تفسير المراغي/الجزء الرابع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تفسير المراغي
الجزء الرابع
أحمد مصطفى المراغي

محتويات

[تتمة سورة آل عمران ][عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

[سورة آل عمران (3): الآيات 93 الى 97][عدل]

كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97)

تفسير المفردات

الطعام: كل ما يطعم ويتناول للغذاء كما قال « أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ » وقالت عائشة رضي الله عنها « ما لنا طعام إلا الأسودان: التمر والماء » وكثر استعماله في الخبز كما قالوا: أكل الطعام مأدوما، وفي البرّ، ومنه حديث أبى سعيد « كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير » والحل: من حل الشيء ضد حرم، وإسرائيل: لقب نبي الله يعقوب، ومعناه الأمير المجاهد مع الله ثم شاع إطلاقه على جميع ذريته كما تدل على ذلك الأسفار المنسوبة إلى موسى، والفرية: الكذب، والافتراء: اختلاق الكذب، والحنيف: المائل عن الباطل إلى الحق، وبكة: من أسماء مكة (أبدلت ميمها باء) وهذا كثير الاستعمال في الكلام، قالوا: هذا دائم ودائب، والآيات: الدلائل والعلامات، والحج (بكسر الحاء وفتحها وبهما قرى ء) القصد.

المعنى الجملي

كانت الآيات من أول السورة إلى هنا في تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد ﷺ، مع إثبات وحدانية الله تعالى، وتبع ذلك محاجة أهل الكتاب ودحض شبههم وتفنيد ما استحدثوه في دينهم من بدع وتقاليد لا نص عليها في كتابهم، أما هذه الآيات فقد جاءت لدفع شبهتين من شبهات اليهود:

(1) أنهم قالوا للنبي ﷺ: إنك تدّعى أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراما في دين إبراهيم؟ فأنت قد استحللت ما كان محرما عليه، فلست بمصدّق له، ولا بموافق له في الدين، وليس لك أن تقول إنك أولى الناس به، فرد الله عليهم بأن كل الطعام كان حلالا لبني إسرائيل، ولإبراهيم من قبله، ثم حرم عليهم بعض الطيبات عقوبة لهم.

(2) أنه لما حوّلت القبلة إلى الكعبة طعنوا في نبوته، وقالوا إن بيت المقدس أفضل من الكعبة، وأحق بالاستقبال، فهو قد وضع قبلها وهو أرض المحشر، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمونه ويصلون إليه، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظّمت ماعظموا، ولما تحولت عن بيت المقدس، وعظمت مكانا آخر وخالفت من تقدّمك من الأنبياء، فرد الله سبحانه شبهتهم، بأن أول بيت بنى للعبادة هو البيت الحرام بناه إبراهيم وولده إسماعيل للعبادة.

الإيضاح

أجاب الله سبحانه عن أولى الشبهتين بقوله: (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ) أي إن كل الطعام كان حلالا لبني إسرائيل، ولإبراهيم من قبله، ثم حرم عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم وتأديبا كما يدل على ذلك قوله « فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ » الآية.

والمراد بإسرائيل الشعب كله كما هو شائع في الاستعمال عندهم لا يعقوب فحسب، كما أن المراد بتحريم الشعب ذلك على نفسه أنه اجترح من السيئات، وارتكب من الموبقات ما كان سببا في هذا التحريم كما ترشد إلى ذلك الآية التي أسلفناها.

وخلاصة هذا الجواب - أن الأصل في الأطعمة الحل، وما كان تحريم ما حرم على إسرائيل إلا تأديبا لهم على جرائم ومخالفات وقعت منهم، وكانت سببا فيما نالهم من التحريم لها، والنبي ﷺ وأمته لم يجترحوا هذه السيئات فلا تحرم عليهم هذه الطيبات.

ومعنى قوله: من قبل أن تنزل التوراة، أنه قبل نزول التوراة كان حلّا لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات أما بعد نزولها، فقد حرم عليهم أنواع كثيرة بسبب الذنوب التي اقترفوها، وقد بينتها التوراة وبينت أسباب التحريم وعلله.

(قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في دعواكم، لا تخافون أن تكذبكم نصوصها، فالحكم بيننا وبينكم كتابكم الناطق بصحة ما يقول القرآن، فلو جئتم به لكان مؤيدا ما نقول من أن تحريم ما حرم ما كان إلا للتأديب والزجر. وقد جاء في سفر التثنية: قال موسى حين أخذ عليكم العهد بحفظ الشريعة (إنكم شعب غليظ الرقبة يقاوم الرب) وقد روي أنهم لم يجرءوا على الإتيان بها، وفلجت حجة القرآن.

وفي هذا أكبر دليل على إثبات نبوة محمد ﷺ، إذ هو قد علم أن ما في التوراة يدل على كذبهم، وهو لم يقرأها ولا قرأ غيرها من كتب الأولين، فهذا العلم لم يكن إلا بوحي من الله.

(فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أيفمن اخترع الكذب على الله وزعم أن التحريم كان على الأنبياء السابقين وأممهم قبل نزول التوراة - بعد أن ظهرت له الحجة بأن التحريم إنما كان بسبب ما ارتكب الشعب من الذنوب والخطايا، وبعد أن طولب المدعون بالإتيان بالتوراة وتلاوتها، فامتنعوا لئلا يظهر كذبهم، وأن الله لم يحرم شيئا قبل نزولها - فأولئك هم الظالمون لأنفسهم المستحقون لعذاب الله، لأنهم قد حولوا الحق عن وجهه، ووضعوا حكم الله في غير موضعه، فضلوا وأضلوا أشياعهم بإصرارهم على الباطل، وعدم تصديقهم رسول الله ﷺ.

(قُلْ صَدَقَ اللَّهُ) فيما أنبأني به من أن سائر الأطعمة كانت حلالا لبني إسرائيل، وأنها إنما حرمت على اليهود جزاء أفعالهم القبيحة، وبذا قامت عليكم الحجة، وثبت إني مبلغ عنه، إذ ما كان في استطاعتي لولا الوحي أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون عن أنبيائكم.

(فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا) أي وإذ قد استبان لكم أن ما يدعوكم إليه محمد ﷺ هو من ملة إبراهيم، فعليكم أن تتبعوه في استباحة أكل لحوم الإبل وألبانها، وملته حنيفية سمحاء لا إفراط فيها ولا تفريط.

(وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الذين يدعون مع الله إلها آخر، أو يعبدون سواه، كما فعله العرب من عبادة الأوثان، وفعله اليهود من ادّعائهم أن عزيرا ابن الله، وفعله النصارى من اعتقادهم أن المسيح ابن الله.

وخلاصة هذا - إن محمدا صلوات الله عليه على دين إبراهيم في جزئيات الأحكام وكلياتها، فأحل ما أحله هو من أكل لحوم الإبل وألبانها، ودعا إلى التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله، وما كان إبراهيم صلوات الله عليه إلا على هذا الدين.

ثم أجاب عن الشبهة الثانية فقال:

(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) أي إن البيت الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت وضع معبدا للناس، بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام للعبادة، ثم بنى المسجد الأقصى بعد ذلك بعدة قرون، بناه سليمان عليه السلام سنة 1005 قبل الميلاد فكان جعله قبلة أولى، وبذا يكون النبي ﷺ على ملة إبراهيم ويتوجه بعبادته إلى حيث كان يتوجه إبراهيم وإسماعيل صلوات الله عليهما.

والخلاصة - إن أول بيوت العبادة الصحيحة التي بناها الأنبياء هو البيت الحرام، فليس في الأرض موضع بناه الأنبياء أقدم منه فيما يؤثر من تواريخهم، ويتبع هذا أولية الشرف والتعظيم.

ثم بين فضائله فقال:

(1، 2) (مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ) تطلق البركة على معنيين: أحدهما النموّ والزيادة، وثانيهما البقاء والدوام كما يقال تبارك الله.

والبركة والهداية من فضائله الحسية والمعنوية.

أما الأولى فهي أنه قد أفيض عليه من بركات الأرض وثمرات كل شيء مع كونه بواد غير ذي زرع كما قال الله تعالى: « يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ » فترى الأقوات والثمار في مكة كثيرة جيدة، وأقل ثمنا من كثير من البلاد ذوات الخيرات الوفيرة كمصر والشام.

وأما الثانية فلأن القلوب تهوي إليه، فتأتى الناس مشاة وركبانا من كل فج عميق لأداء المناسك الدينية من الحج والعمرة، ويولّون وجوههم شطره في صلاتهم وربما لا تمضي ساعة من ليل أو نهار إلا وهناك ناس يتوجهون إليه، ولا شك أن هذه الهداية من أشرف أنواع الهدايات. وكل هذا ببركة دعوة إبراهيم صلوات الله عليه « رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ».

(3) (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ) أي فيه دلائل واضحات، أحدها مقام إبراهيم - موضع قيامه للصلاة والعبادة - وقد عرف ذلك العرب وغيرهم بالنقل المتواتر. وإبراهيم أبو الأنبياء الذين بقي في الأرض أثرهم، وجعلت النبوة والملك فيهم، فأي دليل أبين من هذا على كون ذلك البيت من أول بيوت العبادة المعروفة؟

(4) (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا) أي وأمن من دخله، والعرب جميعا قد اتفقوا على احترامه وتعظيمه، فمن دخله أمن على نفسه من الاعتداء والإيذاء، وأمن أن يسفك دمه أو تستباح حرماته مادام فيه، وقد مضوا على ذلك الأجيال الطوال في الجاهلية على كثرة ما بينهم من الأحقاد والضغائن، واختلاف المنازع والأهواء، وقد أقر الإسلام هذا، وكل ذلك بفضل دعوة إبراهيم عليه السلام « رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا ».

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. ومن ثم قال أبو حنيفة رحمه الله: من وجب قتله في الحلّ بقصاص أو ردّة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يتعرّض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه.

وفتح مكة بالسيف كان لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه للعبادة، فقد حلت للنبي ﷺ ساعة من نهار لم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده كما جاء في الحديث.

على أن حل مكة وما يتبعها من أرباضها للنبي ﷺ ساعة من نهار أمر زائد على أمن البيت، فإن النبي ﷺ لم يستحلّ البيت ساعة ولا مادونها، بل كان مناديه ينادى: من دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وقد أخبر أبو سفيان النبي ﷺ بقول سعد بن عبادة الأنصاري حامل اللواء له في الطريق: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فقال ﷺ « كذب سعد، هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة »

وما فعله الحجاج من رمى البيت بالمنجنيق، فهو فعل السياسة التي قد تحمل صاحبها على مخالفة ما يعتقد حرمته، ويقع به في الظلم والإلحاد، إذ هو وجنده لم يكونوا معتقدين حلّ ما فعلوا.

(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) أي ويجب الحج على المستطيع من هذه الأمة، وفي هذا تعظيم للبيت أيّما تعظيم، وما زال الناس من عهد إبراهيم إلى عهد محمد صلوات الله عليهما يحجون البيت عملا بسنة إبراهيم، جروا على هذا جيلا بعد جيل لم يمنعهم من ذلك شركهم ولا عبادتهم للأوثان والأصنام، فهي آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى ابراهيم.

واستطاعة السبيل إلى الشيء إمكان الوصول إليه كما قال تعالى: « فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ » وقال: « ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ » وتختلف الاستطاعة باختلاف الأشخاص، واختلاف البعد عن البيت والقرب منه، وكل مكلف أدرى بنفسه في ذلك.

وقد اختلف في تفسيرها، فقال بعضهم إنها القدرة على الزاد والراحلة مع أمن الطريق. وقال بعض: إنها صحة البدن والقدرة على المشي، وقال آخرون هي صحة البدن وزوال الخوف من عدو أو سبع مع القدرة على المال الذي يشترى منه الزاد والراحلة، وقضاء جميع الديون والودائع ودفع النفقة التي تكفى لمن تجب عليه نفقته حتى العودة من الحج.

وخلاصة ذلك - إن هذا الإيجاب مشروط بالاستطاعة وهي تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان.

(وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) المراد بالكفر هنا جحود كون هذا البيت أول بيت وضعه إبراهيم للعبادة بعد أن قامت الأدلة على ذلك، وعدم الإذعان لما فرضه الله من حجه والتوجه إليه بالعبادة.

وفسر بعضهم الكفر بترك الحج فكأنه قال ومن لم يحج فإن الله غني عن العالمين، وعبر عنه بذلك تغليظا وتشديدا على تاركه.

فقد روي أنه ﷺ قال: « من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا »

وروي عن على أن النبي ﷺ قال في خطبة له: « أيها الناس، إن الله فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا، ومن لم يفعل فليمت على أي حال شاء يهوديّا أو نصرانيا أو مجوسيا » وأثر عن عمر أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة (سعة) ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.

ولهذه الأدلة قال كثير من الفقهاء: إن الحج واجب على الفور، وقال آخرون: إنه واجب على التراخي.

وهذه الجملة تأكيد لما سبق من الوجوب، فإنه بدأ الآية بأن قال: ولله على الناس، فأفاد أن ذلك ما كان لجرّ نفع ولا لدفع ضر، بل كان للعزة الإلهية، ولكبرياء الربوبية، وختمها بهذه الجملة المؤكدة لذلك، ببيان أن فاعل ذلك مستأهل للنعمة برضا الله عنه، وأن تاركه يسخط عليه سخطا عظيما.

وحسب البيت شرفا أنه حرم آمن ومثابة للناس ومبارك وهدى للعالمين، وما جاء عن رسول الله ﷺ في حرمته وفضله، من أنه لا يسفك فيه دم، ولا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه (لا يقطع نباته) وأن قصده مكفر للذنوب ماح للخطايا، وأن العبادة التي تؤدى فيه لا تؤدى في غيره، وأن استلام الحجر الأسود فيه رمز إلى مبايعة الله تعالى على إقامة دينه والإخلاص له، وأن الصلاة فيه بمائة ألف ضعف في غيره. وكتب الأحاديث والسيرة مليئة ببيان فضله، ومشيدة بذكره.

[سورة آل عمران (3): الآيات 98 الى 99][عدل]

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)

تفسير المفردات

آيات الله: هي الدلائل الدالة على نبوة محمد ﷺ والشهيد: العالم بالشيء المطلع عليه، وتصدون، من صددته أصده صدا: أي صرفته، والسبيل: الطريق يذكر ويؤنث، وتبغونها من بغاه يبغيه: أي طلبه، والعوج (بكسر العين) الميل عن الاستواء في الأمور المعنوية كالدين والقول (وبفتحها) في المحسوسات كالحائط والقناة والشجرة والمراد به هنا الزيغ والتحريف.

المعنى الجملي

بعد أن أورد سبحانه الأدلة على نبوة محمد ﷺ بما جاء في التوراة والإنجيل من البشارة بمقدمه، ثم ذكر شبهات القوم وكرّ عليها بالحجة، ونقضها بما ليس بعده زيادة لمستزيد - أردف ذلك خطابهم بالكلام اللين، وبدأه بعنوان كونهم أهل الكتاب مما يوجب الإيمان به وبما يصدقه مبالغة في تقبيح حالهم في تكذيبهم له، إذ هم قد فعلوا ذلك على علم.

أخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: مرّ شاس بن قيس وكان عظيم الكفر شديد الطعن والحرد على المسلمين - على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان منهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بنى قيلة (الأوس والخزرج) بهذه البلاد، والله مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار: فأمر فتى شابا من اليهود - وكان معه - فقال اعمد إليهم فاجلس معهم وذكّرهم يوم بعاث، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ففعل (وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر للأوس على الخزرج) فقيل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحي على الركب (أوس بن قيظى أحد بنى حارثة بن الحارث من الأوس، وجبّار بن صخر أحد بنى سلمة من الخزرج) فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها جذعة (شابة فتية، يعنون الحرب) وغضب الفريقان وقالوا قد فعلنا، السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة (هى الحرّة، وهي أرض مستوية بظاهر المدينة) فخرجوا إليها، وتجاوب الناس، فانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا؟. فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع.

وأنزل الله فيه (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ) إلى آخر الآيتين السابقتين، وأنزل عز وجل في أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ - إلى قوله - لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

الإيضاح

(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ؟) أي لأي سبب تكفرون بتلك الآيات والله مطلع على أعمالكم، لا تخفى عليه خافية من أمركم وهو مجازيكم بها؟ وذلك مما يوجب عليكم ألا تجترئوا على الكفر بآياته. ولا يخفى ما في هذا من التوبيخ والإيماء إلى تعجيزهم عن إقامة العذر على كفرهم، كأنه قيل هاتوا عذركم إن كان ذلك في مكنتكم.

(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ؟) أي لأي سبب تصرفون من آمن بمحمد ﷺ واتبعه عن الإيمان الذي يرقى عقل المؤمن بما فيه من طلب النظر في الكون، ويرقى روحه بتزكيتها بالأخلاق الطيبة، والأعمال الصالحة، وتكذبون بذلك كفرا وعنادا، وكبرا وحسدا، وتلقون الشبهات الباطلة في قلوب الضعفاء من المسلمين بغيا وكيدا للنبي ﷺ، تبغون لأهل دين الله ولمن هو على سبيل الحق عوجا وضلالا، وزيغا عن الاستقامة على الهدى والمحجة، وأنتم عارفون بتقدم البشارة به، عالمون بصدق نبوته، ومن كان كذلك فلا يليق به الإصرار على الباطل والضلال والإضلال.

(وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) من هذا الصدّ وغيره من الأعمال، فمجازيكم عليه، وغير خاف ما في هذا من تهديد ووعيد، كما يقول الرجل لعبده وقد أنكر عليه اعوجاج أخلاقه: لا يخفى علي ما أنت عليه، وما أنا بغافل عن أمرك.

وإنما ختم هذه الآية بنفي الغفلة، لأن صدهم عن الإسلام كان بضرب من المكر والكيد ووجوه الحيل، وختم الآية السابقة بقوله والله شهيد لأن العمل الذي فيها وهو الكفر ظاهر مشهود.

وكرر الخطاب بيا أهل الكتاب، لأن المقصد التوبيخ على ألطف الوجوه، وهذا أقرب إلى التلطف في صرفهم عن طريق الضلال والإضلال، وأدل على النصح لهم، والإشفاق عليهم.

والآية الأولى لكفهم عن الضلال، والثانية لكفهم عن الإضلال.

[سورة آل عمران (3): الآيات 100 الى 103][عدل]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)

شرح المفردات

اعتصم بالشيء: تمسك به فمنع نفسه من الوقوع في الهلاك كما قال تعالى حكاية عن زليخا « وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ » والتقاة: التقوى كالتؤدة من اتأد، والحق: من حق الشيء بمعنى وجب وثبت، والأصل اتقاء حقا، وحبل الله: كتابه من اعتصم به كان مستمسكا بأقوى سبب، متحرزا من السقوط في قعر جهنم، وشفا الحفرة: طرفها، وبه يضرب المثل في القرب من الهلاك، فيقال أشفى على الهلاك، أي وصل إلى شفاه.

المعنى الجملي

بعد أن وبخ سبحانه أهل الكتاب على كفرهم وصدهم عن سبيل الله، وأقام الحجج عليهم وأزال شبهاتهم - خاطب المؤمنين محذّرا لهم من إغوائهم وإضلالهم: مبينا لهم أن مثل هؤلاء لا ينبغي أن يطاعوا، ولا أن يسمع لهم قول، فهم دعاة الفتنة وحمالو حطبها، ثم أمرهم بعد ذلك بتقواه والتمسك بحبله المتين، ثم بتذكر نعمته عليهم وفعل الإنسان إما عن رهبة وإما عن رغبة، والرهبة مقدمة على الرغبة، وقد أشار إلى الأولى بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ)، وإلى الثانية بقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).

الإيضاح

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ) أي إنكم أيها المؤمنون إذا أصغيتم إلى ما يلقيه إليكم هؤلاء اليهود مما يثير الفتنة، ولنتم لهم في القول، واستجبتم لما يدعونكم إليه - ردوكم إلى الكفر بعد الإيمان كما قال تعالى: « وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ » والكفر يوجب الهلاك في الدنيا والدين أما في الدنيا فبوقوع العداوة والبغضاء، وهيجان الفتنة المؤدى إلى سفك الدماء، وأما في الدين فلا حاجة إلى بيانه.

(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ؟) أي ومن أين يتطرق إليكم الكفر، والحال أن القرآن يتلى عليكم على لسان رسوله غضا طريّا، وبين أظهركم، رسول الله ﷺ ينبهكم ويعظكم، ويبين لكم ما أنزل إليكم، ولكم في سنته خير أسوة تغذّى إيمانكم، وتنير قلوبكم، فلا ينبغي لمثلكم أن تلتفتوا إلى قولهم، بل الواجب عليكم أن ترجعوا عند كل شبهة تسمعونها من هؤلاء اليهود إلى الرسول ﷺ حتى يكشف عنها، ويزيل ما علق بقلوبكم منها.

(وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي ومن يستمسك بدين الله وكتابه ورسوله، فقد حصل له الهدى إلى الصراط المستقيم لا محالة، كما تقول إذا جئت فلانا فقد أفلحت، إذ هو حينئذ لا تخفى عليه المهالك، ولا تروج لديه الشبهات.

قال قتادة: ذكر في الآية أمرين يمنعان من الوقوع في الكفر: أحدهما تلاوة كتاب الله، وثانيهما كون الرسول فيهم، أما الرسول ﷺ فقد مضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) أي يجب عليكم تقواه حقا، بأن تقوموا بالواجبات، وتجتنبوا المنهيات. ونحو الآية قوله: « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » أي بالغوا في تقواه جهد المستطاع. وعن ابن مسعود أنه قال: تقوى الله أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. وعن ابن عباس أنه قال: هي أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.

(وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي ولا تموتن إلا ونفوسكم مخلصة لله، لا تجعلون شركة لسواه أي لا تكوننّ على حال سوى الإسلام إذا أدرككم الموت.

والخلاصة - استمروا على الإسلام، وحافظوا على أداء الواجبات، وترك المنهيات حتى الموت.

وقد جاء هذا في مقابلة قوله: (يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ).

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) أي تمسكوا بكتاب الله وعهده الذي عهد به إليكم، وفيه أمركم بالألفة والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله، والانتهاء إلى أمره.

وقد جعل الدين في سلطانه على النفوس، وتصرفه فيها بحسب نواميسه وأصوله، وما يترتب على ذلك من جريان الأعمال بحسب هديه - كأنه حبل متين يأخذ به الآخذ فيأمن السقوط في الهاوية، كأنّ الآخذين به قوم على نشز أي مرتفع من الأرض يخشى عليهم السقوط منه، فيأخذون بحبل موثّق يجمعون به قوتهم، فينجون من السقوط.

وفي الحديث « القرآن حبل الله المتين، لا تنقضى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الردّ، من قال به صدق، ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم »

وجاء في معنى الآية قوله تعالى: « وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ » فحبل الله في هذه الآية هو صراطه المستقيم، كما أن أنواع التفرق هي السبل التي نهى عنها فيها.

ومن السبل المفرقة في الدين إحداث الشيع والمذاهب كما قال: « إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ » ومنها العصبية الجنسية كما بين الأوس والخزرج كما تقدم ذلك، وقد روى أبو داود عن مطعم بن جبير (ليس منّا من دعا إلى عصبية).

وقد سار على هذا النهج أهل أوربا في العصر الحديث فاعتصموا بالعصبية الجنسية كما كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية وسرى ذلك إلى بعض البلاد الإسلامية، فحاول أهلها أن يجعلوا في المسلمين جنسيات وطنية. فدعا الترك إلى العصبية التركية، والمصريون إلى الجنسية المصرية، والعراقيون إلى الجنسية العراقية، ظنا منهم أن ذلك مما ينهض بالوطن، وليس الأمر كما يظنون، فإن الوطن لا يرقى إلا باتحاد كل المقيمين فيه لإحيائه، لا في تفرقهم ووقوع الشحناء والبغضاء بينهم، فالدين يأمر باتحاد كل قوم تضمهم أرض واحدة، وإن اختلفت أديانهم وأجناسهم، ويأمر بالاعتصام بحبل الله المتين بين جميع الأقوام.

(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا) أيواذكروا أيها المؤمنون النعمة التي أنعم الله عليكم بها حين كنتم أعداء يقتل بعضكم بعضا، ويأكل قويكم ضعيفكم، فجاء الإسلام فألف بينكم وجمع جمعكم، وجعلكم إخوانا، حتى قاسم الأنصار المهاجرين أموالهم وديارهم، وكان بعضهم يؤثر غيره على نفسه وهو في خصاصة وحاجة إليه، وأطفأ الحروب التي تطاولت بين الأوس والخزرج مائة وعشرين سنة، وأنقذهم مما هو أدهى وأمر وهو عذاب الآخرة.

(وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها) أي وكنتم بوثنيتكم وشرككم بالله، كأنكم على طرف حفرة يوشك أن ينهار بكم في النار، فليس بين الشرك والهلاك في النار إلا الموت، والموت أقرب غائب ينتظر، فأنقذكم الإسلام منها.

وفي هذه الآيات جماع المنن التي أنعم بها عليهم، فقد أخرجهم بالإسلام من الشرك ومخازيه، وألف بين قلوبهم حتى صاروا سادة البشر، حين كانوا يعملون بكتابه وأنقذهم بذلك من النار، فسعدوا بالحسنيين.

فانظر إلى آيات الله، ودلائل قدرته، كيف حوّل قوما متخاذلين تملأ قلوبهم الإحن والعداوات، ويتربص كل منهما بالآخر ريب المنون - إلى جماعات متصافية القلوب، مليئة بالحب والإخلاص، وجهتهم جميعا واحدة، هي حكم الله ورفعة دينه، ونشره بين البشر.

(كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي كما بين لكم ربكم في هذه الآيات ما يضمره لكم اليهود من غشكم، وبين لكم ما أمركم به، وما نهاكم عنه، وبين لكم الحال التي كنتم عليها في الجاهلية، وما صرتم إليه في الإسلام، ليعرفكم في كل ذلك مواقع نعمه - كذلك يبين سائر حججه في تنزيله على لسان رسوله، ليعدّكم للاهتداء الدائم، حتى لا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان.

والاختلاف الذي يقع بين البشر ضربان:

(1) ضرب لا يسلم منه الناس، ولا يمكن الاحتراس منه، وهو الخلاف في الرأي والفهم، وهو مما فطر عليه البشر، وإلى ذلك الإشارة بقوله: « وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ » إذ أن العقول والأفهام ليست متساوية، فالأسرة الواحدة تختلف أفهام أفرادها في الشيء الواحد، كما يختلف حبهم له، وميلهم إليه. وهذا ضرب لا ضرر فيه.

(2) ضرب جدّت الشرائع في هدمه ومحوه، وهو تحكيم الرأي والهوى في أمور الدين وشئون الحياة.

وهاك مثلا يتضح لك به ما تقدم - قد اختلف الأئمة المجتهدون في فهم كثير من نصوص الدين من كتاب وسنة، وما كان في ذلك من حرج، فمالك نشأ في المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من صلاح وسلامة قلب، فقال: إن عمل أهلها أصل من أصول الدين، لأنهم لقرب عهدهم من النبي ﷺ لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة في العمل، وأبو حنيفة نشأ في العراق وأهلها أهل شقاق ونفاق، فلم يجعل عملهم ولا عمل غيرهم حجة، ولو اجتمع هذان الإمامان لعذر كل منهما صاحبه فيما رأى، لأنه بذل جهده في بيان وجه الحق مع الإخلاص لله وإرادة الخير والطاعة لأمره، ولكن جاءت بعد هؤلاء فرق من المسلمين قلدتهم فيما نقل عنهم، ولم تقلدهم في سيرتهم، وحكموا الرأي والهوى في الدين، وتفرقوا شيعا، كل فريق يتعصب لرأي فيما وقع من أوجه الخلاف، ويعادي المخالف له حتى حدث من ذلك ما نرى، وما ذاك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلب المتعصبين، فليس من المعقول أن أبا حنيفة أصاب في كل ما خالف فيه غيره من الأئمة، وأن الشافعي ومالكا أخطئا في جميع ما خالفا فيه أبا حنيفة. وإذا فكيف يمضي نحو أربعة عشر قرنا ولا يستبين لفقهاء مذهبه وجه الصواب في بعض المسائل الخلافية، فيرجحون بعض آراء المذاهب الأخرى على مذهبه في تلك المسائل، ويرجعون إلى الصواب فيها.

وهذا الضرب من الخلاف وهو تحكيم الرأي والهوى كان مصدر شقاء أمم كثيرة فهوت بعد رفعتها وذلت بعد عزتها، وضعفت بعد قوتها.

وقد حدث مثل هذا في الفرق الإسلامية في علم الكلام، فإن أبدى أحدهم رأيا في مسألة بادر مخالفه إلى الرد عليه، وتفنيد مذهبه وتضليله، ويقابله الآخر بمثل صنيعه، ولو حاول كل منهما محادثة الآخر، والاطلاع على أدلته، ووزنها بميزان الإنصاف والحق لما حدث مثل هذا الخلاف، بل افتنع كل واحد منهما بما رأى مخالفه.

والمسلم ما دام محافظا على نصوص دينه لا يخل بواحد منها، مع احترامه لرسوله المفسر لكتابه لا يخرج من جماعة المسلمين لمخالفته سواه. فإذا تحكم الرأي والهوى ولعن بعضهم بعضا، وكفر بعضهم بعضا، فقد باء بها من قالها كما ورد في الحديث.

وكذلك الحال في الاختلاف في المعاملة في المسائل السياسية والدينية، لا ينبغي أن يكون مفرقا بين جماعة المؤمنين، بل عليهم أن يرجعوا في النزاع إلى حكم الله وآراء أولى العلم منهم، وبذلك نتقى غائلة الخلاف، ونكون في وفاق، ونصير ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

[سورة آل عمران (3): الآيات 104 الى 109][عدل]

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (107) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ (108) ولِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)

تفسير المفردات

الأمة: الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم، ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص، والخير: ما فيه صلاح الناس في الدين والدنيا، والمعروف: ما استحسنه الشرع والعقل، والمنكر ضده، وابيضاض الوجوه: عبارة عن المسرة، واسودادها: عبارة عن المساءة، وعلى هذا جاء قوله: « وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ». بالحق: أي بالأمر الذي له ثبوت وتحقق ولا مجال فيه للشبهات، والظلم لغة وعرفا: وضع الشيء في غير موضعه، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه.

المعنى الجملي

بعد أن أمر الله سبحانه المؤمنين فيما سلف بتكميل أنفسهم وتزكيتها مما يشوبها من الأدناس والأرجاس، بالعمل بتقوى الله، والمحافظة على إخلاص الوجه له حتى الممات، والاعتصام بحبله المتين باتباع كتابه، والجري على سنة رسوله، إذا اختلفت الأهواء، وتضاربت الآراء، أمرهم هنا بتكميل غيرهم من أفراد الأمة، وحثهم على اتباع أوامر الشريعة، وترك نواهيها، تثبيتا لهم جميعا على مراعاة ما فيها من الأحكام، والمحافظة على ما فيها من الشرائع والنواميس، وأن يكون في نفوس أفرادها من حب الخير والحدب على ما فيه المصلحة لمجموعها، ما يكون لحب الفرد لمصلحته، وبذا تكون بينهم رابطة تجمعهم في طلاب الخير لهم جميعا، حتى تكون الأمة كأنها جسد واحد كما ورد في الحديث « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر » رواه مسلم. وروى البخاري وغيره حديث « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ».

والحفاظ لوحدة الأمة، ومناط بقاء جامعتها - أمر بعض أفرادها بعضا بالاستمساك بالخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الإيضاح

(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي ولتكن منكم طائفة متميزة تقوم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والمخاطب بهذا هم المؤمنون كافة فهم مكلفون بأن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة، وذلك بأن يكون لكل فرد منهم إرادة وعمل في إيجادها، ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة، حتى إذا رأوا منها خطأ أو انحرافا أرجعوها إلى الصواب.

وقد كان المسلمون في الصدر الأول على هذا النهج من المراقبة للقائمين بالأعمال العامة، فقد خطب عمر على المنبر، وكان مما قال: إذا رأيتم في اعوجاجا فقوّموه، فقام أحد رعاة الإبل وقال: لو رأينا فيك اعوجاجا لقوّمناه بسيوفنا. وكان الخاصة من الصحابة متكاتفين في أداء هذا الواجب، يشعر كل منهم بما يشعر الآخر من الحاجة إلى نشر لواء الإسلام وحفظه، ومقاومة كل من يمس شيئا من عقائده وآدابه، وأحكامه ومصالح أهله، وكان سائر المسلمين تبعا لهم.

ويجب فيمن يقوم بهذه الدعوة شروط، ليؤدى وظيفته خير الأداء، ويكون مثلا صالحا يحتذى به في علمه وعمله:

(1) أن يكون عالما بالقرآن والسنة وسيرة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.

(2) أن يكون عالما بحال من توجه إليهم الدعوة في شئونهم واستعدادهم وطباعهم وأخلاقهم، أي معرفة أحوالهم الاجتماعية.

(3) أن يكون عالما بلغة الأمة التي يراد دعوتها، وقد أمر النبي ﷺ بعض الصحابة بتعلم العبرية لحاجته إلى محاورة اليهود الذين كانوا يجاورونه، ومعرفة حقيقة حالهم.

(4) معرفة الملل والنحل ومذاهب الأمم، وبذلك يتيسر له معرفة ما فيها من باطل، فإن الإنسان إن لم يتبين له بطلان ما هو عليه، لا يلتفت إلى الحق الذي عليه غيره وإن دعاه إليه.

وعلى الجملة فلا يقوم بهذه الدعوة إلا خواص الأمة العارفون بأسرار الأحكام، وحكمة التشريع وفقهه، وهم الذين أشار إليهم الكتاب الكريم بقوله: « فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ».

وهؤلاء يقومون بتطبيق أحكام الله تعالى على مصالح العباد في كل زمان ومكان على مقدار علمهم في المساجد والمعابد والمنتديات العامة، وفى المحافل عند سنوح الفرصة.

فإذا هم فعلوا ذلك كثر في الأمة الخير، وندر فيها وقوع الشر، وائتلفت قلوب أهليها، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، وسعدوا في دنياهم وآخرتهم.

وأمة هذه حالها تسود غيرها من الأمم باجتماع كلمتها، واتفاق أهوائها، إذ لا مطمح لها إلا رفعة شأن دينها، وعزة أبنائها، وسيادتها العالم كله.

ولن يتم ذلك إلا إذا أعد أهلها للأمر عدّته، وكمّلوا أنفسهم بالمعارف والعلوم التي تحتاج إليها الأمم التي تبغى السعادة والرقي، وتختلقوا بفاضل الأخلاق، وحميد الصفات، حتى يكونوا مثلا عليا تحتذى، ويشار إليهم بالبنان وإن ما أودع في ديننا من هذا، وما خلّفه لنا السلف الصالح من الكنوز والثروة العلمية، فيه غنية لمن يريد الخير والفلاح.

وقد روي « أن رسول الله ﷺ سئل عن خير الناس؟ فقال: آمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأوصلهم للرحم ». وعنه أنه قال: « والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده، ثم لتدعنّه فلا يستجاب لكم ». وعن علي كرم الله وجهه: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومن غضب لله غضب الله له.

وبعد أن أمر سبحانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بيّن ما يجب أن تكون عليه الأمة الداعية، الآمرة الناهية، من وحدة المقصد، واتحاد الغرض، لأن الذين سبقوهم من الأمم لم يفلحوا لاختلاف نزعاتهم، وتفرق أهوائهم، لأن كلا منهم يذهب إلى تأييد رأيه، وإرضاء هواه.

أما المتفقون في القصد، فاختلافهم في الرأي لا يضيرهم، بل ينفعهم إذ هو أمر طبيعي لا بد منه لتمحيصه، وتبين وجوه الصواب فيه، ومن ثم قال تعالى:

(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) أي ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين تفرقوا في الدين وكانوا شيعا، تذهب كل شيعة منها مذهبا يخالف مذهب الآخر، وتنصر مذهبها وتدعو إليه، وتخطّىء ما سواه، ولذا تعادوا واقتتلوا.

ولو كان فيهم أمة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعتصم بحبل الله وتتجه إلى غاية واحدة لما تفرقوا ولا اختلفوا فيه، ولما تعددت مذاهبهم في أصوله وفروعه، وما قاتل بعضهم بعضا - فلا تكونوا مثلهم فيحل بكم ما حل بهم.

وبعدئذ ذكر عاقبة المختلفين وعظيم نكالهم فقال:

(وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) وهذا العذاب يشمل خسران الدنيا، وخسران الآخرة، أما في الدنيا فلأن بأسهم يكون بينهم شديدا، فيشقى بعضهم ببعض، ويبتلون بالأمم التي تطمع في الضعفاء، وتذيقهم الخزي والنكال، وأما في الآخرة فعذاب الله أشد وأبقى.

وهذا الوعيد في الآية يقابل الوعد في الآية قبلها وهو قوله (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فالفلاح فيها يشمل الفوز بخيري الدنيا والآخرة.

ثم ذكر زمان ذلك العذاب فقال:

(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) أي واذكروا يوم تبيض وجوه وتسر لما تعلم من حسن العاقبة، وتسودّ وجوه لما ترى من سوء العاقبة، وما يحل بها من النكال والوبال.

ونحو الآية قوله: « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ » وقوله: « وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا » وقوله: « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » وفى الحديث « إن أمتي يحشرون غرّا محجلين من آثار الوضوء ».

واستعمال البياض في السرور، والسواد في الحزن عرف شائع لدى كل ناطق بالضاد، ولا سيما وصف الكاذب بسواد الوجه كما قال شاعرهم: فتعجبوا لسواد وجه الكاذب

والخلاصة - إن هؤلاء المختلفين المتفرقين لهم عذاب عظيم في هذا اليوم كما تظاهرت على ذلك الآيات والأحاديث، كما يكون لهم مثل ذلك في الدنيا، إذ هم لاختلاف مقاصدهم لا يتناصرون ولا يتعاونون، ولا يأبهون بالأعمال التي فيها شرف الملة، وعز الأمة، فتسودّ وجوههم بالذل والكآبة حين يجنون ثمار أعمالهم، وعواقب تفرقهم واختلافهم، بقهر الغاصب لهم، وانتزاعه السلطة من أيديهم، والتاريخ والمشاهدة شاهدا صدق على هذا.

أما المتفقون الذين اعتصموا واتفقوا على الأعمال النافعة لخير الأمة وعزها، وأصبح كل واحد منهم عونا للآخر، وناصرا له، فأولئك تبيض وجوههم وتتلألأ بهجة وسرورا حين تظهر لهم آثار اتفاقهم واعتصامهم، بوجود السلطان والعزة والشرف، وارتفاع المكانة بين الأمم.

ثم فصل سبحانه أحوال الفريقين فقال:

(فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ، أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ؟) أي فأما الذين تفرقوا واختلفوا فاسودت وجوههم فيقال لهم هذا القول في الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا فلا بد أن يوجد في الناس من يقول للأمة التي وقع فيها هذا الاختلاف - مثل هذا القول تغليظا لها لأن عملها لا يصدر إلا من الكافرين، وأما في الآخرة فيوبخهم الله تعالى بمثل هذا السؤال.

وقد جرى عرف القرآن أن يعدّ المتفرقين في الدين من الكفار والمشركين كما جاء في قوله: « وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ » وقوله: « إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ».

كذلك يعد الخروج عن مقاصد الدين الحقيقية من الكفر، لأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، وهو ذو شعب كثيرة من أجلّها تحرى العدل، واجتناب الظلم، فمن استرسل في الظلم كان كافرا كما قال تعالى: « وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ».

وكذلك من ترك الاتحاد والوفاق والاعتصام بحبل الدين كان من الكافرين بعد الإيمان.

(وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) أي وأما الذين ابيضت وجوههم باتحاد الكلمة، وعدم التفرق فيكونون في الدنيا خالدين في النعمة ماداموا على تلك الحال، وخلودهم في الرحمة في الآخرة أظهر.

(تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ) أي هذه الآيات نتلوها عليك مقررة ما هو الحق الذي لا مجال للشبهة فيه، فلا عذر لمن ذهب في الدين مذاهب شتى، واتبع سنن السابقين، وجعل القرآن عضين.

فعلينا أن نستمسك بما به أمر ووعد عليه بالفوز والنجاح، ونترك ما عنه نهى وأوعد عليه بالعذاب الأليم، حتى نكون أمة متفقة المقاصد، متحدة في الدين فنجمع بين سعادتى الدنيا والآخرة.

(وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ) أي إن كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه فإنما يريد به هدايتهم إلى ما يكمل فطرتهم، ويتم به نظام جماعتهم، فإذا هم فسقوا عن أمره حل بهم البلاء وكانوا هم الظالمين لأنفسهم، بتفرقهم واختلافهم، إلى نحو ذلك من الذنوب التي تفسد نظم المجتمع وتجعل أهله في شقاء.

ولا يحل عذاب بأمة إلا بذنب فشا فيها فزحزحها عن الصراط المستقيم كما قال: « وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ».

ثم ذكر ما هو كالبرهان لنفى الظلم عنه تعالى فقال:

(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي إنه تعالى مالك العباد والمتصرف في شئونهم بحسب سننه الحكيمة التي لا تغيير فيها ولا تبديل كما قال: « سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا » وليس من أسباب ملكه شيء ناقص يحتاج إلى تمام فيتممه بظلم غيره، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

ولأن الظلم ينافي الحكمة والكمال في النظام وفى التشريع. ومن حمل عبيده أو دوابه ما لا تطيق يقال إنه ظلمها، ومن نقص امرأ حقه فقد ظلمه، قال تعالى: « كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ».

وعلى الجملة - فالظلم الذي ينفيه تعالى عن نفسه هو ما ينافى مصلحة العباد وهدايتهم لسعادة الدنيا والآخرة، وبعبارة أخرى هو ما يخالف النظام والإحكام.

[سورة آل عمران (3): الآيات 110 الى 112][عدل]

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112)

تفسير المفردات

كنتم: أي وجدتم وخلقتم، أخرجت: أي أظهرت حتى تميزت وعرفت، والأذى: الضر اليسير، يولوكم الأدبار: أي ينهرموا، والذلة هي الذل الذي يحدث في النفوس من فقد السلطة، وضربها عليهم هو إلصاقها بهم وظهور أثرها فيهم، كما يكون من ضرب السكة بما ينقش فيها، وثقفوا وجدوا، والحبل: العهد، وباءوا: أي لبثوا وحلوا فيه، من المباءة وهو المكان، ومنه تبوأ فلان منزل كذا، وبوأته إياه، والاعتداء: تجاوز الحد.

المعنى الجملي

بعد أن أمر عز اسمه عباده المؤمنين بالاعتصام بحبله، وذكرهم بنعمته عليهم، بتأليف قلوبهم بأخوّة الإسلام، وحذّرهم من أن يكونوا مثل أهل الكتاب في التمرد والعصيان، وتوعد على ذلك بالعذاب الأليم، واستطرد بين ذلك بذكر من يبيض وجهه ومن يسودّ، وبذكر شيء من أحوال الآخرة، أردف ذلك ذكر فضل المتآخين في دينه، المعتصمين بحبله، ليكون هذا باعثا لهم على الانقياد والطاعة، إذ كونهم خير الأمم مما يقوّى داغيتهم في ألا يفوّتوا على أنفسهم هذه المزية، وإنما يكون ذلك بالمحافظة على اتباع الأوامر وترك النواهي

الإيضاح

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) أي أنتم خير أمة في الوجود الآن، لأنكم تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون إيمانا صادقا يظهر أثره في نفوسكم، فيزعكم عن الشر، ويصرفكم إلى الخير، وغيركم من الأمم قد غلب عليهم الشر والفساد، فلا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، ولا يؤمنون إيمانا صحيحا.

وهذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أوّلا، وهم النبي ﷺ وأصحابه الذين كانوا معه وقت التنزيل، فهم الذين كانوا أعداء، فألف بين قلوبهم، واعتصموا بحبل الله جميعا، وكانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يخاف ضعيفهم قويّهم، ولا يهاب صغيرهم كبيرهم، وملك الإيمان قلوبهم ومشاعرهم، فكانوا مسخرين لأغراضه في جميع أحوالهم.

وهذا الإيمان هو الذي قال الله في أهله « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ » وقال فيهم أيضا « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ».

وما فتئت هذه الأمة خير الأمم حتى تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما تركتهما إلا باستبداد الملوك والأمراء من بنى أمية ومن حذا حذوهم.

وأول من اجترأ منهم على إعلان هذه المعصية عبد الملك بن مروان حين قال على المنبر: من قال لي اتق الله ضربت عنقه وما زال الشر يزداد، والأمر يتفاقم حتى سلبت هذه الأمة أفضل مالها من مزية في دينها ودنياها بعد الإيمان، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومما سلف تعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب الفضيلة، كما تقول: محمد كريم، يطعم الناس ويكسوهم، ويعني بشئونهم.

وهذه الصفات وإن شاركتها فيها سائر الأمم، فهي لم تكن فيها على الوجه الذي لهذه الأمة، فالأمر بالمعروف كان فيها على آكد وجوهه، وهو القتال إذا دعت إليه الحاجة، وقد يحصل بالقلب واللسان، ولكن أقواه ما كان بالقتال لأنه إلقاء للنفس في خطر الهلاك.

وأعظم المعروفات الدين الحق، والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، ومن كان فرض الجهاد في الدين يحمّل الإنسان أعظم المضار لإيصال غيره إلى أعظم المنافع، وتخليصه من أعظم الشرور، لهذا كان عبادة من العبادات، بل كان أجلّها وأعظمها، وهو في ديننا أقوى منه في سائر الأديان.

لا جرم كان ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا ما عناه ابن عباس بقوله في تفسير هذه الآية أي تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله أعظم المعروف، والتكذيب أنكر المنكرات.

والخلاصة - إن هذه الخيرية لا تثبت لهذه الأمة إلا إذا حافظت على هذه الأصول الثلاثة، فإذا تركتها لم تكن لها هذه المزية، ومن ثم أكد الأمر بهذه الفريضة في آيات هذه السورة بما لم يعرف له نظير في الكتب السابقة.

وقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر، مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، لأنهما سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمهما في الذكر موافقا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدما عليه.

(وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ) أي ولو آمنوا إيمانا صحيحا يستولى على النفوس، ويملك أزمة القلوب، فيكون مصدر الفضائل والأخلاق الحسنة، كما تؤمنون - لكان ذلك خيرا لهم مما يدّعونه من إيمان لا يزع النفوس عن الشرور، ولا يبعدها عن الرذائل، إذ هو لم يؤت ثمرات الإيمان الصحيح الذي يحبه الله ورسوله، ولا كان أثرا من آثاره الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر.

وبهذا تعلم أن الإيمان المنفي عنهم إيمان خاص له تلك الآثار التي تقدمت، لا الإيمان الذي يدعيه كل من له دين وكتاب، كما أنه إنما نفاه عن أكثر أفراد الأمة، وأنهم هم الذين فسقوا وخرجوا عن حقيقة الدين، ولم يبق عندهم إلا بعض الرسوم والتقاليد الظاهرة - لا عن جميعها، إذ لا تخلو أمة ذات دين سماوي من هذا الإيمان، ومن ثمّ قال:

(مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ) أي منهم المؤمنون المخلصون في عقائدهم وأعمالهم كعبد الله بن سلام ورهطه من اليهود، والنجاشي ورهطه من النصارى، وأكثرهم فاسقون عن دينهم متمردون في الكفر.

وما من دين إلا يوجد فيه الغالون والمعتدلون والمفرّطون المائلون إلى الفسوق والعصيان.

ويكثر الاستمساك بالدين في أوائل ظهوره، كما يكثر الفسق بعد طول الأمد عليه، كما قال تعالى: « أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ».

ولم يحكم الدين على أمة حكما عاما بالفسق والضلال، بل تارة يعبر بالكثير، وأخرى بالأكثر كقوله في بني إسرائيل « فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » وقوله في النصارى واليهود « مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ».

وعلى الجملة فالقرآن إذا عرض لوصف الأمم وبيان عقائدها وأخلاقها، وزن ذلك بميزان دقيق يتحرى فيه ذكر الحقيقة مجردة عن كل مغالاة أو مبالغة بما لم يعهد مثله في كتاب آخر.

فلو تصفحنا الأحكام التي حكم بها على أهل الكتاب، وعرضناها على علمائهم وفلا سفتهم ومؤرخيهم لقالوا: إنها الحق الصّراح.

(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً) أي إن هؤلاء الفاسقين لا يقدرون على إيقاع الضرر بكم بل غاية جهدهم أن يؤذوكم بالهجو القبيح، والطعن في الدين، وإلقاء الشبهات وتحريف النصوص، والخوض في النبي ﷺ.

(وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ) أي وإن يقابلوكم في ميدان القتال ينهزموا من غير أن يظفروا منكم بشىء، والمنهزم من شأنه أن يحوّل ظهره إلى جهة مقاتله ويستدبره في هربه منه، فيكون قفاه إلى وجه من انهزم منه.

(ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) أي ثم إنهم لا ينصرون عليكم أبدا ماداموا على فسقهم، ودمتم على خيريتكم، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.

وفي الآية ثلاث بشارات من أخبار الغيب تحققت كلها، وقد صدق الله وعده.

ومما سبق تعلم أن هذا الحكم إنما يثبت لهم إذا حافظوا على نصر الله بنصر دينه كما قال: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ » وكما قال في وصف المؤمنين المجاهدين « الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ».

(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) أي إنهم ألزموا الذلة فلا خلاص لهم منها، فحالهم معكم أنهم أذلاء مهضومو الحقوق رغم أنوفهم، إلا بعهد من الله وهو ما قررته الشريعة إذا دخلوا في حكمها من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم الإيذاء، وعهد من الناس، وهو ما تقتضيه المشاركة في المعيشة، من احتياجهم إليكم واحتياجكم إليهم في بعض الأمور، وقد كان النبي ﷺ يحسن معاملتهم ويقترض منهم، وكذلك الخلفاء الراشدون.

