البداية والنهاية/الجزء الأول/إسماعيل عليه السلام

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

البداية والنهاية - الجزء الأول

المؤلف: ابن كثير
إسماعيل عليه السلام‏

وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا، ولكن أشهرهم الأخوان النبيان العظيمان الرسولان أسنهما وأجلهما الذي هو الذبيح على الصحيح: إسماعيل بكر إبراهيم الخليل، من هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل، ومن قال: إن الذبيح هو إسحاق فإنما تلقاه من نقلة بني إسرائيل، الذين بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والإنجيل، وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل.

فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر، وفي رواية الوحيد، وأيًا ما كان فهو إسماعيل بنص الدليل، ففي نص كتابهم: إن إسماعيل ولد ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة، وإنما ولد إسحاق بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل، فإسماعيل هو البكر لا محالة، وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة.

أما في الصورة: فلأنه كان وحده ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة، وأما أنه وحيد في المعنى: فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر، وكان صغيرًا رضيعًا فيما قيل، فوضعهما في وهاد جبال فاران، وهي الجبال التي حول مكة نعم المقيل، وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل، وذلك ثقة بالله وتوكلًا عليه، فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته، فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل.

فهذا هو الولد الوحيد في الصورة والمعنى، ولكن أين من يتفطن لهذا السر؟ وأين من يحل بهذا المحل والمعنى؟ لا يدركه ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل.

قد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم والصبر، وصدق الوعد، والمحافظة على الصلاة والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب، مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الأرباب.

قال تعالى: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } [الصافات: 101-102] فطاوع أباه على ما إليه دعاه، ووعده بأن سيصبر، فوفى بذلك بأن سيصبر وصبر على ذلك.

وقال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا } [مريم: 54-55] .

وقال تعالى: { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ } [ص: 45-48] .

وقال تعالى: { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ } [الأنبياء: 85-86] .

وقال تعالى: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ... } الآية [النساء: 163] .

وقال تعالى: { قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ } [البقرة: 136] الأية. ونظيرتها من السورة الأخرى.

وقال تعالى: { أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ آنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ } الآية. [البقرة: 140] .

فذكر الله عنه كل صفة جميلة، وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون.

وذكر علماء النسب وأيام الناس، أنه أول من ركب الخيل، وكانت قبل ذلك وحوشًا فأنسها وركبها.

وقد قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثنا شيخ من قريش، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال:

« اتخذوا الخيل واعتبقوها فإنها مراث أبيكم إسماعيل ».

وكانت هذه العراب وحشًا، فدعا لها بدعوته التي كان أعطي فأجابته، وإنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة، من جرهم والعماليق وأهل اليمن من الأمم المتقدمين من العرب قبل الخليل.

قال الأموي: حدثني علي بن المغيرة، حدثنا أبو عبيدة، حدثنا مسمع بن مالك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي ﷺ أنه قال:

« أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة ».

فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار هكذا أبو جرى حدثني.

وقد قدمنا أنه تزوج لما شب من العماليق امرأة، وأن أباه أمره بفراقها ففارقها. قال الأموي: هي عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي. ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها فاستمر بها، وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي.

وقيل: هذه ثالثة فولدت له اثني عشر ولدًا ذكرًا، وقد سماهم محمد بن إسحاق رحمه الله وهم: نابت، وقيذر، وازبل، وميشى، ومسمع، وماش، ودوصا، وارر، ويطور، ونبش، وطيما، وقذيما، وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم، وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيما المبشر بهم، المتقدم ذكرهم، وكذبوا في تأويلهم ذلك.

وكان إسماعيل عليه السلام رسولًا إلى أهل تلك الناحية وما والاها، من قبائل جرهم، والعماليق، وأهل اليمن، صلوات الله وسلامه عليه.

ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق، وزوج ابنته نسمة من ابن أخيه العيص بن إسحاق فولدت له الروم، ويقال لهم: بنو الأصفر لصفرة كانت في العيص. وولدت له اليونان في أحد الأقوال، ومن ولد العيص الأشبان، قيل منهما أيضًا، وتوقف ابن جرير رحمه الله.

