وهو الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فإن كل ذلك رجس.

(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) أي فابتعدوا عن عبادة الأوثان، وطاعة الشيطان، فإن ذلك رجس، واتقوا قول الكذب والفرية على الله كقولكم في الآلهة « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » وقولكم: الملائكة بنات الله، ونحو هذا من القول، فإن ذلك كذب وزور وشرك بالله، وقوله حنفاء لله غير مشركين به: أي تمسكوا بهذه الأمور على وجه العبادة لله وحده دون إشراك أحد سواه معه.

(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ) أي إن من أشرك مع الله سواه فقد أهلك نفسه هلاكا ليس وراءه هلاك، وكانت حاله أشبه بحال من سقط من السماء فتخطفته الطير ففرقت أجزاءه في حواصلها إربا إربا، أو عصفت به الريح فهوت به في المهاوى البعيدة التي لارجعة له منها.

(ذلك) أي امتثلوا ذلك واحفظوه، ولا تتهاونوا في الحرص عليه والسير على نهجه.

(وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) أي ومن يعظم البدن التي يهديها للحرم، بأن يختارها عظيمة الأجسام سمينة غير هزيلة غالية الثمن ويترك المكاس حين شرائها - فقد اتقى الله حقا، فإن تعظيمها باب من أبواب التقوى، بل هو من أعظم أبوابها.

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل في أذنه برة - حلق - من ذهب، وأن عمر أهدى نجيبة - ناقة - طلبت منه بثلاثمائة دينار، وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشترى بثمنها بهما فنهاه عن ذلك وقال بل أهدها، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسوق البدن مجللّة بالقباطي - ثياب مصرية غالية الثمن - فيتصدق بلجومها وبجلالها.

(لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي لكم في تلك الهدايا منافع كركوبها حين الحاجة وشرب ألبانها حين الضرورة إلى أن تنحر ويؤكل منها ويتصدق بلحومها (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) أي ثم مكان حل نحرها عند البيت العتيق أي عند الحرم جميعه، إذ الحرم كله في حكم البيت الحرام.

أخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن جرير والطبري وغيرهم عن ابن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنما سماه الله البيت العتيق، لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط »

وإلى هذا ذهب قتادة، وقد قصده تبّع ليهدمه فأصابه الفالج فأشير عليه أن يكف عنه، وقيل له إن ربّا يمنعه، فتركه وكساه، وهو أول من كساه، وقصده أبرهة فأصابه ما أصابه.

[سورة الحج (22): الآيات 34 الى 35][عدل]

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (35)

تفسير المفردات

المنسك (بكسر السين وفتحها) والنسك في الأصل: العبادة مطلقا، وشاع استعماله في أعمال الحج، والمراد به هنا الذبح وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه تعالى، أسلموا: أي انقادوا له، المخبتين: أي المتواضعين الخاشعين، من أخبت الرجل: إذا سار في الخبت وهو المطمئن من الأرض، وجلت: أي خافت.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه أن تعظيم الشعائر من أعظم دعائم التقوى، وأن محل نحرها هو البيت العتيق - قفي على ذلك ببيان أن الذبح وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه تعالى ليس بخاص بهذه الأمة، بل لكل أمة مناسك وذبائح تذكر بالله حين ذبحها والشكر له على توفيقه لإقامة هذه الشعائر، فالإله واحد والتكاليف تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والمصالح، وبعدئذ أمر رسوله أن يبشر المتواضعين الخاشعين لله الذين يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقناهم بجنات تجرى من تحتها الأنهار.

الإيضاح

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا) أي جعلنا لأهل كل دين من الأديان التي سلفت من قبلكم ذبحا يذبحونه، ودما يريقونه على وجه التقرب لله، وليس ذلك خاصا بقوم دون آخرين.

ثم بين السبب في ذلك فقال:

(لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ) أي وإنما شرعنا لهم ذلك كى يذكروا الله حين ذبحها، ويشكروه على ما أنعم به عليهم، إذ هو المقصود الأهم.

وفي الصحيحين عن أنس قال: « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين (فيهما بياض يخالطه سواد) أقرنين فسمّى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما »

وروى أحمد عن زيد بن أرقم قال: « قلت يا رسول الله ما هذه الأضاحى؟ قال: « سنة أبيكم إبراهيم » قالوا ما لنا منها؟ قال: « بكل شعرة حسنة » قالوا فالصوف؟ قال: « بكل شعرة من الصوف حسنة »

ثم أخبر سبحانه بتفرده بالألوهية وأنه لا شريك له فقال:

(فإلهكم إله واحد فله أسلموا) أي فإن معبودكم واحد وإن اختلفت العبادات بحسب الأزمنة والأمكنة ونسخ بعضها بعضا، فما المقصد منها جميعا إلا عبادة الله وحده لا شريك له كما قال: « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ » فأخلصوا له العمل واستسلموا لحكمه وانقادوا له في جميع ما كلّفكم به.

(وبشر المخبتين) أي وبشر أيها الرسول الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة، بما أعدّ لهم من جزيل ثوابه، وجليل عطائه.

ثم بين سبحانه علاماتهم فقال:

(1) (الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) أي إنهم إذا ذكر الله عرتهم رهبة من خشيته، وخوف من عقابه.

(2) (وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ) من النوائب والمحن في طاعة الله.

(3) (وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ) أي والمؤدين حقه تعالى فيما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة في الأوقات التي حددها لهم.

(4) (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) أي وينفقون بعض ما آتاهم الله من طيب الرزق في وجوه البر وعلى أهليهم وأقاربهم وعلى الخلق كافة، ومن ذلك إهداء الهدايا التي يغالون في أثمانها.

[سورة الحج (22): الآيات 36 الى 37][عدل]

وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

تفسير المفردات

البدن: واحدها بدنة، وهي الناقة أو البقرة التي تنحر بمكة، وتطلق على الذكر والأنثى، وشعائر الله: أعلام دينه التي شرعها لعباده، صوافّ: أي قائمات قد صفت أيديهن وأرجلهن، واحدها صافة، وجبت جنوبها: أي سقطت جنوبها على الأرض ويراد بذلك زهقت أرواحها وفقدت الحركة، القانع: أي الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسألة، قال لبيد:

فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ومنهم شقي بالمعيشة قانع

والمعترّ: أي المتعرض للسؤال، المحسنين: أي المخلصين في كل ما يأتون وما يذرون في أمور دينهم.

المعنى الجملي

بعد أن حث سبحانه على التقرب بالأنعام كلها، وبين أن ذلك من تقوى القلوب، خص من بينها الإبل، لأنها أعظمها خلقا، وأكثرها نفعا، وأنفسها قيمة.

الإيضاح

(وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ) امتن سبحانه على عباده بأن خلق لهم البدن وجعلها من شعائره، فتهدى إلى بيته الحرام، بل جعلها أفضل ما يهدى إليه.

وإطلاق البدنة على البعير والبقرة هو قول معظم أئمة اللغة وهو مذهب أبى حنيفة وقول عطاء وسعيد بن المسيّب من التابعين، وروى عن بعض الصحابة فقد أثر عن ابن عمر رضي الله عنهما: لا تعلم البدن إلا من الإبل والبقر.

وتجزىء البدنة عن سبعة لما رواه أبو داود عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة ».

(لكم فيها خير) أي لكم فيها نفع في الدنيا كالركوب واللبن، وأجر في الآخرة بنحرها والتصدق بها.

(فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ) أي فاذكروا اسم الله على البدن حين نحركم إياها قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وقولوا: بسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك.

(فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) أي فإذا سقطت وزهقت أرواحها ولم يبق لها حركة، فكلوا منها وأطعموا القانع المستغنى بما تعطونه وهو في بيته بلا مسألة، والمعترّ الّذى يتعرض لكم، ويأتي إليكم لتطعموه من لحمها.

وخلاصة ذلك - كلوا وأطعموا.

(كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي هكذا سخرنا البدن لكم مع عظم أجرامها وكمال قوتها، فلا تستعصى عليكم، بل تأتى إليكم منقادة فتعقلونها وتحبسونها صافة قوائمها ثم تطعنونها في لباتها، لتشكروا إنعامنا عليكم بالتقرب والإخلاص في أعمالكم.

ولما حث سبحانه على التقرب بها مذكورا اسمه عليها - بيّن السبب فقال:

(لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ) أي لن ينال رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر، ولكن ترفع إليه الأعمال الصالحة والإخلاص فيها بإرادة وجهه تعالى فحسب.

والخلاصة - لن يرضى المضحّون ربهم إلا إذا أحسنوا النية وأخلصوا له في أعمالهم، فإذا لم يراعوا ذلك لم تغن عنهم التضحية والتقرب بها شيئا وإن كثر ذلك، فقد جاء في الصحيح: « إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ».