والخلاصة - إن هؤلاء لا عزة لهم في أنفسهم، لأن السلطان والملك قد فقدا منهم. وإنما تأتيهم العزة من غيرهم بهذين العهدين: العهد الذي قرره الله، والعهد الذي تواطأ عليه الناس.

(وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي وصاروا مستحقين غضب الله مستوجبين سخطه، وأحاطت بهم المسكنة والصّغار، فهم تابعون لغيرهم يؤدون ما يضرب عليهم من المال وادعين ساكنين.

وهذا الوصف صادق على اليهود إلى اليوم في كل بقاع الأرض.

وقد ارتفع الذل عنهم في بلاد الإسلام بحبل من الله، وهو ما ذكرناه فيما سلف من وجوب معاملتهم بالمساواة واحترام دمائهم وأعراضهم وأموالهم والتزام حمايتهم والذّود عنهم بعد إنقاذهم من ظلم حكامهم السابقين، وبحبل من الناس كما تقدم بيانه.

وأما ارتفاع المسكنة بأن يكون لهم ملك وسلطان يوما ما، فالقرآن ينفيه عنهم، لأنه لم يستثن من ذلك شيئا، كما استثنى في الذلة، فاقتضى بقاء ذلك عليهم إلى الأبد لكنهم يقولون إنهم مبشرون بظهور مسيح (مسيا) فيهم ومعناه ذو الملك والشريعة، والنصارى يقولون: إن هذا الموعود به هو المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، والمراد بالملك الملك الروحاني.

والخلاصة: إنهم متفرقون في أقطار الأرض على قلتم، منصرفون عن فنون الحرب وأعمالها، بعيدون عن الزراعة ومتعلقاتها، لعنايتهم بجمع المال من أيسر سبله، وأكثرها نماء، وأقلها تعبا وعناء، وهو الربا.

وقد ذكر الله سبب ذلك وعلته فقال:

(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي ذلك الذي ذكر من ضرب الذلة والمسكنة عليهم، واستحقاقهم للغضب الإلهي بسبب كفرهم، وقتلهم النبيين بغير حق تعطيهم إياه شريعتهم.

وفي النص على أن ذلك بغير حق مع أنه لن يكون إلا كذلك تشنيع عليهم، وإثبات لأن ذلك حدث عن عمد لا عن خطا، ثم أشار إلى سبب هذا الكفر والعدوان الشنيع فقال:

(ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) أي إنه ما جرأهم على ذلك إلا سبق المعاصي، واعتداؤهم على حدود الله، والاستمرار على الصغائر يفضى إلى الوقوع في الكبائر.

فمن جعلها ديدنا له واتخذها عادة وصل به ذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء المرشدين وقتل الأنبياء، وإن كان لم يصدر من اليهود الذين كانوا في عصر التنزيل، بل كان من أسلافهم، لكنهم لما كانوا راضين به مصوّبين له نسب إليهم، إذ صار خلقا لهم يتوارثه الخلف عن السلف، والأبناء عن الآباء.

والأمم متكافلة ينسب إلى مجموعها ما فشا فيها، وإن ظهر بعض آثاره في زمن دون آخر.

[سورة آل عمران (3): الآيات 113 الى 115][عدل]

لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)

تفسير المفردات

يقال فلان وفلان سواء: أي متساويان، ويستعمل للواحد والمثنى والجمع فيقال هما سواء، وهم سواء، وقائمة: أي مستقيمة عادلة، من قولك أقمت العود فقام: أي استقام، والتلاوة القراءة وأصلها الإتباع، فكأنها إتباع اللفظ اللفظ، وآيات الله: هي القرآن والآناء: الساعات، واحدها إني كعصا أو إني كظبى أو إنو كجرو، ويسجدون: أي يصلون، والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه، فلن يكفروه: أي يمنعوا ثوابه.

المعنى الجملي

بعد أن وصف سبحانه أهل الكتاب فيما تقدم بذميم الصفات، وقبيح الأعمال وذكر الجزاء الذي استحقوه بسوء عملهم، أعقبه ببيان أنهم ليسوا جميعا على تلك الشاكلة، بل فيهم من هو متصف بحميد الخلال وجميل الصفات.

الإيضاح

(لَيْسُوا سَواءً) أي ليس أهل الكتاب متساوين في تلك الصفات القبيحة، بل منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون، وهذه الجملة كالتأ كيد لتلك.

وبعد أن وصف الفاسقين وذكر سوء أعمالهم - وصف المؤمنين ومدحهم بثمانية أوصاف كل منها منقبة ومفخرة يستحق فاعلها الثواب عليها:

1 - (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ) أي منهم جماعة مستقيمة على الحق، متبعة للعدل، لا تظلم أحدا، ولا تخالف أمر الدين، وكان من تمام الكلام أن يقال ومنهم أمة مذمومة، إلا أن العرب قد تذكر أحد الضدين وتستغنى به عن ذكر الآخر كما قال الشاعر:

دعاني إليها القلب إني لأمرها مطيع فما أدري أرشد طلابها

يريد أم غي.

وهذه الجملة مبينة لعدم التساوي مزيلة لإبهامه. والمراد بهذه الأمة جماعة من اليهود أسلموا كعبد الله بن سلام وثعلبة بن سعيد وأسيد بن عبيد وأضرابهم كما رواه ابن جرير عن ابن عباس، وقال في تفسير الآية:

الأمة القائمة أمة مهتدية قائمة على أمر الله لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه. وروي عن قتادة أنه كان يقول في الآية: ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية.

وهذه الآية حجة على أن دين الله واحد على ألسنة جميع الأنبياء، وأن من أخذه مذعنا، وعمل به مخلصا، وأمر بمعروف ونهى عن منكر فهو من الصالحين.

كما أن فيها استمالة لأهل الكتاب، وتقديرا للعدل الإلهي، وقطعا لاحتجاج من يعرفون الإيمان والإخلاص، إذ لو لا هذا النص لكان لهم أن يقولوا: لو كان هذا القرآن من عند الله لما ساوانا بغيرنا من الفاسقين.

واستقامة بعضهم على الحق من دينهم لا ينافى ضياع بعض كتبهم، وتحريف بعضهم لما في أيديهم منها، ألا ترى أن من يحفظ بعض الأحاديث ويعمل بما علم، ويستمسك به مخلصا فيه - يقال إنه قائم بالسنة عامل بالحديث.

2، 3 - (يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) أي يتلون القرآن بالليل وهم يصلون متهجدين، وخص السجود بالذكر من بين أركان الصلاة لدلالته على كمال الخضوع والخشوع.

4، 5 - (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي يؤمنون إيمان إذعان بهما على الوجه المقبول عند الله، ومن ثمرات ذلك الخشية والخضوع والاستعداد لذلك اليوم، لا إيمانا لا حظّ لصاحبه منه إلا الغرور والدعوى، كما هو حال سائر اليهود، إذ يؤمنون بالله واليوم الآخر، لكنه إيمان هو والعدم سنواء، لأنهم يقولون عزيز ابن الله، ويكفرون ببعض الرسل، ويصفون اليوم الآخر بخلاف صفته.

ولما كان كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، والخير للعمل به، وكان أفضل الأعمال الصلاة، وأفضل الأذكار ذكر الله، وأفضل العلوم معرفة المبدإ والمعاد - وصفهم الله بقوله: (يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ) للدلالة على أنهم يعملون صالح الأعمال، وبقوله:

(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) للإشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم.

6 - (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي إنهم بعد أن كملوا أنفسهم علما وعملا كما تقدم، يسعون في تكميل غيرهم إما بإرشادهم إلى ما ينبغي بأمرهم بالمعروف، أو بمنعهم عما لا ينبغي بالنهي عن المنكر.

وفي هذا تعريض باليهود المداهنين الصادّين عن سبيل الله.

7 - (وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) أي ويعملون صالح الأعمال راغبين فيها غير متثاقلين علما منهم بجلالة موقعها، وحسن عاقبتها، وإنما يتباطأ الذين في قلوبهم مرض، كما وصف الله المنافقين بقوله: « وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ ».

وهذه الصفة جماع الفضائل الدينية والخلقية، وفى ذكرها تعريض باليهود الذين يتثاقلون عن ذلك.

وعبر بالسرعة ولم يعبر بالعجلة، لأن الأولى التقدم فيما ينبغي تقديمه وهي محمودة، وضدها الإبطاء، والثانية التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه، ومن ثم قال عليه السلام « العجلة من الشيطان، والتأنّى من الرحمن » وضدها: الأناة، وهي محمودة.

8 - (وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) أي وهؤلاء الذين اتصفوا بجليل الصفات من الذين صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم، فرضيهم ربهم، وفى هذا رد على اليهود الذين قالوا فيمن أسلم منهم: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره.

والوصف بالصلاح هو غاية المدح، ونهاية الشرف والفضل، فقد مدح الله به أكابر الأنبياء كإسماعيل وإدريس وذي الكفل فقال: « وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ » وقال حكاية عن سليمان: « وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ».

ولأنه ضد الفساد، وهو ما لا ينبغي في العقائد والأفعال، فهو حصول ما ينبغي في كل منهما، وذلك منتهى الكمال، ورفعة القدر، وعلوّ الشأن.

(وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) أي وما يفعلوا من الطاعات فلن يحرموا ثوابه ولن يستر عنهم كأنه غير موجود.

ولما سمى الله إثابته للمحسنين شكرا في قوله: « فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا » وسمى نفسه شاكرا في قوله: « فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ » حسن أن يعبر عن عدم الإثابة بالكفر.

وهذه الجملة جاءت ردا على اليهود الذين قالوا لمن أسلم منهم: أنتم خسرتم بسبب هذا الإيمان، وإشارة إلى أنهم فازوا بالسعادة العظمى، والدرجات العليا.

وفيها تعظيم لهم ليزيل من صدورهم أثر كلام أولئك الأوغاد.

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) فهو يجزى العاملين بحسب ما يعلم من أحوالهم، وما تنطوى عليه سرائرهم.

فمن كان إيمانه صحيحا واتقى الله فاز بالسعادة.

وهذا كالدليل على ما قبله، لأن عدم الإثابة إما للسهو والنسيان، وإما للجهل، وذلك ممتنع في حقه، لأنه عليم بكل شيء، وإما للعجز أو البخل أو الحاجة، وكل ذلك محال عليه، لأنه خالق جميع الكائنات، وهو القادر على كل شيء.

ولما انتفى كل هذا كان المنع من الجزاء محالا.

[سورة آل عمران (3): الآيات 116 الى 117][عدل]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)

تفسير المفردات

لن تغني: أي لن تجزىء وتنفع، ومثل الشيء: مثله وشبهه، والصرّ (بالكسر) والصرة: البرد الشديد.

المعنى الجملي

بعد أن بين سبحانه فيما سلف أحوال الكافرين، وما يحيق بهم من العقاب، وأحوال المؤمنين وما أعد لهم من الثواب، جامعا بين الزجر والترغيب، والوعد والوعيد، ثم وصف من آمن من الكفار بتلك الخلال الحسنة، والمفاخر التي عددها لهم - أتبع ذلك بوعيد الكفار وتيئيسهم بأنهم لن يجدوا يوم القيامة ما يدفع عنهم عذابه، ثم أردفه ببيان أن ما ينفقونه في هذه الحياة الدنيا، في لذاتهم وجاههم وتأييد كلمتهم لا يفيدهم شيئا، كزرع أصابته ريح فيها صرّ فأهلكته، فلم يستفد أصحابه منه شيئا.

الإيضاح

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي إن الذين كفروا من أهل الكتاب ومشركي مكة وغيرهم ممن كانوا يعيرون النبي ﷺ وأتباعه بالفقر، ويقولون: لو كان محمد على الحق ما تركه ربه في هذا الفقر الشديد، ويتفاخرون بكثرة الأموال والأولاد كما حكى الله عنهم: « نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ » لن تنفعهم هذه الأموال والأولاد يوم القيامة، وافتصر على ذكرهما، لأنهما من أعظم النعم، ومن كان يرتع في بحبوحة هذه النعم، فقلّما يوجه نظره إلى طلب الحق، أو يصغى إلى الداعي إليه، ومن ثم تراه يتخبط في ظلام دامس حتى يتردى في الهاوية، ويقع في المهالك، ولا ينفعه مال ولا ولد « يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ »، يوم يوضع الميزان، ويحاسب كل امرئ على النقير والقطمير.

ونحو الآية قوله: « وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا » وقوله: « فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ » وقوله: « وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى ».

(وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) أي أولئك الملازمون للنار لا ينفكون عنها، لأن ظلمة أرواحهم، وفساد عقائدهم، وسوء أعمالهم، اقتضت خلودهم في تلك الهاوية المظلمة المستعرة التي وقودها الناس والحجارة، قد أعدت لكل من جحد بآيات ربه، وأعرض عن دعوة أنبيائه ورسله، ولم يصغ إلا لداعى الهوى والشهوات.

وبعد أن أبان أن أموالهم لا تغنى عنهم شيئا، ذكر أن ما ينفقونه من المال في سبل الخير لا يجديهم ليزيل ما ربما علق بالبال من أنهم ينتفعون به، وضرب لذلك مثلا فقال:

(مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) أيإن ما ينفقونه في اللذات، ونشر الصيت، واكتساب الشهرة، وتأييد الكلمة، فيصدهم عن سبيل الله، ويفسد عقولهم وأخلاقهم التي هي عماد المنافع، كمثل ريح باردة أصابت حرث قوم فأهلكته.

وخلاصة ذلك - أن حالهم فيما ينفقون وإن كان في الخير كحال الريح الشديدة البرد التي تهلك الزرع، فهؤلاء لا يستفيدون من نفقتهم شيئا، كما أن أصحاب ذلك الزرع كذلك.

فهم إذا أنفقوا أموالهم في بناء الحصون والقلاع لصد العدو، وإقامة القناطر لحفظ المياه وأمن الطريق، وفى الإحسان إلى الضعفاء واليتامى وذوي الحاجات، ورجوا من ذلك الثواب الجزيل، ثم قدموا إلى الآخرة ورأوا كفرهم قد أبطل آثار ذلك الخير، كانوا كمن زرع زرعا وتوقع منه نفعا كثيرا، فأصابته ريح فأحرقته، فلا يبقى له إلا الحسرة والندامة، ونحو الآية قوله: « وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا » وقوله: « وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ».

وجماع هذا كله قوله: « إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ».

ومما سلف تعلم أن هذا المثل ضرب لخيبتهم في الآخرة، وليس بالبعيد أن يكون أيضا مثلا لخيبتهم في الدنيا.

ذاك أنهم أنفقوا الأموال الكثيرة في جمع العساكر، وتحملوا المشاق، ثم انقلب الأمر عليهم، فأظهر الله الإسلام وقواه، فلم يبق للكفار من ذلك الإنفاق إلا الخيبة والحسرة.

وقد جعل الله هذا الحرث لقوم ظلموا أنفسهم، لإفادة أن المنفقين لا يستفيدون منه شيئا، إذ حرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب بلا منفعة في الدنيا ولا في الآخرة.

أما حرث المسلم المؤمن فهو وإن ذهب حسا فهو لا يذهب معنى، لما فيه من الثواب بالصبر على ما يصيبه من النكبات والأحزان.

والخلاصة - إن الجوائح قد تنزل بأموال الناس من حرث ونسل عقوبة لهم على ذنوب اقترفوها، إذ لا يستنكر على القادر الحكيم الذي وضع السنن وربط الأسباب بمسبباتها في عالم الحس، أن يوفق بينها وبين سننه الخفية في إقامة ميزان القسط بين الناس، لهدايتهم إلى ما به كمالهم من طريق العلوم الحسية التي تستفاد من النظر والتجربة، ومن طريق الإيمان بالغيب الذي يرشد إليه الوحي الإلهي.

ونحن نسمى ما يترتب عليه حدوث الشيء سببا له، وما يلابس السبب من النفع لبعض والضر لآخرين حكمة له، وكل ذلك مقصود للفاعل الحكيم.

(وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أيوما ظلمهم الله بعدم انتفاعهم بنفقاتهم بل هم الذين ظلموا أنفسهم بإنفاق الأموال في السبل التي تؤدى إلى الخيبة والخسران على النهج الذي سنة الله في أعمال الإنسان والآية نزلت فيما كان ينفقه أهل مكة، أو ينفقه اليهود في عداوة النبي ﷺ ومقاومته، لأنهم هم الذين اختاروا ذلك لأنفسهم، ولم يضروا النبي ﷺ ومن معه، بل كان ذلك سبب سيادته عليهم، وتمكنه منهم.

وقيل إنها نزلت فيما كان ينفقه المنافقون في بعض طرق البر رياء وسمعة أو تقيّة.

وقيل إن المثل ينطبق على الكافرين الذين ينفقون أموالهم في طرق البر رغبة في الخير، لأن شرط الثواب على تلك الأعمال الإيمان، وقد ظلموا أنفسهم بترك النظر في الدلائل بعد ما ظهرت، أو بالجحود بعد النظر وإقامة الحجة.

[سورة آل عمران (3): الآيات 118 الى 120][عدل]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)

تفسير المفردات

بطانة الرجل: خاصته الذين يستنبطون أمره، مأخوذة من بطانة الثوب للوجه الذي يلي البدن، ويسمى الوجه الظاهر ظهارة، وهي تستعمل للواحد والجمع مذكرا ومؤنثا، ومن دونكم: أي من غيركم، ويألونكم: من ألا في الأمر يألو: إذا قصر فيه، ويقال: لا آلوك نصحا، ولا آلوك جهدا، أي لا أمنعك نصحا، ولا أنقصك جهدا، والخبال: النقصان، ومنه رجل مخبول ومخبل ومختبل: إذا كان ناقص العقل، والفساد، ومنه قوله تعالى: « لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا » أي فسادا وضررا، ووددت كذا: أي أحببته، والعنت: المشقة، والبغضاء: شدة البغض كالضراء شدة الضر، والكتاب هنا: المراد به جنس الكتب كما يقال كثر الدرهم في أيدي الناس، وعضّ الأنامل: يراد به شدة الغيظ أحيانا، كما يراد به الندم أحيانا أخرى، وذات الصدور: الخواطر القائمة بالقلب، والدواعي التي تدعو إلى الأفعال، أو الصوارف التي تدفعها عنه والمسّ: أصله ما كان باليد كاللمس، ثم سمى كل ما يصل إلى الشيء مسّا، فقالوا: مسه التعب والنصب قال تعالى: « وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ » وقال: « وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ » والحسنة: المنفعة حسية كانت أو معنوية كصحة البدن والفوز بالغنيمة، وأعظمها انتشار الإسلام وحصول الألفة بين المسلمين، والسيئة: الفقر والهزيمة وحصول التفرقة بين الأقارب، من ساء يسوء بمعنى قبح فهو سىء والأنثى سيئة قال تعالى: « ساءَ ما يَعْمَلُونَ » والكيد: الاحتيال لإيقاع غيرك في مكروه، والمحيط بالشيء: هو الذي يحيط به من كل جوانبه، ويراد به في حق الله العلم بدقائقه وتفاصيل أجزائه، فلا يعزب عنه شيء منه، قال تعالى: « وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ » وقال: « وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ».

المعنى الجملي

كانت الآيات السالفة حجاجا مع أهل الكتاب والمشركين، وإلزامهم بالحجة، وبيانا لأحوال المؤمنين، وتذكيرا لهم بما يكون من سوء العاقبة يوم القيامة، يوم تبيض وجوه وتسوّد وجوه.

والكلام في هذه الآيات تحذير للمؤمنين من مخالطة الكافرين مخالطة تدعو إلى الإباحة بالأسرار، والاطلاع على شئون المسلمين، مما تقضى المصلحة بكتمانه، وعدم معرفة الأعداء له.

ومما دعا إلى هذا النهى أنه كانت بين المؤمنين وغيرهم صلات خاصة تدعو إلى الإباحة بالأسرار إليهم كالنسب والمصاهرة والرضاعة والعهد والمحالفة - إلى أنّ من طبيعة المؤمن أن يبنى أمره على اليسر والأمانة والصدق، ولا يبحث عن عيوب غيره.

ولكن لما كان همّ المناصبين من أهل الكتاب والمشركين إطفاء نور الدعوة، وإبطال ما جاء به الإسلام، والمسلمون لم يكن لهم غرض إلا نشر هذه الدعوة بسائر الوجوه التي يرونها كفيلة بإعلاء كلمة الدين - اختلف المقصدان، وافترق الغرضان، فلم يكن من الحزم أن يفضى الإنسان بسره إلى عدوه، ويطلعه على خططه التي يدبرها للفوز ببغيته على أكمل الوجوه وأحكمها، وأقربها للوصول إلى الغرض، ومن ثم حذر الله المؤمنين من اطلاع أعدائهم على أسرارهم، لما في ذلك من تعريض مصلحة الملة للخبال والفساد.

أخرج ابن إسحق وغيره عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة.

الإيضاح

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ، لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا، وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) أي لا تتخذوا أيها المؤمنون الكافرين كاليهود والمنافقين أولياء وخواصّ لكم دون المؤمنين، إذا كانوا على تلك الأوصاف التي ذكرت في هذه الآية:

(1) لا يألونكم خبالا: أي لا يقصرون في مضرتكم، وإفساد الأمر عليكم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

(2) يتمنون ضركم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.

(3) يبدون البغضاء بأفواههم، ويظهرون تكذيب نبيكم وكتابكم، وينسبونكم إلى الحمق والجهل، ومن اعتقد حمق غيره وجهله لا يحبه.

(4) ما يظهرونه على ألسنتهم من علامات الحقد أقل مما في قلوبهم منه.

فهذه الأوصاف شروط في النهي عن اتخاذ البطانة من غير المسلمين، فإذا اعتراها تغيّر وتبدل كما وقع من اليهود، فبعد أن كانوا في صدر الإسلام أشد الناس عداوة للذين آمنوا - انقلبوا فصاروا عونا للمسلمين في فتوح الأندلس، وكما وقع من القبط إذ صاروا عونا للمسلمين على الروم في فتح مصر - فلا يمتنع حينئذ اتخاذهم أولياء وبطانة للمسلمين، فقد جعل عمر بن الخطاب رجال دواوينه من الروم، وجرى الخلفاء من بعده على ذلك، إلى أن نقل عبد الملك بن مروان الدواوين من الرومية إلى العربية. وعلى هذه السنة جرى العباسيون وغيرهم من ملوك المسلمين في نوط أعمال الدولة باليهود والنصارى حتى العصر الحاضر، فإن كثيرا من سفراء الدولة العثمانية ووكلائها من النصارى. ومع كل هذا يرمينا الأجانب بالتعصب، ويقولون: إن الإسلام لا تساهل فيه.

وهذا النهي المقيد بتلك الأوصاف شبيه بالنهي عن اتخاذ الكفار أنصارا وأولياء في قوله: « لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ».

(قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي قد أظهرنا لكم الدلالات الواضحة التي يتميز بها الولي من العدو، ومن يصح أن يتخذ بطانة، ومن لا يصح أن يتخذ لخيانته، وسوء عاقبة مباطنته، إن كنتم تدركون حقائق هذه الآيات التي تفرق بين الأعداء والأولياء، وتعلمون قدر مواعظ الله وحسن عواقبها.

ثم ذكر نوعا آخر من التحذير عن مخالطة الكافرين واتخاذهم بطانة، وفيه تنبيه لهم على خطئهم في ذلك، وقد ضمنه أمورا ثلاثة كل منها يستدعى الكفّ عن مخالطتهم.

(1) (ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) أي إنكم تحبون هؤلاء الكفار الذين هم أشد الناس عداوة لكم، ولا يقصرون في إفساد أمركم، وتمنّى عنتكم، ويظهرون لكم العداوة والغش، ويتربصون بكم ريب المنون، فكيف بكم توادونهم وتواصلونهم؟.

وحب المؤمنين لهم - وهم على تلك الشاكلة - من أقوى البراهين على أن هذا الدين دين رحمة وتساهل، لا يمكن أن يتصور ما هو أعظم منه في ذلك.

(2) (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ) أي إنكم تؤمنون بجميع ما أنزل الله من الكتب، سواء منها ما نزل عليكم وما نزل عليهم، فليس في نفوسكم جحد لبعض الكتب الإلهية، ولا للنبيين الذين جاءوا بها، حتى يحملكم ذلك على بغض أهل الكتاب - أما هم فيجحدون بعض الكتب وينكرون بعض النبيين.

وخلاصة هذا: إنهم لا يحبونكم مع أنكم تؤمنون بكتابهم وكتابكم، فما بالكم لو كنتم لا تؤمنون بكتابهم، كما أنهم لا يؤمنون بكتابكم؟ فأنتم أحرى ببغضهم، ومع هذا تحبونهم ولا يحبونكم.

قال ابن جرير: في الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين، أعنى المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أولئك وغلظتهم على أهل الإيمان اهـ.

وقال قتادة: فوالله إن المؤمن ليحب المنافق ويأوى إليه ويرحمه، ولو أن المنافق يقدر من المؤمن على ما يقدر عليه المؤمن منه لأباد خضراءه (أفناه وأهلكه) اهـ.

وفي هذا توبيخ للمؤمنين بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم.

ونحو الآية قوله: « فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ » (3) (وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) أي وإذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ ألانوا لهم القول حذرا على أنفسهم منهم، فقالوا: آمنا وصدقنا بما جاء به محمد ﷺ، وإذا هم صاروا في خلاء حيث لايراهم المؤمنون أظهروا شدة العداوة والغيظ منهم، حتى ليبلغ الأمر إلى عضّ الأنامل كما يفعل أحدنا إذا اشتد غيظه، وعظم حزنه على فوات مطلوبه.

وإنما فعلوا ذلك لما رأوا من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصلاح ذات بينهم، ونصر الله إياهم حتى عجز أعداؤهم أن يجدوا سبيلا إلى التشفي منهم، فاضطروا إلى مداراتهم.

(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) هذا دعاء عليهم بازدياد الغيظ حتى يهلكوا، كقولهم: دُم بعزّ، وبت قرير عين، ونحو ذلك، والمراد بذلك ازدياد قوة الإسلام وعزّ أهله. وفي هذا عبرة للمسلمين لعلهم يتذكرون، فيعلموا أن ما حل بهم من الأرزاء ما كان إلا بزوال هذا الاجتماع، والتفرق بعد الاعتصام.

(إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) فيعلم ما تنطوى عليه صدوركم من البغضاء والحقد والحسد، ولا يخفى عليه ما تقولون في خلواتكم، وما يبديه بعضكم لبعض من تدبير المكايد ونصب الحيل للمؤمنين، وما تنطوى عليه صدور المؤمنين من حب الخير والنصح لكم، ويجازى كلّا على ما قدم من خير أو شر، واعتقد من إيمان أو كفر.

(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها) أي إذا نالكم خير كانتصاركم على أعدائكم المقاومين لدعوتكم، ودخول الناس في دين الله أفواجا أحزنهم ذلك وعزّ عليهم. وإن نالتكم مساءة كالإخفاق في حرب، أو إصابة عدوّ لكم، أو حدوث اختلاف بين جماعتكم فرحوا بذلك.

قال قتادة في بيان ذلك: فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين سرّهم ذلك، وأعجبوا به وابتهجوا، وهم كلما خرج منهم قرن أكذب الله أحدوثته، وأوطأ محلته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، وذلك قضاء الله فيمن مضى منهم وفيمن بقي إلى يوم القيامة اهـ.

(وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) أي وإن تصبروا على مشاق التكاليف فتمتثلوا الأوامر، وتتقوا كل ما نهيتم عنه وحظر عليكم - ومن ذلك اتخاذ الكافرين بطانة - فلا يضركم كيدهم، لأنكم قد وفيتم لله بعهد العبودية، فهو يفى لكم بحق الربوبية، ويحفظكم من الآفات والمخافات كما قال سبحانه: « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ».

قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فاجتهد في اكتساب الفضائل.

وقد جرت سنة القرآن أن يذكر الصبر في كل مقام يشق على النفس احتماله، ولا شك أن حبس الإنسان سره عن وديده وعشيره، ومعامله وقريبه مما يشق عليه، فإن من لذات النفوس أن تفضى بما في الضمير إلى من تسكن إليه وتأنس به.

ولما نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة من دونهم من خلطائهم وعشرائهم وحلفائهم لما بدا منهم من البغضاء والحسد - حسن أن يذكّرهم بالصبر على هذا التكليف الشاق عليهم، واتقاء ما يجب اتقاؤه للسلامة من عواقب كيدهم.

وفي الآية عبرة للمسلمين في معاملة الأعداء، فإن الله أمر المؤمنين بالصبر على عداوة أولئك المبغضين الكافرين، واتقاء شرهم، ولم يأمرهم بمقابلة الشر بمثله، إذ من دأب القرآن ألا يأمر إلا بالمحبة والخير، ودفع السيئة بالحسنة كما قال: « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ».

فإن تعذر تحويل العدو إلى محب، بدفع سيئاته بما هو أحسن منها - جاز دفع السيئة بمثلها من غير بغى، كما فعل النبي ﷺ مع بني النضير، فإنه حالفهم ووادّهم، فنكثوا العهد وخانوا، وأعانوا عليه عدوه من قريش وسائر العرب، وحاولوا قتله، فلم يكن هناك وسيلة لعلاجهم إلا قتالهم وإجلاؤهم من ديارهم.

(إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) أي إنه تعالى عالم بعمل الفريقين، ومحيط بأسباب ما يصدر من كل منهما، ومقدماته، ونتائجه وغاياته، فهو الذي يعتمد على إرشاده في معاملة أحدهما للآخر، ولا يمكن أن يعرف أحدهما من نفسه ما يعمله ذلك المحيط بعمله، وعمل من يناهضه، ويناصبه العداوة، فهداية الله للمؤمنين خير وسيلة للوصول إلى أغراضهم ومآربهم.

وهذه الجملة كالعلة لكون الاستعانة بالصبر والتمسك بالتقوى شرطين للنجاح.

وخلاصة المعنى - إن الله قد دلكم على ما ينجيكم من كيد أعدائكم، فعليكم أن تمتثلوا وتعلموا أنه محيط بأعمالهم، وهو القادر على أن يمنعهم مما يريدون بكم، فثقوا به، وتوكلوا عليه.

[سورة آل عمران (3): الآيات 121 الى 129][عدل]

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)

وما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)

تفسير المفردات

غدا: خرج غدوة - والغدوة والغداة: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس - وتبوىء أي تهيىء وتسوّى، والمقاعد واحدها مقعد: مكان القعود والمراد المواطن والمواقف، والهم: حديث النفس وتوجهها إلى الشيء، والطائفتان الجماعتان: وهما بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار أن تفشلا: أي تضعفا وتجبنا، وليهما: أي ناصرهما، والتوكل: من وكل فلان أمره إلى فلان إذا اعتمد عليه في كفايته ولم يتوله بنفسه، والأذلة: واحدهم ذليل، وهو من لا منعة له ولا قوة، وقد كانوا قليلى العدة من السلاح والدواب والزاد، والكفاية: سد الحاجة وفوقها الغنى، والإمداد: إعطاء الشيء حالا بعد حال، بلى: كلمة للجواب كنعم، لكنها لا تقع إلا بعد النفي وتفيد إثبات ما بعده، والفور: الحال التي لا بطء فيها ولا تراخى فمعنى من فورهم: أي من ساعتهم بلا إبطاء، ومسومين (بكسر الواو) من قولهم سوّم على القوم: أي أغار عليهم ففتك بهم، وقيل من التسويم بمعنى إظهار سيما الشيء وعلامته: أي معلمين أنفسهم أو خيلهم، وطرفا: أي طائفة وقطعة منهم، ويكبتهم من الكبت: وهو شدة الغيظ، أو الوهن الذي يقع في القلب.

استطراد دعت إليه الحاجة[عدل]

من هذه الآيات إلى ستين آية بعدها نزلت في غزوة أحد، فوجب ذكر طرف من أخبار هذه الواقعة ليستعين به القارئ على فهمها، ويعرف مواقع أخبارها، ويستيقن من حكمها وأحكامها.

ولكن عليك أن تعرف قبل هذا، أن قريشا اغتاظت من هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وحقدوا على أهلها إيواءهم للمسلمين، وتهددوهم، فكان لا بد من الاستعداد للدفاع، وقد صار النبي ﷺ داعية للدين، ورئيسا لحكومة المدينة، وقائدا لجيشها.

هذا، وقد أدى دفاع المسلمين عن أنفسهم إلى سلسلة من الغزوات، بها انتشر الإسلام بسرعة لم تعهد في التاريخ، وقد اشترك النبي ﷺ في تسع منها أشهرها.

وقعة بدر[عدل]

كانت قريش ترى أن محمدا وأصحابه شر ذمة من الثوار يجب أن تقتل، ولا سيما بعد أن صارت لهم القوة في المدينة وهي على طريق التجارة إلى الشام، فجدّ المسلمون في مهاجمة قوافل مكة، ونالوا أول انتصار لهم في السنة الثانية من الهجرة في غزوة بدر - بئر بين مكة والمدينة كانت لرجل يسمى بدرا فسميت باسمه - وكانت هذه الوقعة نصرا مؤزّرا للمسلمين، وكارثة كبرى على المشركين، وكان لها دوي عظيم في أرجاء البلاد العربية من أقصاها إلى أقصاها.

وقعة أحد[عدل]

أحد جبل على نحو ميل من المدينة إلى الشمال ولما خذل المشركون في وقعة بدر ورجع فلّهم إلى مكة مقهورين - أخذ أبو سفيان يؤلّب المشركين على رسول الله ﷺ، إذ كان هو الرئيس بعد مقتل من قتل من صناديد قريش، فاجتمعوا للحرب وكانوا نحو ثلاثة آلاف، فيهم سبعمائة دارع، ومعهم مائتا فرس، وقائدهم أبو سفيان بن حرب، ومعه زوجه هند بنت عتبة، وكان جملة النساء خمس عشرة امرأة، ومعهن الدفوف يضربن بها ويبكين على قتلى بدر، ويحرضن المشركين على حرب المسلمين، وساروا من مكة حتى نزلوا مقابل المدينة في شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان رأى رسول الله ﷺ المقام في المدينة وقتالهم بها، ورأى باقى الصحابة الخروج لقتالهم، فخرج في ألف من الصحابة، إلى أن صار بين المدينة وأحد، فانخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلث الناس، ونزل رسول الله ﷺ الشّعب من أحد، وجعل ظهره إلى الجبل، وكان عدة أصحاب رسول الله ﷺ سبعمائة، فيهم مائة دارع، ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين، وكان لواء رسول الله ﷺ مع مصعب بن عمير، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ولواؤهم مع بنى عبد الدار.

ولما التقى الجمعان قامت هند زوج أبي سفيان ومعها النسوة يضربن بالدفوف، وهي تقول:

ويها بنى عبد الدار ويها حماة الأدبار ضربا بكل بتّار

وقاتل حمزة قتالا شديدا، ولما قتل مصعب بن عمير أعطى النبي ﷺ الراية لعلي بن أبي طالب.

ولما انهزم المشركون طمعت الرماة في الغنيمة، وفارقوا المكان الذي أمرهم النبي ﷺ بملازمته، فأتى خالد بن الوليد مع خيل المشركين من خلف المسلمين، ووقع الصراخ أن محمدا قد قتل، وانكشف المسلمون وأصاب العدو منهم، وكان يوم بلاء على المسلمين، وكان عدة الشهداء من المسلمين سبعين رجلا، وعدة قتلى المشركين اثنين وعشرين رجلا، ووصل العدو إلى رسول الله ﷺ وأصابته حجارتهم حتى وقع وأصيب رباعيته، وشجّ في وجهه، وكلمت شفته، وجعل الدم يسيل على وجهه وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم، وجعل يدعوهم إلى ربهم، فنزل قوله تعالى: « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ». ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجه رسول الله ﷺ في الشجة، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه ﷺ فسقطت ثنيّة من ثنياته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، وامتص مالك ابن سنان والد أبى سعيد الخدري الدم من وجنته، وطمع فيه المشركون وأدركوه يريدون منه ما الله عاصمه منه كما قال « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » وأصابت طلحة يومئذ ضربة شديدة شلت يده، وهو يدافع عن رسول الله ﷺ، ومثلت هند وصواحبها بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ فجد عن الأنوف، وصلمن الآذان، واتخذن منها قلائد، وبقرت هند عن كبد حمزة ولا كتها، ولم تستسغها، وضرب أبو سفيان شدق حمزة بزجّ الرمح، وصعد الجبل، وصرخ بأعلى صوته، الحرب سجال يوم بيوم بدر، اعل هبل (صنم بالكعبة) أي ظهر دينك.

ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال النبي ﷺ: قولوا له: هو بيننا وبينكم، ثم سار المشركون إلى مكة، وبحث رسول الله ﷺ عن عمه حمزة فوجده مبقور البطن، مجدوع الأنف، مصلوم الأذن، فقال: لئن أظهرنى الله عليهم لأمثلنّ بثلاثين منهم، ثم أمر أن يسجّى عمه ببردته، ثم صلى عليه، فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى فوضعهم إلى جانب حمزة واحدا بعد واحد حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة، ثم أمر بحمزة فدفن، واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك وقال ادفنوهم حيث صرعوا.

إذا علمت ما تقدم سهل عليك فهم هذه الآيات، وما بعدها مما له صلة بهذه الوقعة الهامة في تاريخ الإسلام، وما فيها من عظة وعبرة للمسلمين، فقد كانت نبراسا لهم في كل حروبهم وأعمالهم في حياة النبي ﷺ وبعده - إذ علموا أن مخالفة القائد الأعظم لها أسوأ الآثار، وأن كل ما حدث فيها إنما جر إليه الطمع في الغنيمة، وجمع حطام الدنيا، وهو ظل زائل وعرض مفارق.

المعنى الجملي

بعد أن نهى الله المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين كاشفوهم بالعداوة، ثم أعلمهم ببغضهم إياهم، ثم أمرهم بالصبر والتقوى وأنهم إذا فعلوا ذلك لا يضرهم كيدهم شيئا - ذكّرهم في هذه الآيات بوقعة أحد، وما كان فيها من كيد المنافقين، إذ أذاعوا عن المؤمنين من قالة السوء ما أذاعوا، ثم خرجوا معهم، وانشقوا عنهم في الطريق، ورجعوا بثلث الجيش، ليوقعوا الفشل بين صفوفهم ويخذلوهم أمام عدوهم وما كان من كيد المشركين وتألبهم عليهم، ولم يكن لذلك من واق إلا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا مواقعهم، وإلا تقوى الله، ومن أهم دعائمها طاعة الرسول فيما به أمر وعنه نهى، وذكّرهم أيضا بما كان يوم بدر من نصرهم على عدوهم على قلتهم، إذ جعلوا الصبر جنتهم، وتقوى الله عدّتهم، فأصابوا من عدوهم ما أصابوا، وكان لهم الفلج عليهم مما لا يزال مكتوبا في صحيفة الدهر مثلا خالدا لصدق العزيمة، والبعد عن مطامع هذه الحياة.

الإيضاح

(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ) أي واذكر لهم أيها الرسول وقت خروجك من بيتك غدوة وهي غدوة سحر يوم السبت سابع يوم من شوال من سنة ثلاث للهجرة تهيىء أمكنة للقتال، منها مواضع للرماة، ومواضع للفرسان، ومواضع لسائر المؤمنين.

(وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي والله سميع لما يقول المؤمنون لك فيما شاورتهم فيه من موضع لقائك عدوك وعدوهم، كقول من قال: اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم في خارج المدينة، وقول من قال: لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا، ولما تشير به أنت عليهم، عليم بأصلح تلك الآراء لك ولهم وبنيّة كل قائل من أخلص منهم في قوله وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم، ومن لم يخلص في قوله وإن كان صوابا كعبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين.

قال ابن جرير: ضرب الله مثلا أو مثلين على صدق وعده في الآية السابقة « وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا » بتذكيرهم بما كان يوم أحد من وقوع المصيبة بهم عند ترك الرماة الصبر (وذنب الجماعة أو لأمة لا يكون عقابه قاصرا على من اقترفه بل يكون عاما) وبما كان يوم بدر إذ نصرهم على قلتهم وذلتهم.

(إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا) أي والله سميع عليم حين همت بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحى عسكر رسول الله ﷺ - أن تضعفا وتجبنا عن القتال حين رأوا انخزال عبد الله بن أبي ومن معه عن رسول الله. وهذا الهمّ لم يكن عزيمة ممضاة، ولكنها كانت حديث نفس وقلما تخلوا النفس عند الشدة من بعض الهلع فإن ساعدها صاحبها ذمّ وإن ردها إلى الثبات والصبر فلا بأس بما فعل ومما يدل على أن ذلك الهمّ لم يصل إلى حد العصيان قوله تعالى:

(وَاللَّهُ وَلِيُّهُما) أي متولى أمورهما لصدق إيمانهما لذلك صرف الفشل عنهما وثبتهما فلم يجيبا داعي الضعف الذي ألمّ بهما عند رجوع المنافقين وكانوا نحو ثلث العسكر بل تذكروا ولاية الله للمؤمنين فوثقا به وتوكلا عليه.

(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي إن المؤمنين ينبغي أن يدفعوا ما يعرض لهم من جزع أو مكروه بالتوكل على الله لا بحولهم وقوتهم ولا بأنصارهم وأعوانهم، بعد أخذ الأهبة والعدّة تحقيقا لسنن الله في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات وهو الخالق للسبب والمسبب والموجد للصلة بينها.

فبقدرته تعالى ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة كما نصر المؤمنين يوم بدر على قلة منهم في العدد والعدد والسلاح وفى سائر عتاد الجيش ولذا قال:

(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) أي إنكم إن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا وينصركم ربكم كما نصركم على أعدائكم وأنتم يومئذ في قلة من العدد وفى غير منعة من الناس حتى أظهركم على عدوكم مع كثرة عددهم وعظيم منعتهم فأنتم اليوم أكثر عددا منكم حينئذ فإن تصبروا لأمر الله ينصركم كما نصركم في ذلك اليوم. ولا ضير في الذل إذا لم يكن عن قهر من البغاة والظالمين، ولم يكن المؤمنون بمقهورين ولا بمستذلّين من الكفار، وإنما كانت قوتهم أول تكوّنها.

(فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي فاتقوا الله ربكم بطاعته واجتناب محارمه، لتعدّوا أنفسكم لشكره، على ما منّ به عليكم من النصر على أعدائكم وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحق الذي ضل عنه مخالفوكم، إذ من لم يروّض نفسه بالتقوى يغلب عليه الهوى واتباع الشهوات، فلا يرجى منه الشكر لأنعم الله بصرفها فيما خلقت لأجله من الحكم والمنافع.

(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي ولقد نصركم الله ببدر في ذلك الحين الذي كنت تقول فيه لهم: ألن يكفيكم إلخ.

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشّعبى أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله - ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم - إلى قوله: من الملائكة مسوّمين، فبلغته هزيمة المشركين فلم يمدّ أصحابه، ولم يمدّوا بالخمسة الآلاف.

(أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ) قال الفخر الرازي في التفسير الكبير: أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر، وأنهم قاتلوا الكفار. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر، وفيما سواه كانوا عددا ومددا لا يقاتلون ولا يضربون.

(بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) أي بلى يكفيكم ذلك، ثم وعدهم بالزيادة بشرط الصبر والتقوى حثا لهم عليهما وتقوية لقلوبهم. أي إن تصبروا على لقاء العدو ومناهضتهم، وتتقوا معصية الله، ومخالفة نبيه ﷺ، ويجئكم المشركون من ساعتهم هذه - يمدكم بخمسة آلاف من الملائكة، ليعجل نصركم، ويسهل فتحكم.

قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه محمد ﷺ أنه قال للمؤمنين: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة، ثم وعدهم بعد الثلاثة. الآلاف بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف، ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أن الله أمدهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر فنسلم لأحد الفريقين قوله: غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، وذلك قوله: « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ »، أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدّوا أبين منها في أنهم أمدّوا، وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا وينل منهم ما نيل اهـ.

والإمداد بالملائكة يصح أن يكون من قبيل الإمداد بالمال الذي يزيد في قوة القوم، وأن يكون من الإمداد بالأشخاص الذين ينتفع بهم ولو نفعا معنويا، وذلك أن الملائكة أرواح تلابس النفوس فتمدها بالإلهامات الصالحات التي تثبّتها وتقوى عزيمتها.

(وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) قال الزجاج: وما جعل الله ذكر المدد إلا بشرى اهـ. يعني وما جعل الله ذلك القول الذي قاله الرسول لكم (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ) الآية إلا بشرى يفرج بها روعكم، وطمأنينة لقلوبكم التي طرقها الخوف من كثرة عدد عدوكم وعظيم استعداده.

وفي هذا إيماء إلى أن في ذكر الإمداد غايتين:

(1) إدخال السرور في القلوب.

(2) حصول الطمأنينة ببيان أن معونة الله ونصرته معهم، فلا يجبنوا عن المحاربة.

(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) العزيز هو القوى الذي لا يمتنع عليه شيء، والحكيم هو الذي يدبّر الأمور على خير السنن وأقوم الوسائل، فيهدى لأسباب النصر الظاهرة والباطنة من يشاء، ويصرفهما عمن يشاء.

والمراد - أنه يجب توكلكم على الله لا على الملائكة، فيجب على العبد ألا يتكل على الأسباب فقط، بل يقبل على مسبب الأسباب، إذ هو الذي لا يعجز عن إجابة الدعوات، فعليكم ألا تتوقعوا النصر إلا من رحمته، ولا المعونة إلا من فضله وكرمه.

فإن حصل الإمداد بالملائكة فليس ذلك إلا جزءا من أسباب النصر، وهناك أسباب أخرى كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، ومعرفة المواقع، كما فعل النبي ﷺ إذ سلك إلى أحد أقرب الطرق وأخفاها على العدو، وعسكر في أحسن موضع وهو الشّعب (الوادي) وجعل ظهر عسكره إلى الجبل، وجعل الرماة من ورائهم، إلى نحو ذلك من الأسباب التي تمكنه من الظهور على عدوه، والغلبة عليه.

فلما اختل بعض هذه التدبيرات، وفات الرماة مواضعهم لم ينتصروا.

والذي عليه أهل العلم أنه لم يحصل يوم أحد إمداد بالملائكة ولا وعد من الله بذلك، وإنما أخبر عن رسوله ﷺ أنه قال ذلك لأصحابه وجعل الوعد به معلقا على شروط ثلاثة:

(1) الصبر. (2) التقوى. (3) إتيان الأعداء من فورهم، ولم تتحقق هذه الشروط، فلم يحصل الإمداد، ولكن القول أفاد البشارة والطمأنينة.

وحصل الإمداد بالفعل في وقعة بدر كما تقدم ذكره، وسيأتي مزيد تفصيل له في سورة الأنفال.

وربما سأل سائل عن الفارق بين اليومين فقال: لم أمدّ الله المؤمنين يوم بدر بملائكة يثبتون قلوبهم، وحرمهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب! وجوابنا عن هذا أن المؤمنين كانوا يوم بدر في قلة وذلة من الضعف والحاجة، فلم يكن لهم اعتماد إلا على الله، وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم، وما أمرهم به من الثبات والذكر إذ قال: « إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ». ولم يكن في نفوسهم تطلع إلى شيء سوى النصر، وإقامة الدين والدفاع عن حوزته. فكانت أرواحهم بهذا الإيمان مستعدة لقبول الإلهام من أرواح الملائكة والتقوّى بالاتصال بها.

أما في يوم أحد فقد كان بعضهم في أول القتال قريبا من الافتتان بما كان من المنافقين، ومن ثم همت طائفتان منهم أن تفشلا، ولكن الله ثبتهما وباشرا القتال مع بقية المؤمنين حتى انتصروا وهزموا المشركين، ثم خرج بعضهم عن التقوى وخالفوا أمر الرسول ﷺ وطمعوا في الغنيمة وتنازعوا في الأمر ففشلوا وضعف استعداد أرواحهم، فلم ترتق إلى الاستمداد من أرواح الملائكة، فلم يكن لهم منهم مدد.

وحكمة ما حصل تمحيص المؤمنين كما سيأتي في قوله (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ) الآية، وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في ارتباط الأسباب بالمسببات، ومعرفة أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول، وأن قتل الرسول أو موته لا ينبغي أن يثبط الهمم، ولا يدعو إلى الانقلاب على الأعقاب، وأن كل ما يصيب العباد من مصايب فهو نتيجة عملهم، وعقوبة طبيعية على أفعالهم، إلى نحو ذلك من الأسرار التي ستعلمها بعد.

روى أحمد ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب « أن النبي ﷺ كان يدعو يوم بدر: اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا - وما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداؤه فرداه به ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله يومئذ « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ » الآية.

(لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ) أي إن المقصود من نصركم بامداد الملائكة أن يهلك طائفة منهم، ويخزى طائفة أخرى ويغيظهم بالهزيمة، فيرجعوا خائبين لا أمل لهم في نصر.

وعبر بالطرف لأنه أقرب إلى المؤمنين من الوسط، فهو أول ما يوصل إليه من الجيش، وقد أهلك الله من المشركين طائفة أول الحرب يوم أحد، قدر عددهم بنحو ثمانية عشر رجلا.

وعبر بالخيبة دون اليأس، لأن الأولى لا تكون إلا بعد توقع النصر وانتظاره، والثانية بعده وبدونه، وضد الخيبة الظفر، وضد اليأس الرجاء.

ثم أتى بجملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها لبيان أن الأمر كله بيد الله فقال:

(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) أي ليس إليك أيها الرسول من أمر خلقى إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهى فيهم إلى طاعتى، ثم أمرهم بعد ذلك، والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكم بالذي أشاء من التوبة، أو عاجل العذاب بالقتل والنقم، أو آجله بما أعددت لأهل الكفر بي من العذاب في الآخرة.

(أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ) أي ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم، ليس لك من الأمر شيء.

روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية فنزلت هذه الآية فتاب الله عليهم كلهم ».