ودفن إسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر، وكان عمره يوم مات مائة وسبعًا وثلاثين سنة، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: شكى إسماعيل عليه السلام إلى ربه عز وجل حرَّ مكة، فأوحى الله إليه أني سأفتح لك بابًا إلى الجنة إلى الموضع الذي تدفن فيه، تجري عليك روحها إلى يوم القيامة.

وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيذار، وسنتكلم على أحياء العرب، وبطونها، وعمائرها، وقبائلها، وعشائرها من لدن إسماعيل عليه السلام إلى زمان رسول الله ﷺ. وذلك إذا انتهينا إلى أيامه الشريفة وسيرته المنيفة، بعد الفراغ من أخبار أنبياء بني إسرائيل إلى زمان عيسى بن مريم خاتم أنبيائهم، ومحقق أنبائهم.

ثم نذكر ما كان في زمن بني إسرائيل، ثم ما وقع في أيام الجاهلية، ثم ينتهي الكلام إلى سيرة نبينا رسول الله إلى العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم من الأمم، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم.

البداية والنهاية - الجزء الأول
مقدمة‏ | فصل:ما سوى الله مخلوق‏ | ‏فصل: فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي | ‏الكرسي | ‏اللوح المحفوظ | ‏ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما | ما جاء في سبع أرضين‏ | ‏فصل في البحار والأنهار | فصل:ذكر ما خلق في الأرض من الجبال،والأشجار والثمار والسهول‏ | ذكر ما يتعلق بخلق السموات وما فيهن من الآيات‏ | المجرة وقوس قزح‏ | باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم‏ | فصل: الملائكة عليهم السلام بالنسبة إلى ما هيأهم الله له أقسام‏ | ‏فصل:اختلاف الناس في تفضيل الملائكة على البشر | باب خلق الجان وقصة الشيطان‏ | باب خلق آدم عليه السلام‏ | احتجاج آدم وموسى عليهما السلام‏ | الأحاديث الواردة في خلق آدم‏ | قصة قابيل وهابيل‏ | ‏وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث | إدريس عليه السلام‏ | قصة نوح عليه السلام‏ | ذكر شيء من أخبار نوح عليه السلام‏ | صومه عليه السلام‏ | حجه عليه السلام‏ | ‏وصيته لولده | قصة هود عليه السلام‏ | قصة صالح نبي ثمود عليه السلام‏ | مرور النبي بوادي الحجر من أرض ثمود عام تبوك‏ | قصة إبراهيم خليل الرحمن‏ | ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من ادعى الربوبية‏ | هجرة الخليل إلى بلاد الشام‏ | ذكر مولد إسماعيل عليه السلام من هاجر‏ | ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر‏ | قصة الذبيح‏ | ‏مولد اسحاق | ‏بناء البيت العتيق | ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله إبراهيم‏ | قصره في الجنة‏ | صفة إبراهيم عليه السلام‏ | ‏وفاة إبراهيم وما قيل في عمره | ذكر أولاد إبراهيم الخليل‏ | قصة مدين قوم شعيب عليه السلام‏ | ‏باب ذرية إبراهيم | إسماعيل عليه السلام‏ | إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والتسليم‏ | ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل‏ | قصة نبي الله أيوب‏ | قصة ذي الكفل الذي زعم قوم أنه ابن أيوب‏ | ‏باب ذكر أمم أهلكوا بعامة | أصحاب الرس‏ | ‏قصة قوم يس وهم أصحاب القرية | ‏قصة يونس | ‏فضل يونس | قصة موسى الكليم‏ | ‏فصل | هلاك فرعون وجنوده‏ | فصل فيما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون‏ | فصل في دخول بني إسرائيل التيه وما جرى لهم فيه من الأمور العجيبة‏ | سؤال الرؤية‏ | ‏قصة عبادتهم العجل في غيبة موسى كليم الله عنهم | حديث آخر بمعنى ما ذكره ابن حبان‏ | قصة بقرة بني إسرائيل‏ | ‏قصة موسى والخضر عليهما السلام | ‏حديث الفتون | ذكر بناء قبة الزمان‏ | ‏قصة قارون مع موسى عليه السلام | ‏باب ذكر فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفائه | ذكر حجه عليه السلام إلى البيت العتيق و صفته‏ | ذكر وفاته عليه السلام‏ | ‏ذكر نبوة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهما السلام | ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام‏ | وأما إلياس عليه السلام‏