ثم كرر سبحانه التنبيه على عظم تسخيرها، لافتا أنظارهم إلى ما أوجب عليهم بقوله:

(كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ) أي هكذا سخرها لكم، لتشكروه على هدايته إياكم لمعالم دينه، ومناسك حجه، فتقولوا: الله أكبر على ما هدانا ولله الحمد على ما أولانا.

ثم وعد من امتثل بقوله:

(وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) أي وبشر أيها الرسول الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا - بجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.

[سورة الحج (22): الآيات 38 الى 41][عدل]

إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)

تفسير المفردات

أذن: أي رخّص، الصوامع: واحدها صومعة، وهي معبد الرهبان في الصحراء - الدير - والبيع: واحدها بيعة وهي معبد النصارى، والصلوات: واحدها صلاة معرّب صلوثا بالعبرية معبد اليهود، ومساجد: واحدها مسجد، وهو معبد المسلمين.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر عز اسمه صدّ المشركين عن دين الله وعن المسجد الحرام، ثم أردفه ذكر مناسك الحج، وبين ما فيها من منافع في الدين والدنيا - قفى على ذلك ببيان ما يزيل الصدّ عنه ويؤمن معه من التمكن من أداء تلك الفريضة على أتم الوجوه.

الإيضاح

(إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) أي إن الله يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه - شر الأشرار وكيد الفجار، ويكلؤهم وينصرهم على أعدائهم ويكتب لهم الفلج عليهم والظفر بهم كما قال: « إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا ».

ثم ذكر السبب في وعيدهم بقوله:

(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) أي وإنما دفعهم وقهرهم، لأنهم خانوا أمانة الله وهي أوامره ونواهيه، وكفروا أنعمه التي يسديها إليهم بكرة وعشيا، وعبدوا غيره مما لا يضر ولا ينفع.

وفي هذا إيماء إلى أن المؤمنين هم أحباء الله.

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أي رخّص للمؤمنين، وأبيح لهم أن يقاتلوا المشركين لظلمهم إياهم، فقد كانوا يؤذون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أذى شديدا فيأتون إليه بين مضروب ومشجوج في رأسه ويتظلمون إليه فيقول لهم صبرا صبرا، فإني لم أوذن بالقتال حتى هاجر، وأنزل الله هذه الآية، وهي أول آية نزلت بالإذن بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية كما رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس.

ثم وعدهم بالنصر ودفع أذى المشركين عنهم فقال:

(وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) أي وإن الله على نصر المؤمنين الذين يقاتلون في سبيله لقادر، وقد فعل فأعزهم ورفعهم، وأهلك عدوهم وأذلهم بأيديهم.

وفي هذا الأسلوب مبالغة عظيمة زيادة في توطين عزائم المؤمنين وتثبيتهم على الجهاد في سبيله.

وبمعنى الآية قوله: « فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها » وقوله: « قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » وقوله: « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ».

وإنما شرع الجهاد بعد الهجرة إلى المدينة، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر من المؤمنين عددا، حتى أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم وهمّوا بقتله وشرّدوا أصحابه، فذهبت طائفة منهم إلى الحبشة وذهب آخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة وأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا إليه وقاموا بنصره وصارت المدينة لهم دار إسلام ومعقلا يلجئون إليه - شرع الجهاد ونزلت الآية مرخّصة فيه.

روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس أنه قال: لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكنّ القوم. فأنزل الله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال.

ثم وصف سبحانه هؤلاء المؤمنين بقوله:

(الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) أي أولئك المظلومون هم الذين أخرجهم المشركون من مكة إلى المدينة وعذبوا بعضهم وسبوا بعضا آخر، وما كان لهم من إساءة إليهم ولا ذنب جنوه إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له.

ونحو الآية قوله: « يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ » وقوله في قصة أصحاب الأخدود « وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ».

ولما كان المسلمون ينشدون حين بناء الخندق:

لا همّ لو لا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا

إن الألى بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا

كان رسول الله يوافقهم ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: إذا أرادوا فتنة أبينا يقول أبينا ويمدّ بها صوته.

ثم حرض المؤمنين على القتال، وبيّن أنه أجرى العادة به في الأمم الماضية، لينتظم أمر الجماعات، وتقوم الشرائع، وتصان بيوت العبادة من الهدم فقال:

(وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) أي فليقاتل المؤمنون الكافرين، فلولا القتال وتسليط المؤمنين على المشركين في كل عصر وزمان لهدّمت في شريعة كل نبي معابد أمته، فهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود ومساجد المسلمين التي يذكرون فيها اسم الله كثيرا.

وفي هذا ترقّ وانتقال من الأقل إلى الأكثر حتى انتهى إلى المساجد وهي أكثر عمّارا وأكثر عبّادا وهم ذوو القصد الصحيح.

والخلاصة - إنه لو لا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، وإقامة حدود الأديان، لاستولى أهل الشرك على مواضع العبادة وهدموها، وقد يكون المراد لو لا هذا الدفع لهدمت في زمن موسى الكنائس، وفى زمن عيسى الصوامع والبيع، وفى زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد.

(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) أي وليعينن الله من يقاتل في سبيله، لتكون كلمته العليا، وتكون كلمة عدو دينه السفلى، ولقد أنجز الله وعده. وسلط المهاجرين والأنصار على صناديد قريش وأكاسرة العجم وقياصرة الروم وأورثهم أرضهم وديارهم.

ونحو الآية قوله: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ».

(إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) أي إن الله لقوى على نصر من جاهد في سبيله من أهل طاعته، منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب.

ونحو الآية قوله: « كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ » وقوله: « وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ».

ثم وصف الله الذين أخرجوا من ديارهم بقوله:

(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) أي هؤلاء الذين أخرجوا من ديارهم هم الذين إن مكنا لهم في البلاد، فقهروا المشركين وغلبوهم عليها - أطاعوا الله فأقاموا الصلاة على النحو الذي طلبه، وأعطوا زكاة أموالهم التي حباها لهم، ودعوا الناس إلى توحيده، والعمل بطاعته، وأمروا بما حثت عليه الشريعة، ونهوا عن الشرك واجتراح السيئات.

وخلاصة ذلك - إنهم هم الذين كمّلوا أنفسهم باستحضار المعبود والتوجه إليه في الصلاة على قدر الطاقة، وكانوا عونا لأممهم بإعانة فقرائهم وذوي الحاجة منهم، وكمّلوا غيرهم، فأفاضوا عليهم من علومهم وآدابهم، ومنعوا المفاسد التي تعوق غيرهم عن الوصول إلى الرقى الخلقي والأدب السامي.

ثم وعد بإعلاء كلمته ونصر أوليائه فقال:

(وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) أي ولله آخر الأمور ومصايرها، في الثواب عليها أو العقاب في الدار الآخرة.

ونحو الآية قوله: « وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ».

[سورة الحج (22): الآيات 42 الى 46][عدل]

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)

تفسير المفردات

أمليت: أي أمهلت، أخذتهم: أي أهلكتهم، فكيف استفهام يراد به التعجب، والنكير والإنكار على الشيء: أن تفعل فعلا به يزجر المنكر عليه على ما فعل، خاوية: ساقطة، وعروشها: أي سقوفها، معطلة: أي عطلت من منافعها، مشيد: أي مبنى بالشيد، وهو الجصّ (الجير).

المعنى الجملي

بعد أن بيّن سبحانه فيما سلف أن المشركين أخرجوا المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأنه أذن لهم في مقاتلتهم، وضمن لهم النصرة عليهم - أردف هذا تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على ما يرى من قومه، وتصبيره على أذاهم وتكذيبهم إياه، فأبان له أن هذا التكذيب ليس بدعا في الأمم، فكثير منها قد كذبت رسلها فحل بها من البوار ما فيه عبرة لمن اعتبر وتذكر، مما يشاهدونه رأي العين في حلهم وترحالهم، وفى غدوهم ورواحهم، فلا تحزن على ما ترى، واصبر فإن العاقبة للمتقين.

الإيضاح

(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) أي أي فإن يكذبك هؤلاء المشركون بالله على ما أتيتهم به من الحق وما تعدهم به من العذاب على كفرهم به، فلست بأوحدي في ذلك، فتلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذبة لرسلها، وذلك منهاج من قبلهم، فلا يصدّنّك ذلك فإن العذاب من ورائهم، ونصرى إياك وأتباعك عليهم آت لا محالة، كما أتى عذابى على أسلافهم من الأمم من قبلهم بعد الإمهال، فقد أمهلت أهل الكفر من هذه الأمم فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب ثم أحللت بهم عقابي بعدئذ، فانظر أيها الرسول كيف كان تغييرى ما كان بهم من نعمة، وتنكرى لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم - ألم أبدلهم بالكثرة قلة، وبالحياة موتا وهلاكا، وبالعمارة خرابا، فكذلك سأفعل بمكذبيك من قريش وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدى في أممهم فأهلكتهم وأنجيت رسلي من بين أظهرهم.