وروى أحمد ومسلم عن أنس « أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشجّ في وجهه حتى سال الدم على وجهه، فقال: كيف يفلح قوم فعلوا بنبيهم هذا وهو يدعوهم إلى ربهم، فأنزل الله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) الآية.

وإن لما حدث في وقعة أحد لحكما دينية واجتماعية وحربية يمكن أن نجملها لك فيما يلي:

كان المؤمنون في وقعة بدر واثقين بنصر الله لنبيه وإظهار دينه، لم يضعف إيمانهم بذلك قلتهم وضعفهم، ولا إخراج المشركين للمهاجرين من ديارهم وأموالهم، ولما رأوا تباشير النصر ازدادوا إيمانا بأنهم المنصورون، وأن جندهم هم الغالبون ولكن خيّل إلى الكثير منهم أن النصر سيكون بالآيات، وخوارق العادات، من غير التزام السنن الإلهية التي جعلها الله في هذا الكون، وبنى عليها نظم الحياة، وأن وجود الرسول بين ظهرانيهم، ودعاءه ربه واستغاثته إياه أشد نكالا بالعدو من اتباع السنن الظاهرة التي من أهمها التزام النظام العسكري وإطاعة القائد، وجودة التعبئة، وحسن الحيلة، والتدبير في وضع الخطط الحربية، إلى نحو أولئك. وفاتهم أن الدين الإسلامي دين الفطرة، لا دين خوارق العادات، وسلوك طريق المعجزات.

فلما قصّروا في الأخذ بالأسباب يوم أحد ظهر عليهم عدوهم، وجرح الرسول، وإن كان هو لم يقصر ولم ينهزم، ولكن البلاء إذا نزل لا يخص من كان السبب في وجوده كما قال تعالى: « وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً » وكان من هذا درس عظيم للمؤمنين لمسوه بأيديهم وعلموا أن الرسول بشر ليس له من أمر العباد شيء، وإنما هو معلّم وأسوة حسنة فيما يعلم، والأمر كله لله يدبره بمقتضى سننه في الخلق.

هذا البيان الإلهي في تلك الموقعة التي رأوا نتائجها بأعينهم - برهان ساطع أمام الملأ على نبوة محمد ﷺ، إذ لو كان زعيما سياسيا، ومؤسسا لبناء مملكة يريد توطيد دعائمها بفتوحه لأطراف البلاد، لما قال مثل هذا القول في مواطن الدفاع، وحب النصر على الأعداء. ولا سبيل للنصر على العدو إلا بالاستعداد والحيطة، وحسن التدبير والكياسة الحربية، كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ » ولا قوة إلا بالعلم والمال، ولا مال إلا إذا انتشر العدل في الأمة وبث بين أفرادها روح التعاون والشورى في مهامّ الأمور كما قال: « وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ».

(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال ابن جرير: أي لله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها، دونك ودونهم، يحكم فيهم بما شاء، ويقضى فيهم بما أحب، فيتوب على من شاء من خلقه العاصين أمره ونهيه، ثم يغفر له، ويعاقب من شاء منهم على جرمه، فينتقم منه، فهو الغفور يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه من خلقه، بفضله عليهم بالعفو والصفح، وهو الرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلا على عظيم ما يأتون من المآثم اهـ.

وفي هذا تأديب من الله لرسوله، وإعلام له بأن الدعاء على المشركين ولعنهم مما لم يكن ينبغي منك، إذ الأمر كله لله، وليس لأحد من أهل السموات والأرض شركة معه ولا رأى ولا تدبير فيهما، وإن كان ملكا مقرّبا أو نبيا مرسلا، إلا من سخره الله للقيام بشىء من ذلك، فيكون خاضعا لذلك التسخير، لا يستطيع الخروج فيه عن السنن العامة التي قام بها نظام الكون ونظام الاجتماع.

[سورة آل عمران (3): الآيات 130 الى 136][عدل]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) والَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136)

تفسير المفردات

ضعف الشيء: مثله الذي يثنيه، فضعف الواحد واحد، لأنه إذا أضيف إليه ثناه، وإذا ضاعفت الشيء منحت إليه مثله مرة فأكثر، وهذه المضاعفة إما في الزيادة فقط التي هي الربا، وإما بالنسبة إلى رأس المال كما هو حاصل الآن فقد يستدين الإنسان المائة بثلاثمائة، واتقوا الله: أي اجعلوا لأنفسكم وقاية من عذابه، أعدت: أي هيئت، والمسارعة إلى المغفرة والجنة المبادرة إلى الأسباب الموصلة إليهما من الأعمال الصالحة كالإقبال على الصدقات وعمل الخيرات والتوبة عن الآثام كالربا ونحوه، وعرضها السموات والأرض: يراد به وصفها بالسعة، والعرب تقول دعوى عريضة أي واسعة عظيمة. والسراء: الحال التي تسر، والضراء: الحال التي تضر، وفسرهما ابن عباس باليسر والعسر أي السعة والضيق، ويقال كظم القربة أي ملأها وسدّ رأسها، وكظم الباب سده، وكظم البعير جرّته إذا ازدردها وكف عن الاجترار، ثم قالوا كظم الغيظ فهو كاظم، وكظمه الغيظ والغم أخذ بنفسه فهو مكظوم وكظيم قال تعالى: « ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ » وأخذ فلان بكظم فلان: إذا أخذ بمجرى نفسه، والغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حق من حقوقها المادية كالمال أو المعنوية كالشرف والعرض، فيزعجها ذلك ويحفزها على التشفي والانتقام، والعفو عن الناس: التجاوز عن ذنوبهم وترك مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك، والإحسان: هنا الإنعام والتفضل على غيرك على وجه لا مذمة فيه ولا قبح، والفحشاء: الفعلة الشنيعة القبح التي يتعدى أثرها إلى غيرك كالزنا والغيبة ونحوهما، وظلم النفس: هو الذنب الذي يكون مقصورا على الفاعل كشرب الخمر ونحوه، وذكر الله عند الذنب يكون بتذكر وعده ووعيده، وأمره ونهيه، وعظمته وجلاله، والإصرار: الشدّ من الصر، ويراد به شرعا الاقامة على القبيح من غير استغفار ورجوع بالتوبة.

المعنى الجملي

بعد أن نهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ البطانة من اليهود وأمثالهم من المشركين بشروط ذكرها هي مثار الضرر، ثم بين لهم أن كيدهم لا يضرهم ما اعتصموا بتقوى الله وطاعته وطاعة رسوله ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك بما حدث لهم حين صدقوا الله ورسوله من الفوز والفلاح في وقعة بدر، وبما حدث لهم حين عصوا الله وخالفوا أمر القائد وهو الرسول ﷺ في وقعة أحد، وكيف حل بهم البلاء، ونزلت بهم المصايب مما لم يكونوا ينتظرون القليل منها.

نهاهم هنا عن شر عمل من أعمال اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين وهو الربا، مع بيان أن الربح المتوقع منه ليس هو السبب في السعادة، بل السعادة إنما تكون في تقوى الله وامتثال أوامره، وفى ذلك حث على بذل المال في سبيل الله كالدفاع عن الملة، وتنفير من البخل والشح والكلب على جمع المال بكل وسيلة مستطاعة، وشر تلك الوسائل أكل الربا أضعافا مضاعفة.

الإيضاح

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً) أي لا تأكلوا الربا حال كونه أضعافا مضاعفة بتأخير أجل الدّين الذي هو رأس المال، وزيادة المال إلى ضعف ما كان كما كنتم تفعلون في الجاهلية، فإن الإسلام لا يبيح لكم ذلك، لما فيه من القسوة واستغلال ضرورة المعوز وحاجته.

قال ابن جرير: لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة في إسلامكم بعد إذ هداكم الله، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم. وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم أن الرجل منهم يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخّر دينك عنى وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه اهـ.

وقال الرازي: كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، فإذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال قال الدائن زد في المال حتى أزيد في الأجل، فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها، فهذا هو المراد من قوله تعالى: « أَضْعافًا مُضاعَفَةً » اهـ.

وربا الجاهلية هو ما يسمى في عصرنا بالربا الفاحش وهو ربح مركب، وهذه الزيادة الفاحشة كانت بعد حلول الأجل، ولا شيء منها في العقد الأول، كان يعطيه المائة بمائة وعشرة أو أكثر أو أقل، وكأنهم كانوا يكتفون في العقد الأول بالقليل من الربح، فإذا حل الأجل ولم يقض الدين وهو في قبضتهم اضطروه إلى قبول التضعيف في مقابلة الإنساء، وهذا هو الربا النسيئة، قال ابن عباس: إن نص القرآن الحكيم ينصرف إلى ربا النسيئة الذي كان معروفا عندهم اهـ.

وعلى الجملة فالربا نوعان:

(1) ربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة آلافا مؤلفة، وفى الغالب لا يفعل مثل ذلك إلا معدم محتاج، فهو يبذل الزيادة ليفتدى من أسر المطالبة، ولا يزال كذلك يعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابى من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويوقعه في المشقة والضرر، فمن رحمة الله وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرّم الربا ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهده، وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله، ولم يجىء مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر.

(2) ربا الفضل كأن يبيع قطعة من الحلي كسوار بأكثر من وزنها دنانير، أو يبيع كيلة من التمر الجيد بكيلة وحفنة من التمر الرديء مع تراضى المتبايعين، وحاجة كل منهما إلى ما أخذه.

ومثل هذا لا يدخل في نهى القرآن ولا في وعيده، ولكنه ثبت بالسنة فقد روى ابن عمر قوله ﷺ « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل سواء بسواء، ولا تشفوا بعضه على بعض إني أخشى عليكم الرّماء - الربا - ».

وهذه الآية هي أولى الآيات نزولا في تحريم الربا، وآيات البقرة نزلت بعد هذه، بل هي آخر آيات الأحكام نزولا، وقد يقول بعض المسلمين الآن: إنا نعيش في عصر ليس فيه دول إسلامية قوية تقيم الإسلام وتستغنى عمن يخالفها في أحكامها بل زمام العالم في أيدي أمم مادية تقبض على الثروة، وبقية الشعوب عيال عليها، فمن جاراها في طرق الكسب - والربا من أهم أركانه - أمكنه أن يعيش معها، وإلا كان مستعبدا لها.

أفلا تقضى ضرورة كهذه على الشعوب الإسلامية التي تتعامل مع الأوربيين كالشعب المصري مثلا أن تتعامل بالربا كي تحفظ ثروتها وتنميها، وحتى لا يستنزف الأجنبي ثروتها وهي مادة حياتها؟

وجوابا عن هذا نقول:

إن المحرمات في الإسلام ضربان:

(1) ضرب محرم لذاته لما فيه من الضرر، ومثل هذا لا يباح إلا لضرورة كأكل الميتة وشرب الخمر. والربا المستعمل الآن هو ربا النسيئة وهو متفق على تحريمه، فإذا احتاج المسلم إلى الاستقراض ولم يجد من يقرضه إلا بالربا فالإثم على آخذ الربا دون معطيه، لأن له فيه ضرورة.

(2) ضرب محرم لغيره وهو ربا الفضل لأنه ربما كان سببا في ربا النسيئة، وهو يباح للضرورة والحاجة أيضا.

والمسلم يعرف إن كان محتاجا إلى الربا ومضطرا إليه أم لا، فإن كان محتاجا حل له تناوله ويكون مثله أكل الميتة وشرب الخمر ونحوهما، وإلا لم يحل ذلك، إذ الربا يضر بإيمان المؤمنين، وإن كان زيادة في مال الرابى فهو في الحقيقة نقصان، لأن الفقراء الذين يشاهدونه يأخذ أموالهم بهذا التعامل يلعنونه ويدعون عليه، وبذلك يسلب الله الخير من يديه، إن عاجلا أو آجلا في نفسه وماله، وتتوجه إليه المذمة من الناس لقساوة قلبه، وغلظ كبده، وقد ورد في الأثر: إن آخذ الربا لا يقبل منه صدقة ولا جهاد ولا حج ولا صلاة.

ثم أكد النهي فقال:

(وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي واتقوا الله فيما نهيتم عنه من الأمور التي من جملتها الربا، ولا تكن قلوبكم قاسية على عباده من ذوي الحاجة والبؤس، فتحملوهم من الدين مالا تحتمله طاقتهم، وتستغلّوا عوزهم وحاجتهم، فتشتطوا في الربا حتى تخربوا بيوتهم وتجعلوهم من ذوي الفاقة والمتربة - لعل ذلك يكون سبب فلا حكم في دنياكم، فإن الرحمة وحسن المعونة يوجدان المحبة في القلوب، والمحبة أساس السعادة في الدنيا والآخرة.

ثم زاد النهى تأكيدا فقال:

(وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) أي وابتعدوا عن متابعة المرابين، وتعاطى ما يتعاطون من أكل الربا الذي يفضى بكم إلى دخول النار التي أعدها الله للكافرين.

وفي هذا من شديد الزجر ما لا يخفى فان المؤمنين الذين خوطبوا باتقاء المعاصي إذا علموا أنهم متى فارقوا التقوى أدخلوا هذه النار كان انزعاجهم عن المعاصي أتم، ومن ثم روى عن أبي حنيفة رحمة الله أنه كان يقول: إن هذه أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.

ثم بالغ في النهى وشدّد فيه أيما تشديد فقال:

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي وأطيعوا الله ورسوله فيما نهيا عنه من أكل الربا، وما أمرا به من الصدقة، كى ترحموا في الدنيا بصلاح حال المجتمع وفى الآخرة بحسن الجزاء على أعمالكم.

وقد ورد في الأثر « الراحمون يرحمهم الرحمن » رواه أبو داود والترمذي.

(وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) أي وبادروا إلى العمل لما يوصلكم إلى مغفرة ذنوبكم ويدخلكم جنة واسعة المدى أعدّها الله لمن اتقاه وامتثل أوامره، وترك نواهيه، فاعملوا الخيرات، وتوبوا عن الآثام كالربا ونحوه، وتصدقوا على ذوي البؤس والفاقة.

روي أن رسول هرقل ملك الروم قدم على النبي ﷺ بكتاب هرقل وفيه: إنك كتبت تدعونى إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار! فقال رسول الله ﷺ: سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار [يريد أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم، والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل ].

وقال أبو مسلم: إن العرض هنا ما يعرض من الثمن في مقابلة المبيع أي ثمنها لو بيعت كثمن السموات والأرض، والمراد بذلك عظم مقدارها وجلالة خطرها، وأنه لا يساويها شيء وإن عظم.

(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) أي هيئت لهم وفى الآية دليل على أن الجنة مخلوقة الآن، وأنها خارجة عن هذا العالم، إذ أنها تدل على أن الجنة أعظم منه، فلا يمكن أن يكون محيطا بها.

ثم وصف الله المتقين بجملة أوصاف كلها مناقب ومفاخر فقال:

(1) (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ) أي الذين ينفقون في السعة والضيق، فينفقون في كل حال بحسبها، ولا يتركون الإنفاق بوجه.

وأثر عن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب، وأثر عن بعض السلف أنه تصدق ببصلة، وفى الحديث « اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، وردوا السائل ولو بظلف محرق ».

وقد بدأ الله وصف المتقين بالإنفاق لأمرين:

(ا) أنه جاء في مقابلة الربا الذي نهى عنه في الآية السابقة، إذ أن الصدقة إعانة للمعوز المحتاج، وإطعام له ما لا يستحقه، والربا استغلال الغنى حاجة ذلك المعوز لأكل أمواله بلا مقابل فهي ضده. ومن ثم لم يرد في القرآن ذكر الربا إلا ذم وقبّح، ومدحت معه الزكاة والصدقة، اقرأ قوله: « وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ، وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ » وقوله « يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ».

(ب) أن الانفاق في حالى اليسر والعسر أدل على التقوى، لأن المال عزيز على النفس، فبذله في طرق الخير والمنافع العامة التي ترضى الله يشق عليها، أما في السراء فلما يحدثه السرور والغنى من البطر والطغيان وشدة الطمع وبعد الأمل، وأما في الضراء فلأن الإنسان يرى أنه أجدر أن يأخذ لا أن يعطى، ولكنه مع هذه الحال لا يعدم وقتا يجد فيه ما ينفقه في سبيل الله ولو قليلا.

وحب الخير هو الذي يحرك في الإنسان داعية البذل لإنفاق هذا العفو القليل، فإن لم توجد تلك الداعية على حسب الفطرة فالدين ينميها ويقويها، إذ هو قد جاء لتعديل الأمزجة المعتلة وإصلاح الفطر المعوجة.

وقد أرشدنا هدى الدين إلى أن النفوس يجب أن تكون كريمة في ذاتها مهما ألح عليها الفقر وأن تتعود الإحسان بقدر الطاقة لتسمو عن الرذائل التي قد تجرها إليها الحاجة، فتبعد بقدر الإمكان عن ذل السؤال ومد الأيدي إلى الناس لطلب الإحسان وإراقة ماء الوجه أمام بيوت الأغنياء لما في ذلك من الذلة والصغار وهي ما لا يرضاها مؤمن لنفسه يعتقد أن الأرزاق في قبضة الله وهو الذي يعطي ويمنع، وقد جعل لكسب المال أوجها كثيرة يستطيع المرء أن يسعى إليها ليحصل عليه، وقد وردت أحاديث كثيرة في الحض على اكتساب المال من كل طريق حلال والبعد عن ذل السؤال.

إلا أن بذل القليل من الأفراد والجماعات إذا اجتمع صار كثيرا، ومن ثم كانت الأمم الراقية تقيم مشروعاتها النفاعة في الزراعة أو الصناعة أو في بناء الملاجئ والمستشفيات بالتبرعات القليلة التي تؤخذ من أفرادها، وبذا تقدمت في سائر فنون المدنية والحضارة.

ولذا حث الله على بذل الخير ولو قليلا بقوله: « لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها، سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ».

ومن هذا ترى أن الله جعل من أهم علامات التقوى بذل المال، كما أن الشح به علامة عدم التقوى، والتقوى هي السبيل الموصل إلى الجنة.

فانظر إلى أهل الثراء الذين يقبضون أيديهم عن بذل المعونة للأفراد والجماعات ويكنزون في صناديقهم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، هل تغنيهم صلاتهم وصومهم شيئا مع هذا الشح البادي على وجوههم؟ فما هي إلا حركات وأعمال، مرنوا عليها دون أن يكون لها الأثر الناجع في نفوسهم، إذ الصلاة التي يقبلها الله، والصوم الذي يرضاه الله، هو ما ينهى عن الفحشاء والمنكر، وأي منكر أشد من الضنّ بالمال حين الحاجة إليه لنفع أمة أو فرد.

ولو جاد المسلمون بأموالهم عند الحاجة إلى البذل لكان لنا شأن آخر بين أرباب الديانات الأخرى، ولكنا من ذوي العزة والمكانة بينها.

ولكنا صرنا إلى ما ترى، عسى الله أن يغير من نفوس المسلمين، ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم باتباع أوامر كتابهم، واجتناب نواهيه، ففي ذلك السعادة لهم في الدنيا والأخرى.

(2) (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) أي والممسكين عليه الكافّين عن إمضائه مع القدرة عليه، ومن أجاب داعي الغيظ وتوجه بعزيمة إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال، ولا يكتفى بالحق، بل يتجاوزه إلى البغي، ومن ثم كان من التقوى كظمه، وقد أثر عن عائشة رضي الله عنها أن خادما لها غاظها فقالت: لله درّ التقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء.

وقال عليه الصلاة والسلام « ما من جرعتين أحبّ إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن عزاء، ومن جرعة غيظ كظمها »

وقال « ليس الشديد بالصّرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب ».

وخلاصة ذلك - هم الذين يكظمون غيظهم عن الإمضاء والنفاذ، ويردونه في أجوافهم، وهذا كقوله في الآية الأخرى « وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ».

(3) (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) أي والذين يتجاوزون عن ذنوب الناس ويتركون مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك، وتلك منزلة من ضبط النفس وملك زمامها قلّ من يصل إليها، وهي أرقى من كظم الغيظ، إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة.

أخرج الطبراني عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: « من سره أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه ».

وفي الآية إيماء إلى حسن موقع عفوه عليه الصلاة والسلام عن الرماة، وترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره، وإرشاد له إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين

بما فعلوه بحمزة رضي الله عنه حتى قال حين رآه قد مثّل به: لأمثلنّ بسبعين منهم.

(4) (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) أي والله يحب الذين يتفضلون على عباده البائسين ويواسونهم ببعض ما أنعم الله به عليهم شكرا له على جزيل نعمائه.

أخرج البيهقي أن جارية لعلي بن الحسين رضي الله عنهما جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يدها فشجه، فرفع رأسه فقالت: إن الله يقول (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال لها قد كظمت غيظى، قالت (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال قد عفا الله عنك، قالت (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى.

والإحسان إلى غيرك إما بإيصال النفع إليه، وهو الذي عناه الله بقوله (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) ويدخل فيه إنفاق العلم بتعليم الجاهلين وهداية الضالين، وإنفاق المال في وجوه الخير والعبادات.

قال ﷺ « السخي قريب من الله قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار ».

وإما بدفع الضر عنه إما في الدنيا بألا يقابل الإساءة بإساءة أخرى وهو ما عناه الله بقوله (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ)

قال ﷺ « من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا » وإما في الآخرة بأن يعفو عماله عند الناس من التبعات والحقوق، وهذا هو المراد بقوله (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) ومن ثم كانت هذه الآية جامعة لوجوه الإحسان إلى غيرك.

وقد ذكر الله الجزاء على الإحسان بقوله (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) إذ محبة الله للعبد عظم درجات الثواب.

(5) (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) أي والذين إذا فعلوا من القبيح ما يتعدى أثره إلى غيره كالغيبة ونحوها، أو فعلوا ذنبا يكون مقصورا عليهم كشرب الخمر ونحوه - ذكروا عند ذلك وعد الله ووعيده، وعظمته وجلاله، فرجعوا إليه تعالى طالبين مغفرته، راجين رحمته، علما منهم أنه لا يغفر الذنوب سواه، فهو الفعال لما يشاء بمقتضى حكمته وعلمه الواسع.

(وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) جملة جاءت معترضة بين ما قبلها وما بعدها، تصويبا لفعل التائبين، وتطييبا لقلوبهم، وبشارة لهم بسعة الرحمة وقرب المغفرة، وإعلاء لقدرهم بأنهم علموا أن لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه. وأن من كرمه أن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأن العبد إذا التجأ إليه، وتنصل عن الذنب بأقصى ما يقدر عليه عفا عنه وتجاوز عن ذنوبه وإن جلّت، فإن عفوه أجلّ وكرمه أعظم، كما أن فيها تحريضا للعباد على التوبة وحثا لهم عليها، وتحذيرا من اليأس والقنوط.

(وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أي ولم يقيموا على القبيح من غير استغفار ورجوع بالتوبة، وقد قال عليه الصلاة والسلام « لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار »

يريد ﷺ أن الصغيرة مع الإصرار كبيرة، وقوله: وهم يعلمون أي بقبحه والنهي عنه والوعيد عليه، والفائدة من ذكر هذا بيان أنه إذا لم يعلم بقبحه يعذر في فعله.

والمؤمن المتقى لا يصر على الذنب وهو يعلم نهى الله عنه ووعيده عليه، إذ يعلم أن الذنب فسوق وخروج عن نظام الفطرة السليمة، واعتداء على حقوق الشريعة.

فالآية تومىء إلى أن المتقين الذين أعد الله لهم الجنة لا يصرون على ذنب يرتكبونه صغيرا كان أو كبيرا، لأن ذكرهم لله يمنعهم أن يقيموا على الذنوب. إذ الإصرار على الصغائر يجعلها كبائر، ورب كبيرة أصابها المؤمن بجهالة، وبادر إلى التوبة منها فكانت مذكّرة له بضعفه البشرى، ودليلا على أن للغضب سلطانا عليه - تكون دون صغيرة يقترفها مستهينا بها مصرّا عليها مستأنسا بها، فتزول من نفسه هيبة الشريعة، ويتجرأ بعد ذلك على ارتكاب الكبائر فيكون من الهالكين، وقد رووا حديث « ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة » وقد ضعفه المحدثون، إلى أنه ليس المراد من الاستغفار الاستغفار باللسان، وأنه كاف في التوبة، وأن تحريك اللسان بكلمة أستغفر الله مرة أو عدة مرات يرفع إثم الذنب، بل استغفار فيه هو التوبة النصوح التي عرفت معناها في قوله: « وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ » لا كون اللفظ كفارة للذنب.

(أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) أي إن أولئك المتقين الذين وصفوا بما تقدم من الصفات - لهم أمن من العقاب، ولهم ثواب عظيم عند ربهم في جنات تجرى من تحتها الأنهار.

(وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ) أي إن هذا الجزاء إنما هو على تلك الأعمال التي منها ما هو نافع للأمة كإنفاق المال في وجوهه، ومنها ما هو إصلاح لنفس العامل، فهو أجر للعمل وجزاء عليه، ويتفاوت الناس في التقوى بحسب ذلك.

وخلاصة ذلك - نعم هذا الجزاء الذي ذكر من المغفرة والجنات أجرا للعاملين تلك الأعمال بدنية كانت كانفاق المال ونفسية كعدم الإضرار بغيرك على تفاوت في ذلك.

[سورة آل عمران (3): الآيات 137 الى 141][عدل]

قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141)

تفسير المفردات

خلت: مضت، السنن: واحدها سنة وهي الطريقة المعتبرة والسيرة المتبعة، من قولهم سن الماء إذا والى صبه، شبهت به السنة لتوالى أجزائها على نهج واحد، بيان أي إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب، هدى أي زيادة بصيرة وإرشاد إلى طريق الدين القويم، والموعظة: ما يلين القلب ويدعو إلى التمسك بما فيه طاعة، الوهن: الضعف في العمل وفى الرأي وفى الأمر، والحزن: ألم يعرض للنفس إذا فقدت ما تحب، والقرح (بالضم والفتح): عض السلاح ونحوه مما يجرح الجسم، وقيل هو بالفتح الأثر وبالضم الألم، والأيام واحدها يوم: وهو الزمن المعروف والمراد بالأيام هنا أزمنة الفوز والظفر، نداولها: نصرّفها فنديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء كما وقع ذلك في يومى بدر وأحد وأصل المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر يقال تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى آخر. والشهداء واحدهم شهيد: وهو قتيل المعركة، وقيل واحدهم شاهد، والتمحيص التخليص من كل عيب، ومحّص الذهب بالنار خلصه مما يشوبه، ومحص الله التائبين من الذنوب طهرهم منها، والمحق: النقصان، ومنه المحاق لآخر الشهر، وفى الأساس: محق الشيء محاه وذهب به.

المعنى الجملي

كان الكلام في سابق الآيات في قصة أحد وأهم أحداثها، ثم ذكرهم بوقعة بدر وما كتب لهم فيها من النصر على قلة عددهم وعددهم.

وفي هذه الآيات وما بعدها يذكرهم بسنن الله في خليقته، وأن من سار على نهجها أدى به ذلك إلى السعادة، ومن حاد عنها ضل وكانت عاقبته الشقاء والبوار، وأن الحق لا بد أن ينتصر على الباطل مهما كانت له أول الأمر من صولة، كما وعد الله بذلك على ألسنة رسله. « وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ » وقال: « وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ »

الإيضاح

(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) أي إن أمر البشر في اجتماعهم وما يعرض فيه من مصارعة الحق للباطل، وما يلابس ذلك من الحرب والطعان والنزال والملك والسيادة يجرى على طرق قويمة وقواعد ثابتة اقتضتها الحكمة والمصلحة العامة.

وقد جاء ذكر السنن الإلهية في مواضع من الكتاب الكريم كقوله: « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ، وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ » وقوله: في سياق دعوة الإسلام « وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ».

والمراد بذلك أن مشيئة الله في خلقه تسير على سنن حكيمة من سار عليها ظفر وإن كان ملحدا أو وثنيا، ومن تنكبها خسر وإن كان صديقا أو نبيا، وعلى هذا فلا عجب أن ينهزم المسلمون في وقعة أحد، وأن يصل المشركون إلى النبي ﷺ فيشجوا رأسه، ويكسروا سنه، ويردوه في حفرة.

والمسلمون الصادقون أولى الناس بمعرفة تلك السنن في الأمم وأجدر الناس بأن يسيروا على هديها، لذلك لم يلبث أصحاب النبي ﷺ أن ثابوا إلى رشدهم يومئذ ورجعوا إلى الدفاع عن نبيهم وثبتوا حتى انجلى المشركون عنهم ولم ينالوا ما كانوا يقصدون.

والخلاصة - إن النظر في أحوال من تقدمكم من الصالحين والمكذبين يهديكم إلى الطريق المستقيم، فإن أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم، وإن سلكتم سبيل المكذبين فحالكم كحالهم.

وفي الآية تذكير لمن خالف أمر النبي ﷺ يوم أحد وإرشاد لهم إلى أنهم بين عاملى خوف ورجاء، فهي على أنها بشارة لهم بالنصر على عدوهم إنذار بسوء العاقبة إذا هم حادوا عن سننه، وساروا في طريق الضالين ممن قبلهم، وعلى الجملة فالآية خبر وتشريع وتتضمن وعدا ووعيدا وأمرا ونهيا.

وقد جرت سنة الله بأن للمشاهدة في تثبيت الحقائق ما ليس للقول وحده، إذ القول قد ينسى ويقل الاعتبار به. من قبل هذا أرشدهم إلى الاعتبار وقياس ما في أنفسهم على ما كان لدى غيرهم من قبلهم ومن ثم قال:

(فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) أي فسيروا في الأرض وتأملوا فيما حل بالأمم قبلكم ليحصل لكم العلم الصحيح المبنى على المشاهدة والاختبار، وتسترشدوا بذلك إلى أن المصارعة قد وقعت بين الحق والباطل في الأمم السالفة، وانتهى أمرها إلى غلبة أهل الحق لأهل الباطل، وانتصارهم عليهم ما تمسكوا بالصبر والتقوى، ويدخل في ذلك اتباع ما أمر الله به من الاستعداد للحرب وإعداد العدة لقتال العدو كما أمر الله به في قوله: « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ».

وجرى ذلك على سنن مستقيمة وأسباب مطردة لا تغيير فيها ولا تبديل.

والسير في الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم - نعم العون على معرفة تلك السنن والاعتبار بها، وقد نستفيد هذه الفائدة بالنظر في كتب التاريخ التي دونها من ساروا في الأرض، ورأوا آثار الذين خلوا، فتحصل لنا العظة والعبرة، ولكنها تكون دون اعتبار الذين يسيرون في الأرض بأنفسهم، ويرون الآثار بأعينهم

تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار

(هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) أي هذا الذي تقدم بيان للناس كافة وهدى وموعظة للمتقين منهم خاصة، فالإرشاد عام للناس وحجة على المؤمن والكافر، التقى منهم والفاجر.

وذلك يدحض ما وقع للمشركين والمنافقين من الشبهة بنحو قولهم لو كان محمد رسولا حقا لما غلب في وقعة أحد، فهذا الهدى والبيان يرشد إلى أن سنن الله حاكمة على الأنبياء والرسل كما هي حاكمة على سائر خلقه، فما من قائد يخالفه جنده، ويتركون حماية الثّغر الذي يؤتون من قبله، ويخلون بين عدوهم وبين ظهورهم، والعدو مشرف عليهم، إلا كان جيشه عرضة للانكسار إذا كر العدو عليه - قطع خط الرجعة - ولا سيما إذا كان بعد فشل وتنازع، ومن ثم كان هذا البيان لجميع الناس، كلّ على قدر استعداده للفهم وقبول الحجة.

وأما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة، فلأنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقائق، ويتعظون بما ينطبق عليها من الوقائع، فيستقيمون ويسيرون على النهج السوي، ويتجنبون نتائج الإهمال التي تظهر لهم مضرة عاقبتها، فالمؤمن حقا هو الذي يهتدى بهدى الكتاب ويسترشد بمواعظه كما قال: « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » فالقرآن يهدينا في مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نروز أنفسنا ونعرف كنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا فنسير على سنن الله في طلبه وفى حفظه. وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه. وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين.

(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي ولا تضعفوا عن القتال وما يتبعه من التدبير بسبب ما أصابكم من الجروح والفشل في يوم أحد. ولا تحزنوا على من فقد منكم في هذا اليوم. وكيف يلحقكم الوهن والحزن وأنتم الأعلون. فقد مضت سنة الله أن يجعل العاقبة للمتقين الذين لا يحيدون عن سنته. بل ينصرون من ينصره ويقيمون العدل. فهم أجدر بذلك من الكافرين الذين يقاتلون لمحض البغي والانتقام، أو للطمع فيما في أيدي الناس.

فهمة الكافر على قدر ما يرمى إليه من غرض خسيس، ولا كذلك همة المؤمن الذي يرمى إلى إقامة صرح العدل في الدنيا والسعادة الباقية في الآخرة - إن كنتم مؤمنين بصدق وعد الله بنصر من ينصره. وجعل العاقبة للمتقين المتبعين لسنته في نظم الاجتماع، حتى صار ذلك الايمان وصفا ثابتا لكم حاكما نفوسكم وأعمالكم.

وإنما نهى عن الحزن على ما فات، لأن ذلك مما يفقد الإنسان شيئا من عزيمته، وبالعكس صلته بما يحب من مال أو متاع أو صديق تكسبه قوة وتوجد في نفسه سرورا، والمراد من النهي عن مثل ذلك معالجة النفس بالعمل ولو تكلفا وخلاصة ذلك - الأمر بأخذ الأهبة وإعداد العدّة مع العزيمة الصادقة والحزم والتوكل على الله حتى يظفروا بما طلبوا ويستعيضوا مما خسروا.

وقوله وأنتم الأعلون تبشير بما يكون لهم في المستقبل من النصر، فإن من احترق الإيمان الصحيح فؤاده، وتمكن من سويداء قلبه يكون على يقين من العاقبة، بعد مراعاة السنن والأسباب المطردة للظفر والفلاح.

(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) أي إن كان السلاح قد عضكم وعمل فيكم يوم أحد فقد أصاب المشركين مثل ما أصابكم في ذلك اليوم، فقد قتل منهم مثل من قتل منكم فلم يكونوا غالبين.

والخلاصة - إنه لا يسوغ لكم التقاعد عن الجهاد، وليس لكم العذر فيه لأجل أن مسكم قرح، فان أعداءكم قد مسهم مثله قبلكم وهم على باطلهم لم يفتروا في الحرب ولم يهنوا، فأنتم أجدر بصدق العزيمة لمعرفتكم بحسن العاقبة، وتمسككم بالحق.

(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) أي إن مداولة الأيام سنة من سنن الله في المجتمع البشرى، فمرة تكون الدولة للمبطل، وأخرى للمحق، ولكن العاقبة دائما لمن اتبع الحق.

وإنما تكون الدولة لمن عرف أسباب النجاح ورعاها حق رعايتها كالاتفاق وعدم التنازع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة، وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة.

فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال وتحكموها أتم الإحكام حتى تظفروا وتفوزوا، ولا يكن ما أصابكم من الفشل مضعفا لعزائمكم، فإن الدنيا دول.

فيوما لنا ويوما علينا ويوما نساء ويوما نسر

ومن أمثال العرب: الحرب سجال، روى أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد فمكث ساعة، ثم قال أين ابن أبي كبشة؟ - يعني محمدا ﷺ وأبو كبشة زوج حليمة السعدية وهو أبوه من الرضاع - أين ابن أبي قحافة؟ - أبو بكر - أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ وهذا أبو بكر وهأنذا عمر، فقال أبو سفيان يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال إنكم تزعمون ذلك، فقد خبنا إذن وخسرنا.

(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) أي وتلك الأيام نداولها بين الناس، ليقوم بذلك العدل، ويستقر النظام، ويعلم الناظر في السنن العامة، والباحث في الحكم الإلهية أنه لا محاباة في هذه المداولة، وليعلم الله الذين آمنوا منكم، لأن الجهاد الاجتماعى الذي يدال به قوم على قوم مما يطهر النفوس ويتميز به الإيمان الصحيح من غيره.

والمراد من قوله (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ) أي وليظهر علمه بذلك للناس بظهور ما يعلم لهم، إذ علم الله بالأشياء ثابت في الأزل، فإذا وقعت حصل تغير في ذلك المعلوم، فصار حالا بعد أن كان مستقبلا، فهو كقوله: « لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ » أي ليعلم الناس ذلك ويميزوه.

الخلاصة - إن المراد من مثل هذه العبارة (لِيَعْلَمَ) - ليثبت ويتحقق صدق إيمان الذين آمنوا، لأنه متى ثبت وتحقق كان الله عالما به على أنه حقيقة ثابتة، إذ علم الله لا يكون إلا مطابقا للواقع، فما لا يعلمه الله تعالى لا يكون له حقيقة ثابتة.

(وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) أي وليكرم ناسا منكم بالشهادة والقتل في سبيل الله.

ذاك أن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر، وكانوا يتمنّون لقاء العدو، وأن يكون لهم يوم كذلك اليوم يقاتلون فيه ويلتمسون الشهادة.

والقرآن مليء بتعظيم حال الشهداء، قال تعالى: « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ » وقال تعالى: « فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ ».

ومن ثم كان من جملة فوائد هذه المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين.

ثم أتى بجملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها لبيان أن الشهداء يكونون ممن أخلصوا في إيمانهم وأعمالهم، ولم يظلموا أنفسهم بمخالفة أوامر الله ونواهيه، والخروج عن سننه في خلقه فقال:

(وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) أي إن الله لا يصطفى للشهادة الظالمين ما داموا على ظلمهم، وفى ذلك بشارة للمتقين بمحبة الله لهم، وإنذار للمقصرين بأنه لا يحبهم الله، وتعريض لأعدائهم المشركين بأن الله لا يحبهم، لأنهم ظلموا أنفسهم وسفهوها بعبادة المخلوقات، وظلموا سواهم بالفساد في الأرض، والبغي على الناس وهضم حقوقهم، ومن المعلوم أن الظلم لا تدوم له سلطة، ولا تثبت له دولة، بل تكون دولته سريعة الزوال، قريبة الانحلال.

(وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) أي ونداول الأيام ليتميز المؤمنون الصادقون من المنافقين، وتطهر نفوس بعض ضعفاء المؤمنين من كدورتها، فتصير تبرا خالصا لا كدورة فيه، فإن الإنسان كثيرا ما يشتبه عليه أمر نفسه، ولا تتجلى له حقيقتها إلا بالتجارب الكثيرة، والامتحان بالشدائد العظيمة، فهي التي تمحصها وتنفى خبثها وزغلها، كما أن تمحيص الذهب يميز بهرجه من خالصه.

فالمعتقد في دين أنه الحق قد يخيل إليه وقت الرخاء أنه يسهل عليه بذل ماله ونفسه في سبيل الله ليرفع راية ذلك الدين ويدفع عنه كيد المعتدين، فإذا جاء البأس ظهر له من نفسه غير ما كان يتصور، انظر إلى الذين خالفوا أمر النبي ﷺ يوم أحد وطمعوا في الغنيمة، وإلى الذين انهزموا وولوا الأدبار، كيف محصهم الله بتلك الشدائد فعلموا أن المسلم ما خلق للهو واللعب، ولا للكسل والتواكل، ولا لنيل الظفر ونيل السيادة بخوارق العادات، وتبديل سنن الله في المخلوقات، بل خلق ليكون أكثر الناس جدّا في العمل، وأعظمهم تفانيا في أداء الواجب اتباعا للنواميس والسنن التي وضعها الله في الخليقة.

وقد تجلى أثر هذا التمحيص في الغزوات التي تلت هذه الوقعة ففي غزوة (حمراء الأسد) أمر النبي ﷺ ألا يتبع المشركين فيها إلا من شهد القتال بأحد فامتثل المؤمنون أمره بقلوب مطمئنة، وعزائم صادقة، وهم على ما هم عليه من الجراح المبرّحة، والقلوب المنكسرة.

(وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) أي ويجعل اليأس يسطو على قلوبهم، وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم، فلا يبقى لديهم شجاعة ولا بأس، ولا قلّ ولا كثر من عزة النفس، فيكون وجودهم كالعدم لا فائدة فيه، ولا أثر له، فالكافرون المبطلون لا يثبت لهم حال مع المؤمنين الصادقين، وإنما يظهرون إذا لم يوجد من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم.

[سورة آل عمران (3): الآيات 142 الى 148][عدل]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)

شرح المفردات

الجهاد احتمال المشقة ومكافحة الشدائد، فيشمل:

(1) الحرب للدفاع عن الدين وأهله وإعلاء كلمته.

(2) جهاد النفس الذي سماه السلف (الجهاد الأكبر) ومن ذلك مجاهدة الإنسان لشهواته خصوصا في سن الشباب.

(3) المجاهدة بالمال لأعمال الخير النافعة للأمة والدين.

(4) المجاهدة بمدافعة الباطل ونصرة الحق.

تمنون الموت أي تتمنون الشهادة في سبيل الله، أن تلقوه أي تشاهدوا أهواله وتذوقوا مرارة كأسه، رأيتموه أي رأيتم أسبابه من ملاقاة الشجعان بعدتهم وأسلحتهم وكرهم وفرهم ومصاولتهم للفرسان، وأنت تنظرون، أي تعاينونه وترونه رؤية لإخفاء فيها كما تقول رأيته وليس بعيني علة، انقلبتم على أعقابكم أي رجعتم كفارا بعد إيمانكم، ويقال لكل من عاد إلى ما كان عليه: رجع وراءه وانقلب على عقبيه ونكص على عقبيه. والمؤجل ذو الأجل، والأجل المدة المضروبة للشيء، كما قال: { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } ومنه الدين المؤجل الذي ضرب له أجل ومدة يؤدى في نهايتها، وكأين كلمة تفيد أن ما دخلت عليه كثير، والربيون الجماعات الكثيرة واحدهم ربّيّ وهو الجماعة، والوهن ضعف يلحق القلب، والضعف اختلال قوة الجسم، والاستكانة الخضوع والاستسلام للخصم ليفعل ما يريد، والصبر احتمال الشدائد ومعاناة المكاره، والإسراف في كل شيء مجاوزة الحد فيه كما قال: كلوا واشربوا ولا تسرفوا. وثبت أقدامنا أي حين جهاد أعدائك بتقوية قلوبنا وإزلة الخواطر الفاسدة من صدورنا.

المعنى الجملي

لا يزال الحديث مع من شهد أحدا من المؤمنين، فقد أرشدهم الله في الآيات السالفة إلى أنه لا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأن ما أصابهم من المحنة والبلاء جار على سنن الله في خليقته من مداولة الأيام بين الناس، وفيه تمحيص لأهل الحق فإن الشدائد محك الأخلاق، وفيه هدى وإرشاد وتسلية للمؤمنين حتى يتربوا على الصفات التي ينالون بها الفوز والظفر في جميع أعمالهم.

وهنا أبان لهم أن سبيل السعادة في الآخرة منوط بالصبر والجهاد في سبيل الله، كما أن طريق السعادة في الدنيا يكون بإقامة الحق وسلوك طريق الإنصاف والعدل بين الناس، فسنة الله هنا كسنته هناك.

الإيضاح

(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) أي هل جريتم على تلك السنن؟ هل تدبرتم تلك الحكم؟ أم ظننتم أنكم تدخلون الجنة وأنتم لم تقوموا بالجهاد في سبيله حق القيام، ولم تتمكن صفة الصبر من نفوسكم تمام التمكن، ولا سبيل إلى دخولها إلا بعد التحلي بها.

وإنكم لو قمتم بذلك لعلمه الله تعالى منكم وجازاكم عليه بالنصر والفوز في هذه الغزوة كما يجازيكم في الآخرة بدخول الجنة.

وقال أبو مسلم الأصفهاني في ( أم حسبتم) إنه نهي وقع بحرف استفهام الذي يأتي للتبكيت.

وتلخيصه - ولا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد وهو كقوله: « ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ».

وعادة العرب أن يأتوا بهذا الجنس من الاستفهام توكيدا، فلما قال ولا تهنوا ولا تحزنوا، كأنه قال: أفتعلمون أن ذلك واقع كما تأمرون، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة ولا صبر.

وإنما استبعد هذا لأن الله تعالى لما أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة وأوجب الصبر على تحمل متعابه وبين وجوه المصالح فيه في الدين والدنيا كان من البعيد أن يظن الإنسان أنه يصلى إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة ا هـ بتصرف.

وجهاد النفس على أداء حقوق الله وحقوق العباد مما يشق عليها احتماله ويحتاج إلى مجاهدتها وترويضها حتى تذلل ويسهل عليه أداء تلك الحقوق، وربما فضل هذا الجهاد جهاد الأعداء في ميدان القتال وخوض غمار الوغى؛ وأصعب من هذا وأشق دعوة الأمة إلى خير لها في دينها ودنياها، أو بث فكرة صالحة تغير بعض أخلاقها وعاداتها، فتراهم يرفعون راية العصيان في وجه الداعي ويشاكسون بكل الوسائل، ولا سيما إذا تعلق الوضع بتغيير بعض عادات مرنوا عليها جيلا بعد جيل، ووجدوا من أشباه العلماء من يؤازرهم ويناصرهم في باطلهم.

وكثيرا ما يحدث للداعي التلف والهلاك، أو ثلم العرض، أو الإخراج من حظيرة الدين.

(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) هذا خطاب لمن شهد من المسلمين وقعة أحد.

ذاك أن كثيرا من الصحابة وبعضهم لم يشهد بدرا - كانوا يلحّون في الخروج إلى أحد حيث عسكر المشركون ليكون لهم يوم كيوم بدر، ويتمنون أن يلقوا الأعداء ويصيبوا من الخير مثل ما أصاب أهل بدر.

فلما كان يوم أحد ولّى منهم من ولّى فعاتبهم الله على ذلك.

روي عن الحسن أنه قال: بلغني أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي ﷺ لنفعلنّ ولنفعلنّ فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلّهم صدق فأنزل الله عز وجل (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) الآية.

ومعنى قوله فقد رأيتموه - أنكم شاهدتم أسبابه من ملاقاة الشجعان بعدّتهم وأسلحتهم وكرّهم وفرهم، مشاهدة لا خفاء فيها ولا شبهة، وكان لها الأثر العميق في نفوسكم.

ومعنى تمنى الموت تمنى الشهادة في سبيل الله والقتال لنصرة الحق ولو ذهبت نفوسكم دونه.

وصفوة القول - لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الميدان، فهأنتم أولاء قد رأيتم ما كنتم تتمنونه، وأنتم تنظرون إليه لا تغفلون عنه، فما بالكم دهشتم عند ما وقع الموت فيكم، وما بالكم تحزنون وتضعفون عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون، ومن تمنى الشيء وسعى إليه لا ينبغي أن يحزنه لقاؤه ويسوءه.

وفي الآية الكريمة تنبيه لكل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس والتمني والتشهي، وهديه إلى اختبار نفسه بالعمل الشق وعدم الثقة منها بما دون الجهاد والصبر على المكاره في سبيل الحق، حتى يأمن الدعوى الخادعة التي يتوهم فيها أنه صادق فيما يدّعى مع الغفلة أو الجهل بعجزه عنه.

وكثيرا ما يتصور بعض الناس أنه يحب ملته ووطنه ويفكر في خدمتهما ويتمنى لو يتاح له أن يساهم في تلك الخدمة بنفسه أو بماله، حتى إذا احتيج إليه وجد من نفسه الضعف، فأعرض عن العمل قبل الشروع، أو بعد أن ذاق مرارته وكابد مشقته.

ولكن المؤمن حقا من وصل الأمر به إلى حد اليقين فيما يعتقد أنه حق، وذلك يستدعى العمل مهما كان شاقا، والجهاد مهما كان عسيرا، والصبر على المكاره، وإيثار الحق على الباطل.

وقد كان فيمن خوطبوا بهذه الآية جماعة ممن كانوا في المرتبة العليا من صدق الجهاد والصبر على المكاره، وأولئك هم المجاهدون الذين ثبتوا مع النبي ﷺ ثبات الجبال الراسيات، وهم نحو ثلاثين رجلا، لكنه جعل الخطاب عاما ليكون الإرشاد والنصح عاما للجميع، فيتهم ذو المراتب العالية أنفسهم بالتقصير، فيزدادوا كمالا على كمالهم، ويرعوى المقصرون وينزعوا عن خداع أنفسهم لهم، وهذا من التمحيص العظيم الذي له أجمل العواقب في تهذيب الأنفس، وقد ظهر أثر ذلك في نفوس أولئك القوم فيما بعد، وربّاهم تربية كانت بها عزائمهم ماضية، وهممهم صادقة، فلم يهنوا ولم يضعفوا ولم يستكينوا فيما حاولوه من جسيم الأمور.

(وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟) أي إن محمدا ليس إلا بشرا قد مضت الرسل قبله فماتوا وقتل بعضهم كزكريا ويحيي ولم يكتب لأحد منهم الخلد. أفإن مات كما مات موسى وعيسى وغيرهما من النبيين، أو قتل كما قتل زكريا ويحيى، تقلبوا على أعقابكم راجعين عما كنتم عليه؟ والرسول ليس مقصودا لذاته، بل المقصود ما أرسل به من الهداية التي يجب على الناس أن يتبعوها.

قال أنس بن النضر في الساعة التي زاغت فيها الأبصار والبصائر، وبلغت القلوب فيها الحناجر، وحين فشا في الناس أن رسول الله ﷺ قد قتل، وقال بعض ضعفاء المؤمنين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وقال ناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول: (إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه) ثم قال (اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل رضي الله عنه).

وأما المؤمنون الصادقون الموقنون، فمنهم من ثبت معه، ومنهم من كان بعيدا عنه فرجع إليه كأبي بكر وعلي وطلحة وأبي دجانة الذي جعل نفسه ترسا دونه، فكان يقع عليه النبل وهو لا يتحرك.

والخلاصة - إن قتل محمد ﷺ لا يوجب ضعفا في دينه لأمرين:

(ا) إن محمدا بشر كسائر الأنبياء، وهؤلاء قد ماتوا أو قتلوا.

(ب) إن الحاجة إلى الرسول هي تبليغ الدين فإذا تم له ذلك فقد حصل الغرض ولا يلزم من قتله فساد دينه.

وفي الآية هداية وإرشاد إلى أنه لا ينبغي أن يكون استمرار الحرب أو عدم استمرارها ذا صلة بوجود القائد بحيث إذا قتل انهزم الجيش، أو استسلم للأعداء، بل يجب أن تكون المصالح العامة جارية على نظام ثابت لا يزلزله فقد الرؤساء وعلى هذا تجرى الحكومات والحروب في عصرنا الحاضر.

ومن توابع هذا النظام أن تعدّ الأمة لكل أمر عدّته، فتوجد لكل عمل رجالا كثيرين، حتى إذا فقدت معلما أو مرشدا أو قائدا أو حكيما أو رئيسا أو زعيما وجدت الكثير ممن يقوم مقامه، ويؤدى لها من الخدمة ما كان يؤديه وحينئذ يتنافس أفرادها، ويحفزون عزائمهم للوصول إلى ما يمكن أن يصل إليه كسب البشر، وينال كلّ منه بقدر استعداده وسعيه وتوفيق الله له.

(وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) أي ومن يرجع عن جهاده ومكافحته الأعداء فلن يضر الله شيئا بما فعل، بل يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، وحرمانها من الثواب، فالله قد وعد بنصر من ينصره ويعزّ دينه، ويجعل كلمته هي العليا، وهو لا محالة منجز وعده.

ولا يحول دون ذلك ارتداد بعض الضعفاء والمنافقين على أعقابهم، فهو سيثبّت المؤمنين ويمحّصهم حتى يكونوا كالتبر الخالص، فيقيموا دينه، وينشروا دعوته، ويرفعوا شأنه، وتنشر على الخافقين رايته، وهو الذي بيده الخلق والأمر وهو القادر على كل شيء.

(وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) له نعمه عليهم بالإيمان والهداية إلى أقوم السبل.

وفي الآية إرشاد إلى أن المصايب التي تحل بالإنسان لا مدخل لها في كونه على حق أو باطل، فكثيرا ما يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وصاحب الباطل بالنعم والعطايا.

وفيها إيماء إلى أنا لا نعتمد في معرفة الحق والخير على وجود المعلّم بحيث نتركهما عند موته، بل نسير على منهاجهما حين وجوده وبعد موته.

والخلاصة - إن الله أوجب علينا أن نستضىء بالنور الذي جاء به الرسول ﷺ، أما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم، وما يعرض له من حياة أو موت، فلا مدخل له في صحة دعوته، ولا في إضعاف النور الذي جاء به، فإنما هو بشر مثلكم خاضع لسنن الله كخضوعكم.

(وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا) أي ليس من شأن النفوس ولا من سنة الله فيها أن تموت بغير إذنه تعالى ومشيئته التي بها يجرى نظام الحياة وترتبط فيها الأسباب بالمسببات.

وقوله كتابا مؤجلا: أي أثبته الله مقرونا بأجل معين لا يتغير، ومؤقتا بوقت لا يتقدم ولا يتأخر، فكثير من الناس يتعرضون لأسباب المنايا بخوض غمرات الحروب، أو يتعرضون لعدوى الأمراض، أو يتصدون لأفاعيل الطبيعة، وهم مع ذلك لا يصابون بالأذى فالشجاع المقدام قد يسلم في الحرب، ويقتل الجبان المتخلف ويفتك المرض بالشاب القوى، ويترك الضعيف الهزيل، وتغتال عوامل الأجواء الكهل المستوي وتتجاوز الشيخ الضعيف، فللأعمار آجال، وللآجال أقدار لا تخطوها، والأقدار هي السنن التي عليها تقوم نظم العالم وإن خفيت على بعض الناس، وإذا كان محيانا ومماتنا بإذن الله فلا محل للخوف والجبن، ولا عذر في الوهن والضعف، ومما ينسب إلى علي قوله:

أي يومي من الموت أفرّ يوم لا يقدر أم يوم قدر

يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر

وفي الآية تحريض على الجهاد وتشجيع على لقاء العدو، فإنه إذا كان الأجل محتوما ومؤقتا بميقات، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المعارك واقتحم المهالك فلا محل إذا للخوف والحذر - إلى ما فيها من الإشارة إلى كلاءة الله وحفظه لرسوله مع غلبة العدوّ له والتفافهم عليه وإسلام قومه له نهزة للمختلس، فلم يبق سبب من أسباب الهلاك إلا قد حصل، ولكن لما كان الله حافظا وناصرا له لم يضرّه شيء، وفيها إشارة إلى أن قومه قد قصّروا في الذبّ عنه.

(وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها) أي ومن قصد بعمله حظ الدنيا أعطاه الله شيئا من ثوابها، ومن قصد الآخرة أعطاه الله حظا من ثوابها.

وفي معنى الآية الحديث: « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى »...

وفيها تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد، فتركوا موقعهم الذي أمرهم النبي ﷺ بلزومه، وكأنه يقول لهم إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك، وما عليكم إلا أن تسلكوا سبيله، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ، بل يدعوكم إلى خير ترون حظا منه في الدنيا، والمعوّل عليه ما في الآخرة.

فأنتم بين أمرين: إما إرادة الدنيا، وإما إرادة الآخرة، ولكل منهما سنن تتبع، وطرق تسلك، وفى معنى الآية قوله تعالى: « مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ».

ومن هدى الإسلام أن يطلب المرء بعمله خيري الدنيا والآخرة معا، ويقول: (رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) والله يعطيه كل ما يطلب أو بعضه يحسب سنن الله وتدبيره لنظم الحياة.

وعلى الإنسان أن يعلم أن له طورين:

(1) طور عاجل قصير، وهو طور الحياء الدنيا.

(2) طور آجل أبدي، وهو طور الحياة الآخرة.

وسعادته في كل من الطورين مرتبطة بإرادته وما توجهه إليه من العمل، فالناس إنما يتفاضلون بالإرادات والمقاصد: فقوم يحاربون حبا في الربح والكسب، أو ضراوة بالفتك والقتل، فإذا غلبوا أفسدوا في الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، وقوم يحاربون دفاعا عن الحق وإقامة لقوانين العدل، فإذا غلبوا عمروا الأرض وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فهل يستوى الفريقان، وهما في المقصد مفترقان؟

كذلك يطلب الرجل الربح والكسب أحيانا بكل وسيلة مستطاعة طلبا للذاته، والحصول على شهواته، فيغلو في الطمع، ويمعن في الحيل، ولا يبالى أمن الحرام أكل أم من الحلال؟ يأكل الربا أضعافا مضاعفة، فيجمع القناطير المقنطرة، وهو مع ذلك يمنع الماعون، ولا يحضّ على طعام المسكين، ولو سئل البذل في المصالح العامة كان أشد الناس بخلا وأقبضهم كفا، بينا يطلب آخر الكسب طلبا للتجمل وحبا للكرامة في قومه وعشيرته، فيقتصد في الطلب، ويتحرى الربح الحلال، ويلتزم الصدق والأمانة، ويبتعد عن الفسوق والخيانة، وهو مع هذا ينفق مما أفاء الله به عليه، فيواسى البائسين، ويساعد المعوزين، وتكون له اليد الطّولى في الأعمال النافعة لأمته، فيشيد لها المدارس والمعابد، والملاجئ والمستشفيات، فهل ينظر الناس إلى هذين نظرة متساوية، وهل هما في القرب عند الله بمنزلة واحدة، أو يفضل أحدهما الآخر بحسن القصد والإرادة والميل إلى الخير وحب المصلحة العامة.

وقصارى القول - إن أقدار الرجال تتفاوت وتختلف باختلاف إرادتهم، فبينما تتسع دائرة وجود الشخص بحسب كبر إرادته وسعة مقصده، فتحيط بالكرة الأرضية، بل فوق ذلك بما يكون له من الكرامة في العالم العلوي - إذا بآخر تضيق دائرة وجوده إذا هو أخلد إلى الشهوات، وركن إلى اللذات، فيكون حظه من عمله كحظ الحشرات، يأكل ويشرب ويبغى على الضعيف ويخاف من القوي.

والله قد جعل عطاءه للناس معلقا على إرادتهم، ولا يقدر مثل هذا إلا القليل منهم.

(وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) الذين يعرفون أنعم الله عليهم ويستعملونها فيما يرقى بهم إلى مراقى الكمال، فيعملون صالح الأعمال التي ترفع نفوسهم، وتنفع أمتهم كأنس ابن النضر وأمثاله الذين جاهدوا وصبروا مع النبي ﷺ بما كان لهم من الإرادة القوية التي كانت السبب في انجلاء المشركين عن المسلمين.

وبعد أن ضرب الله تعالى لهم المثل في أنفسهم بأنهم كانوا قبل الموقعة يتحرقون شوقا إلى لقاء العدو، ثم أصابهم ما أصابهم عند لقائه - ضرب لهم المثل بغيرهم من أتباع الأنبياء السالفين وربييهم الذين لم يلحقهم وهن ولا ضعف بعد قتل أنبيائهم، بل صبروا واحتملوا الإيذاء حتى تغلب الحق على الباطل.

وفي هذا من شديد التوبيخ لأولئك المنهزمين الذين لم يستنوا بسنة الربانيين المجاهدين مع الرسل صلوات الله عليهم، مع أنهم أحدر بذلك منهم إذ كانوا خير أمة أخرجت للناس فقال:

(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) أي إن كثيرا من النبيين الذين خلوا قد قاتل معهم كثير ممن آمن بهم، واعتقد أنهم هداة ومعلّمون، لا أرباب معبودون، فما وهنوا لما أصاب بعضهم من جرح أو قتل حتى ولو كان المقتول هو نبيهم نفسه، لأنهم يقاتلون في سبيل الله لا في سبيل نبيهم، علما منهم بأن النبي ما هو إلا مبلّغ عن ربه وهاد لأمته « وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ » وما ضعفوا عن جهاد عدوهم، ولا استكانوا ولا خضعوا له، ولا ولّوا الأدبار، بل ثبتوا بعد قتل نبيهم كما ثبتوا معه في حال الحياة، إذ هم على يقين من ربهم في أن الجهاد في السبيل التي يرضاها من تقرير العدل في الأرض وحماية الحق وما يتبع ذلك ويلزمه.

والخلاصة - عليكم أن تعتبروا بحال أولئك الربيين وتصبروا كما صبروا، فإن دين الله واحد، وسنته في خلقه واحدة، ومن ثم طلب إليكم أن تعرفوا عاقبة من سبقكم من الأمم، وتقتدوا بعمل الصادقين الصابرين منهم، وتقولوا مثل قول أولئك الربّيين.

وبعد أن بين سبحانه مفاخر أفعالهم أردفها بمحاسن أقوالهم فقال:

(وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) أي إن هؤلاء الربيين لم يكن لهم من قول عند اشتداد الخطوب ونزول الكوارث إلا الدعاء لربهم بأن يغفر لهم بجهادهم ما كانوا ألمّوا به من الذنوب، وتجاوزوا فيه حدود الشرائع، وأن يثبّت أقدامهم على الصراط القويم الذي هداهم إليه، حتى لا تزحزحهم الفتن ولا يعروهم الفشل والوهن حين مقابلة الأعداء، وأن ينصرهم على القوم الكافرين الذين يجحدون الآيات، ويعتدون على أهل الحق، فلا يمكنونهم من إقامة ميزان القسط، فما النصر إلا من عند الله يؤتيه من يشاء بمقتضى السنن التي هدى إليها خلقه، وألهمها عباده.

وفي هذا إيماء إلى أن الذنوب والإسراف في الأمور من عوامل الخذلان، والطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والفلاح، ومن ثم سألوا ربهم أن يمحو من نفوسهم أثر الذنوب وأن يوفقهم إلى دوام الثبات حين تزلّ الأقدام. وقد قدموا طلب المغفرة من الذنوب على طلب النصر ليكون الدعاء في حيز القبول، فإن الدعاء المقرون بالخضوع والطاعة الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة.

وفي طلبهم النصر من الله مع كثرة عددهم التي دل عليها قوله: (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) إعلام بأنهم لا يعوّلون على كثرة العدد بل يطلبون العون والمدد الروحاني من الله بثبات الأقدام والتمسك بأهداب الحق.

كما أن في ذكر قولهم هذا دون ذكر ما فيه جزع وخور - تعريضا بأولئك المنهزمين من المسلمين يوم أحد.

(فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا) بالنصر على الأعداء، والظفر بالغنيمة، والسيادة في الأرض، والكرامة والعزة وحسن الأحدوثة والذكر الحسن، وقد سمى ذلك ثوابا لأنه جزاء على الطاعة، وامتثال أوامر الله.

(وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ) بنيل رضوان الله ورحمته، والقرب منه في دار الكرامة، وقد فسّر بقوله تعالى: « فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ » وقوله في الخبر « فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر » وما حصلوا على ذلك إلا بما قدموا من صالح العمل الذي كان له أحسن الأثر في نفوسهم فارتقت به إلى حظيرة القدس، وتخصيص الحسن بهذا الثواب إيذان بفضله، وأنه المعتدّ به عند الله، وأنه ثواب لا يشوبه أذى، فهو ليس كثواب الدنيا عرضة للأذى والمنغّصات.

وإنما جمع لهم بين الثوابين، لأنهم أرادوا بعملهم هاتين السعادتين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، كما هو شأن المؤمن « وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ».

وهذه الآية وأشباهها حجة على الغالين في الزهد الذين يتحرجون عن الاستمتاع بشىء من لذات الدنيا، ويعدون ذلك منافيا للتقوى، ومبعدا عن رضوان الله.

(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) لأنهم هم الذين يقيمون سننه في أرضه، ويظهرون بأنفسهم وأعمالهم أنهم جديرون بخلافة الله فيها، ولا تكون أعمالهم إلا بما يرضى الله، فهي من الله ولله.

وقد جاء في الآية الترتيب هكذا - التوفيق على الطاعة، ثم الثواب عليها، ثم المدح على ذلك، إذ سماهم محسنين، ليكون في ذلك توجيه للعبد ليعلم أن كل ذلك بعنايته تعالى وفضله.

[سورة آل عمران (3): الآيات 149 الى 151][عدل]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)

تفسير المفردات

المراد بالذين كفروا: أبو سفيان لأنه كان شجرة الفتن. وقال آخرون المراد عبد الله ابن أبي وأتباعه من المنافقين الذين ألقوا الشبهات في قلوب الضعفة من المؤمنين، وقالوا لو كان محمد رسول الله ما وقعت هذه الواقعة، وإنما هو رجل كسائر الناس يوم له ويوم عليه، فارجعوا إلى دينكم الذي كنتم عليه، يردوكم على أعقابكم: أي يرجعوكم إلى الكفر بعد الإيمان، خاسرين: أي لاستبدالكم ذلة الكفر بعزة الإسلام، والانقياد للأعداء الذي هو أشق شيء على النفوس، ولحرمانكم من الثواب والوقوع في العذاب، والمولى: الناصر والمعين، والرعب: شدة الخوف التي تملأ القلب، والسلطان: الحجة والبرهان وأصله القوة وسمى البرهان سلطانا لقوته على دفع الباطل، والمثوى: المكان الذي يكون مقر الإنسان ومأواه من قولهم؟ ثوى يثوى ثويا إذا أقام.

المعنى الجملي

بعد أن رغب الله المؤمنين في الاقتداء بأنصار الأنبياء عليهم السلام ببيان مالهم من الفضل وعظيم الأثر وحسن العاقبة، نهاهم عن متابعة الكفار ببيان سوء مغبتها في دينهم ودنياهم، والخطاب موجه إلى كل من سمع من المؤمنين مقالة أولئك القائلين من المنافقين - ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم، فإن الكفار لما أرجفوا أن النبي قد قتل دعا المنافقون بعض ضعفة المسلمين إلى الكفر فنهاهم الله عن الالتفات إلى كلامهم.

الإيضاح

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ) أي إن تطيعوا الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد ﷺ فتقبلوا رأيهم وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون - يحملوكم على الردة بعد الإيمان والكفر بالله وآياته، ويرجعوكم عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له خاسرين للدنيا والآخرة، أما خسران الأولى فبخضوعكم لسلطانهم وذلتكم بينهم وحرمانكم من السعادة والملك والتمكين في الأرض كما وعد الله المؤمنين الصادقين « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ».

وأما خسران الثانية فيما يصيبكم من العذاب الأبدى في النار وبئس القرار.

(بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) أي لا تفكروا في ولاية أبي سفيان وشيعته، ولا عبد الله بن أبي وحزبه، ولا تأبهوا لإغوائهم فإنهم لا يستطيعون لكم نصرا، وإنما الله هو الذي ينصركم بعنايته التي وعدكم بها في قوله: « فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ » فقد جرت سنته أن يتولى الصالحين ويخذل الكافرين كما قال: « أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها، ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ».

(سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا) أي إنه سبحانه سيحكّم في أعدائكم الكافرين سننه ويلقى في قلوبهم الرعب بسبب إشراكهم بالله أصناما ومعبودات لم يقم برهان من عقل ولا نقل على ما زعموا من ألوهيتها، وكونها واسطة بين الله وخلقه، وإنما قلدوا في ذلك آباءهم الذين ضلوا من قبل، ومن ثم كانوا عرضة لاضطراب القلب، واتباع خطوات الوهم، فهم يعدّون الوساوس أسبابا، والهواجس مؤثرات وعللا، ويرجون الخير مما لا يرجى منه الخير، ويخافون مما لا يخاف منه الضّير.

وفي الآية إيماء إلى بطلان الشرك، وسوء أثره في النفوس، إذ طبيعته تورث القلوب الرعب، باعتقاد أن لبعض المخلوقات تأثيرا غيبيا وراء السنن الإلهية، والأسباب العادية، فالمشركون الذين جاهدوا الحق، وآثروا مقارعة الداعي ومن استجاب له بالسيف، بغيا وعدوانا - يرتابون فيما هم فيه ويتزلزلون إذا شاهدوا الذين دعوهم ثابتين مطمئنين، ولا يزال ارتيابهم يزيد حتى تمتلىء قلوبهم رعبا.

والخلاصة - إن طبيعة المشركين إذا قاوموكم أيها المؤمنون، أن تكون نفوسهم مضطربة، وقلوبهم ممتلئة رعبا وهلعا منكم فلا تخافوهم، ولا تبالوا بقول من يدعوكم إلى موالاتهم والالتجاء إليهم.

وبعد أن بين أحوال هؤلاء المشركين في الدنيا من وقوع الخوف والهلع في قلوبهم - ذكر أحوالهم في الآخرة فقال:

(وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) أي إن مسكنهم النار بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والجحود ومعاندة الحق ومقاومة أهله، وظلمهم للناس بسوء المعاملة وفى التعبير بالمثوى المنبئ عن المكث الطويل دليل على الخلود فيها.

[سورة آل عمران (3): الآيات 152 الى 155][عدل]

ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)

تحسونهم: أي تستأصلونهم بالقتل من قولهم: جراد محسوس: إذا قتله البرد، وسنة حسوس: إذا أتت على كل شيء، فكأن القتل أبطل حسه بالقتل كما يقال بطنه أصاب بطنه، ورأسه أصاب رأسه، بإذنه أي بعونه وتأييده، فشلتم أي ضعفتم، في الأمر أي أمر الحرب، صرفكم عنهم أي كفكم عنهم حتى تحولت الحال من الغلبة إلى ضدها، ليبتليكم أي ليختبركم، والمراد ليعاملكم معاملة من يمتحن ويختبر، عفا عنكم أي تاب عليكم، تصعدون أي تذهبون في الأرض وتبعدون، يقال أصعدنا من مكة إلى المدينة أي ذهبنا، ولا تلوون على أحد أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب، يقال فلان لا يلوي على شيء أي لا يعطف عليه ولا يبالي به، في أخراكم أي في آخركم، يقال جئت في آخر الناس، وفى أخراهم، وفى أخرياتهم، فأثابكم: أي جازاكم، الغم: ألم أو ضيق في الصدر يكون من الأمر الذي يسوء الإنسان ولا يدرى المخرج منه، والأمنة: الأمن وهو ضد الخوف، يغشى: يغطى ويستر، يقال غشيه النعاس أو النوم أي غطاه كما يلقى الستر على الشيء: لبرز: أي لخرج لسبب من الأسباب، إلى مضاجعهم: أي مصارعهم التي قدر قتلهم فيها، وذات الصدور السرائر، والجمعان جمع المؤمنين وجمع المشركين، استزلهم أي أوقعهم في الزلل والخطيئة، ببعض ما كسبوا: أي بسبب بعض الذنوب التي اقترفوها، فمنعوا من التأييد الإلهي.

المعنى الجملي

روى ابن جرير عن السدي قال: لما برز رسول الله ﷺ إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير، ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفى إلى الجنة، أو يعجلنى بسيفه إلى النار؟ فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفى إلى النار، أو يعجلنى بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم فتركه، فكبر رسول الله ﷺ وقال أصحاب علي له: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال إن ابن عمى ناشدنى حين انكشفت عورته فاستحييت منه، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي ﷺ وأصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع.

ثم لما نظر الرماة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله ﷺ، فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر.

فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل على أصحاب النبي ﷺ، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا، فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوا منهم نحو سبعين.

ونستخلص من هذه الرواية أمرين:

(1) أن النبي ﷺ أمر الرماة ألا يبرحوا مكانهم، وأنه قال لهم لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم.

(2) أن الذي عصى أمره من الرماة عامتهم، أما الذين بلغ الإيمان قرارة نفوسهم فقد ثبتوا.

وروى الواحدي عن محمد بن كعب قال: لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد - قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله تعالى النصر؟ فأنزل الله (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) الآية.

الإيضاح

(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) أي ولقد وفى لكم ربكم بوعده الذي وعدكم على لسان رسوله محمد ﷺ من النصر على العدو حين تقتلونه قتلا ذريعا بتيسير الله ومعونته، وكان رسول الله ﷺ وعدهم النصر يومئذ إن انتهوا إلى أمره.

(حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ) أي صدقكم الله وعده حتى ضعفتم في الرأي والعمل، فلم تقووا على حبس أنفسكم عن الغنيمة، وتنازعتم، فقال بعضكم: ما بقاؤنا هنا وقد انهزم المشركون؟ وقال آخرون: لا نخالف أمر الرسول ﷺ، وعصيتم رسولكم وقائدكم بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه يحمون ظهور المقاتلة بنصح المشركين بالنبل، من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر والظفر، فصبرتم على الضراء ولم تصبروا على السراء.

وصفوة القول - إن الله نصركم على عدوكم إلى أن كان منكم الفشل والتنازع وعصيان أمر قائدكم ﷺ، فانتهى النصر، لأن الله تعالى إنما وعدكم النصرة بشرط التقوى والصبر على الطاعة.

وفي قوله: من بعد ما أراكم ما تحبون - تنبيه إلى عظم المعصية، لأنه كان من حقهم حين رأوا إكرام الله لهم بإنجاز الوعد أن يمتنعوا عن عصيانه، فلما أقدموا عليه لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم.

(مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا) وهم الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فيه رسول الله ﷺ في الشّعب من أحد وذهبوا وراء الغنيمة.

(وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) وهم الذين ثبتوا من الرماة مع قائدهم عبد الله بن جبير وهم نحو عشرة وكان الرماة قبلا نحو خمسين، والذين ثبتوا مع النبي ﷺ وهم ثلاثون رجلا.

(ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) أي ثم كفكم عنهم حتى تحولت الحال من النصرة إلى ضدها، ليعاملكم معاملة من يمتحن، ليستبين أمركم وثباتكم على الإيمان.

والخلاصة - إن الله صدقكم وعده، فكنتم تقتلونهم بإذنه ومعونته قتل حسّ واستئصال، ثم صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم، وحال بينكم وبين تمام النصر ليمتحنكم بذلك: أي ليكون ذلك ابتلاء واختبارا لكم يمحصكم به، ويميز الصادقين من المنافقين.

(وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ) بذلك التمحيص الذي محا أثر الذنب من نفوسكم حتى صرتم كأنكم لم تفشلوا، وقد استبان أثر هذا العفو فيما بعد، كما حدث في وقعة (حمراء الأسد).

(وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي والله ذو فضل وطول على أهل الإيمان به وبرسوله، فيعفو عن كثير مما يستوجبون به العقوبة من الذنوب، ولا يذرهم على ما هم عليه من تقصير يهبط بنفوس بعض، وضعف يلمّ بآخرين، بل يمحص ما في صدورهم حتى يكونوا من المخلصين الطائعين المخبتين.

(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ) أي صرفكم عنهم حين أصعدتم أو ذهبتم منهزمين، لا تلتفتون من شدة الدهشة التي عرتكم، والذّعر الذي فجأكم.

وبينا أنتم في هذه الحال إذا بالرسول يدعوكم من ورائكم وينادى، هلمّ إلي عباد الله، إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة، وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، وقد كان لكم أسوة بالرسول، فتقتدون به في الصبر والثبات.

(فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) قال في الأساس: إنه لفى غمّة من أمره: إذا لم يهتد للخروج منه، ومنه قوله تعالى: « لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً » والغم الأول ما حصل للصحابة رضوان الله عليهم بالهزيمة والقتل، والغم الثاني للرسول ﷺ بمخالفة أمره، أي إنكم لما أذقتم الرسول غما بسبب عصيانكم أمره، أذاقكم الله غم الانهزام وقتل الأحباب.

والخلاصة - إنه أذاقكم هذا عوض هذا.

وقد يكون المعنى - جازاكم غما متصلا بغم من الإرجاف بقتل رسول الله ﷺ بعد الجرح والقتل وظفر المشركين بكم حتى صرتم من شدة الدهش يضرب بعضكم بعضا، وقد فاتتكم الغنيمة التي طمعتم فيها.

(لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ) أي لأجل أن تمرنوا على تجرّع الغموم، وتتعودوا احتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على ما يفوت من المنافع والمغانم.

(وَلا ما أَصابَكُمْ) أي ولا تحزنوا على ما أصابكم من المضارّ، إذ التربية إنما تكون بالعمل والمران الذي يكمل به الإيمان وتثبت الفضائل.

(وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) فهو عالم بجميع أعمالكم ومقاصدكم، والدواعي التي حفزتكم عليها، وقادر على مجازاتكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

وفي هذا ترغيب في الطاعة، وزجر عن الإقدام على المعصية.

(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا) أي ثم وهبكم من بعد الغم الذي اعتراكم أمنا أزال عنكم الخوف الذي كان بكم، حتى نعستم وغلبكم النوم، لتستردوا ما فقدتم من القوة بما أصابكم من القرح وما عرض لكم من الضعف.

والنوم نعمة كبرى لمن يصاب بمثل تلك المصايب، وعناية من الله يخص بها بعض عباده في مثل تلك المحن ليخفف وقعها على النفوس.

وعن أبي طلحة رضي الله عنه غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، وما من أحد إلا يميل تحت حجفته (ترسه).

وعن الزبير رضي الله عنه، لقد رأيتنى مع رسول الله ﷺ حين اشتد علينا الخوف، فأرسل الله علينا النوم، والله إني لأسمع معتّب بن قشير والنعاس يغشانى، ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا.

(يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ) قال ابن عباس هم المهاجرون وعامة الأنصار الذين كانوا على بصيرة في إيمانهم.

(وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) يقال همنى الشيء أي كان من همى وقصدى أي وجماعة من المنافقين كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ومن لف لفهم، قد شغلوا بأنفسهم عن الرسول والدفاع عن الدين.

وخلاصة هذا - إن المؤمنين بعد انتهاء الموقعة صاروا فريقين:

(1) فريق ذكروا ما أصابهم فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم، وذكروا وعد الله بنصرهم فاستغفروا لذنوبهم، ووثقوا بوعد ربهم، وأيقنوا أنهم إن غلبوا هذه المرة بسبب ما أصابهم من الفشل والتنازع وعصيان الرسول، فإن الله سينصرهم بعد، فأنزل الله عليهم النعاس أمنة حتى يستردوا ما فقدوا من قوة، ويذهب عنهم ما عرض لهم من ضعف.

(2) فريق أذهلهم الخوف حتى صاروا مشغولين عن كل ما سواهم، إذ الوثوق بوعد الله ووعد رسوله لم يصل إلى قرارة نفوسهم، لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم، لا جرم عظم الخوف لديهم، وحق عليهم ما وصفهم الله به من قوله:

(يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ) غير الحق أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظنوه، إذ كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد نبيا حقا ما سلط الله عليه الكفار، وهذا مقال لا يقوله إلا أهل الشرك بالله.

(يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ؟) أي يقول بعضهم لبعض على سبيل الإنكار: هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب؟ يعنون أنه ليس لهم من ذلك شيء، لأن الله سبحانه وتعالى لا ينصر محمدا ﷺ، فهم قد فهموا أن النصر وحقية الدين متلازمان، فما حدث في ذلك اليوم دليل على أن هذا الدين ليس بحق، وهذا خطأ كبير، فإن نصر الله رسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالا ولكن العاقبة للمتقين.

ثم أتى بجملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها.

(قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) أي إن كل أمر يجرى فهو بحسب سننه تعالى في الخليقة، ووفق النظم التي وضعها، وربط فيها الأسباب بالمسببات.

ومن ذلك نصر من ينصره من المؤمنين كما وعد بذلك في قوله: « كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي » وقوله: وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ».

(يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ) أي يضمرون في أنفسهم ما لا يستطيعون إعلانه لك، فهم يظهرون أنهم يسألون مسترشدين طالبين النصر بقولهم (هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْ ءٍ) ويبطنون الإنكار والتكذيب.

(يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا) أي يقولون لو كان أمر النصر والظفر بأيدينا كما ادعى محمد أن الأمر كله لله ولأوليائه، وأنهم الغالبون لما غلبنا، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة.

وهذا منهم تقرير لرأيهم واستدلال عليه بما وقع لهم، وقد غفلوا عن أن الآجال محدودة، والأعمار موقوتة بوقت لا تعدوه، ومن ثم أمر الله نبيه أن يجيبهم بقوله:

(قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ) أي لو كنتم في بيوتكم ولم تخرجوا للقتال - لخرج من بينكم من انتهت آجالهم وثبت في علم الله أنهم يقتلون إلى حيث يقتلون ويسقطون في البراز (الأرض المستوية) فتكون مصارع ومضاجع لهم.

والخلاصة - إن الحذر لا يدفع القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير فالذين قدر عليهم القتل لا بد أن يقتلوا على كل حال، وإلا انقلب علم الله جهلا، فقتل من قتل إنما جاء لانتهاء آجالهم كما قدر ذلك في اللوح المحفوظ، وكتب مع ذلك أنهم هم الغالبون، وأن العاقبة لهم، وأن دين الإسلام سيظهر على الدين كله.

(وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ) أي وقد فعل ذلك ليكون القتل عاقبة من انتهت آجالهم، وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص وعدمه، فيظهر ما انطوت عليه من ضعف وقوة، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان، ويطهرها حتى تصل إلى الغاية القصوى من الإيقان.

وقد قيل: لا تكرهوا الفتن، فإنها حصاد المنافقين.

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) أي عليم بالأسرار والضمائر، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

وفي هذا ترغيب وترهيب، وتنبيه إلى أن الله غني عن الابتلاء والامتحان، وإنما يظهر ذلك على هذه الصورة لحكم يعلمها كمران المؤمنين على الصبر وتحمل المشاق وإظهار حال المنافقين، لأن الحقائق قد تخفى على أربابها، فينخدعون للشعور العارض بدون تمحيص ولا ابتلاء، كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه كما تقدم.

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا) أي إن الرماة الذين أمرهم الرسول ﷺ أن يثبتوا في أماكنهم ليدفعوا المشركين عن ظهور المؤمنين، ما تركوا هذه المواقع إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل واستجراره لهم بالوسوسة، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخّص فيها الإنسان سهلت استيلاء الشيطان على نفسه، فهم قد انحرفوا عن أماكنهم بتأوّل، إذ ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة من هزيمتهم، فلا يترتب على ذهابهم وراء الغنائم فوات منفعة ولا وقوع في ضرر، ولكن هذا التأويل كان سببا في كل ما جرى من المصايب التي من أجلها ما أصاب الرسول ﷺ، والذنب يجر إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة، وعلى هذا فالزلل الذي أوقعهم فيه الشيطان هو ما كان من الهزيمة والفشل بعد توليهم عن مكانهم طمعا في الغنيمة، وهذا التولي هو بعض ما كسبوا.

وفي هذا إيماء إلى سنة من سنن الله في أخلاق البشر وأعمالهم، وهي أن المصايب التي تعرض لهم في خاصة أنفسهم أو في شئونهم العامة، إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم، ولكن الله قد يعفو عن بعض الأعمال التي لا أثر لها في النفس وليست ملكة ولا عادة لها، بل صدرت هفوة غير متكررة، وهي التي عناها سبحانه بقوله: « وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » وإليها الإشارة بقوله: « وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ».

فهذه المصايب والعقوبات، سواء أكانت في الدنيا أم في الآخرة - آثار طبيعية للأعمال السيئة.

(وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) أي إنّ ما صدر منهم من الذنوب في هذا اليوم يستحق أن يعاقبوا عليه في الدنيا والآخرة، لكن الله عفا عن عقوبتهم الأخروية، وجعل عقوبتهم في الدنيا تربية وتمحيصا.

وفي هذا دفع لاستيلاء اليأس على نفوسهم، وتحسين لظنونهم.

(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) أي إن الله يغفر الذنوب جميعا صغيرها وكبيرها بعد التوبة والاعتذار، حليم لا يعاجل بالعقوبة على الذنب.

وقد جاءت هذه الجملة كالسبب للعفو عن هؤلاء المتولين وقد كانوا أكثر المقاتلين، فإنه لم يبق مع النبي ﷺ يوم أحد إلا ثلاثة عشر رجلا، خمسة من المهاجرين وباقيهم من الأنصار، وقد بالغ بعض المنهزمين في الفرار حتى إن بعضهم لم يرجعوا إلى رسول الله ﷺ إلا بعد ثلاثة أيام، فقال لهم لقد ذهبتم بها عريضة، وبعضهم رجع في ذلك اليوم واجتمعوا على الجبل كعمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[سورة آل عمران (3): الآيات 156 الى 158][عدل]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)

تفسير المفردات

المراد بالذين كفروا هنا: المنافقون كعبد الله بن أبي وأصحابه، ضربوا في الأرض: أي سافروا فيها للتجارة والكسب، لإخوانهم: أي في شأنهم، والأخوة تشمل أخوة النسب وأخوة الدين والمودة، وغزّى: واحدهم غاز وهو المقاتل في الحرب.

المعنى الجملي

بعد أن بين سبحانه فيما سلف لعباده المؤمنين أن الهزيمة التي حلت بهم يوم أحد كانت بوسواس من الشيطان استزلهم به فزلوا - حذرهم هنا من مثل هذه الوسوسة التي أفسد بها الشيطان قلوب الكافرين.

الإيضاح

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا) أي لا تكونوا أيها المؤمنون كأولئك المنافقين الذين قالوا في شأن إخوانهم حين سافروا في الأرض للتجارة والكسب فماتوا، أو كانوا غزاة في وطنهم أو في بلاد أخرى فقتلوا: لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

وعبر عن هؤلاء المنافقين بالكافرين، لبيان أن مثل هذا لا ينبغي أن يصدر من المؤمنين، بل إنما يصدر من الكافرين، إذ أن من مات أو قتل فقد انتهى أمره، فقولهم (لو كان كذا) عبث لأن ما وقع لا يرتفع، والحسرة عليه لا تفيد، ومن شأن المؤمنين أن يكونوا صحيحى العقل والإدراك.

إلى أن في هذا القول جهلا بالدين وجحدا له فإن الله يقول: « وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا ».

وعقيدة القضاء والقدر لا تجعل المسلم مجبورا على أفعاله التي تصدر منه، فإن القضاء تعلق العلم الإلهي بالشيء، والعلم انكشاف لا يفيد الإلزام، والقدر وقوع الشيء بحسب العلم، والعلم لا يكون إلا مطابقا للواقع وإلا كان جهلا.

والله تعالى قد جعل للإنسان اختيارا في أعماله، لكنه خلقه مع ذلك ناقص القدرة والإرادة والعلم، فقد يعزم على العمل ثم تنفسخ عزيمته لتغير علمه بالمصلحة أو لعجزه عن تنفيذ ما عزم عليه، مع اعتقاده بأنه هو الموافق للمصلحة لمرض يلمّ به، أو مانع يحول بينه وبين تنفيذ ما عزم عليه.

وإنا لنرى هذا يحدث كل يوم، فليس الإنسان بقادر على أن يفعل كل ما يشاء كما يخيل إلى الناس اغترارا بما ينفذونه من عزائمهم، فاختياره في أعماله وقدرته عليها ومعرفته الأسباب، كل ذلك له حدود لا يتعداها، فهو لا يحيط علما بأسباب الموت، ولا يقدر على اجتناب كل ما يعلم من أسبابه، وما كل ما يتعرض له يقع، فالذين يعرّضون أنفسهم لنار الحرب قد يسلم أكثرهم ويقتل أقلهم.

ومن هذا تعلم أن الشيء متى وقع علم أن وقوعه لم يكن منه بد، وأن الإنسان إذا كان يؤمن بمعونة الله وتأييده، وأنه يوفقه إلى علم ما يجهل من أسباب سعادته، يكون مع أخذه بالأسباب أنشط في العمل، وأبعد عن اليأس والكسل.

(لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) أي لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا فيمن ماتوا أو قتلوا ما قالوا، ليكون عاقبة ذلك القول مع الاعتقاد حسرة في قلوبهم على من فقد من إخوانهم تزيدهم ضعفا وتورثهم ندما على تمكينهم إياهم من التعرض لما ظنوه سببا ضروريا للموت، فإنكم إذا كنتم مثلهم في ذلك يصيبكم من الحسرة مثل ما يصيبهم، وتضعفون عن القتال كما يضعفون، فلا يكون لكم ميزة عنهم بالعقل الراجح الذي يهدى صاحبه إلى أن الذي وقع كان لا بد أن يقع، فلا يتحسر عليه، ولا بالإيمان الصادق الذي يزيد صاحبه إيقانا وتسليما بكل ما يجرى به القضاء (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي والله هو المؤثر وحده في الحياة والموت بمقتضى سننه في أسبابهما، وليس للإقامة والسفر مدخل فيهما، فإن الله قد يحيى المسافر والغازي مع تعرضهما لأسباب الهلاك، ويميت المقيم والقاعد وإن كانا تحت ظلال النعيم.

وقد أثر عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته: ما في موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح، وهأنذا أموت كما يموت العير (الحمار) فلا نامت أعين الجبناء.

(وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فلا يخفى عليه شيء مما تكنّون في أنفسكم من المعتقدات التي لها أثر في أقوالكم وأفعالكم، فاجعلوا نفوسكم طاهرة من وساوس الشيطان حتى لا يصدر منها ما يصدر من الكفار.

وفي هذا تهديد للمؤمنين حتى لا يماثلوا الكفار في أقوالهم وأفعالهم.

ثم بشر من قتل أو مات في سبيل الله بحسن المآل فقال:

(وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) الموت في سبيل الله هو الموت في عمل من الأعمال التي يعملها الإنسان في سبيل البر والخير التي هدى الله الإنسان إليها ويرضاها منه، فالمحارب قد يموت في أثناء الحرب من التعب والإعياء، أو الإتيان بعمل من الأعمال التي تستدعيها الحروب فيكون هذا موتا في سبيل الله.

أي إن مغفرة الله ورحمته لمن يموت أو يقتل في سبيل الله، خير لكم من جميع ما يتمتع به الكفار من المال والمتاع في هذه الدار الفانية، فإن هذا ظل زائل، وذاك نعيم خالد.

والخلاصة - إن ما ينتظره المؤمن المقاتل في سبيل الله من المغفرة التي تمحو ما كان من ذنوبه، والرحمة التي ترفع درجاته - خير له مما يجمع أولئك الحريصون على الحياة الذين يتمتعون باللذات والشهوات.

فما أجدر المؤمنين أن يؤثروا مغفرة الله ورحمته على الحظوظ الفانية، وألا يتحسروا على من يقتل منهم أو يموت في سبيل الله فإن ما يلقونه بعدهما خير لهم مما كانوا فيه قبلهما.

ثم حثهم على العمل في سبيل الله، لأن المآل إليه فقال:

(وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) أي إنكم بأى سبب كان هلاككم فإنكم إلى الله تحشرون لا إلى غيره، فيجزى كلا منكم بما يستحق من الجزاء، فيجازى المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ولا يرجى من غيره ثواب، ولا يتوقع منه دفع عقاب، فآثروا ما يقربكم إليه، ويجلب لكم رضاه من العمل بطاعته، وعليكم بالجهاد في سبيله، ولا تركنوا إلى الدنيا ولذاتها، فإنها فانية، وتلك الحياة الأخرى باقية خالدة.

والمراد من الحشر إلى الله في مثل هذا مما جاء في القرآن الكريم، أن الإنسان في ذلك اليوم الذي يحشر فيه الناس يستقبل ما يلاقيه من الله جزاء عمله، لا يشغله عنه شيء، فيكون بذلك راجعا عن كل شيء فيه إلى الله، محشورا مع سائر الناس.

أما الإنسان في هذه الدار فقد يغفل عن الله وينسى هيبته وجلاله، وعظمته وسلطانه، لاشتغاله بدفع المكاره عن نفسه، وجلب اللذات والرغائب لها.

وإذا كان هذا مصير كل حي مهما كان سبب موته أو قتله، فالاشتغال بذكر سبب المصير ومبدئه لا يفيد، وإنما الذي يجدر بالعاقل هو الاهتمام بالمستقبل والاستعداد له، والعمل لما به الفوز والسعادة فيه.

[سورة آل عمران (3): الآيات 159 الى 160][عدل]

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)

تفسير المفردات

اللين في المعاملة: الرفق والتلطف فيها، والفظ: الخشن الشّرس الأخلاق الجافي في المعاشرة في القول والفعل، والغليظ: القاسي الذي لا يتأثر قلبه من شيء، وانفضّ القوم: تفرقوا كما قال: « وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها » والمشاورة: من قولك شرت العسل إذا اجتنيتها واستخرجتها من موضعها، والمراد بالأمر سياسة الأمة في الحرب والسلم والخوف إلى نحو ذلك من المصالح لدنيوية، والتوكل: إظهار العجز والاعتماد على غيرك والاكتفاء به في فعل ما تحتاج إليه.

المعنى الجملي

بعد أن أرشد سبحانه عباده المؤمنين في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم - زاد في الفضل والإحسان إليهم في هذه الآيات بأن مدح الرسول ﷺ على عفوه عنهم وتركه التغليظ عليهم، وقد نزلت هذه الآيات عقب وقعة أحد التي خالف فيها النبي ﷺ بعض أصحابه، وكان من جرّاء ذلك ما كان من الفشل وظهور المشركين عليهم حتى أصيب النبي ﷺ مع من أصيب، فضبر وتجلد ولان في معاملة أصحابه وخاطبهم بالرفق ولم يعاتبهم، اقتداء بكتاب الله إذ أنزل في هذه الواقعة آيات كثيرة بين فيها ما كان من ضعف بعض المسلمين وعصيانهم وتقصيرهم، حتى ذكر الظنون والهواجس النفسية، لكن مع العتب المقترن بذكر العفو والوعد بالنصر وإعلاء الكلمة.

الإيضاح

(فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) أي إنه قد كان من أصحابك ما يستحق الملامة والتعنيف بمقتضى الطبيعة البشرية، إذ صدروا عنك حين اشتداد الأهوال، وشمّروا للهزيمة والحرب قائمة على قدم وساق، ومع ذلك لنت لهم وعاملتهم بالحسنى بسبب الرحمة التي أنزلها الله على قلبك، وخصّك بها، إذ أمدك بآداب القرآن العالية، وحكمه السامية، حتى هانت عليك المصايب، وعلّمتك ما لها من المنافع وحسن العواقب.

وقد مدح الله نبيه بحسن الخلق في مواضع من كتابه فقال: « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » وقال: « لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ »

وقال ﷺ: « لا حلم أحبّ إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه ».

(وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) أي ولو كنت خشنا جافيا في معاملتهم لتفرقوا عنك، ونفروا منك، ولم يسكنوا إليك، ولم يتم أمرك من هدايتهم وإرشادهم إلى الصراط السوي.

ذاك أن المقصود من بعثة الرسل تبليغهم شرائع الله إلى الخلق، ولا يتم ذلك إلا إذا مالت قلوبهم إليهم، وسكنت نفوسهم لديهم، وذلك إنما يكون إذا كان الرسول رحيما كريما يتجاوز عن ذنب المسيء، ويعفو عن زلاته، ويخصه بوجوه البر والمكرمة والشفقة.

(وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) أي واسلك معهم سبيل المشورة التي اتبعتها في هذه الواقعة ودم عليها - فإنهم وإن أخطئوا الرأي فيها، فإن في تربيتهم عليها دون الانقياد لرأى الرئيس وإن كان صوابا نفعا في مستأنف أمرهم ومستقبل حكومتهم ما حافظوا عليها.

فالجماعة أبعد عن الخطإ من الفرد في أكثر الحالات، وما ينشأ من الخطر على الأمة بتفويض أمرها إلى واحد مهما حصف رأيه، أشد من الخطر الذي يترتب على رأى الجماعة.

ولما كانت الاستشارة سبيلا للنزاع ولا سيما إذا كثر المستشارون - أمر الله نبيه أن يقرر هذه السنة عملا، فكان يستشير صحبه بهدوء وسكينة ويصغى إلى كل قول ويرجح رأيا على رأى بما يرى فيه من المصلحة والفائدة بقدر المستطاع.

وقد عمل النبي ﷺ بالشّورى في حياته، فكان يسيشير السواد الأعظم من المسلمين، ويخص بها أهل الرأي والمكانة في الأمور التي يضر إفشاؤها.

فاستشارهم يوم بدر لما علم بخروج قريش من مكة للحرب ولم يبرم الأمر حتى صرح المهاجرون والأنصار بالموافقة، واستشارهم يوم أحد كما علمت، وهكذا كان يستشيرهم في كل مهمّ ما لم ينزل عليه فيه وحي، فإنه إذ ذاك لا بد من نفاذه، ولم يضع للنبي ﷺ قواعد الشورى، لأنها تختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية، وبحسب الزمان والمكان، ولأنه لو وضع لها قواعد لاتخذها المسلمون دينا وحاولوا العمل بها في كل زمان ومكان، ومن ثم قال الصحابة في اختيار أبي بكر خليفة رضيه رسول الله ﷺ لديننا، إذ أمره بالإمامة في الصلاة حين مرضه أفلا نرضاه لدنيانا؟

ولكن الخلفاء فيما بعد لم يتبعوا هذه السنة، ولا سيما زمن الدولة العباسية، إذ كان للأعاجم سلطان كبير في ملكهم، ثم جرى على ذلك سائر الملوك من المسلمين فيما بعد، وجاراهم على ذلك علماء الدين، حتى ظن كثير من غير المسلمين أن السلطة في الإسلام استبدادية، وأن الشورى اختيارية، ولكن هذا بعيد من الصواب، بعد أن صرح القرآن بالشورى وأمر نبيه بها وهو المعصوم عن الهوى وللشورى فوائد جمة منها:

(1) إنها تبين مقادير العقول والأفهام، ومقدار الحب والإخلاص للمصالح العامة.

(2) إن عقول الناس متفاوتة وأفكارهم مختلفة، فربما ظهر لبعضهم من صالح الآراء ما لا يظهر لغيره وإن كان عظيما.

(3) إن الآراء فيها تقلّب على وجوهها، ويختار الرأي الصائب من بينها.

(4) إنه يظهر فيها اجتماع القلوب على إنجاح المسعى الواحد، واتفاق القلوب على ذلك مما يعين على حصول المطلوب، ومن ثم شرعت الاجتماعات في الصلوات، وكانت صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة.

وعن الحسن رضي الله عنه: قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستنّ به من بعده، وعن النبي ﷺ أنه قال « ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم » وعن أبي هريرة رضي الله عنه: ما رأيت أحدا أكثر مشاورة من أصحاب النبي ﷺ.

(فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) أي فإذا عقدت القلب على فعل شيء وإمضائه بعد المشاورة ومبادلة الرأي فيه، فتوكل على الله، وفوّض الأمر إليه بعد أخذ الاهبة واستكمال العدّة، ومراعاة الأسباب التي جعلها الله وسيلة للوصول إلى المسببات كما ورد في الحديث « اعقلها وتوكل ».

ولا تتكل على ما أوتيت من حول وقوة، ولا على إحكام الرأي وأخذ العدة، فذلك كله ليس بكاف في النجاح ما لم تقرن به معونة الله وتوفيقه، لأن الموانع الخارجية والعوائق التي تحول دون الوصول إلى البغية، لا يحيط بها إلا علام الغيوب، فلا بد من الاتكال عليه والاعتماد على حوله وقوته.

وفي الآية إيماء إلى وجوب إمضاء العزيمة متى استكملت شروطها التي من أهمها المشورة.

وسر هذا أن نقض العزائم خور في النفس، وضعف في الأخلاق يجعل صاحبه غير موثوق به في قول ولا فعل، ولا سيما إذا كان رئيس حكومة، أو قائد جيش، ومن ثم لم يصغ النبي ﷺ إلى مشورة من رجع عن رأيه الأول وهو الخروج إلى أحد حين لبس لامته وخرج، إذ رأى أن هذا شروع في العمل بعد أن أخذت الشورى حقها.

وبذلك علمهم أن لكل عمل ميقاتا محدودا، وأن وقت المشورة متى انتهى جاء طور العمل، وأن الرئيس إذا شرع في العمل تنفيذا للشورى لا يجوز أن ينقض عزيمته، ويبطل عمله، ولو كان يرى أن أهل الشورى أخطئوا الرأي والتدبير كما حدث في مسألة أحد كما تقدم.