ونحو الآية قوله: « وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ».

(فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) أي فكثير من القرى أهلكناها، إذ كان أهلها يعبدون غير من ينبغي أن يعبد، ويعصون من لا ينبغي أن يعصى فخوت من مكانها وتساقطت على عروشها، أي سقطت حيطانها فوق سقوفها، وكم من بئر عطلناها بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فلا واردة لها ولا صادرة منها، وكم من قصر شيد بالصخور والجصّ قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله بسوء أفعالهم، فبادوا وبقيت القصور المشيدة خالية منهم، قال قتادة: شيّدوه وحصّنوه، فهلكوا وتركوه.

ثم أكد لهم صدق وعيده، وأحالهم على ما يشاهدون بكرة وعشيا فقال:

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها) أي أفلم يسر هؤلاء المكذبون بآيات الله الجاحدون لقدرته - في البلاد فينظروا إلى مصارع ضربائهم من مكذّبى رسل الله الذين خلوا من قبلهم كعاد وثمود وقوم لوط وشعيب، ويروا أوطانهم ومساكنهم، ويسمعوا بآذانهم أخبارهم، فيتفكروا ويعتبروا بها، ويعلموا أمرها وأمر أهلها، وكيف نابتهم النوائب، وغالتهم غوائل الدهر؟ فيكون في ذلك معتبر لهم لو أرادوا، فينيبوا إلى ربهم، ويعقلوا حججه التي بثها في الآفاق.

ثم أظهر اليأس من إيمانهم، لأن القلوب قد عميت، فلا تبصر الدلائل الكونية، ولا البراهين العقلية فقال:

(فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) أي إن أبصارهم وإن كانت سالمة لا عمى بها فقد أصابهم عمى القلوب، والعمدة على الثاني لا على الأول، فعمى الأبصار ليس بشىء إذا قيس بعمى القلوب والبصائر.

وفي هذا تهويل أيّما تهويل، وفى وصف القلوب بكونها في الصدور فضل توكيد كما جاء في قوله تعالى. « يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ » فقد تعورف أن مكان العمى هو البصر بأن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، فحين أريد إثبات ما هو خلاف الأصل بنسبته إلى القلوب ونفيه عن الأبصار احتيج إلى زيادة تعيين وفضل تعريف، ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، وهذا على سنن قولهم: ليس المضاء للسيف ولكن للسان (الذي بين فكّيك) - فكأنهم قالوا ما نفينا المضاء عن السيف وأثبتناه للسان فلتة وسهوا، بل تعمدنا ذلك تعمدا.

[سورة الحج (22): الآيات 47 الى 51][عدل]

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (51)

تفسير المفردات

الإنذار: التخويف، وأصل السعي: الإسراع في المشي، ثم استعمل في الإصلاح والإفساد، يقال سعى في أمر فلان: إذا أصلحه أو أفسده بسعيه فيه، معاجزين: أي مسابقين المؤمنين ومعارضين لهم، فكلما طلبوا إظهار الحق طلب هؤلاء إبطاله، وأصله من قولهم: عاجزه فأعجزه، إذا سابقه فسبقه.

المعنى الجملي

لما ذكر سبحانه أن المشركين كذبوا رسوله وبالغوا في تكذيبه وسلّاه على ذلك بأنك لست ببدع في الرسل، فكثير ممن قبلك منهم قد كذّبوا وأوذوا فلا تبتئس بما يفعلون، واصبر على ما تدعو إليه ولا يضيرنّك ما يأتون وما يذرون - قفى على ذلك ببيان أنهم لاستهزائهم به وشديد تكذيبهم كانوا يستعجلونه العذاب كما قال تعالى حكاية عنهم: « وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ » ثم أنّبهم على إنكار ذلك العذاب وقد سبق وعد الله به فكان لزاما عليهم ألا يستعجلوه، فإنهم لو عرفوا ما ينالهم من آلامه وشدائده ما طلبوا استعجاله، فيوم عند ربك تصيبهم فيه المحن والشدائد كألف سنة لو بقوا وعذبوا في الدنيا، ثم ذكّرهم بأن كثيرا من القرى الظالمة أمهلت ولم تعذب، لعلها ترعوى عن غيّها ثم أخذت أخذ عزيز مقتدر، وحسابها مدّخر ليوم تشخص فيه الأبصار، ثم أبان أن وظيفة الرسول إنما هي الإنذار والتحذير وليس عليهم من حسابهم من شيء، فإن شاء الله عجل لهم العذاب، وإن شاء أخره عنهم، وقد وعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالمغفرة من الذنوب ودخول دار النعيم، وأوعد الذين يثبّطون العزائم عن قبول دعوة الإسلام بدوام العذاب في نار الجحيم.

الإيضاح

(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ) أي ويستعجلك كفار قريش المكذبون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر - مجىء العذاب الذي تحذرهم منه وتوعدهم إياه، إنكارا منهم لوقوعه، واستهزاء بحلوله.

ثم بيّن أنه آت لا محالة فقال:

(وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) أي وكيف ينكرون مجىء ذلك العذاب وقد وعد الله به؟

وما وعد به كائن لا محالة، وهو كما فعل بمن قبلهم يفعل بهم، لأن ذلك هو نهجه، الثابت، وصراطه المستقيم، وسيحل بهم مثل ما حل بغيرهم.

(وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) أي وإن قلتم إن العهد قد طال ولم يحلّ بكم العذاب فأين هو؟ فإن الله حليم، وألف سنة عندكم كيوم عنده، فهو سينفذ وعده بعد أمد طويل عندكم قريب عنده كما قال: « إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا » فإذا تأخر عذاب الآخرة أمدا طويلا فلا يكون في ذلك إخلاف للوعد، فعشرون ألف سنة عند ربك كعشرين يوما عندكم.

والخلاصة - إن سنّتى لا بد من نفاذها، ولا بد من إهلاك الظالمين ولو بعد حين أمما وأفرادا في الدنيا والآخرة أو عذابهم في الآخرة فحسب مع الأكدار في الدنيا وهم لا يشعرون.

ثم أكد ما ذكره من عدم إخلاف الوعد وإن طال الأمد فقال:

(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) أي وكم من قرية أخرت إهلاكها مع استمرارها على ظلمها فاغترت بذلك التأخير، ثم أنزلت بها بأسى وشديد انتقامي، وحسابها بعد مدّخر ليوم الحساب حين لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ولا يخفى ما في هذا من شديد الوعيد وعظيم التهديد.

ثم أبان لهم عظيم خطئهم في طلب استعجال العذاب من الرسول بقوله:

(قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي قل يا أيها المشركون المستعجلون مجىء العذاب: ليس ذلك إلي، وإنما أرسلنى ربى نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم من شيء، بل أمر ذلك إلى الله إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب وينيب إليه « لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ».

ثم فصل هذا الإنذار بذكر الوعد للمتقين والوعيد للكافرين فقال:

(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أي فالذين آمنت قلوبهم، وصدّقوا إيمانهم بأعمالهم - لهم مغفرة لما سلف من سيئاتهم، وثواب عند ربهم على ما قدموا من حسناتهم، ولهم رزق كريم في الجنة يفوق وصف الواصفين، ومقال المادحين كما قال تعالى: « فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ »

وفي الحديث: « فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ».

(وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) أي والذين اجتهدوا في رد دعوة الدين والتكذيب بها وثبّطوا الناس عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ظنا منهم أنهم يعجزوننا وأنهم لا يبعثون، فأولئك هم المقيمون في النار المصاحبون لها لا يخرجون منها.

ونحو الآية قوله: « الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ».