ولا يزال أهل السياسة والحرب في البلاد ذات الحضارة والمدنية يجرون على هذه القاعدة ويجعلونها دستورا لأعمال أممهم، ولا ينقضونها على أي حال، حتى قال أحد كبار الساسة الإنجليز: إن السياسة متى قررت شيئا وشرعت فيه وجب إمضاؤه وامتنع نقضه والرجوع عنه وإن كان خطأ.

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) عليه الواثقين به، فينصرهم ويرشدهم إلى ما هو خير لهم كما تقتضيه المحبة.

وفي الآية إرشاد للمكلفين، وترغيب لهم في التوكل على الله، والرجوع إليه، والإعراض عن كل ما سواه.

قال الرازي: دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما يقول بعض الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل، بل التوكل عليه أن يراعى الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعوّل بقلبه عليها، بل يعول على عصمة الحكمة اهـ.

فالتوكل الصحيح إنما يكون مع الأخذ بالأسباب، وبدونها يكون دعوى التوكل جهلا بالشرع وفسادا في العقل، قال تعالى: « فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ » وقال: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ » وقال: « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ » وقال: « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » وقال لنبيه لوط « فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ » وقال لموسى عليه السلام: « فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا » وقال حكاية عن نبيه يعقوب لابنه يوسف: « لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا » وقال أيضا حاكيا عنه: « يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ » ففي هذا أمر بالحذر مع التنبيه إلى أنه متوكل على الله، ولا تنافى بينهما ولا غنى للمؤمن عنهما.

روى أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) عن ابن عباس مرفوعا « يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون »

وقد قرن التوكل بترك الأعمال الوهمية دون غيرها، إذ لم ينف من الأعمال إلا الاستشفاء بالرّقية وهي إنما يطلبها الجاهلون بالأسباب الحقيقية، وإلا التطير وهو التيمن والتشاؤم بحركات الطير، وإلا الكي بالنار وكانوا يتداوون به في الجاهلية، وكان النبي ﷺ يكرهه لأمته، ويعده من الأسباب المؤلمة التي تنافى التوكل، وقد روى أحمد « لم يتوكل من استرقى أو اكتوى ».

وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة « لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا » وهو ظاهر في أن التوكل يكون مع السعي، لأنه ذكر للطير عملا وهو الذهاب صباحا في طلب الرزق وهي فارغة البطن والرجوع وهي ممتلئتها.

وأخرج ابن حبان في صحيحه: « حديث الرجل الذي جاء النبي ﷺ وأراد أن يترك ناقته وقال: أأعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ فقال النبي ﷺ: اعقلها وتوكل ».

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: قلت لأبى هؤلاء المتوكلون يقولون: نقعد وأرزاقنا على الله عز وجل، قال: ذا قول ردىء خبيث، يقول الله عز وجل: « إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ » وقال أيضا: سألت أبى عن قوم يقولون: نتكل على الله ولا نكتسب، قال: ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله ولكن يعوّدون أنفسهم الكسب، هذا قول إنسان أحمق.

وسر هذا أن الإنسان إذا توكل ولم يستعدّ للأمر ويأخذ له الأهبة بحسب ما سنه الله من الأسباب، أسف وندم وتحسر على ما فات، وعدّ ملوما عقلا وشرعا، كما أنه إذا أخذ الأهبة واعتمد عليها وغفل قلبه عن الله كان عرضة للهلع والجزع إذا خاب سعيه ولم ينل بغيته، وربما وقع في اليأس الذي لا مطمع معه في فلاح ولا نجاح.

(إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ) أي إن أراد الله نصركم كما حدث يوم بدر حين عملتم بسنته، وثبتم في مواقفكم، واتكلتم على توفيقه ومعونته، فلا غالب لكم من الناس الذين جعلهم حرمانهم من التوكل عليه عرضة لليأس والقنوط.

وفي هذا ترغيب في التوكل على الله بعد المشورة والعزيمة الصادقة المترتبة على أخذ الاستعداد بما أوتيه من الحول والقوة.

(وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ؟) أي وإن يرد خذلانكم ويمنعكم معونته بما كسبت أيديكم من الفشل والتنازع وعصيان القائد فيما أمركم به كما جرى يوم أحد، فلا أحد يملك لكم نصرا ولا يدفع عنكم الخذلان.

(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي فليخصه المؤمنون بالتوكل، لأنه لا ناصر لهم سواه.

[سورة آل عمران (3): الآيات 161 الى 164][عدل]

وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164)

تفسير المفردات

الغلّ: الأخذ خفية كالسرقة، ثم غلب استعماله في السرقة من المغنم قبل القسمة، ويسمى الغلول أيضا، وتوفى كل نفس ما كسبت، أي تعطى جزاء ما عملت تاما وافيا، وباء: رجع، والسخط (بفتحتين وبضم فسكون): الغضب العظيم، والمأوى: المصير، هم درجات أي ذوو درجات ومنازل، والبصير هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى، منّ: أي أنعم وتفضل، من أنفسهم أي من جنسهم من العرب ليفقهوا كلامه، ويزكيهم أي يطهرهم من أدران الوثنية والعقائد الفاسدة، من قبل: أي من قبل بعثة الرسول، ضلال مبين: أي ضلال بيّن لا ريب فيه.

المعنى الجملي

بعد أن حث عز اسمه فيما سلف على الجهاد، وبين مصير المجاهد في سبيله - أتبعه هنا بذكر أحكام الجهاد، ومن جملتها الكف عن الغلول.

روى الكلبي ومقاتل: أن هذه الآية نزلت حين ترك الرماة المركز الذي وضعهم فيه النبي ﷺ يوم أحد طلبا للغنيمة وقالوا نخشى أن يقول النبي ﷺ من أخذ شيئا من مغنم فهو له، وألا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟ فقالوا تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال لهم: بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم.

الإيضاح

(وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) أي ما كان من شأن أي نبي ولا من سيرته أن يغل، لأن الله عصم أنبياءه منه، فهو لا يليق بمقامهم ولا يقع منهم، لأن النبوة أعلى المناصب الإنسانية، فصاحبها لا يرغب فيما فيه دناءة وخسة.

(وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي وكل من يقع منه غلول يأتي بما غل به يوم القيامة حاملا له، ليفتضح أمره ويزيد به في عذابه.

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: « قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا، فذكر الغلول وعظمه، وعظم أمره ثم قال: ألا لا ألفينّ أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول الله أغثنى، فأقول له لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، فيقول يا رسول الله أغثنى، فأقول لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول يا رسول الله أغثنى، فأقول لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثنى، فأقول لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك ».

وجعل بعض العلماء هذا الحديث من قبيل التمثيل، فشبهت حال الغالّ بما يرهقه من أثقال ذنبه وفضيحته به مع من فقد الناصر والمغيث - بحال من يحمل ذلك على عاتقه، ويقصد أرجى من يمكنه أن يغيثه فيخذله ويتنصل من إغاثته، وما زال الناس يشبهون الأثقال المعنوية بالأثقال الحسية، ويعبرون عن ذلك بالحمل كما قال تعالى « اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ، وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ ءٍ، إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ».

وقال أبو مسلم الأصفهاني: إن الإتيان في الآية معناه: أن الله يعلمه أتم العلم وينكشف له أوضح انكشاف، فالمراد أن كل غلول وخيانة خفية يعلمه الله مهما خفي، ويظهره يوم القيامة للغالّ حتى يعرفه كمعرفة من أتى بشىء يوصله إلى غيره، كما جاء في قوله تعالى حكاية عن لقمان: « يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ » فليس معنى الإتيان هنا أنه يحملها، بل يعلم بها مهما كانت مستترة، لأن من يأتي بالشيء لا بد أن يكون عالما به.

(ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي ثم بعد أن يأتي الغالّ بما غل فيتمثل له كأنه حاضر بين يديه، ينال جزاء ما كسب مستوفى تاما لا ينقص منه شيء كما قال تعالى: « وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها؟ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ».

وجاء حكم التوفية في الجزاء عاما لكل كاسب، وإن كان الكلام في جزاء الغالّ فحسب - ليكون كالدليل على المقصود من استيفائه الجزاء، فإنه إذا كان كل كاسب مجزيّا بعمله لا ينقص منه شيء وإن كان جرمه حقيرا، فالغالّ مع عظم جرمه أولى بذلك.

وقد أردف الله توفية ما كسبته كل نفس بالتفصيل الآتي ليبين أن جزاء المطيعين ليس كجزاء المسيئين، فقال:

(أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ؟) أي أفمن اتقى وسعى في تحصيل رضا الله بفعل الطاعات، وترك الغلول وغيره من الفواحش والمنكرات حتى زكت نفسه وصفا روحه - يكون جزاؤه كجزاء من انتهى أمره إلى سخط الله، وعظيم غضبه، بفعل ما يدسّى نفسه من الخطايا من سرقة وغلول وسلب وقتل، وترك ما يطهرها من فعل الخيرات وعمل الصالحات؟.

ثم صرح بالفارق بينهما فقال:

(وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي ومأواه الذي يأوى إليه، ولا مرجع له غيره، هي جهنم وساءت منقلبا ومرجعا ومآبا.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: « أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ » وقوله: « أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ».

(هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) أي إن كلا ممن اتبع رضوان الله ومن باء بغضب من الله طبقات مختلفة، ومنازل عند الله متفاوتة في حكمه، وبحسب علمه بشئونهم وبما يستحقون من الجزاء « يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ».

والخلاصة - إن الناس يتفاوتون في الجزاء عند الله كما يتفاوتون في الفضائل والمعرفة في الدنيا، وما يترتب على ذلك من الأعمال الحسنة أو السيئة.

وهذا التفاوت على مراتب ودرجات يعلو بعضها بعضا ابتداء من الرفيق الأعلى الذي طلبه النبي ﷺ في مرض موته إلى الدرك الأسفل.

وهذه الدرجات أثر طبيعي لارتقاء الأرواح أو تدليها بالأعمال الصالحة أو السيئة.

(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم التي لها التأثير العظيم في تزكية نفوسهم وفوزها وفلاحها وارتقائها إلى أرفع الدرجات - أو في تدسيتها التي يترتب عليها الخيبة والخسران والهبوط إلى أسفل الدركات كما قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها).

ولا يعلم هذه الدرجات إلا من أحاط بكل شيء علما، لأنه هو الذي لا يخفى عليه أثر من آثار الأعمال في الأنفس، ولا ما يختلج القلوب من الخواطر والهواجس.

وبعد أن نفى الغلول والخيانة عن النبي ﷺ على أبلغ وجه أكد ذلك بهذه الآية.

(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) أي إن هذا الرسول ولد في بلدهم، ونشأ بين ظهرانيهم، ولم يروا منه طوال حياته إلا الصدق والأمانة والدعوة إلى الله والإعراض عن الدنيا، فكيف يظن بمن هذه حاله خيانة وغلول؟.

وقد وصفه الله بأوصاف كل منها يقتضى عظيم المنة:

(1) إنه من أنفسهم أي إنه عربي من جنسهم، وبذا يكونون أسرع الناس إلى فهم دعوته والاهتداء بهديه، وأقرب إلى الثقة به من غيرهم، إلى أنهم إذا كانوا على كثب منه وقفوا على أحواله من الصدق والأمانة، إلى مالهم بذلك من شرف وجليل خطر كما قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) وقال:

وكم أب علا بابن ذا شرف كما علت برسول الله عدنان

وقد خطب أبو طالب في تزويج خديجة رضي الله عنها للنبي ﷺ بمحضر من بنى هاشم ورؤساء مضر، فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل وضئضىء (أصل) معدّ، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس.

ثم إن هذا ابن أخي محمد بن عبد الله من لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح به، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل.

وتخصيص هذه المنة بالعرب مع أنه بعث للناس كافة لمزيد انتفاعهم به، على أن هذه النعمة الكبرى ذكرت في آيات أخرى كقوله: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ).

(2) إنه يتلو عليهم آياته الدالة على قدرة الله ووحدانيته وعلمه، ويوجه النفوس إلى الاستفادة منها، والاعتبار بها كما جاء في قوله: « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ » وقوله « وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها » وقوله « أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ».

(3) إنه يزكيهم ويطهرهم من العقائد الزائفة، ووساوس الوثنية وأدرانها إذ أن العرب وغيرهم قبل الإسلام كانوا فوضى في أخلاقهم وعقائدهم وآدابهم، فكان محمد ﷺ يقتلع منهم جذور الوثنية، ويدفع عنهم العقائد الباطلة كاعتقادهم أن وراء الأسباب الطبيعية التي ارتبطت بها المسببات منافع ترجى، ومضارّ تخشى من بعض المخلوقات، فيجب تعظيمها والالتجاء إليها، دفعا لشرها، وجلبا لخيرها، وتقربا إلى خالقها.

ولا شك أن من يعتقد مثل هذا يكون أسير الأوهام، وعبد الخرافات، يخاف في موضع الأمن، ويرجو حيث يجب الحذر والخوف.

(4) إنه يعلمهم الكتاب والحكمة، فتعليم الكتاب اضطرهم إلى تعلم الكتابة، وأخرجهم من الأمية إلى نور العلم والعرفان، فقد طلب إليهم كتابة القرآن، واتخذ كتبه للوحى، وكتب كتبا دعا بها الملوك والرؤساء إلى الإسلام في سائر الأصقاع المعروفة، فانتشرت الكتابة بينهم، وعظمت مدنيتهم، وامتدت سلطتهم فملكوا الأمم التي كان لها السلطان والصّولة والنفوذ في تلك الحقبة.

كذلك علّمهم الحكمة وأرشدهم إلى البصر بفهم الأشياء، ومعرفة أسرارها، وفقه أحكامها، وبيان ما فيها من المصالح والحكم، وهداهم إلى طرق الاستدلال، ومعرفة الحقائق، ببراهينها، فكان ذلك من أكبر البواعث على العمل بها، والتمسك بأهدابها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

والخلاصة - إن تعليم الكتاب إشارة إلى معرفة ظواهر الشريعة، وتعليم الحكمة إشارة إلى فهم أسرارها وعللها وبيان منافعها.

(وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي وإنهم كانوا قبل هذه البعثة في ضلال بيّن واضح، ولا ضلال أظهر من ضلال قوم يشركون بالله ويعبدون الأصنام ويسيرون وراء الأوهام، وهم على ذلك أميون لا يقرءون ولا يكتبون حتى يعرفوا حقيقة ما هم فيه من الضلال.

وإنما جعلها منة لكونها وردت بعد محنة، فكان موقعها أعظم، إذ أن بعثة الرسول جاءت بعد جهل وبعد عن الحق، فكانت أعم نفعا وأتم وقعا.

[سورة آل عمران (3): الآيات 165 الى 168][عدل]

أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168)

تفسير المفردات

المراد بالمصيبة: ما أصابهم يوم أحد من ظهور المشركين عليهم، وقتل سبعين منهم، ومثليها أي ضعفها بقتل سبعين من المشركين، وأسر سبعين منهم يوم بدر، إني هذا؟ أي من أين لنا هذا، وهو تعجب مما حل بهم من هذا المصاب، من عند أنفسكم أي بشؤم معصيتكم، الجمعان: جمع المؤمنين وجمع المشركين، فبإذن الله أي بإرادته الأزلية وقضائه السابق بارتباط بالمسببات بأسبابها، فادرءوا أي فادفعوا، إن كنتم صادقين أي في دفع المكاره بالحذر.

المعنى الجملي

بعد أن حكى سبحانه عن المنافقين أنهم نسبوا إلى النبي ﷺ الغلول والخيانة، ثم برأه منه، وبين ما بعث لأجله - عاد هنا إلى كشف الشبهات التي عرضت للغزاة قبل الواقعة وبعدها، وبين خطأهم وضلالهم في أقوالهم وأفعالهم.

الإيضاح

(أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا؟) أي لا ينبغي لكم أن تعجبوا مما حل بكم في هذه الواقعة، فإن خذلانكم فيها لم يبلغ مبلغ ظفركم في بدر، فقد كان نصركم في تلك الواقعة ضعف انتصار المشركين في هذه. فلماذا نسيتم فضل الله عليكم في بدر فلم تذكروه، وأخذتم تعجبون مما أصابكم في أحد وتسألون عن سببه.

وفائدة قوله قد أصبتم مثليها - التنبيه إلى أن أمور الدنيا لا تدوم على نهج واحد فأنتم هزمتموهم مرتين، فكيف تستبعدون أن يهزموكم مرة واحدة.

وقد كان سبب تعجبهم أنهم قالوا: كيف ننصر الإسلام الذي هو الدين الحق ومعنا الرسول وهم ينصرون دين الشرك بالله، ومع ذلك ينصرون علينا؟.

وقد أجاب الله عن هذه الشبهة بجوابين:

(1) قوله قد أصبتم مثليها.

(2) قوله (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أي إن هذا الذي وقع إنما وقع بشؤم معصيتكم لأنكم عصيتم الرسول في أمور كثيرة:

(ا) إن الرسول ﷺ قال: المصلحة في البقاء في المدينة، فلا نخرج إلى أحد، فأبيتم إلا الخروج، وكان الرأي ما رآه الرسول حتى إذا ما دخلها المشركون قاتلوهم على أفواه الأزقة والشوارع، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من سطوح المنازل.

(ب) إنكم فشلتم وضعفتم في الرأي.

(ح) إنكم تنازعتم وحصلت بينكم مهاترة كلامية.

(د) إنكم عصيتم الرسول ﷺ وفارقتم المكان الذي أمركم بالوقوف فيه لحماية ظهوركم بنضح عدوكم بالنبل إذا أراد أن يكون من ورائكم.

ولا شك أن العقوبات آثار لازمة للأعمال، والله تعالى إنما وعدكم النصر بشرط ترك المعصية كما قال: « إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ».

(إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو القادر على نصركم لو ثبتم وصبرتم، وهو القادر على التخلي عنكم إن خالفتم وعصيتم، وهو سبحانه قد ربط الأسباب بالمسببات، ولا يشذ عن ذلك مؤمن ولا كافر.

فوجود الرسول بينكم وأنتم قد خالفتم سنن الله في البشر لا يحميكم مما تقتضيه هذه السنن.

(وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أي وكل ما أصابكم أيها المؤمنون يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أحد، فهو بإذن الله وإرادته وقضائه السابق بجعل المسببات نتائج لأسبابها فكل عسكر يخطىء الرأي، ويعصى قائده، ويخلّى بين العدو وبين ظهره، يصاب بمثل ما أصبتم به، أو بما هو أشد وأنكى منه.

وفي ذلك تسلية للمؤمنين وعبرة تشرح لهم ما تقدم من قوله: « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ».

(وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا) أي ليظهر علم الله بحال المؤمنين من قوة الإيمان وضعفه، واستفادتهم من المصايب حتى لا يعودوا إلى أسبابها، وليعرفوا سنن الله عند ما يظهر فيهم حكمها، كما يظهر حال المنافقين الذين أظهروا الإيمان وتبطنوا الكفر، فيترتب على ذلك العبرة بسوء عاقبة المنافقين حتى فيما ظنوه حزما واتقاء للمكروه، واحتياطا في الأمر، كما تحدث العبرة بحسن عاقبة الصادقين حتى فيما ظنوه شرا وكرهوا حصوله.

(وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا) أي إن هؤلاء المنافقين دعوا إلى القتال، وقيل لهم: إن كان في قلبكم حب الدين والذود عنه فقاتلوا لأجله، وإن لم تكونوا كذلك فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم.

والخلاصة - قاتلوا ابتغاء مرضاة الله وإقامة دينه، أو قاتلوا للدنيا ودافعوا عن أنفسكم وأهليكم ووطنكم، لكنهم راوغوا وقعدوا وتكاسلوا.

(قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ) أي قالوا: لو نعلم أنكم تلقون قتالا في خروجكم ما أسلمناكم، بل كنا نتبعكم، لكنا نرى أن الأمر سينتهى بدون قتال.

روي أن الآية نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه الذين خرجوا من المدينة في جملة الألف الذين خرج بهم رسول الله ﷺ ثم رجعوا من الطريق وهم ثلاثمائة ليخذلوا المسلمين، ويوقعوا فيهم الفشل.

ولا شك أن هذا الجواب منهم يدل على كمال النفاق، وأنه ما كان غرضهم منه إلا التلبيس والاستهزاء، إذ ذهاب المشركين وهم مدججون بسلاحهم إلى أحد من أقوى الأمارات على أنهم يريدون قتالا.

(هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ) أي هم يوم قالوا هذه المقالة « لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ » أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان لظهور أماراته، بانخذالهم عن نصرة المؤمنين، واعتذارهم لهم على وجه الخديعة والاستهزاء، فإن الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الأهل والوطن عند هجوم الأعداء مما يجب على المؤمن، ولا ينبغي تركه بحال.

يرشد إلى ذلك قوله تعالى: « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ».

وإنما قال: إنهم أقرب إلى الكفر، ولم يقل إنهم كفار - منعا للنبز بالكفر بالعلامات والقرائن، دون أن يكون هناك كفر صريح، ومن ثم كان النبي ﷺ يعاملهم معاملة المؤمنين، حتى إنه صلى على رئيسهم عبد الله بن أبي صلاة الجنازة بعد بضع سنين من وقعة أحد، إلى أن فضحهم الله بقوله: « وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا، وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ».

والخلاصة - إنه تعالى كان يعلم أنهم يبطنون الكفر لعملهم عمل الكفار بتركهم الجهاد، لكنه لم يصرح به، بل أومأ إليه، تأديبا لهم عسى أن يتوب على من لم يتمكن الكفر في قلوبهم، ومنعا للناس من الهجوم على التكفير بالظّنة ووجود الأمارات فحسب.

(يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) أي إن ما تقوله ألسنتهم مخالف لما تضمره قلوبهم، فهم يظهرون الإيمان باللسان ويبطنون الكفر، فالكذب دأبهم ليستروا به ما يضمرون، ويؤيدوا ما يظهرون.

وفي ذكر الأفواه والقلوب تصوير لنفاقهم، وتوضيح لمخالفة ظاهرهم لباطنهم.

والخلاصة - إنهم يتفوهون بقول لا وجود لمنشئه في قلوبهم كقولهم: لو نعلم قتالا، وقولهم: لاتبعناكم، وهم كاذبون في كل من الأمرين، فإنهم كانوا عالمين به وقد أصروا على الانخذال وعزموا على الارتداد.

ثم أكد كفرهم ونفاقهم وبين اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد فقال:

(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ) من الكفر والكيد للمسلمين وتربص الدوائر بهم، فهو في كل حين يبين مخبآت أسرارهم، ويكشف أستارهم، ثم يعاقبهم على ذلك في الدنيا والآخرة.

والخلاصة - إنه لا ينفعهم النفاق، فالله أعلم بما تكنّه سرائرهم وقلوبهم.

وبعد أن ذكر قولا قالوه قبل القتال وبين بطلانه - أردفه قولا قالوه بعده وبيّن فساده، قال:

(الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا) أي هم الذين قالوا لأجل إخوانهم الذين قتلوا في هذه الواقعة، والحال أنهم قعدوا عن القتال: لو أطاعونا في القعود ولم يخرجوا للقتال كما لم نخرج - لما قتلوا كما أنّا لم نقتل.

وفي هذا إيماء إلى أنهم أمروهم بالانخذال حين انخذلوا.

أخرج ابن جرير عن السدي قال: خرج رسول الله ﷺ في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السّلمى يدعوهم، فقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، ولئن أطعتنا لترجعنّ معنا، فنعى الله عليهم ذلك بقوله - الذين قالوا لإخوانهم - الآية.

وقد دحض الله تعالى حجتهم، وأبان لهم كذبهم، ووبخهم على ما قالوا، فقال لنبيه:

(قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أي قل لهم: إن صدور هذا القول الجازم منكم يدل على أنكم قد أحطتم علما بأسباب الموت في هذه الواقعة، وإذا جاز فيها جاز في غيرها، وحينئذ يمكنكم درء الموت ودفعه عن أنفسكم.

والخلاصة - إنكم إن كنتم صادقين في أن الحذر يغنى عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قعودكم عن القتال لا بغيره من أسباب النجاة، فادفعوا سائر صنوف الموت عن أنفسكم.

[سورة آل عمران (3): الآيات 169 الى 175][عدل]

وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)

تفسير المفردات

الاستبشار: السرور الحاصل بالبشارة، والذين لم يلحقوا بهم هم الذين بقوا في الدنيا، استجابوا أي أجابوا وأطاعوا، والقرح الجراح في يوم أحد، والإحسان أن يعمل الإنسان العمل على أكمل وجوهه الممكنة، والتقوى: أن يخاف الإساءة والتقصير فيه، حسبنا الله، أي الله كافينا، والوكيل: الكافي الذي توكل إليه الأمور، فانقلبوا، أي فرجعوا، والمراد بالنعمة: السلامة والثبات على الإيمان وطاعة الرسول، والفضل: هو الربح في التجارة، والشيطان هنا: شيطان الإنس الذي غش المسلمين ليخذلهم، وهو نعيم بن مسعود، يخوّف أولياءه، أي يخوفكم أنصاره من المشركين.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه تثبيط المشركين للراغبين في الجهاد بتحذيرهم عواقبه، وأنه مفض إلى القتل كما حدث يوم أحد، والقتل بغيض إلى النفوس مكروه لها، ثم أردفه بيان أن القتل إنما يحدث بقضاء الله وقدره كما يحدث الموت، فمن كتب له أن يقتل لا يمكنه أن يبتعد من القتل، ومن لم يقدّر له لا خوف عليه من الجهاد.

ذكر هنا ما يحبب الجهاد في سبيل الله، فأبان أن المقتولين شهداء أحياء عند ربهم قد خصهم الله بالقرب منه، والكرامة لديه، وأعطاهم أفضل أنواع الرزق وأوصلهم إلى مراتب الفرح والسرور.

أخرج الإمام أحمد في جماعة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ « لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلّقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، فقال الله تعالى: - أنا أبلغهم عنكم - فأنزل الله هؤلاء الآيات ».

الإيضاح

(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا) أي ولا تحسبن أيها السامع لقول المنافقين الذين ينكرون البعث أو يرتابون فيه، فيؤثرون الدنيا على الآخرة - أن من قتلوا في سبيل الله أمواتا قد فقدوا الحياة وصاروا عدما.

(بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) أي بل هم أحياء في عالم آخر غير هذا العالم، هو خير للشهداء، لما فيه من الكرامة والشرف عند الله، فليس القتل في سبيله بضائرهم، إذا ما صاروا إليه خيرا مما كانوا فيه، فلو سلم أن الخروج للقتال سبب للقتل لما كان مثبّطا للمؤمنين عن الجهاد عند وجوبه، كما إذا هاجم المشركون المؤمنين في مثل وقعة أحد، أو إذا فتن المسلمون عن دينهم ومنعوا من الدعوة إليه وإقامة شعائره، كما فعل مشركو العرب مع المسلمين زمن البعثة.

كيف والخروج إلى القتال كثيرا ما يكون سببا للسلامة، فإن الأمة التي لا تدافع عن نفسها يطمع فيها غيرها، وإذا هاجمها ظفر بها ونال منها ما يريد.

وهذه الحياة التي أثبتها القرآن الكريم للشهداء حياة غيبية لا ندرك حقيقتها، ولا نزيد على ما جاء به الوحي.

وقوله: يرزقون تأكيد لكونهم أحياء، وتحقيق لهذه الحياة.

(فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي مسرورين بشرف الشهادة، والتمتع بالنعيم العاجل، والزّلفى عند ربهم، والفوز بالحياة الأبدية.

(وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) أي ويسرّون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا بعد في سبيل الله، فيلحقوا بهم من خلفهم، أي أنهم بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم.

وقوله: من خلفهم إشارة إلى أنهم وراءهم يقتفون أثرهم ويحذون حذوهم قدما بقدم، وفى ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم حثّ للباقين بعدهم على زيادة الطاعة والجد في الجهاد والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم، كما فيه إخماد لحال من يرى نفسه في خير فيتمنى مثله لإخوانه في الدين، وفيه بشرى للمؤمنين بالفوز بالمئاب.

(أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي هم يستبشرون بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم أحياء، وهي أنهم عند قتلهم يفوزون بحياة أبدية لا يكدرها خوف من وقوع مكروه من أهوالها، ولا حزن من فوات محبوب من نعيمها (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) النعمة هي الثواب الذي يلقاه العامل جزاء عمله، والفضل هو التفضل الذي يمنّ الله به على عباده الطائعين المخبتين إليه، والمراد بالمؤمنين الشهداء الذين وصفوا بالأوصاف الآتية بعد.

وعبر عنهم يوصف الإيمان للاشارة إلى سموّ مكانته، ورفعة منزلته وكونه مناط السعادة.

وفي ذلك تحريض على الجهاد، وترغيب في الشهادة، وحثّ على ازدياد الطاعة وبشرى للمؤمنين بالفوز العظيم.

وقد جاءت هذه الجملة كالبيان والتفسير لقوله - لا خوف عليهم ولا هم يحزنون - لأن من كان في نعمة الله وفضله لا يحزن أبدا، ومن كانت أعماله مشكورة غير مضيعة لا يخاف العاقبة.

ثم وصفهم بحسن أفعالهم الموجب لزيادة أجرهم فقال:

(الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) أي هؤلاء المؤمنون هم الذين أجابوا دعوته، ولبّوا نداءه، وأتوا بالعمل على أكمل وجوهه، واتقوا عاقبة تقصيرهم، على ما هم عليه من جراح وآلام أصابتهم يوم أحد، لهم أجر عظيم على ما قاموا به من جليل الأعمال.

وفي قوله: منهم إشارة إلى أن من دعوا لبّوا واستجابوا له ظاهرا وباطنا، ولكن عرض لبعضهم موانع في أنفسهم أو أهليهم فلم يخرجوا، وخرج الباقون.

روي أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد، فبلغوا الرّوحاء (موضع بين مكة والمدينة) ندموا وهمّوا بالرجوع حتى يستأصلوا من بقي من المؤمنين، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب أصحابه للخروج في إثر أبي سفيان وقال: لا يخرجنّ معنا إلا من حضر يومنا بالأمس، فخرج رسول الله ﷺ مع جماعة من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد (موضع على ثمانية أميال من المدينة) وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا إلى مكة مسرعين فنزلت الآية.

وتسمى هذه الغزوة غزوة حمراء الأسد، وهي متصلة بغزوة أحد.

(الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) أي وهم الذين قال لهم نعيم بن مسعود الأشجعى ومن وافقه وأذاع قوله وهم أربعة: إن أبا سفيان وأعوانه جمعوا الجموع لقتالكم فاخشوهم ولا تخرجوا للقائهم.

روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى.

ذاك أن أبا سفيان قال حين أراد أن ينصرف من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال النبي ﷺ: ذاك بيننا وبينك إن شاء الله، فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل (مجنّة) من ناحية (مرّ الظهران) فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له الرجوع فلقى نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقى بموسم بدر، وإن هذا عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيزيدهم ذلك جرأة، فالحق بالمدينة فثبطهم، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو، فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقراركم ولم يفلت منكم إلا شريد، فتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم الجموع عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد، فكان لكلامه وقع شديد في نفوس قوم منهم، فقال رسول الله ﷺ: « والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي »

فخرج ومعه سبعون راكبا يقولون (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) حتى وافى بدرا الصغرى (بدر الموعد) فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان فلم يلق أحدا، لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة وكان معه ألفا رجل فسماه أهل مكة جيش السّويق، وقالوا لهم إنما خرجتم لتشربوا السويق.

ووافى المسلمون سوق بدر، وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدما وزبيبا فربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.

(فَزادَهُمْ إِيمانًا) أي زادهم هذا القول إيمانا بالله وثقة به، ولم يلتفتوا إلى تخويفهم بل حدث في قلوبهم عزم وتصميم على محاربة هؤلاء الكافرين، وطاعة للرسول في كل ما يأمر به وينهى عنه، وإن أضناهم ذلك وثقل عليهم، لما بهم من جراحات عظيمة وقد كانوا في حاجة إلى قسط من الراحة، وشىء من التداوي، لكن وثوقهم، بنصر الله وتغلبهم على عدوهم أنساهم كل هذه المصاعب فلبوا الدعوة سراعا.

والخلاصة - إن هذا القول الذي سمعوه زاد شعورهم بعزة الله وعظمته وسلطانه ويقينهم بوعد الله ووعيده، وتبع ذلك زيادة في العمل، ودأب على إنفاذ ما طلب الرسول ﷺ، ولو لا ذلك ما أقدموا على الاستجابة على ما كاد يكون وراء حدود الإمكان.

ونحو الآية قوله تعالى « وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا ».

(وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) أي قالوا معبّرين عن صادق إيمانهم بالله: الله يكفينا ما يهمنا من أمر الذين جمعوا الجموع لنا، فهو لا يعجزه أن ينصرنا على قلّتنا وكثرتهم، أو يلقى في قلوبهم الرعب، فيكفينا شر بغيهم وكيدهم، وقد كان الأمر كما ظنوا، فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان وجيشه على كثرة عددهم وتوافر عددهم، فولّوا مدبرين، وكان في ذلك عزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ « إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل »

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله عنها « أن النبي ﷺ كان إذا اشتد غمّه مسح بيده على رأسه ولحيته، ثم تنفس الصّعداء وقال: حسبي الله ونعم الوكيل ».

وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ « حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف ».

(فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) أي فخرجوا للقاء عدوهم ولم يلقوا منهم كيدا ولا همّا، ولم يلبثوا أن انقلبوا إلى أهليهم وقد تظاهرت عليهم نعم الله فسلموا من تدبير عدوهم، وأطاعوا رسولهم، وربحوا في تجارتهم، ولم يمسسهم قتل ولا أذى.

روى البيهقي عن ابن عباس أن عيرا مرت في أيام الموسم فاشتراها رسول الله ﷺ فربح ما لا فقسمه بين أصحابه، فذلك الفضل.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: أعطى رسول الله ﷺ حين خرج في بدر الصغرى أصحابه دراهم ابتاعوا بها في الموسم فأصابوا ربحا كثيرا.

(وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ) أي واتبعوا في كل ما أتوا من قول أو فعل رضا الله الذي هو وسيلة النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، فأطاعوا رسوله في كل ما به أمر، وعنه نهى.

(وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) إذ تفضل عليهم بزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد، والجرأة على العدو، وحفظهم من كل ما يسوءهم.

وفي هذا إلقاء للحسرة في قلوب المتخلفين منهم، وإظهار لخطل رأيهم، إذ حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء.

(إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) أي ليس ذلك الذي قال لكم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم إلا الشيطان يخوفكم أولياءه وأنصاره المشركين، ويوهمكم أنهم عدد كثير وأولو قوة وبأس شديد، وأن من مصلحتكم أن تقعدوا عن لقائهم، وتحبنوا عن مدافعتهم.

(فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي فلا تخافوا أولئك الأولياء، ولا تحفلوا بقولهم (فَاخْشَوْهُمْ) فتخافوهم، بل خافونى في مخالفة أمري، لأنكم أوليائي وأنا وليكم وناصركم إن كنتم راسخى الإيمان قائمين بحقوقه، فإن من حقه إيثار خوف الله تعالى على خوف غيره، والأمن من شر الشيطان وأوليائه.

وخلاصة ذلك - إنه إذا عرضت لكم أسباب الخوف، فاستحضروا في نفوسكم قدرة الله الذي بيده كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وتذكروا وعده بنصركم، وإظهار دينكم على الدين كله، وأن الحق يدمغ الباطل فإذا هو زاهق، واذكروا قوله: « كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » ثم خذوا أهبتكم، وتوكلوا على ربكم فإنه لا يدع لخوف غيره مكانا في قلوبكم.

وفي هذه الآية من العبرة:

(1) إن صادق الإيمان لا يكون جبانا، فالشجاعة وصف للمؤمن، لا يبلغ غيره فيها مداه، إذ أن العلة الحقيقية للجبن هي الخوف من الموت والحرص على الحياة، وقلب المؤمن لا يتسع لهما. ولا يزال العالم اليوم يشهد شجاعة الجيوش الإسلامية مع ما مني به المسلمون من ضعف في إيمانهم، وجهل بكثير من شئون دينهم.

(2) إن في استطاعة الإنسان أن يقاوم أسباب الخوف، ويعوّد نفسه الاستهانة بها بالتمرين والتربية وتعوّد الإقدام إذا عرضت له تلك الأسباب.

(3) إذا عرضت له أسباب الخوف فعليه ألا يسترسل لها حتى لا يتمكن أثرها في نفسه، وتتجسم صورتها في خياله، بل يغالبها بصرفها عن ذهنه، وشغله بما يضاده ويذهب بآثارها، أو يتبدلها بآثار مناقضة لها، وهذا يدخل في اختيار الإنسان، وهو الذي نبط به التكليف.

[سورة آل عمران (3): الآيات 176 الى 179][عدل]

ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)

تفسير المفردات

يسارعون في الكفر، أي يسارعون في نصرته والاهتمام بشئونه والإيجاف في مقاومة المؤمنين، حظا في الآخرة أي نصيبا من الثواب فيها، اشتروا الكفر أي أخذوا الكفر بدلا من الايمان كما يفعل المشترى من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا منه، والإملاء: الإمهال والتخلية بين العامل وعمله ليبلغ أقصى مداه، من قولهم: أملى لفرسه إذا أرخى له الطّول ليرعى كيف شاء، ومنه الملأ للأرض الواسعة، والملوان: الليل والنهار ليزدادوا إثما، أي أفرزته وأزلته، ومنه الحديث « من ماز أذى عن طريق فهو له صدقة ». على ما أنتم عليه، أي من اختلاط المؤمن بالمنافق وأشباهه والخبيث والطيب أي المنافق بالمؤمن، ويجتبى: أي يصطفى ويختار.

المعنى الجملي

لما كان من فوز المشركين في أحد ما كان، وأصاب النبي ﷺ والمؤمنين شيء كثير من الأذى - أظهر بعض المنافقين كفرهم وصاروا يخوفون المؤمنين ويؤيسونهم من النصر والظفر بعدوهم، ويقولون لهم: إن محمدا طالب ملك، فتارة يكون الأمر له، وتارة عليه، ولو كان رسولا من عند الله ما غلب، إلى نحو هذه المقالة مما ينفر المسلمين من الإسلام، فكان الرسول يحزن لذلك، ويسرف في الحزن، فنزلت هذه الآيات تسلية له، كما سلاه عما يحزن من إعراض الكافرين عن الإيمان، أو طعنهم في القرآن، أو في شخصه عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى: « وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا » وقوله: « فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ».

الإيضاح

(وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) أي ولا يحزنك أيها الرسول مسارعة المنافقين وطائفة من اليهود إلى نصرة الكافرين واهتمامهم بشأنهم، والإيجاف في مقاومة الكافرين بكل ما أوتوا من الوسائل، ومن التثبيط للعزائم، والنيل من نبيهم ودعوته، وتأليب المشركين عليهم، إلى نحو ذلك مما يدور في خلد العدو لإيذاء عدوه. ونحو الآية قوله تعالى: « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا ».

وتوجيه الخطاب للنبي ﷺ تسلية له وإيذان بأنه الرئيس المعتنى بشئونه.

ثم علل هذا النهى وأكمل التسلية بتحقيق نفى ضررهم أبدا بقوله:

(إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) أي إنهم لن يضروا أولياء الله وهم النبي وصحبه، شيئا من الضر، فعاقبة هذه المسارعة في الكفر وبال عليهم لا عليك ولا على المؤمنين، فإنهم لا يحاربونك فيضروك، وإنما هم يحاربون الله تعالى، ولا شك أنهم أعجز من أن يفعلوا ذلك، فهم إذا لا يضرون إلا أنفسهم، وفى جعل مضرتهم مضرة لله تعالى تشريف لهم، ومزيد مبالغة في تسليته ﷺ.

ثم بين أنهم لا يضرون إلا أنفسهم فقال:

(يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ) أي إن سر ابتلائهم ما هم فيه من الانهماك في الكفر وقد قضى ذلك بحرمانهم من نعيم الآخرة وفق ما تقتضيه سنة الله وإرادته.

(وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) أي إنهم على حرمانهم من الثواب لهم عذاب عظيم لا يقدر قدره.

وبعد أن بين حكم أولئك الذين يسارعون إلى نصرة الكفر والدفاع دونه ومقاومة المؤمنين لأجله، وأرشد إلى أنه لا يؤبه بهم، ولا يهتم بشأنهم، فهم إنما يحاربون الله والله غالب على أمره - أشار هنا إلى أن هذا حكم عام يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان واستبدله به فقال:

(إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) أي إن الذين أخذوا الكفر بدلا من الإيمان رغبة فيما أخذوا وإعراضا عما تركوا، فلن يضروا الله شيئا، وإنما يضرون أنفسهم بما لهم من العذاب الأليم الذي لا يقدر قدره.

وفي هذا إيماء إلى شيئين:

(1) تأكيد عدم إضرارهم بالنبي ﷺ.

(2) بيان سخف عقولهم وخطل آرائهم، إذ هم كفروا أولا ثم آمنوا ثم كفروا بعد ذلك، وهذا دليل على شدة اضطرابهم، وعدم ثباتهم، ومثل هؤلاء لا يخشى منهم شيء مما يحتاج إلى أصالة الرأي وقوة التدبير.

ثم بين أن رغبة الكافرين عن الجهاد حبّا في الحياة ليس من الخير لهم فقال:

(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ، إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) أي ولا يحسبن هؤلاء الكافرون أن إمهالنا لهم وإطالة أعمارهم خير لأنفسهم، فإنه لا يكون كذلك إلا إذا ازدادوا فيه عملا صالحا ينتفعون به في أنفسهم بتزكيتها وتطهيرها من شوائب الأدران وسيىء الأخلاق، وينتفع به الناس في تهذيبهم وتحسين معايشهم، ولكن هؤلاء لا يزدادون بجهلهم وسوء اختيارهم إلا إثما يضرهم في أنفسهم، بالتمادى في مكابرة الحق، وتأييد سلطان الشر في الخلق.

فحياة هؤلاء المتخلفين عن الجهاد ليست خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا يوم أحد إذ بقاؤهم صار وسيلة للخزى في الدنيا والعقاب الدائم في الآخرة، وقتل هؤلاء صار سبيلا للثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة.

فترغيب أولئك المثبّطين عن الجهاد في مثل هذه الحياة، وتزيينها لهم مما لا ينبغي أن يروج إلا عند الجهال الذين لا يفهمون قيمة الحياة الحقة التي يجب أن تكون نصب عين العاقل.

والخلاصة - إن هذا الامهال والتأخير ليس عناية من الله بهم، وإنما هو قد جرى على سننه في الخلق، بأن ما يصيب الإنسان من خير أو شر فإنما هو ثمرة عمله، ومن مقتضى هذه السنة أن يكون الإملاء للكافر علة لغروره، وسببا لا سترساله في فجوره، ونتيجة ذلك الإثم الذي يكسبه العذاب المهين.

وفي الآية من العبرة:

(1) إن من شأن الكافر أن يزداد كفرا بطول عمره، ويتمكن من العمل بحسب استعداده.

(2) إن من شأن المؤمن إذا أنسأ الله أجله أن تكثر حسناته، وتزداد خيراته، فليجعل المؤمن هذا دستورا فيما بينه وبين ربه، ويحاسب نفسه على مقتضاه، فإذا فقهه وعمل به خرج من الظلمات إلى النور، وكان من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين.

ثم بين أن الشدائد هي محكّ صدق الإيمان فقال:

(ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) أي ما كان من سنن الله في عباده أن يذر المؤمنين على مثل الحال التي كانوا عليها حين غزوة أحد، حتى يميز المؤمن من المنافق، ويظهر حال كل منهما، لأن الشدائد هي التي تميز قوي الإيمان من ضعيفه، وتزيل الالتباس بين الصادقين والمنافقين.

أما تكليف ما لا مشقة فيه كالصلاة والصدقة القليلة وغيرهما فيقبلها المنافق، كما يقبلها صادق الإيمان، لما فيها من حسن الأحدوثة، والتمتع بمزايا الإسلام.

وفي الشدائد من الفوائد الشيء الكثير منها:

(1) اتقاء المنافق إذا علم نفاقه، فقد يفضى صادق الإيمان ببعض أسرار الملة إلى المنافق، لما يغلب عليه من حسن الظن به، حين يراه يؤدى الواجبات الظاهرة، ويشارك الصادقين في سائر الأعمال، فإذا هو أفشاها عرف حاله وحذره المسلمون الصادقون.

(2) أن تروز الجماعة حالها، إذ بتكشف أمر المنافقين تعرف أنهم عليها لا لها، وكذلك تعرف حال ضعاف الإيمان الذين لم تربّهم الشدائد.

(3) إنها تدفع الغرور عن النفس، إذ يغتر المؤمن الصادق فلا يدرك ما في نفسه من ضعف في الاعتقاد والأخلاق حتى تمحّصه الشدائد وتبيّن له حقيقة أمره.

وقد يدور بخلد بعض الناس أن أقرب وسيلة لتمييز المؤمن الصادق من المنافق، أن يطلع الله المؤمنين على الغيب حتى يعرفوا حقائق أنفسهم وحقائق الناس الذين يعيشون بين ظهرانيهم، فيعرفوا أن فلانا من أهل الجنة، وفلانا من أهل النار، فأجاب الله عن هذا فقال:

(وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي لم يكن من شأنه تعالى أن يطلع عامة الناس على الغيب، إذ لو فعل ذلك لأخرج الإنسان من طبيعته، فإنه تعالى خلقه يحصّل رغائبه، ويدفع المكاره عنه بالعمل الكسبي الذي تهدى إليه الفطرة وترشد إليه النبوة.

ومن ثم جرت سنته بأن يزيل هذا اللبس، ويميز الخبيث من الطيب بالامتحان بالشدائد، والتضحية بالنفس وبذل المال في سبيل الحق والخير، كما ابتلى المؤمنون في وقعة أحد بخروج العدو بجيش عظيم لمقاتلتهم، وابتلى الرماة منهم بالمخالفة، وإخلاء ظهور قومهم لعدوهم، وابتلوا بظهور العدو عليهم، جزاء ما فعلوا من المخالفة، فظهر نفاق المنافقين، وزلزل ضعفاء المؤمنين زلزالا شديدا، وثبت كملة المؤمنين، وصاروا كالجبال الرواسي التي لا تزعزعها الرياح والأعاصير (وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ) أي ولكن الله يختار من رسله من يشاء، فيطلعه على ما في قلوب المنافقين من كفر ونفاق، وعلى ما ظهر منهم من أقوال وأفعال، كما حكى عنهم بعضه فيما سلف، ويفضحهم به على رءوس الأشهاد، ويخلصكم من كيدهم وخداعهم.

ونحو الآية قوله: « عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ».

وفي التعبير بالاجتباء إشارة إلى أن الوقوف على أسرار الغيب منصب جليل تتقاصر عنه الهمم، ولا يؤتيه الله إلا لمن اصطفاه لهداية الأمم.

وبعد أن ردّ على ما طعن به المنافقون في نبوة محمد ﷺ من وقوع الكوارث التي حصلت في أحد، وبين أن فيه كثيرا من الفوائد كتمييز الخبيث من الطيب، أمرهم بالإيمان به فقال:

(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) أي فآمنوا بالله ورسله الذين ذكرهم الله في كتابه وقص علينا قصصهم.

وعمم الأمر بالإيمان بالرسل جميعا مع أن سوق الكلام في الإيمان بالنبي ﷺ، للايماء إلى أن الإيمان به يقتضى الإيمان بهم، لأنه ﷺ مصدق لما بين يديه من الرسل، وهم شهداء على صحة نبوته.

(وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أي وإن تؤمنوا بما جاءوا به من أخبار الغيب، مع تقوى الله بترك ما نهى عنه وفعل ما أمر به، فلكم أجر عظيم لا يستطاع الوصول إلى معرفة كنهه.

وقلّ أن ذكر القرآن الإيمان إلا إذا قرن به التقوى، كما قل أن ذكر الصلاة إلا قرن بها الزكاة حثا على عمل البر والرأفة بالفقراء والبائسين، وإشارة إلى أن الإيمان لا يكمل إلا بهما

[سورة آل عمران (3): الآيات 180 الى 184][عدل]

وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184)

تفسير المفردات

ما أتاهم أي ما أعطاهم من المال والعلم والجاه، سيطوقون ما بخلوا به أي سيلزمون إثمه في الآخرة كما يلزم الطوق الرقبة، وقد جاء في أمثالهم: تقلدها طوق الحمامة، إذا جاء بما يسب به ويذم، ميراث السموات والأرض أي ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره سنكتب ما قالوا أي سنعاقب عليه ولا نهمله ونقول ذوقوا عذاب الحريق، أصل الذوق وجود الطعم في الفم ثم استعمل في إدراك سائر المحسوسات، والحريق المحرق المؤلم، وعذاب الحريق أي عذاب هو الحريق أي سننتقم منهم، عهد إلينا أي أمرنا في التوراة وأوصانا، القربان: ما يتقرب به إلى الله من حيوان ونقد وغيرهما، والمراد من النار: النار التي تنزل من السماء، والبينات: هي المعجزات الواضحة، والزبر، واحدها زبور: وهو الكتاب، والمنير: الواضح.

المعنى الجملي

كان الكلام فيما مضى في التحريض على بذل النفس في الجهاد في سبيل الله بذكر ما يلاقيه المجاهدون من الكرامة عند ربهم في جنات النعيم.

وهنا شرع يحت على بذل المال في الجهاد - والمال شقيق الروح - فذكر أشد أنواع الوعيد لمن يبخل بماله في هذه السبيل، وأرشد إلى أن المال ظل زائل، وأن مدى الحياة قصير، وأن الوارثين والموروثين سيموتون ويبقى الملك لله وحده.

ثم ذكر مقالة لليهود قد قالوها ثم كذبهم فيها ثم سلى رسوله وأبان له أن تكذيبهم لك ليس ببدع منهم بل سبقوا من قبل بمثله من الأنبياء السابقين.

الإيضاح

(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ) أي ولا يظننّ أحد أن بخل الباخلين بما أعطاهم الله من فضله ونعمه هو خيرا لهم، لأنهم مطالبون بشكران النعم، والبخل بها كفران لا ينبغي أن يصدر من عاقل.

والمراد من البخل بالفضل البخل به في أداء الزكاة المفروضة، وفى الأحوال التي يتعين فيها بذل المال كالإنفاق لصد عدو يجتاح البلاد ويهدد استقلالها، ويصبح أهلها أذلة بعد أن كانوا أعزة، أو إنقاذ شخص من مخالب الموت جوعا.

ففي كل هذه الأحوال يجب بذل المال، لأنه يجرى مجرى دفع الضرر عن النفس.

وليس الذم والوعيد على البخل بما يملك الإنسان من فضل ربه، إذ أن الله أباح لنا الطيبات لنستمتع بها، ولأن العقل قاض بأن الله لا يكلف الناس بذل كل ما يكسبون ويبقون عراة جائعين، ومن ثم قال في حق المؤمنين المهتدين « وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ »

وجاءت الآية بطريق التعميم ترغيبا في بذل المال بدون تحديد ولا تعيين، ووكل أمر ذلك إلى اجتهاد المؤمن الذي يتبع عاطفة الإيمان التي في قلبه، وما تحدثه في النفس من أريحية بذل الواجب والزيادة عليه، إذا هو تذكر أن في ماله حقا للسائل والمحروم.

(بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ) أي هو شر عظيم لهم، وقد نفى أولا أن يكون خيرا ثم أثبت كونه شرا، لأن المانع للحق إنما يمنعه لأنه يحسب أن في منعه خيرا له، لما في بقاء المال في يده من الانتفاع به في التمتع باللذات، وقضاء الحاجات، ودفع الغوائل والآفات.

(سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي سيجعل ما بخلوا به من المال طوقا في أعناقهم، ويلزمهم ذنبه وعقابه، ولا يجدون إلى دفعه سبيلا، كما يقال: طوقنى الأمر أي ألزمنى إياه.

وخلاصة هذا - إن العقاب على البخل لازم لا بدّ منه.

وقال مجاهد: إن المعنى سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم فلا يستطيعون ذلك، ويكون ذلك توبيخا لهم على معنى: هلا فعلتم ذلك حين كان ممكنا ميسورا، ونظير هذا قوله تعالى: « وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ».

ويرى بعضهم أن التطويق حقيقي، وأنهم يطوّقون بطوق يكون سببا لعذابهم فتصير تلك الأموال حيات تلتوى في أعناقهم، فقد روى البخاري والنسائي عن أبي هريرة قال: « من آتاه الله مالا فلم يؤدّ زكاته مثّل له شجاع (ثعبان) أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمتيه (شدقيه) يقول أنا مالك، أنا كنزك ثم تلا الآية ».

(وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي ولله وحده لا لأحد سواه، ما في السموات والأرض ما يتوارث من مال وغيره، فينقل من واحد إلى آخر لا يستقر في يد، ولا يسلم التصرف فيه لأحد، إلى أن يفنى الوارثون والموروثون، ويبقى مالك الملك، وهو الله رب العالمين.

فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه، ولا ينفقونه في سبيله، وابتغاء مرضاته.

وفي الآية إيماء إلى أن كل ما يعطاه الإنسان من مال وجاه وقوة وعلم فإنه عرض زائل، وصاحبه فإن غير باق، فلا ينبغي أن يستبقى الفاني ما هو مثله في الفناء، بل عليه أن يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها، وبذا يكون خليفة لله في أرضه محسنا للتصرف فيما استخلف.

(وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أي والله لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، ولا ما تنطوى عليه جوانحكم، فيجازى كل عامل بما عمل بحسب تأثير عمله في تزكية نفسه أو تدسيتها، ونيته في فعله كما جاء في الحديث: « إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى »

(لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) أي قد سمع الله قول هؤلاء الكافرين الذين قالوا هذه المقالة، ولم يخف عليه، وسيجزيهم عليه أشد الجزاء.

وهذا أسلوب يتضمن التهديد والوعيد، كما يتضمن البشارة والوعد بحسن الجزاء في نحو - سمع الله لمن حمده - ويتضمن مزيد العناية وإرادة الإغاثة وإزالة الشكوى في نحو « قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما » إذ سمع الله لعباده يراد به مراقبته لهم في أقوالهم، ويلزم من ذلك المعاني التي ذكرناها آنفا.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت اليهود رسول الله ﷺ حين أنزل الله تعالى: « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا » فقالوا يا محمد: أفقير ربك يسأل عباده القرض ونحن أغنياء؟ فأنزل الله (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ) الآية.

(سَنَكْتُبُ ما قالُوا) أي سنعاقبهم على ذلك عقابا لا شك فيه، إذ يلزم من كتابة الذنب وحفظه العقوبة عليه، وهذا استعمال شائع في اللغة.

(وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي قتل سلفهم لهم، وإنما نسبه إليهم للاشارة إلى أنهم راضون بما فعلوه.

وهذا يدل على أن الأمم متكافلة في الأمور العامة، ويجب على أفرادها الإنكار على من يفعل المنكر وتغييره أو النهي عنه، لئلا يفشو فيها، فيصير خلقا من أخلاقها وعادة مستحكمة فيها، فتستحق العقوبة في الدنيا بالضيق والفقر، والعقوبة في الآخرة بتدنيس نفوسها، وأن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم ويطبقه على أحكام الشريعة فيستحسن منها ما تستحسنه، ويستهجن ما تستهجنه - عدّ شريكا له في إثمه، ومستحقا لمثل عقوبته.

(وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) أي سننتقم منهم ونقول لهم هذه المقالة.

ذاك أنهم لما قالوا ما قالوا وقتلوا من الأنبياء من قتلوا، فقد أذاقوا المسلمين وأتباع الأنبياء ألوانا من العذاب، وأحرقوا قلوبهم بلهب الإيذاء والكرب، فجوزوا بهذا العذاب الشديد وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق، كما أذقتم أولياء الله في الدنيا ما يكرهون.

والخلاصة - ذوقوا ما أنتم فيه، فلستم بمتخلصين منه، وهذا قول يلقى للتشفى الدالّ على كمال الغيظ والغضب (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) أي إن هذا العذاب المحرق الذي تذوقون حرارته، بسبب أعمالكم في الدنيا كقتل الأنبياء، ووصف الله بالفقر، وجميع ما كان منكم من ضروب الكفر والفسوق والعصيان.

وأضاف العمل إلى الأيدي، من قبل أن أكثر أعمال الإنسان تزاول باليد وليفيد أن ما عذّبوا عليه هو من عملهم على الحقيقة، لا أنهم أمروا به ولم يباشروه.

(وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) أي إن ذلك العذاب أصابكم بعملكم، وبكونه تعالى عادلا في حكمه وفعله، لا يجور ولا يظلم، فلا يعاقب غير المستحق للعقاب، ولا يجعل المجرمين كالمتقين، والكافرين كالمؤمنين كما قال: « أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ »

وقال: « أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟ » وقال: « أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ؟ ».

والخلاصة - إن ترك عقاب أمثالكم مساواة بين المحسن والمسيء ووضع للشىء في غير موضعه، وهو ظلم كبير لا يصدر إلا ممن كان كثير الظلم مبالغا فيه.

(الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ)

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ومالك بن الصّيف وفنحاص ابن عازوراء في جماعة آخرين، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله، وأنه تعالى أوحى إليك كتابا، وقد عهد إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، ويكون للنار دوي خفيف حين تنزل من السماء فإن جئتنا بهذا صدقناك، فنزلت الآية.

وروى ابن جرير أن الرجل منهم كان يتصدق بالصدقة، فإذا تقبّل منه نزلت عليه نار من السماء فأكلت ما نصدق به.

لكن دعواهم هذا العهد من مفترياتهم وأباطيلهم، وأكل النار للقربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة، فهو وسائر المعجزات سواء، وما مقصدهم من تلك المفتريات إلا عدم الإيمان برسول الله ﷺ، لأنه لم يأت بما قالوه، ولو أتى به لآمنوا فرد الله عليهم بقوله:

(قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟) أي قل موبخالهم ومكذبا: قد جاءكم رسل كثيرون من قبلي كزكريا ويحيى وغيرهما بالمعجزات الدالة على صدق نبوتهم، وبما كنتم تقترحون وتطلبون، وأتوا بالقربان الذي تأكله النار، فما بالكم لم تؤمنوا بهم، بل اجترأتم على قتلهم؟

وهذا دليل على أنكم قوم غلاظ الأكباد، (وبذلك وصفوا في التوراة) قساة القلوب لا تفقهون الحق ولا تذعنون له، وأنكم لم تطلبوا هذه المعجزة استرشادا، بل تعنتا وعنادا.

وقد نسب هذا الفعل إلى من كان في عصر التنزيل وقد وقع من أسلافهم، لأنهم راضون عما فعلوه، معتقدون أنهم على حق في ذلك، والأمة في أخلاقها العامة وعاداتها كالشخص الواحد، وقد كان هذا معروفا عند العرب وغيرهم، فتراهم يلصقون جريمة الشخص بقبيلته، ويؤاخذونها بها.

والخلاصة - إن أسلافكم كانوا متعنتين، وما أنتم إلا كأسلافكم، فلم يكن من سنة الله إجابتكم إلى ملتمسكم بالإتيان بالقربان، إذ لا فائدة منه.

(فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) أي فإن كذبوك بعد أن جئتهم بالبينات الساطعة، والمعجزات الواضحة، والكتاب الهادي إلى سواء السبيل، مع استنارة الحجة والدليل - فلا تأس عليهم، ولا تحزن لعنادهم وكفرهم، ولا تعجب من فساد طويّتهم، وعظيم تعنتهم، فتلك سنة الله في خليقته، فقد كذّب رسل من قبلك جاءوا بمثل ما جئت به من باهر المعجزات وهزّوا القلوب بالزواجر والعظات، وأناروا بالكتاب سبيل النجاة، فلم يغن ذلك عنهم شيئا، فصبروا على ما نالهم من أذى، وما نالهم من سخرية واستهزاء.

وفي هذا تسلية للنبي ﷺ وبيان لأن طباع البشر في كل الأزمنة سواء فمنهم من يتقبل الحق ويقبل عليه بصدر رحب ونفس مطمئنة، ومنهم من يقاوم الحق والداعي إليه، ويسفّه أحلام معتنقيه.

فليس بالعجيب منهم أن يقاوموا دعوتك، ولا أن يفنّدوا حجتك، فإن نفوسهم منصرفة عن طلب الحق، وتحرّى سبل الخير.

[سورة آل عمران (3): الآيات 185 الى 186][عدل]

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)

تفسير المفردات

توفون أجوركم: أي تعطونها وافية كاملة غير منقوصة، زحزح عن النار: نحّى عنها، فاز سعد ونجا، والمتاع: ما يتمتّع وينتفع به مما يباع ويشترى، والغرور: إصابة الغرّة والغفلة ممن تخدعه وتغشّه، لتبلونّ أي لتختبرن أي لتعاملنّ معاملة المختبرين لتظهر حالكم على حقيقتها، في أموالكم أي بالبذل في سبيل الله وبالجوائح والآفات، وفى أنفسكم أي بالقتل والأسر في سبيل الله، وبالأمراض وفقد الأقارب، الذين أوتوا الكتاب: هم اليهود والنصارى، والذين أشركوا هم كفار العرب، أذى كثيرا كالطعن في الدين والافتراء على الله ورسوله، والصبر: تلقى المكروه بالاحتمال وكظم النفس عليه مع دفعه برويّة ومقاومة ما يحدث من الجزع، والتقوى الابتعاد عن المعاصي، من عزم الأمور أي من صواب التدبير، وما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه ويأخذ نفسه به، من قولك عزمت عليك أن تفعل كذا أي ألزمتك إياه على وجه لا يجوز الترخص فيه.

المعنى الجملي

بعد أن سلّى نبيه فيما سلف عن تكذيب قومه له بأن كثيرا من الرسل قبلك قد كذّبوا كما كذّبت، ولاقوا من أقوامهم من الشدائد مثل ما لاقيت، بل أشد مما لاقيت، فقد قتلوا كثيرا منهم كيحي وزكريا عليهما السلام - زاده هنا تسلية وتعزية أخرى، فأبان أن كل ما تراه من عنادهم فهو منته إلى غاية، وكل آت قريب فلا تضجر ولا تحزن على ما ترى منهم، وأنهم سيجازون على أعمالهم في دار الجزاء كما تجازى، وحسبك ما تصيب من حسن الجزاء، وحسبهم ما أصيبوا به وما يصابون به من الجزاء في الدنيا، وسيوفون الجزاء كاملا يوم القيامة.

الإيضاح

(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) أي كل نفس تذوق طعم مفارقة البدن وتحس به، وفى هذا إيماء إلى أن النفس لا تموت بموت البدن، لأن الذي يذوق هو الموجود، والميت لا يذوق. فالذوق شعور لا يجس به إلا الحي.

(وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي وإنما تعطون جزاء أعمالكم كاملا وافيا يوم القيامة، وفى ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور من خيرا وشر قد تصل إليهم في الدنيا جزاء أعمالهم، ويؤيده ما أخرجه الترمذي والطبراني مرفوعا، « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ».

(فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ) أي فمن خلص من العذاب ووصل إلى الثواب فقد فاز بالمقصد الأسمى والغاية التي لا مطلب بعدها.

وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: « من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليؤت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ».

والخلاصة - إن هناك جنة ونارا، وإن من الناس من يلقى في هذه ومنهم من يلقى في تلك، وإن هول النار عظيم، وعبر عن النجاة عنها بالزحزحة كأن كل شخص كان مشرفا على السقوط فيها، لأن أعمالهم سائقة لهم إلى النار، لأنها أعمال حيوانية تسوق إليها ولا يدخل الجنة أحد إلا إذا زحزح، فالزحزحة عنها فوز عظيم، وأولئك المزحزحون هم الذين غلبت صفاتهم الروحية على الصفات الحيوانية فأخلصوا في إيمانهم، وجاهدوا في الله حق جهاده، ولم يبق في نفوسهم شائبة من إشراك غير الله معه في عمل من أعمالهم.

(وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) أي وما حياتنا القربى التي نحن فيها ونتمع بلذاتها الحسية من مأكل ومشرب، أو المعنوية كالجاه والمنصب والسيادة إلا متاع الغرور لأن صاحبها دائما مغرور مخدوع لها، تشغله كل حين بجلب لذاتها ودفع آلامها، فهو يتعب لما لا يستحق التعب، ويشقى لتوهم السعادة.

والخلاصة - إن الدنيا ليست إلا متاعا من شأنه أن يغرّ الإنسان ويشغله عن تكميل نفسه بالمعارف والأخلاق التي ترقى بروحه إلى سعادة الآخرة.

فينبغي له أن يحذر من الإسراف في الاشتغال بمتاعها عن نفسه وإنفاق الوقت فيما لا يفيد، إذ ليس للذاتها غاية تنتهى إليها فلا يبلغ حاجة منها إلا طلب أخرى.

فما قضى أحد منها لبانته ولا انتهى أرب منها إلا إلى أرب

وعليه أن يسعى لكسب علم يرقى به عقله، أو عمل صالح ينتفع به وينفع عباده، مع إصلاح السريرة، وخلوص النية، وقد قال بعض الصوفية: « عليك بنفسك إن لم تشغلها شغلتك ».

(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) بعد أن سلى سبحانه نبيه ﷺ بما سبق آنفا زاد في تسليته بهذه الآية، وأبان له أنه كما لقى هو ومن معه من الكفار أذى يوم أحد فسيلقون منهم أذى كثيرا بقدر ما يستطيعون من الإيذاء في النفس أو في المال، والمقصد من هذا الإخبار أن يوطنوا أنفسهم على الصبر وترك الجزع حتى لا يشق عليهم البلاء عند نزوله بهم.

والابتلاء في الأموال يكون بالبذل في جميع وجوه البر التي ترفع شأن الامة الإسلامية وتدفع عنها أعداءها وتردّ عنها المكاره وتدفع عنها غوائل الأمراض والأوبئة.

والابتلاء في الأنفس يكون ببذلها في الجهاد في سبيل الله وبموت من تحب من الأهل والأصدقاء أو بالمدافعة عن الحق، وفائدة الابتلاء تمييز الخبيث من الطيب، وفائدة الإخبار به أن نعرف السنن الإلهية ونهيىء أنفسنا لمقاومتها، فإن من تقع به المصيبة فجأة على غير انتظار يعظم عليه الأمر ويحيط به الغمّ حتى ليقتله في بعض الأحايين، لكنه إذا استعد لها اضطلع بها وقوى على حملها.

وكذلك من تحدث له النعمة على غير توقع لها، فإنها تحدث له دهشة وتهيجا في الأعصاب، وربما أصيب بشلل أو اضطراب عقلى أو موت فجائى، والحوادث المشاهدة في هذا الباب كثيرة.

(وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا) هذا سبيل آخر من الابتلاء في الأنفس، وخصه بالذكر لأهميته أي إنكم ستسمعون إيذاء كثيرا من اليهود والنصارى والمشركين، ومن ذلك حديث الإفك (قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها) وتألب اليهود عليهم ونقض عهودهم ومحاولتهم قتل النبي ﷺ حتى أجلاهم عن المدينة فأمن شرهم، واتفاق اليهود مع أحزاب المشركين وزحفهم على المدينة لاستئصال المسلمين، فقد حاصروهم وأوقعوا بهم شديد البلاء وضيّقوا عليهم وفى ذلك يقول الله تعالى: « إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا ».

(وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي وإن تصبروا على ما سيحل بكم من البلاء في أموالكم وأنفسكم، وعلى ما تسمعون من أهل الكتاب والمشركين من الأذى وتتقوا ما يجب اتقاؤه، فإن ذلك الصبر والتقوى من معزومات الأمور أي الأمور التي ينبغي أن يعزمها كل أحد، لما فيه من كمال المزية والشرف.

روى الزهري أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره وكان النبي ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، فأراد النبي أن يستصلحهم كلهم فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه ﷺ بالصبر على ذلك وفيهم أنزل الله تعالى: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) الآية

[سورة آل عمران (3): الآيات 187 الى 189][عدل]

وإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)

تفسير المفردات

الميثاق: العهد المؤكد، والذين أوتوا الكتاب: هم اليهود والنصارى، لتبيننه للناس أي لتظهرنّ جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها نبوة محمد ﷺ ولا تكتمونه: أي لا تؤولونه ولا تلقون الشبه الفاسدة والتأويلات المزيّفة، فنبذوه وراء ظهورهم: أي طرحوه ولم يعتدّوا به، ويقال للأمر المعتنى به جعله نصب عينيه وألقاه بين عينيه، واشتروا به ثمنا قليلا: أي شيئا من حطام الدنيا الفانية، بما أوتوا أي بما فعلوا، أن يحمدوا أي يحمدهم الناس، بمفازة من العذاب: أي بمنجاة منه، من قولهم: فاز فلان إذا نجا.

المعنى الجملي

بعد أن حكى سبحانه عن اليهود شبها ومطاعن في نبوة محمد ﷺ وأجاب عنها بما علمت فيما سلف، أردفه هذه الآية لبيان عجيب حالهم، وغريب أمرهم، وأنه لا يليق بهم أن يطعنوا في نبوته، ولا أن يوجهوا شبها لدينه، ذاك أن اليهود والنصارى أمروا بشرح ما في التوراة والإنجيل وبيان ما فيهما من الدلائل الناطقة بنبوة محمد ﷺ وصدق رسالته، فكيف يليق بهم بعد هذا إيراد تلك المطاعن والشبه وكانوا أجدر الناس بدفعها وأحقهم بتأييده والذّود عن دينه لما في كتابيهما من البشارة به وتوكيد دعوته، فالعقل قاض بأن يظاهروه، ودينهم حاكم بأن يؤيدوه، ومن العجب العاجب أن يطرحوا حكم العقل والنقل وراءهم ظهريا، وهل مثل هؤلاء يجدى معهم الحجاج والجدل، أو تقنعهم قوة الدليل والحجة.

الإيضاح

(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) أي واذكروا حين أخذ الله العهد والميثاق على الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى بلسان أنبيائهم، ليبيننّ كتابهم للناس غير كاتمين له، بأن يوضحوا معانيه كما هي، ولا يؤولوه ولا يحرفوه عن مواضعه التي وضع لتقريرها، ويذكروا مقاصده التي أنزل لأجلها، حتى لا يقع اضطراب ولا لبس في فهمه.

فإن لم يفعلوا ذلك فإما أن يبينوه على غير وجهه ولا يكون هذا بيانا ولا كشفا لأغراضه ومقاصده، وإما ألا يبينوه بتاتا ويكون هذا كتمانا له.

وهذه الآية وإن كانت لليهود والنصارى، فإن العبرة فيها تنطبق على المسلمين أيضا، فإنهم مع حفظهم لكتابهم وتلاوتهم إياه في كل مكان، في الشوارع والأسواق ومجتمعات الأفراح والأحزان - تركوا تبيينه للناس، ففقدوا هدايته وعميّت عليهم عظاته وزواجره، وحكمه وأسراره، واعترفوا بأنهم انحرفوا عنه وصار القابض على دينه كالقابض على الجمر.

وتبيين الكتاب على ضربين:

(1) تبيينه لغير المؤمنين به لدعوتهم إليه (2) تبيينه للمؤمنين به لهدايتهم وإرشادهم بما أنزل إليهم من ربهم وكل منهما واجب على العلماء لا هوادة فيه، وكفى بهذه الآية حجة عليهم وهي آكد من قوله: « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ».

(فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ) أي لم يبالوا به ولم يهتموا بشأنه، وقد كان من الواجب عليهم أن يجعلوه نصب أعينهم لا شيئا مهملا ملقى وراء الظهور لا ينظر إليه، ولا يفكّر في أمره، فقد كان منهم الذين لا يستفيدون منه شيئا - ويحملونه كما يحمل الحمار الأسفار، ومنهم الذين يحرّفونه عن مواضعه، ومنهم الذين لا يعلمون منه إلا أماني يتمنونها وقراءات يقرءونها.

وإن هذا لينطبق على المسلمين اليوم أتم الانطباق، فهم قد اتبعوا سنن من قبلهم ونهجوا نهجهم حذو القذّة بالقذة، فما بالهم عن التذكرة معرضين، وكتاب الله بين أيديهم شاهد عليهم، وهو يتلى بين ظهرانيهم.

(وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أي أخذوا عوضا منه فائدة دنيوية حقيرة فغبنوا في هذا البيع والشراء، وهذا الثمن هو ما كان يستفيده الرؤساء من المرءوسين من حطام الدنيا ليتمتعوا بلذاتها الفانية، وشهواتها الفاسدة، وكانوا يؤولون الكتاب ويحرفونه لأغراض كثيرة كالخوف من الحكام أو الرجاء فيهم، فيصرفون نصوصه إلى معان توافق هوى الحاكم ليأمنوا شره، أو لإرضاء العامة أو الأغنياء بموافقة أهوائهم لاستفادة جاههم ومالهم.

(فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ) أي إن ما يشترونه ذميم قبيح لأنهم جعلوا الفاني بدلا من النعيم الدائم الذي يحصل للأمة من اتباعها لكتابها وهديها بإرشاده، وتهذيب أخلاقها بآدابه وجمع كلمتها حول تعاليمه، وبذا تحول بينها وبين المستبدين فيها، وتصبح عزيزة الجانب متكافلة متضامنة، أمر أهلها بينها شورى.

وقد روى عن علي كرم الله وجهه أنه قال: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا، وعن أبي هريرة أنه قال: لولا ما أخذ الله تعالى على أهل الكتاب ما حدثتكم وتلا هذه الآية، وعن الحسن أنه قال: لولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه.

(لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ) كان الكلام قبل هذا مع أهل الكتاب وأنه قد أخذ عليهم الميثاق بتبيين كتابهم للناس فقصروا في ذلك وتركوا العمل به واشتروا به ثمنا قليلا فاستحقوا العقاب من ربهم.

وهنا ذكر حالا أخرى من أحوالهم، ليحذر المؤمنين منها، وهو أنهم كانوا يفرحون بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب، ويرون لأنفسهم شرفا فيه وفضلا بأنهم أئمة يقتدى بهم، وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفّاظ الكتاب ومفسروه وهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، وإنما فعلوا نقيضه إذ حولوه من الهداية إلى ما يوافق أهواء الحكام وأهواء العامة.

ومن عجيب حالهم أنه قد اشتبه أمرهم على الناس، فهم يحسبون أنهم أولياء الله وأنصار دينه وعلماء كتابه وأنهم أبعد الناس عن عذابه وأقربهم من رضوانه، فبين الله كذب هذا الحسبان ونهى عنه وسجل عليهم العذاب.

والخلاصة - لا تظنن أيها المخاطب أن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك، ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه، ناجون من العذاب الدنيوي وهو العذاب الذي يصيب الأمم التي فسدت أخلاقها وساءت أعمالها، وألفت الفساد والظلم وهو ضربان:

(1) عذاب هو أثر طبيعي للحال التي يكون عليها المبطلون بحسب سنة الله في الاجتماع البشرى بخذلان أهل الباطل والإفساد، وذهاب استقلالهم ونصرة أهل الحق عليهم وتمكينهم من رقابهم وديارهم وأموالهم ليحل الإصلاح محل الإفساد

والعدل مكان الظلم « وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ».

(2) عذاب يكون سخطا سماويا كالزلزال والخسف والطوفان وغير ذلك من الجوائح المدمّرة التي نزلت ببعض أقوام الأنبياء الذين كفروا بربهم وكذبوهم وآذوهم عند اشتداد عتوّهم وإيذائهم لرسلهم.

روي أن رسول الله ﷺ سأل اليهود عن شيء في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوا واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا، فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم.

(وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) أي عذاب عظيم في الآخرة كفاء فساد أخلاقهم وسوء طويتهم وحبهم للحمد الكاذب، وقوله بما أوتوا أي بما فعلوا.

قال صاحب الكشاف: أتى وجاء يستعملان بمعنى فعل قال تعالى: « إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا » وقال: « لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا » وقوله: فلا تحسبنهم تأكيد لقوله: لا تحسبن الذين، وقد عهد هذا في الأساليب العربية من إعادة الفعل إذا طال الفصل بينه وبين معموله. قال الزجاج: العرب إذا أطالت القصة تعيد حسبت وما أشبهها إعلاما بأن الذي جرى متصل بالأول فتقول لا تظنن زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا، فلا تظننه صادقا، فيفيد لا تظنن توكيدا وتوضيحا، والفاء زائدة كما في قوله:

فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي

(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي لا تحزنوا أيها المؤمنون ولا تضعفوا، وبينوا الحق ولا تكتموا منه شيئا، ولا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، ولا تفرحوا بما عملتم، فإن الله يكفيكم ما أهمكم ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها فإن لله ملك السموات والأرض يعطى من يشاء، وهو على كل شيء قدير، لا يعز عليه نصركم على من يؤذونكم بأيديهم وألسنتهم من أهل الكتاب والمشركين.

وفي هذا إيماء إلى أن الخير في اتباع ما أرشد إليه، وفيه تسلية للنبي ﷺ وللمؤمنين ووعد له بالنصر، وفيه تعريض بذم أولئك المخالفين ووصفهم بأنهم لا يؤمنون إيمانا صحيحا يظهر أثره في أخلاقهم وأعمالهم، إذ لو كانوا كذلك ما تركوا العمل بكتابه وآثروا عليه ما يستفيدونه من حطام الدنيا

[سورة آل عمران (3): الآيات 190 الى 195][عدل]

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195)

تفسير المفردات

الخلق: التقدير والترتيب الدالّ على النظام والإتقان، والسموات: ما علاك مما تراه فوقك، والأرض: ما تعيش عليه، اختلاف الليل والنهار: تعاقبهما ومجىء كل منهما خلف الآخر، لآيات: لأدلة على وجود الله وقدرته، الألباب واحدها لب: وهو العقل، قياما وقعودا واحدهما قائم وقاعد، باطلا أي عبثا لا فائدة منه، سبحانك أي تنزيها لك عما لا يليق بك، قنا عذاب النار: أي اجعل العمل الصالح وقاية لنا من عذاب النار، ويقال أخزاه: أي أذله وأهانه، الذنب: هو التقصير في المعاملة بين العبد وربه، والسيئة: هي التقصير في حقوق العباد ومعاملة الناس بعضهم بعضا، وتوفنا: أي أمتنا، والأبرار وأحدهم بارّ: وهو المحسن في العمل، على رسلك: أي على تصديق رسلك، والميعاد: الوعد، استجاب: أي أجاب، لا أضيع عمل عامل: أي لا أترك ثوابه، بعضكم من بعض: أي مختلطون متعاونون، في سبيلى: أي بسبب طاعتي وعبادتي وديني.

المعنى الجملي

قال الرازي: اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح من الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق، فلما طال الكلام في تقرير الكلام والجواب عن شبهات المبطلين، عاد إلى إثارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والألوهية والكبرياء والجلال فذكر هذه الآية.

وروى الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا بم جاءكم موسى من الآيات؟ فقالوا عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا كيف كان عيسى؟ قالوا كان يبريء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى. فأتوا النبي ﷺ، فقالوا ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه فنزلت هذه الآية: إن في خلق السموات إلخ فليتفكروا فيها.

الإيضاح

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ) أي إن في نظام السموات والأرض وبديع تقديرهما وعجيب صنعهما، وفى اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما بنظام دقيق طوال العام، نرى آثاره في أجسامنا وعقولنا بتأثير حرارة الشمس وبرد الليل، وفى الحيوان والنبات وغير ذلك - لآيات ودلائل على وحدانية الله وكمال علمه وقدرته.

عن عائشة رضي الله عنها « أن رسول الله ﷺ قال: هل لك يا عائشة أن تأذنى لي الليلة في عبادة ربى؟ فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك (ما تهوى وتريد) قد أذنت لك، فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلى فقرأ من القرآن وجعل يبكى حتى بلغت الدموع حقويه ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكى ثم رفع يديه فجعل يبكى حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا؟ ثم قال وما لي لا أبكى وقد أنزل الله علي في هذه الليلة: إن في خلق السموات والأرض إلخ ثم قال ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها » وروي « ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها ».

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ) أي أولو الألباب هم الذين ينظرون ويستفيدون ويهتدون ويستحضرون عظمة الله ويتذاكرون حكمته وفضله وجليل نعمه في جميع أحوالهم من قيام وقعود واضطجاع.

والخلاصة - إنهم هم الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم باطمئنان قلوبهم بذكره، واستغراق سرائرهم بمراقبته.

وذكر الله وحده لا يكفى في الاهتداء، بل لا بد معه من التفكر في بديع صنعه وأسرار خليقته، ومن ثم قال:

(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي ويتفكرون في خلق السموات والأرض، وما فيهما من الأسرار والمنافع الدالة على العلم الكامل، والحكمة البالغة، والقدرة التامة.

والخلاصة - إن الفوز والنجاة إنما يكون بتذكر عظمة الله والتفكر في مخلوقاته من جهة دلالتها على وجود خالق واحد له العلم والقدرة، ويتبع ذلك صدق الرسل وأن الكتب التي أنزلت عليهم مفصّلة لأحكام التشريع، حاوية لكامل الآداب، وجميل الأخلاق، ولما يلزم نظم المجتمع في هذه الحياة، وللحساب والجزاء على الأعمال بدخول الجنة والنار.

وإنما ذكر التفكر في خلق الله، لورود النهي عن التفكر في الخالق، لعدم الوصول إلى حقيقة ذاته وصفاته.

فقد أخرج الأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يتفكرون فقال: « تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق »

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ « تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله تعالى ».

(رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ) أي يقول الذاكرون المتفكرون: ربنا ما خلقت هذا الذي نشاهده من العوالم العلوية والأرضية باطلا، ولا أبدعته عبثا، سبحانك ربنا تنزهت عن الباطل والعبث، بل كل خلقك حق مشتمل على حكم جليلة ومصالح عظيمة.

والإنسان بعض خلقك لم يخلق عبثا، فإن لحقه الفناء، وتفرقت منه الأجزاء، بعد مفارقة الأرواح للأبدان، فإنما يهلك منه كونه الفاسد أي الجسم، ثم يعود بقدرتك في نشأة أخرى كما بدأته في النشأة الأولى، فريق أطاعك واهتدى، وفريق حقت عليه الضلالة فالأول يدخل الجنة بصالح أعماله والآخر يكبّ في النار بما اجترح من السيئات، وما عمل من الموبقات، جزاء وفاقا.

والخلاصة - إن المؤمن المتفكر يتوجه إلى الله بمثل هذا الثناء والدعاء والابتهال بعد أن رأى الدلائل على بديع الحكمة، وواسع العلم بدقائق الأكوان التي تربط الإنسان بربه.

وفي هذا تعليم للمؤمنين كيف يخاطبون ربهم عند ما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه في بدائع خلقه.

(فَقِنا عَذابَ النَّارِ) أي فوفقنا بعنايتك لصالح العمل بما فهمنا من الدلائل حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار.

(رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) أي إنهم بعد أن يدعوا ربهم أن يقيهم دخول النار يتوجهون إليه قائلين هذا القول، دلالة على عظم هذا العقاب وشدته وهو الخزي والفضيحة، ليكون موقع السؤال أعظم، لأن من طلب من ربه شيئا وشرح عظم المطلوب وقوّته، كانت الداعية إلى الدعاء أكمل والإخلاص في الطلب أشد.

(وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) الظالم هو الذي يتنكب الطريق المستقيم، وقد وصف من يدخل النار بالظلم للدلالة على أن سبب دخوله إياها هو جوره وظلمه، وللتشنيع عليه بهذا العمل القبيح.

أي إن هؤلاء المتفكرين الذاكرين ينظرون إلى هيبة ذلك الرب العلي الذي خلق تلك الأكوان المملوءة بالأسرار والحكم، فيعلمون أنه لا يمكن أحدا أن ينتصر عليه، وأن من عاداه فلا ملجأ له إلا إليه.

(رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) المنادى هو الرسول، وذكره بوصف المنادى تعظيما لشأن هذا النداء، أي إنهم بعد أن عرفوا الله تعالى حق معرفته بالذكر والفكر عبروا عن وصول دعوة الرسول إليهم واستجابتهم دعوته سراعا بدون تلبّث بهذا القول، لأنه دعاهم إلى ما اهتدوا إليه من قبل وزادهم معرفة وبصيرة في عالم الغيب والحياة الآخرة.

وفي تقدمة الدعاء بالنداء إشارة إلى كمال توجههم إلى مولاهم وعدم غفلتهم عنه مع إظهار كمال الضراعة والابتهال إلى من عوّدهم الإحسان والإفضال.

(رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) الغفران: الستر والتغطية يقال: رجل مكفّر بالسلاح أي مغطى به، قال لبيد: « في ليلة كفر النجوم ظلامها ».

أي إنهم طلبوا من الله تعالى في هذا الدعاء ثلاثة أشياء: غفران الذنوب المتقدمة، وتكفير السيئات المستقبلة، وأن تكون وفاتهم مع الأبرار بأن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة كما يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف أي هو مشارك لهم في أنه يعطى ألفا قال تعالى: « فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ».

وفي هذا رمز إلى أنهم كانوا يحبون لقاء الله « ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ».

(رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) أي ربنا أعطنا ما وعدتنا من حسن الجزاء كالنصر في الدنيا والنعيم في الآخرة جزاء على تصديق رسلك واتباعهم.

وخلاصة ذلك - إنهم قالوا أعطنا ذلك بتوفيقنا للثبات على ما نستحق ذلك به إلى أن تتوفانا مع الأبرار، وفى هذا استشعار بتقصيرهم وعدم الثقة بثباتهم إلا بتوفيق الله ومزيد عنايته.

(وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي ولا تفضحنا ولا تهتك سترنا يوم القيامة بإدخالنا النار التي يخزى من دخلها.

(إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) أي لا تخلف ما وعدت به على الإيمان وصالح العمل، فقد وعدت بسيادة الدنيا في قولك « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ » وقلت « إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ » ووعدت بسعادة الآخرة فقلت « وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ».

(فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي فاستجاب لهم ربهم دعاءهم، لصدقهم في إيمانهم وذكرهم وتفكيرهم وتنزيههم لربهم وتصديقهم للرسل وشعورهم بالضعف والتقصير في الشكر واحتياجهم إلى المغفرة.

وإنا لنستخلص من هذه الآية أمورا:

(1) إن الاستجابة يصح أن تكون بغير ما طلب، فقد سألوه غفران الذنوب وتكفير السيئات والوفاة مع الأبرار، فأجابهم بأن كل عامل سيوفى جزاء عمله، وفي ذلك تنبيه إلى أن العبرة في النجاة من العذاب والفوز بحسن الثواب، إنما تكون بإحسان العمل والإخلاص فيه.

(2) إن الذكر والأنثى متساويان عند الله في الجزاء متى تساويا في العمل حتى لا يغترّ الرجل بقوته ورياسته على المرأة فيظن أنه أقرب إلى الله منها.

(3) إن الله قد بين علة هذه المساواة بقوله: بعضكم من بعض، فالرجل مولود من المرأة والمرأة مولودة من الرجل، فلا فرق بينهما في البشرية ولا تفاضل إلا بالأعمال.

(4) إنها رفعت قدر النساء المسلمات في أنفسهن وعند الرجال المسلمين.

(5) إن هذا التشريع قد أصلح معاملة الرجل للمرأة واعترف لها بالكرامة، وأنكر تلك المعاملة القاسية التي كانت تعاملها بها بعض الأمم فقد كان بعضها يعدها كالبهيمة المسخّرة لمصلحة الرجل، وبعضها يعدّها غير أهل للتكاليف الدينية، إذ زعموا أنه ليس لها روح خالد، فما زعمه الإفرنج من أنهم السبّاقون إلى الاعتراف بكرامة المرأة ومساواتها للرجل ليس مبنيا على أساس صحيح، فالإسلام هو الذي سبق كل الشرائع في هذا، ولا تزال شرائعهم الدينية والمدنية تميّز الرجل من المرأة، نعم إن المسلمين قصّروا في تعليم النساء وتربيتهن، لكن هذا لا يصلح حجة على الدين نفسه.

(6) إن ما يفضل به الرجال النساء من العلم والعقل وما يقومون به من الأعمال الدنيوية التي جرى عرف المجتمع على إسنادها إلى الرجال، وجعل حظ الرجل في الإرث مثل حظ الأنثيين لأنه يتحمل نفقة امرأته، فلا دخل لشيء منه في التفاضل عند الله بثواب وعقاب (فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ). بعد أن ربط الله الجزاء بالعمل، بيّن أن العمل الذي يستحقون به ما طلبوا من تكفير السيئات، ودخول الجنات، هو الهجرة من الوطن في خدمة الرسول ﷺ، والإخراج من الديار، بإلجاء الكافرين إياهم إلى الخروج والإيذاء في سبيل الله والقتال والقتل وبذل لمهجة لله عز وجل، كل أولئك يكفر الله به عنهم سيئاتهم ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ولهذه الآية نظائر في الكتاب الكريم كقوله « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » وقوله: « إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ » وقوله « وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ».

وقد ذكر الله صفات المؤمنين هكذا، لينبهنا إلى أن نروز أنفسنا ونختبرها، فإن رأيناها تحتمل الأذى في سبيل الله حتى القتل فلها الرضوان من ربها، وإلا فلنروّضها حتى تصل إلى هذه المنزلة، والسر في هذا التكليف الشاق أن الحق لا يقوى إلا إذا وجد من ينصره ويؤيده، ويقاوم الباطل وأعوانه، حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى، فيجب على أنصار الحق ألا يفشلوا ولا ينهزموا، بل يثبتوا مهما لاقوا من المحن والأرزاء، فقد كتب الله النصر لعباده المؤمنين.

(ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الثواب والمثوبة الجزاء، وقد جعله الدين أثرا طبيعيا للعمل، فللأعمال تأثير في نفس العامل بتزكيتها فتكون منعمة في الآخرة، أو تدسيتها فتكون معذبة فيها.

وقد وعد الله تعالى من فعل ذلك بأمور ثلاثة:

(1) محو السيئات وغفران الذنوب ودل على ذلك بقوله: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) وذلك ما طلبوه بقولهم (فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا).

(2) إعطاء الثواب العظيم وهو قوله: (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) وهذا ما طلبوه بقولهم: (وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ).

(3) أن يكون هذا الثواب عظيما مقرونا بالتعظيم والإجلال، وهو قوله: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وهذا ما طلبوه بقولهم (وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) والمعنى لأكفرنّ عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم الجنات ولأثيبنهم بذلك ثوابا من الله لا يقدر عليه غيره.

(وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) أي هو ثواب من عنده مختص به بحيث لا يقدر عليه غيره، وهذه الجملة تأكيد لشرف ذلك الثواب، لأنه تعالى قادر على كل شيء، غني عن كل أحد، فهو لا محالة في غاية الجود والكرم والإحسان.

[سورة آل عمران (3): الآيات 196 الى 200][عدل]

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)

تفسير المفردات

تقول: غرّنى ظاهره أي قبلته على غفلة عن امتحانه، ويقال في الثوب إذا نشر ثم أعيد إلى طيّه: رددته على غرّه، تقلّب الذين كفروا: تصرفهم في التجارات والمكاسب، متاع قليل: أي ذلك الكسب والربح متاع قليل، وإنما وصفه بالقلة لأنه قصير الأمد، مأواهم: مصيرهم، جهنم هي الدار التي يجازى فيها الكافرون في الآخرة، والمهاد: المكان الموطأ كالفراش، والنزل: ما يهيأ للضيف النازل، والأبرار: واحدهم بارّ وهو المتصف بالبر، خاشعين: أي خاضعين، اصبروا: أي احبسوا نفوسكم عن الجزع مما ينالها، وصابروا: أي اصبروا على شدائد الحرب مع أعداء الله، ورابطوا: أي أقيموا في الثغور رابطين خيولكم حابسين لها مترصدين للغزو، والتقوى: أن تقى نفسك من غضب الله وسخطه، والفلاح: هو الفوز والظفر بالبغية المقصودة من العمل.

المعنى الجملي

بعد أن وعد الله المؤمنين بالثواب العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في رخاء ولين عيش ذكر في هذه الآية ما يسليهم ويصبّرهم على تلك الشدة، فبين لهم حقارة ما أوتى هؤلاء من حظوظ الدنيا وذكر أنها متاع قليل زائل، فلا ينبغي للعاقل أن يوازن بينه وبين النعيم الخالد المقيم.

الإيضاح

(لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) أي لا يغرنك يا محمد والمراد أمته، فكثيرا ما يخاطب سيّد القوم بشىء ويراد أتباعه، وهذا معنى ما روى عن قتادة أنه قال: والله ما غرّوا نبي الله ﷺ حتى قبضه الله.

وخلاصة المعنى - لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاءوا، وأنتم معاشر المؤمنين خائفون محصورون، فإن ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى أشد العذاب، فعلى المؤمن أن يجعل مرمى طرفه ذلك الثواب الذي وعده الله فهو النعيم الحقيقي الباقي.

(مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ) أي ذلك التقلب في البلاد الذي يتمتعون به متاع قليل، عاقبته هذا المأوى الذي ينتهون إليه في الآخرة فيكونون خالدين فيه أبدا، بما جنته أنفسهم وكسبته أيديهم.

نزلت الآية في مشركي مكة إذ كانوا يضربون في الأرض، يتّجرون ويكتسبون حين لا يستطيع المسلمون ذلك لوقوف المشركين لهم بالمرصاد والإيقاع بهم أينما ثقفوهم، وعجز هؤلاء عن مقاومتهم إذا خرجوا من ديارهم للتجارة أو غيرها.

وقد روى من وجه آخر أن بعض المؤمنين قال: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية.

وبعد أن بين حال الكافرين ومآل أمرهم، ذكر عاقبة المؤمنين ليعلموا أنهم في القسمة غير مغبونين، فقال:

(لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي لكن الذين اتقوا ربهم بفعل الطاعات وترك المنهيات، لهم جنات النعيم خالدين فيها أبدا.

ونحو الآية قوله تعالى: « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا » وفى الآية إيماء إلى أن النازلين فيها ضيوف عند ربهم يحفهم بلطفه، ويخصهم بكرمه وجوده، وهذه الجنات نعيم جسماني لهم، وهناك نعيم روحاني أعطاه الله بمحض الفضل والإحسان وإليه الإشارة بقوله:

(وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) أي وما عنده من الكرامة فوق ما تقدم خير وأفضل يتقلب فيه الذين كفروا من المتاع القليل الفاني.

(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) بعد أن بين حال المؤمنين وما أعدّ لهم من الثواب وحال الكافرين وما هيأ لهم من العقاب، ذكر هنا حال فريق من أهل الكتاب يهتدون بهذا القرآن وكانوا من قبله مهتدين بما عندهم من هدى الأنبياء وقد وصفهم الله بصفات كلها تستحق المزية والشرف:

الأولى: الإيمان بالله إيمانا لا تشوبه نزعات الشرك ولا يفارقه الإذعان الباعث على العمل، لا كمن قال الله فيهم « وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ».

الثانية: الإيمان بما أنزل إلى المسلمين، وهو ما أوحاه الله إلى نبيه محمد ﷺ.

الثالثة: الإيمان بما أنزل إليهم وهو ما أوحاه الله إلى أنبيائهم، والمراد به الإيمان إجمالا وما أرشد إليه القرآن تفصيلا فلا يضير في ذلك ضياع بعضه ونسيان بعضه الآخر.

الرابعة: الخشوع وهو الثمرة للإيمان الصحيح فإن الخشوع أثر خشية الله في القلب ومنه تفيض على الجوارح والمشاعر، فيخشع البصر بالانكسار، ويخشع الصوت بالخفوت والتهدج.

الخامسة: عدم اشتراء شيء من متاع الدنيا بآيات الله وهذا أثر لما قبله.

روى النسائي من حديث أنس قال: « لما جاء نعى النجاشي قال رسول الله ﷺ: صلّوا عليه، قالوا: يا رسول الله نصلى على عبد حبشى، فأنزل الله هذه الآية »:

(أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي هؤلاء المتصفون بحميد الصفات، وجليل الأعمال، لهم ثواب أعمالهم وأجر طاعتهم عند ربهم الذي رباهم بنعمه وهداهم إلى الحق وإلى الصراط المستقيم.

(إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) فهو يحاسب الناس جميعهم في وقت قصير فيتمثل لهم ما كسبته أيديهم، وانطوت عليه جوانحهم، وهو مكتوب في صحائف أعمالهم، فما أحرانا أن نشبهها بالصور المتحركة (الأفلام) التي تعرض فيها الحوادث والوقائع في عصرنا الحاضر.

وقد ختم الله هذه السورة بوصية للمؤمنين إذا عملوا بها كانوا أهلا لاستجابة الدعاء وأحق بالنصر في الدنيا وحسن المثوبة في الآخرة فقال:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي اصبروا على شدائد الدنيا وآلامها من مرض وفقر وخوف، وصابروا: أي تحملوا المكاره التي تلحقكم من سواكم، ويدخل في ذلك احتمال الأذى من الأهل والجيران وترك الانتقام ممن يسىء إليكم كما قال: « وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » وإيثار غيركم على أنفسكم كما قال: « وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » والعفو عمن ظلمكم كما قال « وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » ودفع شبه المبطلين وحلّ شكوكهم والإجابة عن شبههم، وقوله ورابطوا: أي اربطوا خيلكم في الثغور كما يربط العدو خيله استعداد للقتال كما قال تعالى: « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ » ويدخل في هذا كل ما ولّده العلم في هذا العصر من وسائل الدفاع من طائرات وقاذفات للقنابل ودبابات ومدافع رشاشة وبنادق وأساطيل بحرية ونحو ذلك مما صار ضروريا من آلات الحروب الحديثة، وصار من فقدها يشبه أن يكون أعزل من السلاح وإن كان مدجّجا به، ويلزم هذا أن يكونوا عالمين بفنون الحرب والخطط العسكرية بارعين في العلوم الطبيعية والرياضية، فكل ذلك واجب على المسلمين في هذا العصر، لأن الاستعداد لايتم إلا به.

ولقد أكثر الله في كتابه من ذكر التقوى ويراد بها الوقاية من سخط الله وغضبه، ولا يكون هذا إلا بعد معرفته ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه، ولا يعرف هذا إلا من فهم كتاب الله، وعرف سنة نبيه، وسيرة السلف الصالح من الأمة الإسلامية. ومن فعل كل ما تقدم فصبر وصابر ورابط لحماية الحق وأهله ونشر دعوته واتقى ربه في سائر شئونه فقد أفلح وفاز بالسعادة عند ربه.

وهذا الفوز والفلاح بالبغية قد يكون في شئون الدنيا كما جاء حكاية عن فرعون « وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى » وقد يكون في شئون الآخرة كقوله تعالى حكاية عن أهل الكهف « وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ».

وقد يكون فيهما معا، وأكثر ما جاء في القرآن من هذا كالذي نحن فيه، فإن مصابرة الأعداء والمرابطة والتقوى كلها من وسائل الظفر على الأعداء في الدنيا كما أنها من أسباب السعادة في الآخرة بعد توافر حسن النية، وقصد إقامة الحق والعدل.

وفقنا الله للعمل إلى ما يرضيه، حتى نصل إلى سعادة الدارين، بفضله وإحسانه، ومنّه وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

سورة النساء[عدل]

آيها مائة وسبعون وست، نزلت بعد الممتحنة.

وهي مدنية كلها، فقد روى البخاري عن عائشة أنها قالت: « ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله ﷺ » وقد بنى النبي بعائشة في المدينة في شوال من السنة الأولى من الهجرة.

ووجه المناسبة بينها وبين آل عمران:

(1) إن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى، وافتتحت هذه السورة بذلك، وهذا من آكد المناسبات في ترتيب السور.

(2) إن في السابقة ذكر قصة أحد مستوفاة، وفى هذه ذيل لها وهو قوله: « فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ » فإنه نزل في هذه الغزوة على ما ستعرفه بعد.