[سورة الحج (22): الآيات 52 الى 57][عدل]

وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) والَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (57)

تفسير المفردات

الرسول: من جاء بشرع جديد، والنبي يشمل هذا ويشمل من جاء لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهما السلام، والتمني والأمنية: القراءة كما قال تعالى: « وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ » أي إلا قراءة، وقال حسان في عثمان حين قتل:

تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر

وينسخ: أي يزيل ويبطل، يحكم: أي يجعلها محكمة مثبتة لا تقبل الرد بحال، فتنة: أي ابتلاء واختبارا، مرض: أي شك ونفاق، القاسية قلوبهم: هم الكفار المجاهرون بالكفر، شقاق بعيد: أي عداوة شديدة، فتخبت: أي تذل وتخضع، مرية: أي شك، بغتة: أي فجأة، الساعة: الموت، يوم عقيم: أي منفرد عن سائر الأيام لا مثيل له في شدته والمراد به الحرب الضروس، الملك: أي التصرف والسلطان، يحكم بينهم: أي يقضى بين فريقى الكافرين والمؤمنين، مهين: أي مذل جزاء استكبارهم عن الحق.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر في الآيات السالفة أن قومه قد كذّبوه بوسائل شتى من التكذيب، فقالوا تارة إنه ساحر، وأخرى إنه شاعز، وثالثة إن القرآن أساطير الأولين، ثم سلاه على هذا بأنه ليس بدعا من الرسل، فكثير قبله قد كذّبوا، ثم ذكر أن لعظيم استهزائهم به، وتهكمهم بما يبلّغهم عن ربه - طلبوا منه استعجال العذاب الذي يعدهم به - أردف ذلك بذكر نوع آخر من التكذيب وهو إلقاؤهم الشبه والأوهام فيما يقرؤه على أوليائه من القرآن، ليجادلوه بالباطل ويردّوا ما جاء به من الحق ويكون في ذلك فتنة لضعاف الإيمان وللكافرين، وليزداد المؤمنون إيمانا ويقينا بأنه الحق من ربهم فتخبت له قلوبهم، وإن هذه حالهم حتى يموتوا أو يأتيهم عذاب لا يبلغ الوصف كنه حقيقته، وعندئذ يحكم الله بين عباده فيدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات النعيم، ويجازى الذين كذبوا بآياته وكانوا في مرية من رسالة رسوله بالعذاب المهين جزاء وفاقا على تدسية أنفسهم وتدنيسها بزائغ العقائد وسيىء الأعمال وباطلها.

الإيضاح

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) أي وما أرسلنا قبلك رسولا ولا نبيا إلا إذا قرأ، ألقى الشيطان على سامعيه وهو يتلو الوحي الذي أنزل إليه - شبهات فيما يقرأ، فيقول قوم إنه سحر، ويقول آخرون إنه نقله الرسول عن بعض الأولين، وهكذا من الأباطيل والترّهات التي يتقوّلونها.

(فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ) أي فيزيل سبحانه تلك الخرافات التي علقت ببعض النفوس، بأن يقيّض للدين من يدافع عنه ويدفع الشبهات، ثم يجعل آياته محكمة مثبتة لا تقبل الرد بحال.

وخلاصة ذلك - إن الله حين أنزل القرآن وقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم قال المشركون فيه ما قالوا، ثم لما استبان الحق وجاءت غزوة بدر ونصر الله المسلمين الذين بشرهم كتابه بالنصر على أعدائهم: « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » استتب لهم الأمر ودخل أعداؤهم في دينهم أفواجا « وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا ». وما مثل هذا إلا مثل النباتات الطّفيلية التي تنبت في الأرض بجانب ما يزرع فيها من حنطة وفول وغيرهما مما يحتاج إليه الناس، ولا تزال تتغذى من الأرض وتأخذ غذاء النبات النافع، فلا يهدأ للزارع بال حتى يزيلها ويوفّ غذاءها للنبات الذي هو في أشد الحاجة إليه.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فإنك الآن لترى أهل أوربا يرسلون الجيوش من القساوسة التي تفتح المدارس في بلاد الشرق ويقولون للمسلمين: إن دينهم محشو بالخرافات والأكاذيب ويشككون فيه من تعلموا في تلك المدارس، ويصدق بعض غوغائهم تلك الأباطيل، حتى لقد قالوا إن هذا الدين لا يعيش في ظل العلم، ولا يقبل الأفكار والآراء الراقية، وهو والعلم عدوان لا يجتمعان، ومما جعل لهم بعض المعذرة فيما يقولون، حال المسلمين من الخمول وسوء الأحوال، وقبيح المعتقدات والأعمال مما جعلهم مضغة في أفواه الأمم المتمدينة: « كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ».

وإن الله لينسخ تلك الوساوس، ويزيل هذه الأوهام، فقد تصدى كثير من ذوي المعرفة لدحض تلك المفتريات، فقام العالم الحكيم محمد عبده، وألف كتابه [الإسلام والنصرانية] ودفع كثيرا من مطاعن أولئك المبشرين، وقام بعده كثير من أهل الفقه بالدين، فاحتذوا حذوه، وواصلوا الليل بالنهار في دحض تلك الشبه، وإن الله ناصر دينه ولو كره الكافرون.

هذا وقد دسّ بعض الزنادقة في تفسير هذه الآية أحاديث مكذوبة لم ترد في كتاب من كتب السنة الصحيحة، وأصول الدين تكذّبها، والعقل السليم يرشد إلى بطلانها، وأنها ليست من الحق في شيء، وهي مما تشكّك المسلمين في دينهم، وتجعلهم في حيرة من أمر الوحي وكلام الرسول، فيجب على العلماء طرحها وراءهم ظهريّا، ولا يضيعون الزمن في تأويلها وتخريجها، ولا سيما بعد أن نص الثقات من المحدّثين على وضعها وكذبها، لمصادمتها لأصول الدين التي لا تقبل شكا ولا امتراء.

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي والله عليم بكل شيء، ومن ذلك ما يصدر عن الشيطان وأوليائه، فيجازيهم عليه أشد الجزاء، حكيم في أفعاله، ومن ذلك أن يمكّن الشيطان من إلقاء الشبهات، ليحاجّ أولياؤه بها، فيتمكن المؤمنون من ردها ودحض المفتريات التي يتشدقون بها، ويرجع الحق إلى نصابه، فتظهر الحقيقة ناصعة بيضاء من بين تلك الظلمات، فتمحو الظلام الذي كان عالقا بنفوس الذين في قلوبهم مرض، وتضىء آفاق العقول السليمة، وتهديهم إلى طريق الرشاد وإلى الفريقين أشار بقوله:

(1) (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) أي ليجعل ما يلقيه الشيطان على قلوب أوليائه فتنة واختبارا للمنافقين الذين في قلوبهم مرض، وللكافرين الذين قست قلوبهم، فلا تلين لقبول الحق، ولا ترعوى عما هي فيه من الغي.

ثم بين مجانفة هذين الفريقين للحق وبعدهما عن الرشد لا إلى غاية فقال:

(وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) أي وإن هذين الصّنفين من الضلّال لفى عداوة لأمر الله، وبعد عن الرشاد والسداد، بما لا مطمع لهما معه في النجاة والفوز برضا الله.

(2) (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) أي ولكى يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها ونسخ ما ألقى الشيطان - أنه الحق من ربهم، فيصدقوا به وتخضع له قلوبهم وتذعن للإقرار به نفوسهم، وتعمل بما فيه من عبادات وآداب وأحكام وهي مثلجة الصدر هادئة مطمئنة ببرد اليقين، والسير على نهج سيد المرسلين.

ثم بين حسن مآلهم وفوزهم بسعادة العقبى فقال:

(وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي وإن الله لمرشد الذين آمنوا به وصدّقوا برسوله، وموفّقهم إلى الحق الواضح، بنسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسوله حين تلاوة الوحي، وحفظ أصول الدين الصحيحة في نفوسهم، والعمل بها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

وخلاصة ذلك - إن الله ليهدى الذين آمنوا إلى تأويل ما تشابه من الدين، وتفصيل ما أجمل منه، بما تقتضيه الأصول المحكمة. فلا تلحقهم حيرة، ولا تعتريهم شبهة، ولا تزلزل أقدامهم ترّهات المبطلين.

ثم أردفه بيان مآل الفريق الأول فقال:

(وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) أي ولا يزال الكافرون في شك مما ألقى الشيطان في قلوبهم حين قراءة القرآن عليهم حتى يأتيهم الموت فجأة وهم في بيوتهم آمنون، أو يشتبكوا مع المؤمنين في قتال يهلك فيه أبطالهم وصناديدهم كما حدث يوم بدر.

وقد جعل هذا اليوم عقيما، لأن المقاتلين يسمّون أبناء الحرب، فإذا هم قتلوا وصف هذا اليوم بأنه عقيم.

وخلاصة هذا - إنه لا مطمح في إيمانهم، ولا لزوال المرية من قلوبهم، فهم لا يزالون كذلك حتى يهلكوا.

وبعد أن بين سبحانه حال الفريقين في الدنيا أرشد إلى حالهم في الآخرة فقال:

(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) أي إذا جاء يوم القيامة حكم ربهم بينهم بالحق وجازى كلا منهما بما هو له أهل، وبما أعدّ نفسه له في الدنيا من عمل صالح زكى به نفسه وطهر روحه، أو عمل سيىء دسّاها به، فرانت على قلبه غشاوة الشكوك والأوهام، واجترام المعاصي والآثام.

ثم فصّل هذا الحكم والمحكوم عليهم فقال:

(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) أي فالذين آمنوا بهذا القرآن وبمن أنزله وبمن جاء به، وعمل بما فيه من أوامر ونواه - يثيبهم ربهم جنات النعيم يتمتعون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، جزاء وفاقا على ما زكّوا به أرواحهم، وأخلصوا له في أعمالهم، وراقبوه في السر والعلن، وخافوا عذابه في ذلك اليوم الذي تشيب من هوله الولدان.

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) أي والذين كفروا بالله، وكذبوا رسوله، وجحدوا بآيات كتابه، وقالوا إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون - أولئك لهم عذاب عند ربهم يذلّهم ويخزيهم كفاء استكبارهم عن النظر فيها وجحودهم بها عنادا، وقد كان لهم فيها لو تأمّلوا حق التأمل ما يكون صادا لهم عن غيّهم ورادعا لهم عن ضلالهم.

[سورة الحج (22): الآيات 58 الى 62][عدل]

والَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)

المعنى الجملي

بعد أن ذكر جلت قدرته أن الملك له يوم القيامة، وأنه يحكم بين عباده المؤمنين والكافرين، وأنه يدخل المؤمنين جنات النعيم - أردف ذلك ذكر وعده الكريم للمهاجرين في سبيله بأنه يرزقهم الرزق الحسن ويدخلهم مدخلا يرضونه، ثم ذكر وعده لمن قاتل مبغيا عليه بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن بأنه ينصره وهو قدير على ذلك، إذ من قدر على إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل، بأن يزيد في أحدهما ما ينقصه من الآخر - يقدر على نصره، وهو الثابت الإلهية وحده، إذ لا يصلح لها إلا من كان كامل القدرة كامل العلم، وأن ما سواه باطل لا يقدر على شيء.

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من مات مرابطا أجرى عليه الرزق، وأمن من الفتّانين واقرءوا إن شئتم: (وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) »

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن فضالة بن عبيد الأنصاري الصحابي أنه كان بموضع فمرّوا بجنازتين إحداهما قتيل والأخرى متوفّى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: مالى أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا هذا القتيل في سبيل الله، فقال والله لا أبالى من أي حفرتيهما بعثت، اسمعوا كتاب الله (وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا) الآية.

وروي عن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « المقتول في سبيل الله والمتوفى في سبيل الله بغير قتل هما في الأجر شريكان ».

الإيضاح

(وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أي والذين فارقوا أوطانهم، وتركوا عشائرهم، في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه، ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك - ليثيبنّهم الله الثواب الجزيل جزاء ما ناضلوا عن دينه، وأخلصوا في الذود عنه، وإن الله ليعطى من يشاء بغير حساب، ويرزق الخلق كافة بارّهم وفاجرهم.

ثم بين هذا الرزق الحسن بقوله:

(لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) أي ليدخلنّ المقتولين في سبيله والموتى مهاجرين في طاعة ربهم وذودا عن دينه - جنات النعيم، ويكرمون فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما لا ينالهم فيها مكروه ولا أذى كما قال « لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا ».

(وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) أي وإن الله الذي عمّت رحمته، وعظمت نعمته - لعليم بمقاصدهم وأعمالهم وأعمال أعدائهم، حليم فلم يعاجل هؤلاء المكذبين بالعقوبة جزاء تكذيبهم ومقاومتهم دعوة الدين.

(ذلك) أي ذلك الرزق الحسن والمدخل الكريم لمن قتلوا في سبيل الله أو ماتوا، ولهم أيضا النصر في الدنيا على أعدائهم وإلى ذلك أشار بقوله:

(وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ) أي وإن من جازى من المؤمنين بمثل ما عوقب به ظلما من المشركين، فقاتلهم كما قاتلوه ثم بغى عليه باضطراره إلى الهجرة ومفارقة الوطن - لينصرنّه الله الذي لا يغالب، ولينتقمنّ له من أعدائه، ولينكّلنّ بهم، ويمكننه منهم، ويجعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى والخلاصة - إنه تعالى كما يدخلهم مدخلا كريما، يعدهم بالنصر على أعدائهم إذا هم قاتلوهم وبغوا عليهم وأخرجوهم من ديارهم.

(وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) أي وإن الله الذي أحاطت قدرته بكل شيء - ليعفو عن المؤمنين، فيغفر لهم ما أمعنوا فيه من الانتقام. وما أعرضوا عنه مما ندبه من العفو بمثل قوله « وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » وقوله: « فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ » وقوله: « وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » وهم بفعلهم هذا تركوا ما كان أجدر بهم وأحرى بمثلهم.

والخلاصة - كأنه سبحانه قال: عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها لهم لأني أذنت بها.

ثم قرر نصره لعباده المؤمنين وأكده بقوله:

(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) أي ذلك النصر الذي أنصره لمن بغى عليه، لأني أنا القادر على ما أشاء، ألا تروننى أدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وأدخل ما ينقص من ساعات النهار في ساعات الليل، وبهذه القدرة التي تفعل ذلك أنصر محمدا وصحبه على الذين قد بغوا عليهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم وآذوهم أشد الأذى على إيمانهم بي وحدي.

(وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) أي وأن الله سميع للأقوال وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، بصير بما يعملون لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه شيء وإن كان مثقال ذرة.

ولما وصف نفسه بما لا يقدر عليه غيره علل ذلك بقوله:

(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ) أي ذلك الاتصاف بكمال القدرة وكمال العلم بسبب أن الله هو الثابت لذاته، وأنه لا مثيل له ولا شريك، وأن الذي يدعون من دونه من الآلهة باطل لا يقدر على صنع شيء بل هو المصنوع الموجد بعد العدم.

(وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) أي وأن الله فوق كل شيء وكل شيء دونه، وهو الكبير عن أن يكون له شريك، إذ لا شيء أعلى منه شأنا ولا أكبر سلطانا.

وخلاصة ذلك - أفتتركون أيها الجهال عبادة من بيده النفع والضر وهو القادر على كل شيء وكل شيء دونه وهو فوق كل شيء وتعبدون من لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا؟

[سورة الحج (22): الآيات 63 الى 66][عدل]

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (66)

الإيضاح

بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف عظيم قدرته وبالغ حكمته في ولوج الليل في النهار والنهار في الليل، ونبه بذلك على سابغ نعمه على عباده، أردف ذلك بذكر أنواع أخرى من الدلائل على قدرته فقال:

(1) (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) أي ألم تبصر أيها الرائي أن الله ينزل من السماء مطرا فيحيى به الأرض فتنبت ضروبا مختلفة من النبات بديعة الألوان والأشكال ذات خضرة سندسية تبهر العين بحسن منظرها وبديع تنسيقها.

ثم ذكر ما هو كالدليل على ذلك فقال:

(إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) أي إنه تعالى لطيف يصل علمه إلى الدقيق والجليل، خبير بمصالح خلقه ومنافعهم.

ونحو الآية قوله تعالى: « وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ».

(ب) (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) أي إن كل ما في السموات وما في الأرض منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه، وهو الغنى عن حمد الحامدين، لأنه كامل لذاته، غني عن كل ما عداه، وقد فعل ما فعل إحسانا منه إلى عباده وتفضلا عليهم.

(ج) (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ) أي إنه تعالى سخر ما في ظاهر الأرض وباطنها، لينتفع به الإنسان في مصالحه ومرافقه المختلفة ويصرفه فيما أراد من شئون معايشه، ولا يزال العلم يهديه إلى غريب الأمور مما لم يكن يخطر لأسلافه على بال مما لو حدّث به السالفون لقالوا إنه ترّهات وأباطيل وما صدّقه بشر، ولا يزال العلم يولّد كل يوم جديدا: « وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » ويهتدى العقل إلى ما هو أشبه بالمعجزات، لو لا أن سدّت أبواب النبوات.

ونحو الآية قوله: « وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ».

(د) (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) أي وسخر لكم السفن تجرى في البحار برفق وتؤدة حاملة ما تريدون من نائى الأصقاع، وبعيد المسافات، من سلع وحيوان وأناسي، وبذلك يتم تبادل مرافق الحياة بالأخذ والعطاء.

(ه) (وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي وإن الله يمسك أجرام الكواكب من شمس وقمر وكواكب نيرات بنظام الجاذبية، إذ جعل لكل منها مدارا خاصا بها لا تعدوه بحال، ولا تزال كذلك ما بقيت الحياة الدنيا، حتى إذا اقتربت الساعة اختل نظامها وانتثرت في الفضاء كما ألمع إلى ذلك سبحانه بقوله: « إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ. وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ » الآية.

ولو لا هذا النظام الخاص لاصطدمت الكواكب العظيمة بعضها ببعض، وفسد العالم الأرضى، ولم يعش على ظهر البسيطة إنسان ولا حيوان.

(إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) أي إنه تعالى رحيم بهم، إذ جعلهم على تلك الشاكلة، ليتسنى لهم البحث عن أسباب معايشهم وأسباب منافعهم، وأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية على وجوده وبعثة رسله.

(و) (وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) أي وهو الذي أنعم عليكم بهذه النعم، وجعلكم أجساما حية بعد أن كنتم ترابا، ثم يميتكم حين انقضاء آجالكم، ثم يحييكم بالبعث والنشور إلى عالم آخر تلقون فيه حسابكم وجزاءكم من نعيم أو جحيم، ثم بين طبيعة الإنسان التي فطر عليها فقال:

(إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ) أي إن الإنسان لم يوجّه همه إلى كل هذه الآلاء التي يتقلب فيها ليل نهار، بل جحدها وجحد خالقها على وضوح أمرها، وعبد غيره، وجعل له الأنداد من الأصنام والأوثان.

ونحو الآية قوله: « كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » وقوله: « قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ».

[سورة الحج (22): الآيات 67 الى 69][عدل]

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69)

تفسير المفردات

المنسك: الشريعة والمنهاج، ناسكوه: أي عاملون به، والهدى: الطريق الموصل إلى الحق، مستقيم: أي سوي لا عوج فيه.

المعنى الجملي

بعد أن قدّم عز اسمه ذكر نعمه وأنه رءوف بعباده رحيم بهم، وأن الإنسان كفور بطبعه، ومن ثم جحد الخالق لهذه النعم - أتبعه بزجر معاصريه عليه السلام من أهل الأديان السماوية عن منازعته، بذكر خطئهم فيما تمسكوا به من الشرائع، وبيان أن لكل أمة شريعة خاصة، ثم أمره بالثبات على ما هو عليه من الحق، وأنه لا يضره عناد الجاحدين، فالله هو الحكم بينهم وبينه يوم القيامة.

الإيضاح

(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ) أي إنا أنزلنا لأهل كل دين من الأديان السماوية شريعة خاصة يعملون بها، ويسيرون على نهجها، لا يتخطونها إلى غيرها، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى منسكها ما في التوراة، والأمة التي من مبعث عيسى إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم منسكها ما في الإنجيل، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم من وجد حين مبعثه إلى يوم القيامة منسكهم ما في القرآن، لأن لكل زمان ما يليق به من الشرائع التي تناسب من فيه في تلك الحقبة.

(فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) أي فلا ينبغي لهم أن ينازعوك في أمر هذا الدين، فإن تعيينه تعالى لكل أمة شريعة خاصة موجب لطاعة هؤلاء لك وعدم منازعتهم إياك في أمر هذه الشريعة زعما منهم أن شريعتهم هي ما عيّن لآبائهم من التوراة والإنجيل، فذلك خطأ منهم، فإن ذلك إنما كان شريعة لمن مضى قبل نسخه بالقرآن.

والخلاصة - اثبت أيها الرسول على دينك ثباتا لا يطمعون أن يجذبوك منه ليزيلوك عنه، والمراد بذلك تهييج حميّته عليه السلام، وإلهاب غضبه لله ولدينه، ومثل هذا كثير في كتاب الله، وكأنه قد قيل له: تأسّ بالأنبياء قبلك في متاركة القوم الظالمين، والإمساك عن مجادلتهم بعد اليأس من إيمانهم.

(وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ) أي وادع هؤلاء المنازعين إلى توحيد الله وعبادته، إنك لعلى طريق يهدى إلى الحق، وشريعة توصل إلى السعادة.

ونحو الآية قوله: « وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ » (وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) أي وإن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك بعد أن ظهر الحق ولزمتهم الحجة - فقل لهم على سبيل التهديد والوعيد:

الله عليم بما تعملون وبما أعمل، ومجاز كلا بما هو له أهل.

ونحو الآية قوله: « وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ » وقوله: « هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ».

وبعد أن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وكان ذلك شديد الوقع على النفس سلاه بأن الله سيجازيهم لا محالة يوم القيامة على ما يقولون ويفعلون فقال:

(اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أي الله يقضى بين المؤمنين منكم والكافرين يوم القيامة فيما كنتم تختلفون فيه من أمر الدين، فيتبين المحق من المبطل.

ونحو الآية قوله: « فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ » الآية.

وقصارى ما سلف - ادع إلى شريعتك، ولا تخصّ بالدعاء أمة دون أمة، فكلهم أمتك، وإنك لعلى طريق واضحة الدلالة تصل بمن اتبعها إلى سبيل السعادة، فإن عدلوا عن النظر في الأدلة إلى المراء والتمسك بالعادات، وبما وجدوا عليه الآباء والأجداد، فدعهم في غيهم يعمهون، فقد أنذرت، وما عليك إلا البلاغ، وقل لهم مهددا منذرا: الله يحكم بيننا وبينكم، يوم القيامة، ويتبين المحق منا من المبطل، ويجازى كلا بما يستحق.

[سورة الحج (22): الآيات 70 الى 72][عدل]

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)

تفسير المفردات

سلطانا: أي حجة وبرهانا، نصير: أي ناصر ومعين، يسطون: أي يبطشون بهم من فرط الغيظ.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه أنه يحكم بين عباده يوم القيامة ويجازى كلا من المسيء والمحسن بما هو له أهل - أعقب هذا ببيان أنه العليم بما يستحقه كل منهم، فيقع حكمه بينهم بالعدل، ثم أرشد إلى أنه على وضوح الدلائل وعظيم النعم عليهم عبدوا غيره مما لم يقم الدليل على وجوده، وأنهم مع جهلهم إذا نبّهوا إلى الحق، وعرضت عليهم المعجزة، وتلى عليهم الكتاب الكريم ظهر في وجوههم الغيظ والغضب، وهمّوا أن يبطشوا بمن يذكّرهم بآياته، إنكارا منهم لما خوطبوا به، ثم أبان لهم أن ما ينالهم من النار التي يقتحمونها بأفعالهم وأقوالهم أعظم مما ينالهم من الغم والغيظ حين تلاوة هذه الآيات.

الإيضاح

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي قد علمت أيها الرسول أن علم الله محيط بما في السموات وما في الأرض، لا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بما عملوه في الدنيا، فمجازى المحسن منهم بإحسانه، والمسيء بإساءته.

ثم أكد علمه بقوله.

(إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ) أي إن علمه بذلك في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ربنا قبل أن يخلق ما هو كائن إلى يوم القيامة ويرى أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بالكتاب في مثل هذا الحفظ والضبط الشديد بحيث لا يغيب عنه مثقال ذرة.

ثم زاده تأكيدا بقوله.

(إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) أي إن علمه تعالى بما في السماء والأرض وكتبه في اللوح المحفوظ والفصل بين عباده يوم القيامة - يسير عليه إذ لا يخفى عليه شيء، ولا يتعسر عليه مقدور.

ثم حكى سبحانه بعض أباطيل المشركين وأحوالهم الدالة على سخافة عقولهم فقال:

(ا) (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ) أي ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه ما لم ينزل بجواز عبادته حجة وبرهانا من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها إلى رسله، وما ليس لهم بجواز عبادته علم من ضرورة العقل، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بغير حجة ولا برهان.

والخلاصة - ويعبدون من دون الله ما لم يقم دليل من الوحي ولا من العقل على صحة عبادته.

ونحو الآية قوله: « وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ » (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) أي وليس للظالمين من ينصرهم يوم القيامة فينقذهم من عذاب الله ويدفع عنهم عقابه إذا أراد ذلك.

(ب) (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ) أي وإذا تتلى على المشركين العابدين من دون الله ما لم ينزّل به سلطانا - آيات القرآن ذوات الحجج والبينات، بدت على وجوههم أمارات الإنكار بالتّجهّم والعبوس والبسور ونحو ذلك مما يذل على الغيظ والحفيظة الكامنة في نفوسهم مما يسمعون منها.

ثم بين مقدار ذلك الغيظ ومبلغ أمره فقال:

(يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا) أي هم من شدة حنقهم على من يتلونه من المؤمنين يكادون يثبون عليهم ويبطشون بهم ويبسطون أيديهم وألسنتهم بالسوء.

وقصارى ذلك - إنهم قد بلغوا من الجهالة حدا لا ينفع فيه العلاج، ولا تقنع فيه البينات والحجج.

ثم ذكر لهم أن هذا الغيظ الكمين في نفوسهم ليس بشىء إذا قيس بما سيلاقونه من العذاب يوم القيامة فقال:

(قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ؟) أي قل لهم: أتسمعون فأخبركم بشر من ذلكم الذي فيكم من الغيظ من التالين للآيات حتى قاربتم أن تسطوا بهم وتمدّوا إليهم أيديكم وألسنتكم بالسوء؟

ثم أجاب عن هذا الاستفهام فقال:

(النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي النار وعذابها أشق وأعظم مما تخوّفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، ومما تنالون منهم إن نلتم بإرادتكم واختياركم.

(وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي وبئس النار موئلا ومقاما لهؤلاء المشركين بالله.

ونحو الآية قوله: « إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا ».

[سورة الحج (22): الآيات 73 الى 76][عدل]

يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76)

تفسير المفردات

ضرب: أي جعل، والمثل والمثل: الشبه، لا يستنقذوه: أي لا يقدروا على استنقاذه، ما قدروا الله: أي ما عظّموه، عزيز: أي غالب على جميع الأشياء، يصطفى: أي يختار.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر فيما سلف أنهم يعبدون من دون الله ما لا حجة لهم عليه من الوحي، ولا دليل عليه من العقل - أردف هذا بما يدل على إبطاله ويؤكد جهلهم بمقام الألوهية، وما ينبغي أن يكون لها من إجلال وتعظيم، ثم أعقب ذلك ببيان أنه سبحانه يصطفى من الملائكة والناس لرسالته من يشاء وهو العليم بمن يختار « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ »

روي أن الوليد بن المغيرة قال: أأنزل عليه الذكر من بيننا؟ فأنزل الله الآية: « اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ »

وأخرج الحاكم وصححه عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله اصطفى موسى بالكلام وإبراهيم بالخلّة »

الإيضاح

(يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) أي يا أيها الناس جعل المشركون لي أشباها وأندادا وهي الآلهة التي يعبدونها معى، فأنصتوا وتفهّموا حال ماملوهم وجعلوهم لي في عبادتهم إياهم أشباها وأمثالا.

ثم بين حال هؤلاء الأشباه والأمثال فقال:

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) أي لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأوثان على أن يخلقوا ذبابة واحدة على صغر حجمها وحقارة شأنها ما قدروا وما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى، فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة ».

(وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) أي وإن يسلب الذباب الآلهة والأوثان شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه - لا تستنقذ ذلك منه على ضعفه.

والخلاصة - إنهم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أعجب من ذلك أنهم عاجزون عن مقاومته والانتصار منه لو سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه.

وفي ذلك إيماء إلى أنهم قد بلغوا غاية الجهالة، وأشركوا بالله القادر على كل شيء آلهتهم من الأصنام والأوثان التي لا تقدر على خلق أحقر المخلوقات وأصغرها وهو الذباب ولو اجتمعت له، ولا تستطيع أن تنتصر منه لو سلبها شيئا.

(ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) أي عجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من المطلوب وهو الذباب ما سلبها إياه من الطيب وما أشبهه.

وقصارى هذا - إنه سبحانه وصف هذه الآلهة بما وصف، للدلالة على مهانتها وضعفها، تقريعا منه لعبدتها من مشركي قريش وكأنه قيل لهم: كيف تجعلون لي مثلا في العبادة، وتشركون معى فيها ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ منه الذباب شيئا لم يقدر أن ينتصر منه، وأنا الخالق لما في السموات والأرض، المالك لجميع ذلك، المحيي لما أردت والمميت له -؟ إن فاعل ذلك بالغ غاية الجهل وعظيم السفه.

ثم زاد هذا الإنكار توكيدا فقال:

(ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أي ما عظّموه حق التعظيم، إذ عبدوا معه غيره من هذه الأصنام التي لا تقاوم الذباب لضعفها، ولا تنتصر منه إن سلبها شيئا.

(إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) أي إنه تعالى قوي لا يتعذر عليه شيء، وبقدرته خلق كل شيء، عزيز لا يغالب، لعظمته وسلطانه، ولا يقدر شيء أن يسلبه من ملكه شيئا، وليس كآلهتكم التي تدعونها من دون الله.

ونحو الآية قوله: « وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » وقوله: « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ».

وبعد أن ذكر ما يتعلق بالإلهيات ذكر ما يتعلق بالنبوات فقال:

(اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) أي الله يختار من الملائكة رسلا يتوسطون بينه وبين الأنبياء بالوحي، ويصطفى من الناس رسلا يدعون عباده إلى ما يرضيه، ويبلغونهم ما نزّله عليهم من وحيه، إرشادا لهم وتشريعا للأحكام التي فيها سعادتهم في دنياهم وآخرتهم.

(إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) أي إنه تعالى سميع لأقوال عباده، بصير بهم فيعلم من يستحق أن يختار منهم لهذه الرسالة.

(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) أي يعلم ما كان بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم، ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم.

وخلاصة ذلك - يعلم مستقبل أحوالهم وماضيها.

(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي وإليه ترجع الأمور يوم القيامة، فلا أمر ولا نهى لأحد سواه، وهو يجازى كلا بما عمل إن خيرا وإن شرا.

[سورة الحج (22): الآيات 77 الى 78][عدل]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)

تفسير المفردات

في الله: أي في سبيله، والجهاد كما قال الراغب: هو استفراغ الوسع في مجاهدة العدو، وهو ثلاثة أضرب:

(ا) مجاهدة العدو الظاهر كالكفار.

(ب) مجاهدة الشيطان.

(ج) مجاهدة النفس والهوى، وهذه أعظمها فقد أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال: « قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال: قدمتم خير مقدم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قيل وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه ».

والمراد بالجهاد هنا ما يشمل الأنواع الثلاثة، كما يؤيده ما روى عن الحسن أنه قرأ الآية وقال: « إن الرجل ليجاهد في الله تعالى وما ضرب بسيف ».

واجتباكم: أي اختاركم، حرج: أي ضيق بتكليفكم ما يشق عليكم، واعتصموا بالله أي استعينوا به وتوكلوا عليه، مولاكم: أي ناصركم.

المعنى الجملي

بعد أن تكلم في الإلهيات ثم في النبوات - أتبعهما بالكلام في الشرائع والأحكام.

الإيضاح

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، اخضعوا لله، وخروا له سجدا، واعبدوه بسائر ما تعبّدكم به، وافعلوا الخير الذي أمركم بفعله من صلة الأرحام ومكارم الأخلاق، لتفلحوا وتفوزوا من ربكم بما تؤمّلون من الثواب والرضوان.

(وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ) أي وجاهدوا في سبيل الله جهادا حقا خالصا لوجهه لا تخشون فيه لومة لائم.

(هو اجتباكم) أي هو اختاركم من سائر الأمم، وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع.

(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي وما جعل عليكم في الدين الذي تعبدكم به ضيقا لا مخرج لكم منه، بل وسّع عليكم وجعل لكم من كل ذنب مخلصا، فرخص لكم في المضايق فالصلاة وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعا وفى السفر تقصر إلى اثنتين، ويصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، وأباح الفطر حين السفر وحين الإرضاع والحمل والشغل في شاقّ الأعمال، ولم يوجب علينا الجمعة في المساجد حين السفر أو الخوف من عدو أو سبع أو مطر إلى نحو أولئك، كما فتح لكم باب التوبة وشرع لكم الكفارات في حقوقه ودفع الدية بدل القصاص إذا رضى الولي.

ونحو الآية قوله سبحانه: « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » وقوله: « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » وقوله: « رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ».

(مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ) أي وملتكم هي ملة أبيكم إبراهيم الحنيفية السمحة التي لم يعتورها جنف ولا إشراك.

ونحو الآية قوله تعالى: « قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا » الآية.

(هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ، وَفِي هذا) أي إن الله سماكم يا معشر من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم - المسلمين في الكتب المتقدمة وفى هذا الكتاب.

وخلاصة هذا - إنه تعالى ذكر أنه اختارهم من بين سائر الأمم، ثم حثهم على اتباع ما جاءهم به الرسول، لأنه ملة أبيهم إبراهيم، ثم نوّه بذكره والثناء عليه في كتب الأنبياء قبله وفى القرآن.

(لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) أي إنما جعلكم هكذا أمة وسطا عدولا مشهودا بعدالتكم بين الأمم، ليكون محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا شهداء على الناس بأن الرسل قد بلغوهم ما أرسلوا به إليهم.

وإنما قبلت شهادتهم على الناس لسائر الأنبياء، لأنهم لم يفرقوا بين أحد منهم وعلموا أخبارهم من كتابهم على لسان نبيهم، ولاعتراف سائر الأمم يومئذ بفضلهم على سواهم، وقد تقدم ذكر هذا في سورة الأنعام عند قوله: « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا » الآية.

ولما ندبهم لأداء الشهادة على الأمم جميعا طلب منهم دوام عبادته والاعتصام بحبله المتين فقال:

(فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ) أي فقابلوا هذه النعم العظيمة بالقيام بشكرها، فأدّوا حق الله عليكم بطاعته فيما أوجب وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقامة الصلاة التي هي وصلة بينكم وبين ربكم، وإيتاء الزكاة التي هي طهرة أبدانكم، وصلة ما بينكم وبين إخوانكم، واستعينوا بالله في جميع أموركم، وهو ناصركم على من يعاديكم.