(3) إنه ذكر في السالفة الغزوة التي بعد أحد وهي (غزوة حمراء الأسد) بقوله « الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ » وأشير إليها هنا في قوله: « وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ » الآية.

ما حوته السورة من الموضوعات[عدل]

(1) الأمر بتقوى الله في السر والعلن.

(2) تذكير المخاطبين بأنهم من نفس واحدة.

(3) أحكام القرابة والمصاهرة.

(4) أحكام الأنكحة والمواريث.

(5) أحكام القتال.

(6) الحجاج مع أهل الكتاب

(7) بعض أخبار المنافقين.

(8) الكلام مع أهل الكتاب إلى ثلاث آيات في آخرها.

[سورة النساء (4): آية 1][عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)

تفسير المفردات

الناس: اسم للجنس البشرى، وهو الحيوان الناطق المنتصب القامة الذي يطلق عليه اسم (إنسان). تساءلون به: أي يسأل به بعضكم بعضا، بأن يقول سألتك بالله أن تقضى هذه الحاجة، والأرحام: أي خافوا حق إضاعة الأرحام، والرقيب: المراقب وهو المشرف من مكان عال، والمرقب: المكان الذي يشرف منه الإنسان على ما دونه، والمراد هنا بالرقيب الحافظ لأن ذلك من لوازمه.

المعنى الجملي

يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي أنشأكم من العدم، ورباكم وشملكم بالجود والكرم، واذكروا أنه خلقكم من نفس واحدة وجعلكم جنسا تقوم مصالحه على التعاون والتآزر، وحفظ بعضكم حقوق بعض.

واتقوا الله الذي تعظمونه وتتساءلون فيما بينكم باسمه الكريم، وبحقه على عباده وبما له من السلطان والجبروت، وتذكّروا حقوق الرحم عليكم فلا تفرّطوا فيها، فإنكم إن فعلتم ذلك أفسدتم الأسر والعشائر، فعليكم أن تحافظوا على هاتين الرابطتين رابطة الإيمان ورابطة الرحم الوشيجة، والله رقيب عليكم يعلم ما تأتون وما تذرون، ويحاسبكم على النّقير والقطمير « وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ».

الإيضاح

(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) أي أيها الناس احذروا عصيان من رباكم بإحسانه، وتفضل عليكم بجوده وإنعامه، وجعلكم أقرباء يجمعكم نسب واحد وأصل واحد.

وجمهرة العلماء على أن المراد بالنفس الواحدة هنا آدم، وهم لم يأخذوا هذا من نص الآية، بل أخذوه تسليما وهو أن آدم أبو البشر.

وقال القفّال: إن المراد أنه خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجا هو إنسان يساويه في الإنسانية، أو أن الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وهم آل قصي، وأن المراد بالنفس الواحدة قصي اهـ.

وقال بعض العلماء أبهم الله تعالى أمر النفس التي خلق الناس منها، فلندعها على إبهامها، فإذا ثبت ما يقوله الباحثون من أن لكل صنف من أصناف البشر أبا كان ذلك غير مخالف لكتابنا، كما هو مخالف للتوراة التي نصت صراحة على أن آدم أبو البشر فحمل ذلك بعض الناس على الطعن في كونها من عند الله ووحيه.

وقال الأستاذ الإمام: إن ظاهر الآية يأبى أن يكون المراد بالنفس الواحدة آدم لوجهين:

(1) البحث العلمي والتأريخي المعارض لذلك.

(2) إنه قال رجالا كثيرا ونساء، ولم يقل الرجال والنساء، ولكن ليس في القرآن ما ينفى هذا الاعتقاد ولا ما يثبته إثباتا قاطعا لا يحتمل التأويل اهـ.

وما جاء من مخاطبة الناس بقوله: « يا بَنِي آدَمَ » لا يعد نصّا في كون جميع البشر من أبنائه إذ يكفى في صحة هذا الخطاب أن يكون من وجّه إليهم في زمن التنزيل من أولاد آدم.

بحث في حقيقة النفس أو الروح[عدل]

اختلف المسلمون في حقيقة النفس أو الروح الذي يحيا به الإنسان وتتحقق وحدة جنسه على اختلاف أصنافه، وأشهر آرائهم في ذلك: الرأي القائل: إنها جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار التي تفيض عليها من هذا الجسم اللطيف، وجد الحسّ والحركة الإرادية والفكر وغيرها، وإذا فسدت هذه الأعضاء، وعجزت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح.

ومما يثبت ذلك أن العقل والحفظ والتذكر وهي أمور ثابتة قطعا - ليست من صفات هذا الجسد، فلابد لها من منشأ وجودى عبر عنه الأقدمون بالنفس أو الروح وما مثلها إلا مثل الكهرباء، فالماديون الذين يقولون لا روح إلا هذه الحياة، يكون مثل الجسد عندهم مثل المستودع الكهربائى، فهو بوضعه الخاص، وبما يودع فيه من الموادّ تتولد فيه الكهرباء، فإذا زال شيء مما أودع فيه، أو أزيل تركيبه الخاص فقد الكهرباء، وهكذا حال الجسم تتولد فيه الحياة بتركيب مزاجه بكيفية خاصة، وبزوالها تزول الحياة، والذين يقولون إن للأرواح استقلالا عن الجسد، يكون مثل الجسد مثل الآلة التي تدار بكهرباء تأتى إليها من المولّد الكهربائى، فإذا كانت الآلة على وضع خاص في أجزائها وأدوانها كانت مستعدة لقبول الكهرباء التي توجه إليها حتى تؤدى وظيفتها، وإن فقدت منها بعض الأجزاء الرئيسية، أو اختل وضعها الخاص تصبح غير قابلة للكهرباء، ومن ثم لا تؤدى وظيفتها الخاصة بها.

(وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها) أي وخلق لتلك النفس التي هي آدم زوجا منها وهي حواء، قالوا إنه خلقها من ضلعه الأيسر وهو نائم، وقد صرح بهذا في الفصل الثاني من سفر التكوين وورد في بعض الأحاديث، فقد روى البخاري قوله ﷺ « إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها ».

وخلاصة هذا - إنه شعّبكم من نفس واحدة أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حواء.

ويرى أبو مسلم الأصفهاني: أن معنى (منها) أي من جنسها كما جاء مثل هذا في قوله: « وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً » وقوله: « لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ » وقوله: « لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ » فلا فرق بين أسلوب هذه الآية وأساليب الآيات الأخرى، والمعنى في الجميع واحد.

ومن ثبت عنده أن حواء خلقت من ضلع آدم فلا يكون مصدر الإثبات عنده هذه الآية، وإلا كان إخراجا لها عما جاء في أمثالها اهـ.

ثم فصل ما أجمله في قوله: خلقكم من نفس واحدة، فقال:

(وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً) أي ونشر من آدم وحواء نوعى جنس الإنس وهما الذكور والإناث، فجعل النسل من الزوجين كليهما، فجميع سلائل البشر متوالدة من زوجين ذكر وأنثى.

(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) أي واتقوا الله الذي يسأل به بعضكم بعضا، بأن يقول سألتك بالله أن تقضى هذه الحاجة، وهو يرجو بذلك إجابة سؤله، والمراد من سؤاله بالله سؤاله بإيمانه به وتعظيمه إياه، أي أسألك بسبب ذلك أن تفعل كذا.

واتقوا إضاعة حق الأرحام، فصلوها بالبر والإحسان ولا تقطعوها.

وكرر الأمر بالتقوى للحث عليها، وعبر أوّلا بلفظ (الربّ) الذي يدل على التربية والإحسان، ثم بلفظ (اللَّهِ) الذي يدل على الهيبة والقهر للترغيب أولا والترهيب ثانيا كما قال تعالى: « يَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا » كأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته، لأنه شديد العقاب، عظيم السطوة.

(إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) أي إنه مشرف على أعمالكم ومناشئها من نفوسكم، وتأثيرها في أحوالكم لا يخفى عليه شيء من ذلك، فلا يشرع لكم من الأحكام إلا ما فيه صلاحكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة.

وفي ذلك تنبيه لنا إلى الإخلاص في أعمالنا، إذ من كان متذكرا أن الله مراقب لأعماله كان جديرا أن يتقيه ويلتزم حدوده.

[سورة النساء (4): الآيات 2 الى 4][عدل]

وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)

تفسير المفردات

اليتيم لغة: من مات أبوه مطلقا، لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ مبلغ الرجال، ولا تتبدلوا: أي لا تستبدلوا، والخبيث: هو الحرام، والطيب: هو الحلال، حوبا كبيرا: أي إثما عظيما، القسط: النصيب، وقسط: جار. قال الله تعالى: فَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا » وأقسط: عدل. قال الله تعالى: « وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ » ما طاب لكم: أي مامال إليه القلب منهن، مثنى وثلاث ورباع: أي ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا، ذلك أدنى ألا تعولوا: أي ذلك أقرب إلى عدم العول، والجور، صدقاتهن: مهورهن، نحلة: أي عطية وهبة، هنيئا مريئا: الهنيء ما يستلزه الآكل، والمريء: ما تجمل عاقبته كأن يسهل هضمه وتحسن تغذيته.

المعنى الجملي

بعد أن افتتح سبحانه السورة بذكر ما يجب على العبد أن ينقاد له من التكاليف، ليبتعد عن سخطه وغضبه في الدنيا والآخرة - شرع يذكر أنواعها، وأولها إيتاء اليتامى أموالهم، وثانيها حكم ما يحل عدده من الزوجات ومتى يجب الاقتصار على واحدة، ثم وجوب إيتاء الصداق لهن.

الإيضاح

(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) المراد بإيتاء الأموال إياهم: جعلها لهم خاصة وعدم أكل شيء منها بالباطل، أي أيها الأولياء والأوصياء احفظوا أموال اليتامى ولا تتعرضوا لها بسوء وسلموها لهم متى آنستم منهم الرشد، فاليتيم ضعيف لا يقدر على حفظ ماله والدفاع عنه.

(وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) أي ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم الذي اكتسبتموه من فضل الله.

وخلاصة ذلك - لا تتمتعوا بمال اليتيم في المواضع والحالات التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم، فاذا فعلتم ذلك فقد جعلتم مال اليتيم بدلا من مالكم.

(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) المراد من الأكل سائر التصرفات المهلكة للأموال، وإنما ذكر الأكل لأن معظم ما يقع من التصرفات فهو لأجله، و(إِلى) بمعنى مع أي لا تأكلوا أموالهم مخلوطة ومضمومة إلى أموالكم حتى لا تفرقوا بينهما، لأن في ذلك قلة مبالاة بما لا يحل وتسوية بين الحرام والحلال.

(إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا) أي إن هذا الأكل ذنب عظيم وإثم كبير.

(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) أي وإن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة فعليكم ألا تتزوجوا بها فان الله جعل لكم مندوحة عن اليتامى بما أباحه لكم من التزوّج بغيرهن واحدة أو ثنتين أو ثلاثا أو أربعا، وتقول العرب في كلامها اقتسموا ألف الدرهم هذا درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة على معنى أن كل واحد يأخذ درهمين فحسب أو ثلاثة أو أربعة ولو أفردت وقلت اقتسموه درهمين وثلاثة وأربعة لم يسغ استعمالا.

(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) أي ولكن إن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجين أو الزوجات فعليكم أن تلزموا واحدة فقط، والخوف من عدم العدل يصدق بالظن والشك في ذلك، فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو من يثق من نفسه بالعدل ثقة لا شك فيها.

(أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي اقتصروا على واحدة من الحرائر وتمتعوا بمن تشاءون من السراري لعدم وجوب العدل بينهن، ولكن لهن حق الكفاية في نفقات المعيشة بما يتعارفه الناس.

(ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) أي اختيار الواحدة أو التسرى أقرب من عدم الجور والظلم.

والخلاصة - إن البعد من الجور سبب في تشريع الحكم، وفى هذا إيماء إلى اشتراط العدل ووجوب تحرّيه، وإلى أنه عزيز المنال كما قال تعالى: « وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ».

والعدل إنما يكون فيما يدخل تحت طاقة الإنسان كالتسوية في المسكن والملبس ونحو ذلك، أما ما لا يدخل في وسعه من ميل القلب إلى واحدة دون أخرى فلا يكلف الإنسان بالعدل فيه، وقد كان النبي ﷺ في آخر عهده يميل إلى عائشة أكثر من سائر نسائه، لكنه لا يخصها بشىء دونهن إلا برضاهن وإذنهن، وكان يقول « اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك » يريد ميل القلب، وقد استبان لك مما سلف أن إباحة تعدد الزوجات مضيق فيها أشد التضييق، فهي ضرورة تباح لمن يحتاج إليها بشرط الثقة باقامة العدل والأمن من الجور.

وإن من يرى الفساد الذي يدب في الأسر التي تتعدد فيها الزوجات ليحكم حكما قاطعا بأن البيت الذي فيه زوجتان أو أكثر لرجل واحد لا تستقيم له حال ولا يستتب فيه نظام.

فإنك ترى إحدى الضرتين تغري ولدها بعداوة إخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وكثيرا ما يطيع أحب نسائه إليه فيدب الفساد في الأسرة كلها.

إلى أن ذلك ربما جر إلى السرقة والزنا والكذب والقتل فيقتل الولد والده والوالد ولده والزوجة زوجها، والعكس بالعكس كما دونت ذلك سجلات المحاكم.

فيجب على رجال القضاء والفتيا الذين يعلمون أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن من أصول الدين منع الضرر والضرار، أن ينظروا إلى علاج لهذه الحال ويضعوا من التشريع ما يكفل منع هذه المفاسد على قدر المستطاع.

مزايا تعدد الزوجات عند الحاجة إليه[عدل]

الأصل في السعادة الزوجية أن يكون للرجل زوج واحدة، وذلك منتهى الكمال الذي ينبغي أن يربى عليه الناس ويقنعوا به، لكن قد يعرض ما يدعو إلى مخالفة ذلك لمصالح هامة تتعلق بحياة الزوجين، أو حاجة الأمة فيكون التعدد ضربة لازب لا غني عنه، ومن ذلك:

(1) أن يتزوج الرجل امرأة عاقرا وهو يود أن يكون له ولد، فمن مصلحتها أو مصلحتهما معا أن تبقى زوجا له ويتزوج بغيرها، ولا سيما إذا كان ذا جاه وثروة كأن يكون ملكا أو أميرا.

(2) أن تكبر المرأة وتبلغ سن اليأس ويرى الرجل حاجته إلى العقب، وهو قادر على القيام بنفقة غير واحدة وكفاية الأولاد الكثيرين وتعليمهم.

(3) أن يرى الرجل أن امرأة واحدة لا تكفيه لإحصانه لأن مزاجه الخاص يدفعه إلى الحاجة إلى النساء، ومزاجها بعكس هذا، أو يكون زمن حيضها طويلا يأخذ جزءا كبيرا من الشهر فهو حينئذ أمام أحد أمرين: إما التزوج بثانية، وإما الزنا الذي يضيع الدين والمال والصحة، ويكون هذا شرا على الزوجة من ضم واحدة إليها مع العدل بينهما كما هو شرط الإباحة في الإسلام.

(4) أن تكثر النساء في الأمة كثرة فاحشة كما يحدث عقب الحروب التي تجتاح البلاد فتذهب بالألوف المؤلفة من الرجال، فلا وسيلة للمرأة في التكسب في هذه الحال إلا ببيع عفافها، ولا يخفى ما بعد هذا من شقاء على المرأة التي تقوم بالإنفاق على نفسها وعلى ولد ليس له والد يكفله، ولا سيما عقب الولادة ومدة الرضاعة.

والمشاهد أن اختلاط النساء بالرجال في المعامل ومحال التجارة وغيرها من الأماكن العامة قد جر إلى كثير من هتك الأعراض والوقوع في الشقاء والبلاء حتى كتبت غير واحدة من الكاتبات الإنجليزيات وأبانت أن هذا التدهور الخلقي لا علاج له إلا بتعدد الزوجات، مع أن هذا ضد مصلحة المرأة، وهي تنفر منه بمقتضى شعورها ووجدانها، وهاك ما قالته إحداهن في بعض جرائدهن بإيجاز وتلخيص:

لقد كثرت الشاردات من بناتنا وقل الباحثون عن أسباب هذا البلاء، وإني لأنظر إليهن وقلبي ينفطر أسى وحزنا عليهن، وماذا يفيد بثي وحزني وإن شاركني فيه الناس جميعا، لا فائدة إلا العمل على ما يمنع هذه الحال، وهو كما رأى (تومس) إباحة التزوج بأكثر من واحدة وبهذه الوسيلة تصبح بناتنا ربات بيوت. إذ لم يجر إلى هذا البلاء إلا إجبار الأوربي على الاكتفاء بامرأة واحدة، فهو الذي جعل بناتنا شوارد وقذف بهن إلى أعمال الرجال ولا بد أن يتفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة، فأي ظن وحدس يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد من السفاح وقد أصبحوا عالة وعارا على المجتمع ولو أبيح التعدد لما حاق بأولئك الأولاد وبأمهاتهم ما هم فيه من عذاب ولسلم عرضهن وعرض أولادهن من فداحة الحال التي نراها الآن.

ونشرت كاتبة أخرى (مس إني رود) في جريدة أخرى تقول:

لأن يشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو شبه خوادم خير لهن وللمجتمع من اشتغالهن في المعامل حيث تلوّث البنت بأذران الرذيلة التي تبقى لا صقة بها مدى حياتها.

ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف والطهارة، والخادم والرقيق ينعمان بأرغد عيش ويعاملان كما يعامل أولاد البيت ولا تمس الأعراض بسوء، وإنه لعار على بلاد الإنكليز أن تجعل بناتها مثلا للرذائل بكثرة مخالطتهن الرجال.

فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل بما يوافق فطرتها وتقوم بأعمال البيت وتترك أعمال الرجال للرجال فذلك أضمن لعفافها وهو الكفيل بسعادتها اهـ.

وصفوة القول: إن تعدد الزوجات يخالف المودة والرحمة وسكون النفس إلى المرأة وهي أركان سعادة الحياة الزوجية، فلا ينبغي لمسلم أن يقدم عليه إلا ضرورة مع الثقة بما أوجبه الله من العدل، وليس وراء ذلك إلا ظلم المرء لنفسه وامرأته وولده وأمته.

حكمة تعدد زوجات النبي ﷺ[عدل]

راعى النبي ﷺ النصيحة في اختيار كل زوجة من زوجاته، فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم وعلم أتباعه احترام النساء وإكرام كرائمهن والعدل بينهن وترك من بعده تسع أمهات للمؤمنين يعلمن نساءهم الأحكام الخاصة بالنساء مما ينبغي أن يعلمنه منهن لامن الرجال، ولو كان قد ترك واحدة ما كان فيها الغناء كما لو ترك التسع.

وقصارى القول إنه عليه السلام ما أراد بتعدد الزوجات ما يريده الملوك والأمراء والمترفون من التمتع بالنساء، إذ لو كان قد أراد ذلك لاختارهن من حسان الأبكار لا من الكهلات الثيبات كما قال لمن اختار ثيبا « هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك » رواه الشيخان.

(وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) الخطاب للأزواج أي وأعطوا النساء اللواتى تعقدون عليهن المهور عطاء هبة يكون رمزا للمودة التي ينبغي أن تكون بينكما، وآية من آيات المحبة، ودليلا على وثيق الصلة والرابطة التي تجب أن تكنفكما وتحيط بسماء المنزل الذي تحلان فيه، وقد جرى عرف الناس بعدم الاكتفاء بهذا العطاء فتراهم يردفونه بأصناف الهدايا والتحف من مآكل وملابس ومصوغات إلى نحو ذلك، مما يعبر عن حسن تقدير الرجل للمرأة التي يريد أن يجعلها شريكته في الحياة.

(فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) أي فإن طابت نفوسهن باعطائكم شيئا من الصداق من غير ضرار ولا خديعة فكلوه هنيئا مريئا ولا ذنب عليكم ولا إثم في أخذه.

ومن ثم لا يجوز للرجل أن يأكل شيئا من مال امرأته إلا إذا علم أن نفسها طيبة به فاذا طلب منها شيئا وحملها الخوف أو الخجل على إعطاء ما طلب فلا يحل له، ألا ترى أنّ الله تعالى نهى عن أخذ شيء من المرأة في طور المفارقة فقال: « وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ، وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا، فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا » فالتحذير من أخذه في طور الرغبة والتحبب وإظهار القدرة على ما يجب عليه من أعباء الزوجية من كفالة المرأة والإنفاق عليها يكون أشد وآكد، ولكن حب المل جعل الرجال يماكسون في المهر كما يماكسون في سلع التجارة، وصار حبهم للمحافظة على الشرف والكرامة دون حبهم للدرهم والدينار.

[سورة النساء (4): الآيات 5 الى 6][عدل]

وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)

تفسير المفردات

السفهاء واحدهم سفيه: وهو المبذّر للمال المنفق له فيما لا ينبغي، وأصل السفه الخفة والاضطراب، ومنه قيل زمان سفيه: إذا كان كثير الاضطراب، وثوب سفيه: ردىء النسج، ثم استعمل في نقصان العقل في تدبير المال وهو المراد هنا، قياما: أي تقوم بها أمور معايشكم، وتمنع عنكم الفقر. قال الراغب: القيام والقوام ما يقوم به الشيء ويثبت كالعماد والسناد لما يعمد ويسند به، وارزقوهم: أي وأعطوهم، والقول المعروف: ما تطيب به النفوس وتألفه كإفهام السفيه أن المال ماله لا فضل لأحد عليه، آنستم منهم رشدا: أي أبصرتم منهم حسن التصرف في الأموال، الإسراف: مجاوزة الحد في التصرف في المال، والبدار: المبادرة والمسارعة إلى الشيء، يقال بادرت إلى الشيء وبدرت إليه، فليستعفف: أي فليعفّ، والعفة: ترك ما لا ينبغي من الشهوات، والحسيب: الرقيب.

المعنى الجملي

بعد أن أمرنا الله تعالى في الآيات السالفة بإيتاء اليتامى أموالهم، وبإيتاء النساء مهورهن أتى في هذه الآية بشرط للإيتاء يشمل الأمرين معا وهو ألا يكون كل منهما سفيها، مع بيان أنهم يرزقون فيها، ويكسون مادامت في أيديهم مع قول المعروف لهم حتى تحسن أحوالهم، وأنه لا تسلم إليهم الأموال إلا إذا أونس منهم الرشد، وأنه لا ينبغي الإسراف في أكل أموال اليتامى، فمن كان من الأولياء غنيا فليعف عن الأكل من أموالهم، ومن كان فقيرا فليأكل بما يبيحه الشرع، ويستجيزه أرباب المروءة.

الإيضاح

(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا) هذا خطاب لمجموع الأمة، والنهى شامل لكل مال يعطى لأي سفيه، أي أعطوا كل يتيم ماله إذا بلغ، وكل امرأة صداقها إلا إذا كان أحدهما سفيها لا يحسن التصرف في ماله فامنعوه منه لئلا يضيعه، واحفظوه له حتى يرشد.

وإنما قال أموالكم ولم يقل أموالهم مع أن الخطاب للأولياء والمال مال السفهاء الذين في ولايتهم، لينبهنا إلى أنه إذا ضاع هذا المال وجب على الولي أن ينفق عليه من مال نفسه، فإضاعته مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي فكأن ماله عين ماله، وإلى أن الأمة متكافلة في المصالح، فمصلحة كل فرد فيها كأنها مصلحة للآخرين.

ومعنى جعل الأموال قياما للناس، أن بها تقوم وتثبت منافعهم ومرافقهم، فمنافعهم الخاصة، ومصالحهم العامة لا تزال قائمة ثابتة مادامت أموالهم في أيدي الراشدين المقتصدين منهم الذين يحسنون تثميرها وتوفيرها، ولا يتجاوزون حدود المصلحة في الإنفاق، وفى هذا حث عظيم على الاقتصاد بذكر فوائده، وتنفير من الإسراف والتبذير ببيان مغبته، فإن الأموال إذا وقعت في أيدي السفهاء المسرفين فات ما كان من تلك المنافع قائما، ومن ثم وصف الله المؤمنين بقوله: « وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا ». وقد ورد في السنة النبوية حثّ كثير على الاقتصاد، من ذلك مارواه أحمد عن ابن مسعود: « ما عال من اقتصد ». ومارواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر: « الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن العقل نصف العلم » وإن من أشد العجب أن يكون حال المسلمين اليوم ما نرى من الإسراف والتبذير، وكتابهم يهديهم إلى ما للاقتصاد من فوائد، وما للتبذير من مضار، إلى ما للمال في هذا الزمن من المنزلة التي لا يقدر قدرها حتى صارت جميع المرافق موقوفة على المال، وأصبحت الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد وليس في أيديها المال مستذلة مستعبدة للأمم الغنية ذات البراعة في الكسب والإحسان في الاقتصاد وجمع المال.

ولا سبب لهذا إلا أنا نبذنا هدى القرآن وراء ظهورنا، وأخذنا بآراء الجاهلين الذين لبسوا على الناس ونفثوا سمومهم وبالغوا في التزهيد والحث على إنفاق ما تصل إليه الأيدي، مع أن السلف الصالح كانوا من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم، وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الكسب الحلال، وليت هذا التزهيد أتى بالغرض المسوق لأجله من الترغيب في الآخرة والعمل لها، لكنهم زهدوهم في الدنيا وقطعوهم عن الآخرة فخسروهما معا، وما ذاك إلا لجهلهم بهدى الإسلام وهو السعي للدنيا والعمل للآخرة كما ورد في الأثر « اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ».

(وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ) الرزق يعم وجوه الإنفاق جميعها كالأكل والمبيت والزواج والكسوة، وإنما خص الكسوة بالذكر، لأن الناس يتساهلون فيها أحيانا، وقال (فيها) ولم يقل منها إشارة إلى أن الأموال تتخذ مكانا للرزق بالتجارة فيها فتكون النفقات من الأرباح لا من صلب المال حتى لا يأكلها الإنفاق، أي أيها الأولياء الذين عهد إليكم حفظ أموال السفهاء وتثميرها حتى كأنها أموالكم، عليكم أن تنفقوا عليهم فتقدموا لهم كفايتهم من الطعام والثياب ونحو ذلك.

(وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) أي فليقل كل ولى للمولى عليه إذا كان صغيرا: المال مالك وما أنا إلا خازن له وإذا كبرت رد إليك وإذا كان سفيها وعظه ونصحه، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبة ذلك الفقر والاحتياج إلى الخلق إلى نحو ذلك، كما يعلمه كل ما يوصله إلى الرشد، وبذا قد تحسن حاله، فربما كان السفه عارضا لا فطريا، فبالنصح والإرشاد والتأديب يزول ذلك العارض ويصبح رشيدا.

وأين هذا مما يفعله الأولياء والأوصياء من أكل أموال السفهاء ومدهم في غيهم وسفههم حتى يحولوا بينهم وبين أسباب الرشد، وما مقصدهم من ذلك إلا بقاء الأموال تحت أيديهم يتمتعون بها، ويتصرفون فيها بحسب أهوائهم وشهواتهم.

وبعد أن أمر سبحانه بإيتاء اليتامى أموالهم وكان هذا مجملا ذكر كيفية ذلك الإيتاء ووقته فقال:

(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) ابتلاء اليتيم واختباره يكون بإعطائه شيئا من المال يتصرف فيه، فإن أحسن كان راشدا، إذ لا معنى للرشد هنا إلا حسن التصرف وإصابة الخير فيه، وهو نتيجة صحة العقل وجودة الرأي.

وبلوغ النكاح هو الوصول إلى السن التي يستعد فيها المرء للزواج وهو بلوغ الحلم، وهو في هذه الحال تتوجه نفسه إلى أن يكون زوجا وأبا ورب أسرة، ولا يتم له ذلك إلا بالمال، ومن ثم وجب إيتاؤه إياه إلا إذا بلغ سفيها وخيف أن يضيعه.

والمعنى - أيها الأولياء ابتلوا اليتامى إلى ابتداء البلوغ وهو الحد الذي يبلغون فيه سن النكاح، فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدا فادفعوا إليهم أموالهم، وإلا فاستمروا على الابتلاء حتى تأنسوه منهم، ويرى أبو حنيفة دفع مال اليتيم إليه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وإن لم يرشد.

(وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا) أي ولا تأكلوا أموال اليتامى مسرفين في الإنفاق منها ولو على اليتيم نفسه، ولا مبادرين كبرهم إليها أي ولا مسابقين الكبر في السن التي بها يأخذونها منكم، فأنتم تطلبون أكل هذا المال كما يطلب كبر السن صاحبه فالسابق منكما هو الذي يظفر به، فبعض الأولياء الخربى الذمة يستعجلون ببعض التصرفات التي لهم فيها منفعة وليس لليتيم فيها ذلك حتى لا تفوتهم إذا كبر اليتيم وأخذ ماله.

ولما كانت هاتان الحالان - الإسراف ومسابقة كبر اليتيم ببعض التصرف - من مواطن الضعف التي تعرض للانسان نهى الله عنهما ونبه الأولياء إلى خطرهما حتى يراقبوا ربهم إذا عرضتا لهم، فقد تخادع الإنسان نفسه في حد الإسراف وخفاء وجه منفعة الولي في المسابقة إلى بعض الأعمال في مال اليتيم، ويغشّها إذا لم يمكن أن يمارى في ذلك مراء ظاهرا تتضح فيه خيانته.

أما الأكل من مال اليتيم بلا إسراف ولا مبادرة خوف أخذها عند البلوغ، فقد ذكر الله حكمه بقوله: « وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ » أي فمن كان منكم غنيا غير محتاج إلى شيء من مال اليتيم الذي تحت ولايته فليعفّ عن الأكل من ماله، ومن كان فقيرا لا يستغنى عن الانتفاع بشىء من مال اليتيم الذي يشغل بعض وقته في تثميره وحفظه فليأكل منه بالمعروف، وهو ما يبيحه الشرع، ولا يستنكره أرباب المروءة، ولا يعدونه خيانة وطمعا.

قال ابن جرير: إن الأمة مجمعة على أن مال اليتيم ليس مالا للولى، فليس له أن يأكل منه شيئا، ولكن له أن يستقرض منه عند الحاجة كما يستقرض له، وله أن يؤاجر نفسه لليتيم بأجرة معلومة إذا كان اليتيم محتاجا إلى ذلك كما يستأجر له غيره من الأجراء غير مخصوص بها حال غنى ولا حال فقر، وهكذا الحكم في أموال المجانين والمعاتيه.

وقد روى أحمد عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي ﷺ قال: ليس لي مال وإني ولي يتيم فقال: « كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثّل مالا ومن غير أن تقى مالك بماله ».

والحكمة في هذا أن اليتيم يكون في بيت الولي كولده، والخير له في تربيته أن يخالط الولي وأهله في المؤاكلة والمعاشرة، فإذا كان الولي غنيا ولا طمع له في ماله كانت المخالطة مصلحة لليتيم، وإن كان ينفق فيها شيء من ماله فبقدر حاجته، وإن كان فقيرا فهو لا يستغنى عن إصابة بعض ما يحتاج إليه من مال اليتيم الغنى الذي في حجره، فإن أكل من طعامه ما جرى به العرف بين الخلطاء غير مصيب من صلب المال شيئا ولا متأثل لنفسه منه عقارا ولا مالا آخر ولا منفق ماله في مصالحه ومرافقه كان بعمله هذا آكلا بالمعروف.

(فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) أي فإذا دفعتم أيها الأولياء والأوصياء إلى اليتامى أموالهم فأشهدوا عليهم بقبضها وبراءة ذممكم منها، كى لا يكون بينكم نزاع.

وهذا الإشهاد واجب عند الشافعية والمالكية، إذ أن تركه يؤدى إلى التخاصم والتقاضي كما هو مشاهد، وجعله الحنفية مندوبا لا واجبا.

(وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا) أي وكفى الله رقيبا عليكم يحاسبكم على ما تسرّون وما تعلنون، وقد جاء هذا بعد الأمر بالإشهاد ليرشدنا إلى أن الإشهاد وإن أسقط الدعوى بالمال عند القاضي فهو لا يسقط الحق عند الله إذا كان الولي خائنا، فإن الله لا يخفى عليه ما يخفى على الشهود والحكام.

وعلى الجملة فإنك ترى أن الله تعالى حاط أموال اليتامى بضروب من الصيانة والحفظ، فأمر باختبار اليتيم قبل دفع ماله إليه، ونهى عن أكل شيء منه بطرق الإسراف ومبادرة كبره، وأمر بالإشهاد عليه عند الدفع، ونبّه إلى مراقبة الله تعالى في جميع التصرفات الخاصة به.

[سورة النساء (4): الآيات 7 الى 10][عدل]

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)

تفسير المفردات

مفروضا: أي محتوما لا بد لهم أن يأخذوه. الخشية: الخوف في محل الأمن، والسديد: العدل والصواب والسداد (بالكسر) ما يسد به الشيء كالثغر (موضع الخوف من العدو) والقارورة، وورد قولهم: فيها سداد من عوز بكسر السين: أي فيها الغناء والكفاية، وصلى اللحم صليا شواه، فإذا أراد إحراقه يقال أصلاه إصلاء وصلّاه تصلية، وصلى يده بالنار: أدفأها، واصطلى: استدفأ، والسعير: النار المستعرة المشتعلة، يقال سعرت النار وسعّرتها.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة حرمة أكل أموال اليتامى وأمر بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا، ومنع أكل مهور النساء أو تزويجهن بغير مهر.

ذكر هنا أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى يشترك فيه الرجال والنساء، وقد كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء والأولاد الصغار، ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة، ثم أمر بإحسان القول إلى اليتامى، لأن اليتيم مرهف الحسّ يألم للكلمة تهينه، ولا سيما ذكر أبيه وأمه بسوء، وقلما يوجد يتيم لا يمتهن ولا يقهر بالسوء من القول، ثم طلب الإشفاق عليهم ومعاملتهم بالحسنى، فربما يترك الميت ذرية ضعافا يود أن غيره يعاملهم بمثل هذه المعاملة، وبعدئذ شدد في الوعيد، ونفرّ من أكل أموال اليتامى ظلما وجعل أكله كأكل النار.

وقد روى في سبب نزول الآية « أن أوس بن الصامت الأنصاري توفّى وترك امرأته أم كحلة وثلاث بنات له منها فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة ميراثه عنهن على سنة الجاهلية، فجاءت امرأته إلى رسول الله ﷺ في مسجد الفضيح (مسجد بالمدينة كان يسكنه أهل الصفّة) فشكت إليه أن زوجها أوسا قد مات وخلف ثلاث بنات وليس عندها ما تنفق عليهن منه، وقد ترك أبوهن مالا حسنا عند ابني عمه لم يعطياها منه شيئا، وهن في حجري لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلّا ولا ينكى عدوا، نكسب عليها ولا تكسب، فنزلت الآية فأثبتت لهن الميراث. فقال رسول الله لا تفرّقا من مال أوس شيئا فإن الله جعل لبناته نصيبا مما ترك ولم يبين، فنزلت (يُوصِيكُمُ اللَّهُ) إلخ فأعطى زوجه الثمن والبنات الثلثين والباقي لبني العم ».

الإيضاح

(لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) أي إذا كان لليتامى مال مما تركه لهم الوالدان والأقربون فهم فيه سواء، لا فرق بين الرجال والنساء، ولا فرق بين كونه كثيرا أو قليلا، وأتى بقوله نصيبا مفروضا، لبيان أنه حق معين مقطوع به ليس لأحد أن ينقص منه شيئا ولا أن يحابى فيه.

(وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) المراد بذوي القربى من لا يرث منهم كالأخ لأب مع الأخ الشقيق والعم مع الأب.

أي إذا حضر قسمة التركة أحد من ذوي القربى للوارثين فانفحوهم بشىء من الرزق الذي جاءكم من غير كدّ ولا نصب، فلا ينبغي أن تبخلوا به على المحتاجين من ذوي القربى واليتامى والمساكين وتتركوهم يذهبون منكسرى القلب مضطربى النفس، وقولوا لهم قولا تطيب به نفوسهم عند ما يعطون، حتى لا يثقل على أبي النفس منهم ما يأخذ، ويرضى الطامع في أكثر مما أخذ بالتودد والتلطف في القول وعدم التغليظ فيه.

والسر في إعطائهم شيئا من التركة أنه ربما يسرى الحسد إلى نفوسهم، فينبغي التودّد إليهم واستمالتهم بإعطائهم قدرا من هذا المال هبة أو هدية أو إعداد طعام لهم يوم القسمة، ليكون في هذا صلة للرحم، وشكر للنعمة.

قال سعيد بن جبير: هذا الأمر (أمر الإعطاء) للوجوب وقد هجره الناس كما هجروا العمل بالاستئذان عند دخول البيوت.

وقال الحسن والنخعي: إنّ ما أمرنا أن نرزقهم منه عند القسمة هو الأعيان المنقولة، وأما الأرضون والرقيق وما أشبه ذلك فلا يجب أن يعطوا منها شيئا بل يكتفى حينئذ بقول المعروف أو بإطعام الطعام.

(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) لا يزال الكلام مع الأوصياء والأولياء الذين يقومون على اليتامى والقول السديد منهم أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم بقولهم يا بني ويا ولدي ونحو ذلك، وقوله تركوا أي قاربوا أن يتركوا، وقوله من خلفهم: أي من بعد موتهم، وقوله خافوا عليهم أي الإهمال والضياع.

(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) ظلما أي على سبيل الظلم وهضم الحقوق لا أكلا بالمعروف عند الحاجة إلى ذلك أو تقدير الأجرة العمل، وقوله في بطونهم: أي ملء بطونهم، وقوله نارا: أي ما هو سبب لعذاب النار

[سورة النساء (4): الآيات 11 الى 12][عدل]

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)

المعنى الجملي

بعد أن بين سبحانه حكم الميراث مجملا في قوله: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، ذكر هنا تفصيل ذلك المجمل فبين أحكام المواريث وفرائضها لإبطال ما كان عليه العرب من نظام التوارث في الجاهلية من منع الأنثى وصغار الأولاد، وتوريث بعض من حرمه الإسلام من الميراث.

وقد كانت أسباب الإرث في الجاهلية ثلاثة:

(1) النسب، وهو لا يكون إلا للرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون العدو ويأخذون الغنائم وليس للضعيفين المرأة والطفل من ذلك شيء.

(2) التبني - فقد كان الرجل يتبنى ولد غيره فيكون له أحكام الولد في الميراث وغيره.

(3) الحلف والعهد - فقد كان الرجل يقول لآخر دمى دمك وهدمى هدمك (أي إذا أهدر دمى أهدر دمك) وترثنى وأرثك وتطلب بي وأطلب بك، فإذا فعلا ذلك ومات أحدهما قبل الآخر كان للحى ما اشترط من مال الميت.

فلما جاء الإسلام أقرهم على الأول والثالث دون الثاني فقال « وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ » والمراد به التوارث بالنسب وقال:

(وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) والمراد به التوارث بالعهد.

وقال (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ) والمراد به التوارث بالتبني.

وزاد شيئين آخرين:

(1) الهجرة، فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبيا عنه إذا كان بينهما مخالطة وودّ ولا يرثه غير المهاجر وإن كان من أقاربه.

(2) المؤاخاة - كان رسول الله ﷺ يؤاخى بين كل اثنين من الرجال وكان ذلك سببا للتوارث ثم نسخ التوارث بهذين السببين بقوله: « وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ » ثم استقر الأمر بعد نزول أحكام الفرائض على أن أسباب الإرث ثلاثة: النسب والنكاح والولاء.

وسبب نزول الآية ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث جابر قال: « جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال فقال يقضى الله في ذلك فنزلت آية الميراث (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) الآية، فأرسل رسول الله إلى عمهما فقال: أعط بنتي سعد الثلثين وأمها الثمن وما بقي فهو لك »

قالوا وهذه أول تركة قسمت في الإسلام.

الإيضاح

(يُوصِيكُمُ اللَّهُ) الوصية: ما تعهد به إلى غيرك من العمل كما تقول أوصيت المعلم أن يراقب آداب الصبى ويؤدبه على ما يسىء فيه، وهي في الحقيقة أمر له بعمل ما عهد إليه له، فالمراد يأمركم الله ويفرض عليكم.

(فِي أَوْلادِكُمْ) أي في شأن أولادكم من بعدكم، أو في ميراثهم ما يستحقونه مما تتركونه من أموالكم سواء كانوا ذكورا أو إناثا كبارا أو صغارا، ولا خلاف في أن ولد الولد يقوم مقامه عند فقده أو عدم إرثه لمانع كقتل مورّثه، قال:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

(لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) أي للذكر منهم مثل نصيب اثنتين من إناثهم إذا كانوا ذكورا وإناثا، واختير هذا التعبير ولم يقل للأنثى نصف حظ الذكر إيماء إلى أن إرث الأنثى كأنه مقرر معروف وللذكر مثله مرتين، وإشارة إلى إبطال ما كانت عليه العرب في الجاهلية من منع توريث النساء.

والحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الأنثيين، أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه وعلى زوجه فجعل له سهمان، وأما الأنثى فهي تنفق على نفسها فحسب، فإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها.

ويدخل في عموم الأولاد:

(1) الكافر لكن السنة بينت أن اختلاف الدين مانع من الإرث، قال عليه الصلاة والسلام « لا يتوارث أهل ملتين ».

(2) القاتل عمدا لأحد أبويه ويخرج بالسنة والإجماع.

(3) الرقيق وقد ثبت منعه بالإجماع، لأن المملوك لا يملك، بل كل ما يصل إلى يده من المال فهو ملك لسيده ومالكه، فلو أعطيناه من التركة شيئا كنا معطين ذلك للسيد يكون هو الوارث بالفعل.

(4) الميراث من النبي ﷺ فقد استثني بحديث « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ».

(فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) أي فإن كانت المولودات نساء ليس معهن ذكر زائدات على ثنتين مهما بلغ عددهن فلهن ثلثا ما ترك والدهن المتوفى أو والدتهن (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) أي وإن كانت المولودة واحدة ليس معها أخ ولا أخت فلها النصف مما ترك والباقي لسائر الورثة بحسب الاستحقاق كما يعلم من أحكام المواريث.

وخلاصة ذلك - إنه إذا كان الأولاد ذكورا وإناثا كان للذكر مثل حظ الأنثيين وإن كان المولود أنثى واحدة كان لها النصف، وإن كن ثلاثا فصاعدا كان لهن الثلثان ولم يذكر حكم الثنتين، ومن ثم اختلفوا فيهما، فروى عن ابن عباس أن لهما النصف كالواحدة، والجمهور على أن لهما الثلثين كالعدد الكثير.

وقد علم من ذلك أن البنات لا يستغرق فرضهن التركة، والولد الذكر إذا انفرد يأخذ التركة، وإذا كان معه أخ له فأكثر كانت قسمة التركة بينهما أو بينهم بالمساواة.

(وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ) أي ولكل من أبوى الميت السدس مما ترك الولد على السواء في هذه الفريضة إن كان لهذا الميت ولد فأكثر والباقي بعد هذا الثلث يقسمه الأولاد بحسب التفصيل المتقدم.

(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) أي فإن لم يكن له ولد ولا ولد ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث مما ترك والباقي للأب كما هو معلوم من انحصار الإرث فيهما.

والسر في تساوى الوالدين في الميراث مع وجود الأولاد، الإشارة إلى وجوب احترامهما على السواء، وفى أن حظ الوالدين من الإرث أقل من حظ الأولاد مع عظم حقهما على الولد، أنهما يكونان في الغالب أقل حاجة إلى المال من الأولاد، إما لكبرهما وإما لتمولهما، وإما لوجود من تجب عليه نفقتهما من أولادهما الأحياء وأما الأولاد، فإما أن يكونوا صغارا لا يقدرون على الكسب، وإما أن يكونوا على كبرهم محتاجين إلى نفقات كثيرة في الحياة كالزواج وتربية الأطفال ونحو ذلك.

(فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) أي فإن كان للميت مع إرث أبويه له إخوة فلأمه السدس مما ترك، سواء كان الإخوة ذكورا أو إناثا من الأبوين أو أحدهما، فكل جمع منهم يحجب الأم من الثلث إلى السدس، وحكم الأخوين أو الأختين حكم الإخوة عند أكثر الصحابة، وخالف في ذلك ابن عباس فقد أثر عنه أنه قال لعثمان: بم صار الأخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس، وإنما قال الله تعالى: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ) والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد قضاء قضى به من قبلي ومضى في الأمصار (يريد عثمان أن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين أقاموا الاثنين مقام الجماعة في اعتبار الشرع لا في اعتبار اللغة) والخلاصة - إن الآية ذكرت حكم الأبوين مع الولد، وحكمهما منفردين ليس معهما وارث آخر، وحكمهما مع الإخوة، ولم يبق إلا حكمهما مع أحد الزوجين، وجمهور الصحابة على أن الزوج يأخذ نصيبه وهو النصف إن كان رجلا، والربع إن كان أنثى، والباقي للأبوين، ثلثه للأم وباقيه للأب. وقال ابن عباس يأخذ الزوج نصيبه، وتأخذ الأم ثلث التركة كلها، ويأخذ الأب ما بقي، وقال لا أجد في كتاب الله ثلث الباقي.

ومن هذا تعلم أن حقوق الزوجية في الإرث مقدمة على حقوق الوالدين، إذ أنهما يتقاسمان ما يبقى بعد أخذ الزوج حصته، وسرّ هذا أن صلة الزوجية أشد وأقوى من صلة البنوة، ذاك أنهما يعيشان مجتمعين وجود كل منهما متمم لوجود الآخر حتى كأنه نصف شخصه، وهما حينئذ منفصلان عن الوالدين أشد الانفصال، فبهذا كانت حقوق المعيشة بينهما آكد، ومن ثم جعل الشارع حق المرأة على الرجل في النفقة هو الحق الأول، فإذا لم يجد الرجل إلا رغيفين سدّ رمقه بأحدهما ووجب عليه أن يعطى الثاني لامرأته لا لأحد أبويه ولا لغيرهما من أقاربه.

(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) أي يوصيكم بأن لأولاد من يموت منكم كذا من التركة ولأبويه كذا منها من بعد وصية يقع الإيصاء بها من الميت، ويتحقق نسبتها إليه ومن بعد قضاء دين يتركه عليه.

وقدمت الوصية على الدين في الذكر مع أن الدين مقدم عليها وفاء كما قضى رسول الله ﷺ فيما رواه علي كرم الله وجهه وأخرجه عنه جماعة، لأ تؤخذ كالميراث بلا عوض فتشق على الورثة.

وجاء عطف الدين على الوصية بأو دون الواو إشارة إلى أنهما متساويان في الوجوب متقدمان على قسمة التركة مجموعين أو منفردين.

ثم أتى بجملة معترضة للتنبيه إلى جهل المرء بعواقب الأمور فقال:

(آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) أي إنكم لا تدرون أي الفريقين أقرب لكم نفعا آباؤكم أو أبناؤكم، فلا تتبعوا في قسمة التركات ما كان يتعارفه أهل الجاهلية من إعطائها للأقوياء الذين يحاربون الأعداء، وحرمان الأطفال والنساء لأنهم من الضعفاء، بل اتبعوا ما أمركم الله به، فهو أعلم منكم بما هو أقرب نفعا لكم مما تقوم به في الدنيا مصالحكم وتعظم به في الآخرة أجوركم (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) أي فرض الله ما ذكر من الأحكام فريضة لا هوادة في وجوب العمل بها.

(إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) أي إنه تعالى لعلمه بشئونكم ولحكمته العظيمة لا يشرع لكم إلا ما فيه المنفعة لكم، إذ لا تخفى عليه خافية من وجوه المصالح والمنافع - إلى أنه منزه عن الغرض والهوى اللذين من شأنهما أن يمنعا من وضع الشيء في غير موضعه، ومن إعطاء الحق لمن يستحقه.

وبعد أن بين سبحانه فرائض الأولاد والوالدين، وقدم الأهم منهما من حيث حاجته إلى المال المتروك وهم الأولاد - ذكر هنا فرائض الزوجين فقال:

(وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) أي ولكم نصف ما تركته الزوجات من المال إن لم يكن لهن ولد، سواء أكان منكم أم من غيركم، وسواء أكان ذكرا أم أنثى، وسواء أكان واحدا أم أكثر، وسواء أكان من بطنها مباشرة، أو صلب بنيها أو بنى بنيها، وباقى التركة لأولادها ووالديها على ما بينه الله في الآية السالفة: ولا يشترط في الزوجة أن يكون مدخولا بها، بل يكفى مجرد العقد.

(فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) والباقي من التركة للأقرب إليها من ذوي الفروض والعصبات أو ذوي الأرحام أو لبيت المال إن لم يكن وارث آخر.

(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ) أي لكم ذلك في تركتهن في الحالين السابقتين بعد نفاذ الوصية ووفاء الديون، إذ لا يأخذ الوارث شيئا إلا ما يفضل عنهما إذا وجدا أو وجد أحدهما.

(وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ) بحسب التفصيل السابق في أولادهن فإن كانت واحدة فلها هذا الربع وحدها، وإن كان له زوجان فأكثر اشتركتا أو اشتركن فيه على طريق التساوي والباقي يكون لمن يستحقه من ذوي القربى وأولى الأرحام.

(فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) والباقي لأولادكم ووالديكم كما تقدم.

(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) بالطريق التي علمتها فيما سلف، وبهذا تعلم أن فرض الرجل بحق الزواج ضعف فرض المرأة كما في النسب، ولم يعط الله تعالى للزوجات في الميراث إلا مثل ما أعطى للزوج الواحدة لإرشادنا إلى أن الأصل الذي ينبغي أن نسير عليه في الزوجية أن تكون للرجل امرأة واحدة، وإنما يباح الأكثر بشروط مضيقة، وأن التعدد من الأمور النادرة التي تدعو إليها الضرورة فلم يراعها الشارع في الأحكام، إذ الأحكام إنما توضع للأصل الذي عليه العمل والنادر لا حكم له.