ثم علل الاعتصام به بقوله:

(فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) أي إن من تولاه كفاه كل ما أهمه، وإذا نصر أحدا أعلاه على كل من خاصمه، إذ لا ناصر في الحقيقة سواه ولا ولي غيره، فله الحمد وهو رب العالمين.

خلاصة ما تضمنته السورة من الحكم والأحكام[عدل]

(1) وصف حال يوم القيامة وما فيه من شدائد وأهوال تشيب منها الولدان.

(2) جدال عبدة الأصنام والأوثان بلا حجة ولا برهان.

(3) إثبات البعث وإقامة الأدلة عليه.

(4) وصف المنافقين المذبذبين في دينهم وعدم ثباتهم على حال واحدة.

(5) ما أعد الله لعباده المؤمنين من الثواب المقيم في جنات النعيم.

(6) بيان أن الله ناصر نبيه ومظهر دينه على سائر الأديان.

(7) بيان أن الله يحكم يوم القيامة بين عباده من أرباب الديانات المختلفة ويجازى كلا بما يستحق.

(8) إقامة الأدلة على وجود خالق السموات والأرض وبيان أن العالم كله خاضع لقدرته.

(9) أمر المؤمنين بقتال المشركين الذين أخرجوهم من ديارهم، وبيان أن هذا القتال لا بد منه لنصرة الحق في كل زمان ومكان وأن الله ينصر من يدافع عنه.

(10) تسلية الرسول على ما يناله من أذى قومه وأنهم ليسوا بدعا في الأمم، فكثير ممن قبلهم كذبوا رسلهم ثم كانت العاقبة للمتقين، وأهلك الله القوم الظالمين، والعبرة ماثلة أمامهم في حلهم وترحالهم.

(11) بيان أن المفسدين يلقون الشبهات على الحق ليزلزلوا عقائد المؤمنين، لكنها لا تلبث أن تزول وينكشف نور الحق ويزيل ظلام الباطل.

(12) الثواب على الهجرة لله ورسوله سواء قتل المهاجر أو مات.

(13) وصف حال الكافرين إذا تلى عليهم القرآن، بما يظهر على وجوههم من أمارات الغضب.

(14) بيان أن الله يرسل رسلا من الملائكة ورسلا من البشر وأن الله عليم بمن يصلح لهذه الرسالة.

(15) أمر المؤمنين بدوام الصلاة والزكاة وفعل الخيرات والجهاد حق الجهاد في سبيل الحق.

(16) بيان أن الدين يسر لا عسر، وأنه كمّلة إبراهيم سمح لا شدة فيه.

(17) بيان أن الرسول شهيد على أمته يوم القيامة وأن هذه الأمة تشهد على الأمم السالفة بأن رسلهم قد بلغوهم شرائع الله وما قصّروا في ذلك.

اللهم ألهمنا الحق، واهدنا سبيل الرشاد، وتقبل أعمالنا، إنك أنت السميع المجيب.

قد انتهى تفسير هذا الجزء في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وألف بعد الهجرة بمدينة حلوان من أرباض القاهرة قاعدة الديار المصرية، وفقنا الله لإتمام تفسير كتابه الكريم.

فهرست أهم المباحث العامة التي في هذا الجزء[عدل]

المبحث

3 في الحديث: « بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول وهن من تلادي »

6 طعن المشركون في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم بأمرين

7 طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم آية أخرى غير القرآن

11 فضل القرآن

13 كانت الأمم السابقة تعترف بظلمها حين إهلاكها

14 فساد المطاعن التي وجهوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم

17 السموات والأرض لم تخلقا عبثا فلابد من الحساب والجزاء

19 لو كان في السموات والأرض إلهان لفسدتا

20 الكتب السماوية جميعا جاءت بوحدانية الله وطلب عبادته

21 الملائكة عباد مكرمون يسبحون الليل والنهار لا يفترون

24 الأدلة على وجود الله

29 الدنيا ما خلقت للخلود والدوام

30 الابتلاء والفتنة تكون بالخير والشر

32 جبل الإنسان على حب العجلة

34 تأتى الساعة بغتة وهم لا يشعرون

39 يوم القيامة يدعو المشركون على أنفسهم بالويل والثبور وعظائم الأمور

41 أوصاف المتقين

42 حجاج إبراهيم لأبيه وقومه ودعوتهم إلى التوحيد

44 احتجاج قومه بالتقليد

46 كسر إبراهيم عليه السلام للأصنام

47 رجوع قوم إبراهيم على أنفسهم بالملامة

51 اتفاق قوم إبراهيم على إحراق إبراهيم

53 النعم التي أفاض الله بها على إبراهيم

54 النعم التي أسبغها على لوط

56 ما أنعم الله به على داود وسليمان

57 قضاء داود وسليمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم

58 نعم الله على داود عليه السلام نعم الله على سليمان عليه السلام

61 ما أحيطت به قصة أيوب من العجائب والغرائب

63 نداء يونس عليه السلام لربه في الظلمات واستجابة الله له

66 دعاء زكريا ربه واستجابته لدعوته

68 لبّ الدين عند الله واحد واختلاف الأديان في التفاصيل

73 الأصنام وعابدوها في النار، وحكمة ذلك

74 أحوال أهل النار وما يلاقونه من الأهوال

75 ما كتب لأهل السعادة في الجنة

76 صلاح الأمة يقوم على أربعة عمد

78 الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة للعالمين

83 ما اشتملت عليه سورة الحج من المباحث

85 أهوال يوم القيامة

86 ذمّ المجادل بغير علم

88 مراتب الخلق والاستدلال بها على البعث

91 المجادل بلا عقل صحيح ولا نقل صريح

94 من الناس المذبذب المضطرب في دينه

97 إثبات نصر الرسول والمبالغة في ذلك بما لا مزيد عليه

98 القرآن هاد إلى سواء السبيل الأديان ستة خمسة للشيطان وواحد للرحمن

99 السجود ضربان اختياري وتسخيري

100 من يهنه الله فلا مكرم له

102 جزاء الكافرين يوم القيامة

103 جزاء المؤمنين يومئذ

105 جزاء الصادّ عن البيت الحرام

106 تأنيب من يصد عنه من المشركين

108 سبب الأمر بزيارة البيت الحرام

109 ذبح الأنعام وأكلها حلال إلا ما حرم

110 من أشرك بالله فقد أهلك نفسه وكان كمن سقط من السماء فتخطفه الطير

112 الذبح وإراقة الدماء قربة لله ليس بخاص بهذه الأمة

113 علامات المخبتين

114 الهدايا من شعائر الله ودليل تقواه

117 وعد الله رسوله والمؤمنين بالنصر على المشركين

119 تحريض المؤمنين على القتال وبيان أن به انتظام أمر الجماعات

121 تسلية الرسول على ما يرى من قومه من الأذى

124 كان المشركون يستهزئون بالعذاب فيستعجلونه

125 سنة الله إهلاك الظالمين ولو بعد حين

126 وعد الله للمتقين ووعيده للكافرين

128 إلقاء المشركين الشبه والأوهام فيما يقرأ من القرآن

129 ما يفعله القساوسة والمبشرون الآن في البلاد الإسلامية

131 هداية الله لعباده المؤمنين إلى الصراط المستقيم

133 المقتول في سبيل الله والمهاجر إعزازا لدين الله في الأجر سواء

135 الله قدير على نصر عباده المؤمنين

136 الله سابغ نعمه على عباده المؤمنين

138 لكل أمة منسك وشريعة خاصة بها

141 النعي على عبادة الأوثان والأصنام

142 لا دليل على صحة عبادة الأصنام من عقل ولا نقل

143 كانت إذا تليت آيات القرآن على المشركين ظهر على وجوههم آثار الغيظ والألم

145 الأصنام لا تستطيع خلق الذباب ولا تدفع عن نفسها ما يسلب منها

147 الجهاد ضروب

148 الدين يسر لا عسر

149 الرسول صلى الله عليه وسلم شهيد عليكم وأنتم شهداء على الناس

أجزاء تفسير المراغي
الأول | الثاني | الثالث | الرابع | الخامس | السادس | السابع | الثامن | التاسع | العاشر | الحادي عشر | الثاني عشر | الثالث عشر | الرابع عشر | الخامس عشر | السادس عشر | السابع عشر | الثامن عشر | التاسع عشر | العشرون | الحادي والعشرون | الثاني والعشرون | الثالث والعشرون | الرابع والعشرون | الخامس والعشرون | السادس والعشرون | السابع والعشرون | الثامن والعشرون | التاسع والعشرون | الثلاثون