وبعد أن بين سبحانه حكم ميراث الأولاد والوالدين والأزواج ممن يتصل بالميت مباشرة شرع يبين من يتصل به بالواسطة وهو الكلالة. فقال:

(وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) الكلالة لغة: الإحاطة، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، وسمى من عدا الوالد والولد بالكلالة لأنهم كالدائرة المحيطة بالإنسان وكالإكليل المحيط برأسه، أما قرابة الولادة ففيها يتفرع بعض من بعض كالشيء الذي يتزايد على نسق واحد.

أي إن كان الميت رجلا أو امرأة موروثا كلالة أي ذا كلالة ليس له ولد ولا والد وله أخ أو أخت من أم، لأن الأخوين من العصبة سيأتي حكمهما في آخر السورة (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) إلخ.

(فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ) أي إن الأخ لأم يأخذ في الكلالة السدس، وكذلك الأخت، لا فارق بين الذكر والأنثى، لأن كلا منهما حل محل أمه فأخذ نصيبها، فإذا تعددوا أخذوا الثلث وكانوا أيضا فيه سواء لا تفاضل بين ذكورهم وإناثهم.

(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ) أي من بعد وصية يوصى بها أو دين يقرّبه وهو غير مضارّ للورثة قال النخعي: قبض رسول الله ﷺ ولم يوص، وقبض أبو بكر وقد وصى، فإن أوصى الإنسان فحسن، وإن لم يوص فحسن أيضا، ومن الحسن أن ينظر الإنسان في قدر ما يخلف ومن يخلف ثم يجعل وصيته بحسب ذلك، فإن كان ماله قليلا وفى الورثة كثرة لم يوص، وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب ماله وبحسب حاجتهم بعده كثرة وقلة، وقد روى عن علي أنه قال: لأن أوصى بالخمس أحب إلي من أن أوصى بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصى بالثلث.

والضرار في الوصية والدين يقع على وجوه:

1) أن يوصي بأكثر من الثلث، وهو لا يصح ولا ينفّذ، وعن ابن عباس أن الضرار فيها من الكبائر.

2) أن يوصي بالثلث فما دونه لا لغرض من القربة والتصدق لوجه الله بل لغرض تنقيص حقوق الورثة.

3) أن يقر بدين لأجنبي يستغرق المال كله أو بعضه، ولا يريد بذلك إلا مضارة الورثة، وكثيرا ما يفعله المبغضون للوارثين ولا سيما إذا كانوا كلالة، ومن ثم جاء ذكر هذا القيد (غير مضارّ) في وصية ميراث الكلالة، لأن القصد إلى مضارة الوالدين أو الأولاد وكذا الأزواج نادر.

4) أن يقرّ بأن الدين الذي كان له على فلان قد استوفاه ووصل إليه.

(وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) أي يوصيكم بذلك وصية منه عز وجل، فهي جديرة أن يعتنى بها ويذعن للعمل بموجبها.

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) أي والله عليم بما ينفعكم وبنيات الموصين منكم، حليم لا يعجل بعقوبتكم بمخالفة أحكامه ولا بالجزاء على مخالفتها عسى أن تتوبوا، كما لا يبيح لكم أن تعجلوا بعقوبة من تبغضونه فتضاروه في الوصية، كما لا يرضى لكم بحرمان النساء والأطفال من الإرث.

وفي هذا إشارة إلى أنه تعالى قد فرضها وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة لنا، فمن الواجب أن نذعن لوصاياه وفرائضه ونعمل بما ينزل علينا من هدايته، كما لا ينبغي أن يغرّ الطامع في الاعتداء وأكل الحقوق تمتع بعض المعتدين بما أكلوا بالباطل، فيظن أنهم بمنجاة من العذاب فيتجرأ على مثل ما تجرءوا عليه من الاعتداء، فإنه إمهال يقتضيه الحلم لا إهمال من العجز وعدم العلم

[سورة النساء (4): الآيات 13 الى 14][عدل]

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14)

الإيضاح

(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) حدود الشيء: أطرافه التي يمتاز بها من غيره، ومنه حدود الدار، سميت بها الشرائع التي أمر الله باتباعها ونهى عن تركها، فمدار الطاعة على البقاء في دائرة هذه الحدود، ومدار العصيان على اعتدائها، والمشار إليه كل ما ذكر من أول السورة إلى هنا من بيان أموال اليتامى وأحكام الأزواج وأحوال المواريث.

(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) طاعة الله: هي ما شرعه من الدين على لسان رسوله ﷺ، وطاعة الرسول: هي اتباع ما جاء به من الدين عن ربه، فطاعته هي بعينها طاعة الله كما قال في هذه السورة (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) فهو إنما يأمرنا بما يوحيه إليه الله بما فيه منافع لنا في الدنيا والآخرة، وإنما ذكرها مع طاعة الله للاشارة إلى أن الإنسان لا يستغنى بعقله وعلمه عن الوحي وأنه لا بد له من هداية الدين إذ لم يكن العقل وحده في عصر من العصور كافيا لهداية أمة ولا مرقّيا لها بدون معونة الدين، فاتباع الرسل والعمل بهديهم هو أساس كل مدنية، والارتقاء المعنوي هو الذي يبعث على الارتقاء المادي، فالآداب والفضائل التي هي أسس المدنيات تستند كلها إلى الدين، ولا يكفى فيها بناؤها على العلم والعقل، والجنات التي تجرى من تحتها الأنهار تقدم تفسيرها، ونحن نؤمن ونعتقد أنها أرفع مما نرى في هذه الدنيا، وليس لنا أن نبحث عن كيفيتها لأنها من عالم الغيب، والفوز العظيم: الظفر والفلاح الذي لا يذكر بجانبه الفوز بحظوظ الدنيا القصيرة المنغصة بالأكدار (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها) وقال في ذكر أهل الجنة خالدين، وفى ذكر أهل النار خالدا، إشارة إلى تمتع أهل الجنة بالاجتماع وأنس بعضهم ببعض، والمترفون يسرون بمثل هذا التمتع، وأما الذي في النار فإن له من العذاب ما يمنعه من الأنس فكأنه وحيد لا يجد لذة في الاجتماع بغيره ولا أنسابه.

يرشد إلى ذلك قوله تعالى « وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ » وتعدى الحدود الموجب للخلود في النار: هو الإصرار على الذنب وعدم التوبة عنه، فللمذنب حالان:

1) غلبة الباعث النفسي من الشهوة أو الغضب على الإنسان حتى يغيب عن ذهنه الأمر الإلهي، فهو يقع في الذنب وقلبه غائب عن الوعيد لا يتذكره أو يتذكره ضعيفا كأنه نور ضئيل يلوح في ظلمة ذلك الباعث المتغلب ثم لا يلبث أن يزول أو يختفى، حتى إذا سكنت الشهوة أو سكت الغضب وتذكر النهى والوعيد ندم وتاب ولام نفسه أشد اللوم، ومثل هذا جدير بالنجاة إذ هو من المسارعين إلى الجنة كما قال تعالى في أوصافهم « وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ».

2) أن يقدم المرء على الذنب جريئا عليه متعمدا فعله عالما بتحريمه مؤثرا له على الطاعة، لا يصرفه عنه تذكر النهى والوعيد عليه، ومثل هذا قد أحاطت به خطيئته فآثر شهوته على طاعة الله ورسوله، فدخل في عموم قوله تعالى « بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ».

إذ من يصرّ على المعصية عامدا عالما بالنهى والوعيد لا يكون مؤمنا بصدق الرسول ولا مذعنا لشرعه الذي تنال الرحمة والرضا بالتزامه، والعذاب والنكال بتعدي حدوده، فالإصرار على العصيان وعدم استشعار الخوف والندم لا يجتمعان في قلب المؤمن الإيمان الصحيح المصدّق بوعد الله ووعيده.

(وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) المهين المذلّ له وهو عذاب الروح، فللعصاة عذابان: عذاب جسماني للبدن العاصي باعتباره حيوانا يتألم، وعذاب روحاني باعتباره إنسانا يشعر بالكرامة والشرف ويتألم بالإهانة والخزي.

[سورة النساء (4): الآيات 15 الى 16][عدل]

واللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)

المعنى الجملي

بعد أن أوصى سبحانه بالإحسان إلى النساء ومعاشرتهن بالمعروف والمحافظة على أموالهن وعدم أخذ شيء منها إلا إذا طابت نفسهن بذلك - ذكر هنا التشديد عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، وهو في الحقيقة إحسان إليهن، إذ الإحسان في الدنيا تارة يكون بالثواب، وأخرى بالزجر والعقاب، لكف العاصي عن العصيان الذي يوقعه في الدمار والبوار، ومبنى الشرائع على العدل والإنصاف والابتعاد عن طرفى الإفراط والتفريط.

ومن أقبح العصيان الزنا، ولا سيما من النساء، لأن الفتنة بهن أكثر، والضرر منهن أخطر، لما يفضى إليه من توريث أولاد الزنا وانتسابهم إلى غير آبائهم.

الإيضاح

(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) يقال أتى الفاحشة وجاءها وغشيها إذا فعلها قال تعالى « لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا » وفى التعبير عن الإقدام على الفواحش بهذه العبارات معنى دقيق وهو أن الفاعل لها ذهب إليها بنفسه واختارها بطبعه، والفاحشة الفعلة القبيحة والمراد بها هنا الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح، وقوله من نسائكم أي من المؤمنات.

(فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) أي اطلبوا شهادة أربعة رجال أحرار منكم.

قال الزهري « مضت السنة من رسول الله والخليفتين بعده ألا تقبل شهادة النساء في الحدود » والحكمة في هذا إبعاد النساء عن مواقع الفواحش والجرائم والعقاب والتعذيب رغبة في أن يكنّ دائما غافلات عن القبائح لا يفكرن فيها ولا يخضن مع أربابها.

والخطاب للمسلمين جميعا لأنهم متكافلون في أمورهم العامة كما تقدم مرارا، فهم الذين يختارون لأنفسهم الحكام الذين ينفذون الأحكام ويقيمون الحدود.

(فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) التوفي الاستيفاء وهو القبض، تقول توفيت مالى على فلان واستوفيته إذا قبضته، والسبيل الطريق للخروج من الحبس بما يشرعه الله من العقوبة لهن.

والمعنى فان شهد الأربعة بفعلها فاحبسوهن في بيوتهم وامنعوهن الخروج منها عقوبة لهن حتى لا يعدن إلى ارتكابها مرة أخرى إلى أن يمتن ويقبض أرواحهنّ الموت أو يجعل الله لهن طريقا بما يشرعه من حدّ الزنا.

وفي الآية إشارة إلى أن منع النساء عن الخروج عند الحاجة إليه في غير هذه الحالة لمجرد الغيرة أو لمجرد الهوى والتحكم من الرحال لا يجوز، وكذلك فيها إيماء إلى أن هذه العقوبة مقرونة بما يدل على التوقيت.

وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال « خذوا عنى خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام »

ومن هذا تعلم أن السبيل كان مجملا فبينه الحديث وخصص عموم آية الجلد الآتية في سورة النور (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ).

ثم بين عقاب كل من الزانيين فقال:

(وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما) أي والزاني والزانية اللذان يرتكبان جريمة الزنا آذوهما بالتأنيب والتوبيخ بعد ثبوت ذلك بشهادة أربعة من الرجال.

وهذا العقاب كان أول الإسلام من قبيل التعزير وأمره مفوض إلى الأمة في كيفيته ومقداره فلما نزلت آية النور التي تقدم ذكرها وجاء الحديث الشريف السابق بينا مقدار هذا الإيذاء وحدداه، وبهما استبان أن عقاب الثيب والرجل المتزوج الرجم بالحجارة حتى يموتا وعقاب البكر والرجل الذي لم يتزوج جلد مائة ونفيه سنة.

ثم بين أن هذا العقاب إنما يكون إذا لم يتوبا فإن تابا وأصلحا رفع عنهما ذلك فقال:

(فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) أي فان رجعا عن فعل الفاحشة وندما على ما فات وأصلحا عملهما وغيّرا أحوالهما كما هو شأن المؤمن يطهر نفسه بالإقبال على الطاعة ويزكيها من أدران المعاصي التي فرطت منه ويقوى داعية الخير حتى تغلب داعية الشر فكفوا عن أذاهما بالقول والفعل.

ثم علل الأمر بالإعراض عنهما بقوله:

(إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا) التواب الذي يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه، والرحيم واسع الرحمة، والجملة جاءت تعليلا للأمر بالإعراض، والخطاب هنا لأولى الأمر والحكام.

[سورة النساء (4): الآيات 17 الى 18][عدل]

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (18)

المعنى الجملي

لما ذكر سبحانه أن من تاب وأصلح تركت عقوبته وأزيل الأذى عنه، وأنه هو التواب الذي يقبل التوبة عن عباده - ذكر هنا وقت التوبة وشرط قبولها ورغبته في تعجيلها حتى لا يأتي الموت وهو مصرّ على الذنب فلا تنفعه التوبة، وأرشد أولياء الأمر إلى الطريق الذي يسلكونه مع العصاة في معاقبتهم وتأديبهم، فأمرهنا بالإعراض عن أذى من تاب وأصلح العمل بعد أن فرض عقوبة مرتكبى الفواحش في الآية السالفة فهذه شرح لذلك الإصلاح في العمل.

الإيضاح

(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) السوء: هو العمل القبيح الذي يسوء فاعله إذا كان عاقلا سليم الفطرة، وهذا شامل للصغائر والكبائر، والجهالة: الجهل وتغلب السفه على النفس عند ثورة الشهوة أو سورة الغضب حتى يذهب عنها الحلم وتنسى الحق، وكل من عصى الله سمى جاهلا وسمى فعله جهالة كما قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) وقال تعالى لنوح: (فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ).

وسر هذا أن العاصي لربه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، إذ هو لا يرتكبها إلا جاهلا بحقيقة الوعيد، ومنتظر الاحتمال العفو والمغفرة، أو شفاعة الشفعاء التي تصد عنه العقاب.

والزمن القريب: هو الوقت الذي تسكن به ثورة الشهوة أو تنكسر به حدة الغضب ويثوب فاعل السيئة إلى حلمه ويرجع إليه دينه وعقله، إذ من كان قوي الإيمان لا تقع منه المعصية إلا عن بادرة غضب أو شهوة هفوة بعد هفوة، ثم لا يلبث أن يبادر إلى التوبة ومن ثم ذكر الله السوء بلفظ الإفراد هنا، وقال فيمن لا تقبل توبتهم (يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) إشعارا بأن التوبة إنما تقبل ممن تقع منهم الذنوب آحادا ويلمّون بها إلماما، ولكنهم لا يصرّون عليها بل يبادرون إلى التوبة منها، فلا تتمكن من أنفسهم ظلمة المعصية ولا تحيط بهم الخطيئة.

وما رواه أحمد عن ابن عمر من قوله ﷺ « إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر »

فالمراد منه أنه لا ينبغي لأحد أن يقنط من رحمة الله وييأس من قبول التوبة مادام حيا، وليس معناه أنه لا خوف على العبد من التمادي في الذنوب إذا هو تاب قبل الموت بساعة، فان هذا مخالف لهدى الدين في مثل قوله: « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى) ولمثل قوله: « رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ».

وقد قسموا التوابين طبقات:

(1) من هو سليم الفطرة عظيم الاستعداد للخير، فهو إذا وقع في خطيئة مرة كان له منها أكبر عبرة، فيندم بعدها ويحمل نفسه على الفضيلة ويصرفها عن كل رذيلة.

(2) من تكون داعية الشهوة أقوى في نفسه وأرسخ في قلبه، فإذا أطاع نفسه وارتكب معصية قامت الخواطر الإلهية تحاربه وتوبخه حتى تنتصر عليه وتقهره قهرا تاما فلا يعود بعدها إلى اجتراح إثم ولا وقوع في ذنب.

(3) من تقوى نفسه بالمجاهدة على اجتناب كبار الإثم والفواحش، لا على صغار الذنوب والآثام وهناك تكون الحرب في نفوسهم سجالا بين ما يلمّون به من الصغائر وبين الخواطر الإلهية التي هي جند الإيمان.

(4) من يقع في الذنب فيتوب ويستغفر ثم يعرض له مرة أخرى فيعود إليه ثم يلوم نفسه ويندم ويستغفر وهلم جرا، وهؤلاء أدنى طبقات التوّابين، والنفس الباقية أرخص عندهم من النفس الفانية، وهم مع ذلك محل للرجاء، لأن لهم زاجرا من أنفسهم يذكرهم دائما بالرجوع إلى الله عقب كل خطيئة، وهكذا تكون الحرب سجالا بينهم وبين أنفسهم فإما أن تنتصر دواعى الخير فتصح توبتهم، وإما أن تنكسر أمام جند الشهوة فتحيط بهم خطيئتهم ويكونوا من المصرّين الهالكين.

وخلاصة المعنى - إن التوبة التي أوجب الله على نفسه قبولها بوعده الذي هو أثر كرمه وفضله، ليست إلا لمن يجترح السيئة بجهالة تلابس نفسه من سورة غضب أو تغلب شهوة، ثم لا يلبث أن يندم على ما فرط منه وينيب إلى ربه ويتوب ويقلع عن ذنبه.

(فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) أي فأولئك الذين فعلوا الذنوب بجهالة وتابوا بعد قريب من الزمن، يتوب الله عليهم، لأن الذنوب لم ترسخ في نفوسهم، ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون.

(وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) وبهذا العلم بشئون عباده ومعرفة مصالحهم جعل التوبة مقبولة حتما، لأنه يعلم ضعف عباده وأنهم لا يسلمون من عمل السوء، فلو لم يشرع لهم التوبة لهلكوا باسترسالهم في المعاصي والسيئات وتعمد اتباع الهوى وخطوات الشيطان لعلمهم أنهم هالكون لا مخالة فلا فائدة من جهاد النفس وتزكيتها.

أما وقد شرع الله بحكمته قبول التوبة فقد فتح لهم باب الفضيلة وهداهم إلى محو السيئة بالحسنة، لكنه لا يقبل إلا التوبة النصوح دون حركات اللسان بالاستغفار والإتيان ببعض المكفرات من الصدقات أو الأذكار مع الإصرار على الذنوب والأوزار، ومن ثم جمع الله في الآية السابقة بين التوبة وإصلاح العمل.

وقد فعلت الأمم السالفة مثل هذا فاستثقلت التكاليف، وفسقت عن أمر ربها واتبعت هواها وجعلت حظها من الدين مجموع حركات لسانية وبدنية لا تهذب خلقا ولا تصلح عملا ولا تمنع النفس من التمتع بشهواتها، وقد اتبع كثير من المسلمين سنن من قبلهم وحذوا حذوهم شبرا بشبر وذراعا بذراع.

وبعد أن بين حال من تقبل توبتهم، ذكر حال أضدادهم الذين لا تقبل منهم التوبة فقال:

(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) أي إن سنة الله قد مضت بأن التوبة لا تكون للذين يعملون السيئات منهمكين فيها إلى حضور الموت، وصدور ذلك القول منهم، لأن هؤلاء قد أحاطت بهم خطيئاتهم ولم تدع للأعمال الصالحة مكانا في نفوسهم، فهم أصروا عليها إلى أنّ حضرهم الموت ويئسوا من الحياة التي يتمتعون بها، وحينئذ يقول أحدهم: إني تبت الآن وما هو من التائبين بل من المدّعين الكاذبين.

والخلاصة - إن التوبة لمثل هؤلاء ليست مقبولة حتما، فأمرهم مفوض إلى الله تعالى وهو العليم بحالهم، وحديث قبول توبة العبد ما لم يغرغر أو تبلغ روحه الحلقوم - المراد منه حصول التوبة النصوح، بأن يدرك المذنب قبح ما كان قد عمله من السيئات ويندم على مزاولتها ويزول حبه لها بحيث لو عاش لما عاد إليها، وقلما يحصل مثل هذا الإدراك للمصرّ على السيئات المستأنس بها في عامة أيام الحياة، وإنما الذي يحصل له إدراك العجز عنها واليأس منها وكراهة ما يتوقعه من قرب العقاب عليها عند الموت.

(وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) أي لا تقبل توبة لهؤلاء ولا لهؤلاء، وقد سوّى الله بين الذين سوّفوا توبتهم إلى أن حضر الموت وبين الذين ماتوا على الكفر في أن توبتهم لا تقبل، فكما أن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، كذلك المسوّف إلى حضرة الموت، فكل منهما جاوز الحد المضروب للتوبة، إذ هي لا تكون إلا عند التكليف والاختيار.

(أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا) أعتدنا هيأنا وأعددنا، والأليم المؤلم الموجع: أي هذان الفريقان اللذان استعبدهما سلطان الشهوة وخرجا على سنة الفطرة وهداية الشريعة أعددنا لهم العذاب الموجع في الدار الآخرة جزاء وفاقا لما اكتسبت أيديهم من السيئات مع إصرارهم عليها حتى الممات إذ أنهم أفسدوا قلوبهم، ودسّوا نفوسهم، فصارت تهبط بهم خطاياهم إلى الدرك الأسفل من الهوان، وتعجز عن الصعود إلى معاهد الكرامة والرضوان.

[سورة النساء (4): الآيات 19 الى 21][عدل]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (21)

تفسير المفردات

العضل: التضييق والشدة، ومنه الداء العضال الشديد الذي لا نجاة منه، والفاحشة: الفعلة الشنيعة الشديدة القبح، والمبينة: الظاهرة الفاضحة، والمعروف: ما تألفه الطباع ولا يستنكره الشرع ولا العرف ولا المروءة، والبهتان: الكذب الذي يبهت المكذوب عليه ويسكته متحيرا، والإثم: الحرام، أفضى: أي وصل إليها الوصول الخاص الذي يكون بين الزوجين، فيلابس كل منهما الآخر حتى كأنهما شيء واحد، والميثاق الغليظ: العهد المؤكد الذي يربطكم بهن أقوى رباط وأحكمه.

المعنى الجملي

بعد أن نهى سبحانه فيما تقدم عن عادات الجاهلية في أمر اليتامى وأموالهم أعقبه بالنهي عن الاستنان بسنتهم في النساء وأموالهن، وقد كانوا يحتقرون النساء ويعدونهن من قبيل المتاع حتى كان الأقربون يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله، فحرم الله عليهم هذا العمل، روى البخاري وأبو داود أنه كان إذا مات الرجل منهم كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: جاءت كبيشة ابنة معن بن عاصم من الأوس إلى النبي ﷺ وكانت تحت أبى قيس بن الأسلت فتوّفى عنها فجنح عليها (ضَيْقٍ) ابنه وقالت له: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت الآية.

الإيضاح

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا) أي لا يحل لكم أيها الذين آمنوا بالله ورسوله أن تسيروا على سنة الجاهلية في هضم حقوق النساء فتجعلوهن ميراثا لكم كالأموال والعبيد وتتصرفوا فيهن كما تشاءون، وهنّ كارهات لذلك، فإن شاء أحدكم تزوج امرأة من يموت من أقاربه، وإن شاء زوجها غيره، وإن شاء أمسكها ومنعها الزواج.

(وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ) أي لا يحل لكم إرث النساء ولا التضييق عليهن ومضارتهن ليكرهنكم ويضطرون إلى الافتداء منكم بالمال من ميراث وصداق ونحو ذلك، فقد كانوا يتزوجون من يعجبهم حسنها ويزوجون من لا تعجبهم أو يمسكونها حتى تفتدى بما كانت ورثت من قريب الوارث. أو ما كانت أخذت من صداق ونحوه أو كل هذا، وربما كلفوها الزيادة إن علموا أنها تستطيعها.

أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة فلعلها ما توافقه فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها، فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها، وكثيرا ما كانوا يضيقون عليهن ليفتدين منهم بالمال.

(إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي لا تعضلوهن في أي حال إلا في الحال التي يأتين فيها بالفاحشة المبينة دون الظنة والشبهة، فإذا نشزن عن طاعتكم وساءت عشرتهن ولم ينفع معهنّ التأديب، أو تبين ارتكابهن للزنا أو السرقة أو نحو ذلك من الأمور الفاحشة الممقوتة عند الناس، فلكم حينئذ أن تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق وغيره من المال، لأن الفحش قد أتى من جانبها، وإنما اشترط في الفاحشة أن تكون مبينة: أي ظاهرة فاضحة لصاحبها، لأنه ربما ظلم الرجل المرأة بإصابتها الهفوة الصغيرة أو بمجرد سوء الظن والتّهمة فمن الرجال الغيور السيّء الظن الذي يؤاخذ بأتفه الأمور ويعده عظيما، وإنما أبيح للرجل أن يضيق على امرأته إذا أتت بهذه الفاحشة المبينة، لأنها ربما كرهته ومالت إلى غيره، فتؤذيه بفاحش القول أو الفعل ليملها ويسأم معاشرتها فيطلقها فتأخذ ما كان أعطاها وتتزوج غيره وتتمتع بمال الأول، وربما فعلت مع الثاني ما فعلت مع الأول، فإذا علم النساء أن العضل والتضييق بيد الرجال ومما أبيح لهم إذا هنّ أهنّهم، فإن ذلك يكفهن عن ارتكابها والاحتيال بها على أرذل أنواع الكسب.

(وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي وعليكم أن تحسنوا معاشرة نسائكم فتخالطوهنّ بما تألفه طباعهن ولا يستنكره الشرع ولا العرف، ولا تضيقوا عليهن في النفقة ولا تؤذوهن بقول ولا فعل ولا تقابلوهن بعبوس الوجه ولا تقطيب الجبين.

وفي كلمة (المعاشرة) معنى المشاركة والمساواة أي عاشروهن بالمعروف وليعاشرنكم كذلك، فيجب أن يكون كل من الزوجين مدعاة لسرور الآخر وسبب هناءته وسعادته في معيشته ومنزله: « وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ».

(فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) أي فإن كرهتموهن لعيب في أخلاقهن أو دمامة في خلقهن مما ليس لهن فيه كسب، أو لتقصير في العمل الواجب عليهن كخدمة البيت والقيام بشئونه مما لا يخلو عن مثله النساء في أعمالهن، أو لميل منكم إلى غيرهن، فاصبروا ولا تعجلوا بمضارتهن ولا بمفارقتهن، فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأوفى إلى الخير، ومن ذلك:

1) الأولاد النجباء فربّ امرأة يملّها زوجها ويود فراقها ثم يجيئه منها من تقرّبه عينه من الأولاد النجباء فيعلو قدرها عنده بذلك.

2) أن يصلح حالها بصبره وحسن معاشرته، فتكون من أعظم أسباب سعادته وسروره في انتظام معيشته وحسن خدمته، ولا سيما إذا أصيب بالأمراض أو بالفقر والعوز فتكون خير سلوى وعون في هذه الأحوال، فيجب على الرجل أن يتذكر مثل ذلك، كما يذكر أنه قلما يخلو من عيب تصبر عليه امرأته في الحال والاستقبال.

وقد جاء قوله « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » في سياق حديث النساء دستورا إذا نحن اتبعناه كان له الأثر الصالح في جميع أعمالنا وهدانا إلى الرشد في جميع شئوننا، فكثير مما يكرهه الإنسان يكون له فيه الخير، ومتى جاء ذلك الخير ظهرت فائدة ذلك الشيء المكروه، والتجارب أصدق شاهد على ذلك فالقتال لأجل حماية الحق والدفاع عنه يكرهه الطبع لما فيه من المشقة، لكن فيه إظهار الحق ونصره ورفعة أهله وخذلان الباطل وحزبه، إلى أن الصبر على احتمال المكروه يمرن النفس على احتمال الأذى ويعوّدها تحمل المشاق في جسيم الأمور.

والخلاصة - إن الإسلام وصي أهله بحسن معاشرة النساء والصبر عليهن إذا كرههن الأزواج، رجاء أن يكون فيهن خير، ولا يبيح عضلهن وافتداءهن أنفسهن بالمال إلا إذا أتين بفاحشة مبينة بحيث يكون إمساكهن سببا في مهانة الرجل واحتقاره، أو إذا خافا ألا يقيما حدود الله، وفيما عدا ذلك يجب عليه إذا أراد فراقها أن يعطيها جميع حقوقها وهذا ما أشار إليه بقوله:

(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) أي وإذا رغبتم أيها الأزواج في استبدال زوج جديدة مكان زوج سابقة كرهتموها لعدم طاقتكم الصبر على معاشرتها وهي لم تأت بفاحشة مبينة، وقد كنتم أتيتموها المال الكثير مقبوضا أو ملتزما دفعه إليها فصار دينا في ذمتكم فلا تأخذوا منه شيئا، بل عليكم أن تدفعوه لها، لأنكم إنما استبدلتم غيرها بها لأغراضكم ومصالحكم بدون ذنب ولا جريرة تبيح أخذ شيء منها، فبأي حق تستحلون ذلك وهي لم تطلب فراقكم ولم تسىء إليكم لتحملكم على طلاقها؟ وإرادة الاستبدال ليست شرطا في عدم حلّ أخذ شيء من مالها إذا هو كره عشرتها وأراد الطلاق، لكنه ذكر لأنه هو الغالب في مثل هذا الحال، ألا ترى أنه لو طلقها وهو لا يريد تزوج غيرها، لأنه اختار الوحدة وعدم التقيد بالنساء وحاجتهم الكثيرة فإنه لا يحل له أخذ شيء من مالها.

ثم أنكر عليهم هذا الفعل ووبخهم عليه أشد التوبيخ فقال:

(أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا؟) أي أتأخذونه باهتين آثمين، وقد كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تخاف وتشترى نفسها منه بالمهر الذي دفعه إليها.

وزاده إنكارا آخر مبالغة في التنفير من ذلك فقال:

(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) أي إنّ حال هؤلاء الذين يستحلون أخذ مهور النساء إذا أرادوا مفارقتهن بالطلاق لا لذنب جنينه ولا لإثم اجترحنه من الإتيان بفاحشة مبينة أو عدم إقامة حدود الله، وإنما هو الرأي والهوى وكراهة معاشرتهن - عجيب أيّما عجب، فكيف يستسيغون أخذ ذلك منهنّ بعد أن تأكدت الرابطة بين الزوجين بأقوى رباط حيوي بين البشر، ولابس كل منهما الآخر حتى صار أحدهما من الآخر بمنزلة الجزء المتمم لوجوده، فبعد أن أفضى كل منهما إلى الآخر إفضاء ولابسه ملابسة يتكون منها الولد، يقطع تلك الصلة العظيمة ويطمع في مالها وهي المظلومة الضعيفة، وهو القادر على اكتساب المال بسائر الوسائل التي هدى الله إليها البشر.

(وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا) قال قتادة: هذا الميثاق هو ما أخذ الله للنساء على الرجال بقوله (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) وقال الأستاذ الإمام: إن هذا الميثاق لا بد أن يكون مناسبا للإفضاء في أن كلا منهما شأن من شئون الفطرة السليمة وهو الذي أشارت إليه الآية الكريمة « وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً » فهذه آية من آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمد عليها المرأة في ترك أبويها وإخوتها وسائر أهلها والاتصال برجل غريب عنها تساهمه السراء والضراء وتسكن إليه ويسكن إليها ويكون بينهما من المودة أقوى مما يكون بين ذوي القربى، ثقة منها بأن صلتها به أقوى من كل صلة وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة.

هذه الثقة وذلك الشعور الفطري الذي أودع في المرأة وجعلها تحسّ بصلة لم تعهد من قبل لا تجد مثلها لدى أحد من الأهل، وبها تعتقد أنها بالزواج مقبلة على سعادة ليس وراءها سعادة في الحياة، هذا هو المركوز في أعماق النفوس، وهذا هو الميثاق الغليظ، فما قيمة من لا يفى بهذا الميثاق، وما هي مكانته من الإنسانية؟ اه بتصرف.

وقد استدلوا بذكر القنطار على جواز التغالى في المهور. وقد روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى على المنبر أن يزاد في الصداق على أربعمائه درهم ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: أما سمعت الله يقول (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا) فقال: اللهم عفوا كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطى من ماله فله ما أحبّ.

هذا، وإن الشريعة لم تحدد مقدر الصداق بل تركت ذلك للناس لتفاوتهم في الغنى والفقر فكلّ يعطى بحسب حاله، ولكن جاء في السنة الإرشاد إلى اليسر في ذلك وعدم التغالى فيه، فمن ذلك ما رواه أحمد والحاكم والبيهقي عن عائشة « إنّ من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها ».

وإن التغالى في المهور الآن قد صار من أسباب قلة الزواج، وقلة الزواج تفضى إلى كثرة الزنا والفساد، والغبن أخيرا على النساء أكثر، وإنك لترى هذه العادة متمكنة لدى بعض الناس، حتى إن ولى المرأة ليمتنع عن تزويج بنته للكفء الذي لا يرجى من هو خير منه إذا كان لا يعطيه ما يراه لائقا بكرامته، ويزوجها لمن هو دونه دينا وخلقا ومن لا يرجو لها سعادة عنده إذا هو أعطاه الكثير الذي يراه محققا لأغراضه وهكذا تتحكم التقاليد والعادات حتى تفسد على الناس سعادتهم وتقوّض نظم بيوتهم وهم لها منقادون بلا تفكير في العواقب.

[سورة النساء (4): الآيات 22 الى 23][عدل]

ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)

تفسير المفردات

سلف: أي مضى، فاحشة: أي شديد القبح، مقتا: أي ممقوتا مبغوضا عند دوى الطباع السليمة، ومن ثم كانوا يسمونه نكاح المقت، ويسمى الولد منه مقيتا: أي مبغوضا محتقرا، وساء سبيلا: أي بئس طريقا ذلك الطريق الذي اعتادوا سلوكه في الجاهلية وبئس من يسلكه، لم يزده السير فيه إلا قبحا، والجناح الإثم والتضييق.

المعنى الجملي

بعد أن بيّن في أوائل السورة حكم نكاح اليتامى وعدد من يحل من النساء والشرط في ذلك، وبين حكم استبدال زوج مكان زوج وما يجب من المعروف في معاشرتهن - وصل هذا ببيان ما يحرم نكاحه منهن.

الإيضاح

(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) ذكر الله هذا النكاح أوّلا ولم يذكره مع سائر المحرمات في الآية التالية لأنه كان فاشيا في الجاهلية، وقد ذمه الله أقبح ذمّ فسماه فاحشة وجعله مبغوضا أشد البغض.

أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال: كان الرجل إذا توفّى عن امرأته كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمّه أو ينكحها من شاء، فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته ولم ينفق عليها ولم يورّثها من المال شيئا، فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: ارجعي لعل الله ينزل فيك شيئا فنزلت (وَلا تَنْكِحُوا) الآية، ونزلت أيضا (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا) إلخ. والمراد بالنكاح العقد كما قال ابن عباس، فقد روى ابن جرير والبيهقي عنه أنه قال: كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل بها فهي حرام، والمراد من الآباء ما يشمل الأجداد إجماعا

(إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) أي لكن ما سلف من ذلك لا مؤاخذة عليه.

والخلاصة - إنكم تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف ومضى فإنه معفوّ عنه.

(إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا) أي إن نكاح أزواج الآباء تمجّه الأذواق السليمة، وتؤيد ذلك الشريعة التي هدى الله الناس بها، فهو قبيح محتقر والسالك في طريقه مزدرى عند ذوي العقول الراجحة.

قال الإمام الرازي - القبح ثلاثة أصناف: عقلي وشرعي وعادى، وقد وصف الله النكاح بكل ذلك، فقوله سبحانه (فاحِشَةً) إشارة إلى الأول، وقوله (مَقْتًا) إشارة إلى الثاني، وقوله (وَساءَ سَبِيلًا) إشارة إلى الثالث.

بعد هذا بين الله أنواع المحرمات لأسباب وعلل تنافى ما في النكاح من الصلة بين بعض البشر وبعض، وهي عدة أقسام:

القسم الأول منها ما يحرم من جهة النسب، وهو أنواع:

1) نكاح الأصول وإليه الإشارة بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) والمراد بالأم ما يشمل الجدات: أي إن الله قد حرم عليكم أن تتزوجوا أمهاتكم والمراد أنه حكم الآن بهذا التحريم والمنع.

2) نكاح الفروع وذلك قوله: (وَبَناتُكُمْ) والمراد بهن ما يشمل بنات أصلابنا أو بنات أولادنا ممن كنا سببا في ولادتهن وأصولا لهن.

3) نكاح الحواشي القريبة، وذلك ما عناه سبحانه بقوله: (وَأَخَواتُكُمْ) سواء أكن شقيقات لكم، أم كن لأم أو لأب.

(4 و5) نكاح الحواشي البعيدة من جهة الأب والأم وإليهما الإشارة بقوله: (وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ) والمراد بهما الإناث من جهة العمومة ومن جهة الخئولة فيشمل أولاد الأجداد وإن علوا، وأولاد الجدات وإن علون.

6) نكاح الحواشي البعيدة من جهة الإخوة، وذلك قوله: (وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ) من جهة أحد الأبوين أو كليهما.

القسم الثاني ما حرم من جهة الرضاعة، وإليه الإشارة بقوله: (وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ) وقد نزل الله سبحانه الرضاعة منزلة النسب فسمى المرضعة، أمّا للرضيع، وبنتها أختا له فأعلمنا بذلك أن جهة الرضاع كجهة النسب، وقد وضحت السنة ذلك، فقال النبي ﷺ لما طلب إليه أن يتزوج ابنة عمه حمزة « إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم النسب » رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعلى ذلك جرى المسلمون جيلا بعد جيل فجعلوا زوج المرضعة أبا للرضيع تحرم عليه أصوله وفروعه ولو من غير المرضعة لأنه صاحب اللقاح الذي كان سبب اللبن الذي تغذى منه الرضيع، وقد روى البخاري عن ابن عباس أنه سئل عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما بنتا والأخرى غلاما، أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ (قال لا، اللقاح واحد).

وقد غلب على الناس التساهل في أمر الرضاعة فيرضعون الولد من امرأة أو من عدة نسوة ولا يهتمون بمعرفة أولاد المرضعة وإخوتها ولا أولاد زوجها من غيرها وإخوته ليعرفوا ما يترتب عليهم في ذلك من الأحكام كحرمة النكاح وحقوق القرابة الجديدة التي جعلها الشارع كالنسب فكثيرا ما يتزوج الرجل أخته أو عمته أو خالته من الرضاعة وهو لا يدري.

وظاهر الآية أن قليل الرضاعة ككثيرها ويروى ذلك عن على وابن عباس والحسن والزهري وقتادة، وبه أخذ أبو حنيفة ومالك. وذهب جماعة إلى أن التحريم إنما يثبت بثلاث رضعات فأكثر، لأن النبي ﷺ قال: « لا تحرّم المصّة والمصّتان »

وقد روى العمل به عن الإمام أحمد، وذهب جماعة آخرون إلى أن التحريم لا يثبت بأقل من خمس رضعات ويروى هذا عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وهو مذهب الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه.

ولا يحرم الرضاع إلا في سنه ومدته المحدودة بقوله تعالى « وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ » وهو مذهب عمر وابن مسعود وابن عباس، وبه أخذ الشافعي وأحمد وصاحبا أبى حنيفة: أبو يوسف ومحمد، وقد روى الدارقطني عن ابن عباس قوله ﷺ « لا رضاع إلا ما كان في الحولين »

وروي عن ابن عباس في رواية أخرى والزهري والحسن وقتادة أن الرضاع المحرّم ما كان قبل الفطم، فإن فطم الرضيع ولو قبل السنتين امتنع تأثير رضاعه في التحريم، وإن استمر رضاعه إلى ما بعد السنتين ولم يفطم كان رضاعه محرما.

القسم الثالث محرمات المصاهرة التي تعرض بسبب الزواج وتحته الأنواع الآتية:

1) (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) ويدخل في الأمهات الجدات، ولا يشترط في تحريم أم المرأة دخوله بالبنت بل يكفى مجرد العقد، وبهذا قال جمهور الصحابة ومن بعدهم وعليه الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة.

2) (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ) الربائب جمع ربيبة، وربيب الرجل ولد امرأته من غيره، سمى ربيبا لأن الرجل يربّه ويسوسه ويؤدبه كما يؤدب ولده، وقوله: اللاتي في حجوركم وصف لبيان الحال الغالب في الربيبة وهي أن تكون في حجر زوج أمها، وللاشعار بالمعنى الذي يوضح علة التحريم ويحرك عاطفة الأبوة في الرجل وهي كونها في حجره يحنو عليها حنوّه على بنته، ويدخل في التحريم كل بنات امرأة الرجل إذا كان قد دخل بها وبنات بناتها وبنات أبنائها، لأنهن من بناتها في عرف اللغة.

(فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) أي إن الرجل إذا عقد نكاحه على امرأة ولم يدخل بها لا يحرم عليه بناتها، وقال الحنفية: إن من زنى بامرأة يحرم عليه أصولها وفروعها، وكذلك إذا لمسها بشهوة أو قبّلها أو نظر إلى ما هنالك منها بشهوة، وكذلك أيضا إذا لمس يد أمّ امرأته بشهوة فإن امرأته تحرم عليه تحريما مؤبدا، ولم يوافقهم على ذلك كثير من الأئمة، لأنه لم يؤثر فيه خبر ولا أثر عن الصحابة فيه شيء وقد كانوا قريبى العهد بالجاهلية التي كان الزنا فاشيا فيها بينهم، فلو كانوا فهموا لذلك مدركا من الشرع وعلله لسألوا عنه وتوافرت الدواعي على نقل ما أفتوا به.

3) (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) الحلائل واحدها حليلة وهي الزوجة ويقال أيضا للرجل حليل إذ أن الزوجين يحلّان معا في مكان واحد وفراش واحد.

ويدخل في الأبناء أبناء الصلب مباشرة أو بواسطة كابن الابن وابن البنت، فحلائلهما تحرم على الجد، كما يدخل الابن من الرضاعة فتحرم حليلته لما تقدم من قوله « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ».

القسم الرابع ما حرم بسبب عارض إذا زال يزول التحريم وهو ما ذكر، سبحانه بقوله:

(وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) أي وحرّم عليكم الجمع بين الأختين في الاستمتاع الذي يراد به الولد، والمذاهب الأربعة متفقة على تحريم الاستمتاع بالأختين بملك اليمين أو بالنكاح، أو بالنكاح والملك كأن يكون مالكا لإحداهما ومتزوجا للأخرى، فيحرم عليه أن يستمتع بهما ويجب عليه أن يحرم إحداهما على نفسه كأن يعتق المملوكة أو يهبها ويسلمها للموهوبة له.

ومثل هذا الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، لأن العلة موجودة فيه أيضا وهي إفضاؤه إلى قطع ما أمر الله تعالى بوصله، كما يدل عليه قوله ﷺ « فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ».

والضابط لذلك أنه يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة لو كانت إحداهما ذكرا لحرم عليه بها نكاح الأخرى.

(إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) أي لكن ما قد سلف قبل التحريم لا تؤاخذون عليه، وقد كانوا يجمعون بين الأختين، أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن فيروز الديلمي أنه أدركه الإسلام وتحته أختان فقال له النبي ﷺ طلّق أيتهما شئت. وعن ابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين.

(إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا) فلا يؤاخذكم بما سلف منكم في زمن الجاهلية إذا أنتم عملتم بشريعة الإسلام، ومن مغفرته أن يمحو من نفوسكم آثار الأعمال السيئة ويغفر لكم ذنوبكم إذا أنبتم إليه، ومن رحمته أن شرع لكم من أحكام النكاح ما فيه المصلحة لكم وتوثيق الروابط بينكم، لتتراحموا وتتعاونوا على البر والتقوى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.

وكان الفراغ من مسوّدة هذا الجزء بحلوان من أرباض القاهرة في شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وله الحمد أولا وآخرا.

تم بحمد الله الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس، أوله: (والمحصنات)

فهرس أهم المباحث العامة التي في هذا الجزء[عدل]

الصفحة المبحث

4 دفع شبهتين من شبهات اليهود.

5 الإجابة عن أولى الشبهتين.

7 الإجابة عن الشبهة الثانية.

8 اتفاق العرب في الجاهلية والإسلام على تعظيم البيت الحرام وأمن من دخله.

9 آراء العلماء في المراد من الاستطاعة لوجوب الحج.

11 إيقاد اليهود نار الفتنة بين الأوس والخزرج.

17 الدين نهى عن العصبية الجنسية وأمر بالتمسك بالرابطة الدينية.

18 الاختلاف الذي بين البشر ضربان.

22 ما يجب توافره في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.

32 ضرب الذلة والمسكنة على اليهود.

35 صفات المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب.

40 ما يفعله الكافر من وجوه البر في الدنيا لا أثر له في الآخرة فلا يفيده شيئا.

44 شروط النهي عن اتخاذ بطانة من الكافرين.

51 وقعة بدر.

51 وقعة أحد، وذكر السبب في انخذال المؤمنين.

58 الحكمة في الإمداد بالملائكة.

59 حكمة ما حصل من خذلان المؤمنين في أحد.

65 ربا الجاهلية ما يسمى في عصرنا بالربا الفاحش.

65 الربا نوعان.

67 المحرمات في الإسلام ضربان.

69 أوصاف المتقين.

83 الجهاد أقسام.

87 لئن مات محمد لقد مات قبله سائر الأنبياء.

90 من يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها.

91 للانسان طوران عاجل وآجل.

96 طاعة الكافرين توجب الخسران في الدنيا والآخرة.

97 أثر الشرك في النفوس.

99 سبب ما أصاب المسلمين في وقعة أحد.

103 انقسام المسلمين بعد وقعة أحد إلى فريقين.

106 انخذال المؤمنين أثر طبيعي لما اجترحوه من المخالفات.

113 الشورى في الإسلام وفوائدها.

115 التردد خور وضعف في العزائم.

115 وجوب التوكل على الله بعد أخذ الأهبة.

116 التوكل الصحيح إنما يتم مع الأخذ بالأسباب، وبدون ذلك يكون جهلا.

121 الناس يتفاوتون في الجزاء عند الله على حسب تفاوتهم في الفضائل والمعرفة في الدنيا والأعمال الصالحة.

122 صفات الرسول ﷺ التي تقتضى طاعته.

126 العقوبات آثار لازمة للأعمال.

127 معاذير المنافقين حين تخلفهم عن القتال.

131 الشهداء أحياء عند ربهم في دار الكرامة.

133 غزوة حمراء الأسد.

135 كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر قال: « حسبي الله ونعم الوكيل ».

137 صادق الإيمان لا يكون جبانا، وإذا عرض له أسباب الخوف قاوم ذلك.

138 تسلية الرسول ﷺ عن مسارعة قومه إلى الكفر.

141 من شأن المؤمن إذا أنسأ الله أجله أن تكثر حسناته وتزداد خيراته.

142 في الشدائد كثير من الفوائد.

145 الحث على بذل المال في الجهاد.

150 ليس قومك ببدع من الأمم، ولا أنت ببدع من الرسل.

153 الابتلاء في الأموال يكون بالبذل في وجوه البر، وفى الأنفس ببذلها في الجهاد في سبيل الله.

155 كيف يطعن اليهود في النبي ﷺ وهو مذكور في كتابهم.

156 تبيين الكتاب على ضربين.

158 العذاب أثر طبيعي للذنوب وهو ضربان.

161 استئذان الرسول ﷺ من عائشة في عبادة ربه.

163 ما يقول الذاكرون المتفكرون في ابتهالهم إلى ربهم.

165 استجابة الدعاء قد تكون بغير ما يطلب المرء.

166 الإسلام أصلح معاملة الرجل للمرأة واعترف لها بالكرامة.

167 صفات المؤمن وجزاؤه على إحسانه.

170 فضائل مؤمنى أهل الكتاب.

173 تفسير سورة النساء.

175 البحث العلمي والتأريخي لا يؤيد أن آدم أبو البشر.

176 حقيقة النفس أو الروح.

180 العدل بين الزوجات إنما يكون فيما يدخل تحت طاقة الإنسان.

181 قد تدعو الحاجة إلى تعدد الزوجات.

183 الحكمة في تعدد زوجات النبي ﷺ.

184 مال المرأة ليس بملك للرجل فلا يحل له إلا بإذنها.

186 الدين حث على الاقتصاد ومنع الإسراف والتبذير.

189 مال اليتيم ليس بمال للولى فليس له أن يأكل منه شيئا بلا حق.

191 كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء والأولاد الصغار.

194 أسباب الإرث في الجاهلية.

196 الحكمة في جعل حظ الولد كحظ الأنثيين.

196 الموانع التي تمنع ميراث الولد.

197 السر في تساوى الوالدين في الميراث مع وجود الأولاد.

198 حقوق الزوجية في الميراث مقدمة على حقوق الوالدين.

200 حكمة جعل الزوجات الكثيرات في الميراث كزوجة واحدة.

200 ميراث الكلالة.

201 الضرار في الوصية على وجوه.

203 السر في التعبير بخالدين في أهل الجنة، وبخالدا في أهل النار

203 للمذنب حالان.

206 كان عقاب الزاني والزانية في بدء الإسلام الإيذاء والتأنيب.

207 العاصي يسمى جاهلا.

208 التوابون طبقات.

210 من لا تقبل توبته.

212 نهى المؤمنين أن يسيروا على سنة الجاهلية في هضم حقوق النساء.

213 الأمر بمعاشرة النساء بالمعروف.

214 ربما يكره الإنسان شيئا وفيه الخير الكثير.

215 نهى الزوج عن أخذ شيء من صداق المرأة إذا أراد أن يستبدل بها زوجا غيره.

218 من يحرم التزوج بهن.

أجزاء تفسير المراغي
الأول | الثاني | الثالث | الرابع | الخامس | السادس | السابع | الثامن | التاسع | العاشر | الحادي عشر | الثاني عشر | الثالث عشر | الرابع عشر | الخامس عشر | السادس عشر | السابع عشر | الثامن عشر | التاسع عشر | العشرون | الحادي والعشرون | الثاني والعشرون | الثالث والعشرون | الرابع والعشرون | الخامس والعشرون | السادس والعشرون | السابع والعشرون | الثامن والعشرون | التاسع والعشرون | الثلاثون