نزهة المشتاق في اختراق الآفاق/الإقليم الثالث/الجزء الخامس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
الإقليم الثالث - الجزء الخامس
المؤلف: الإدريسي


إن هذا الجزء الخامس من الإقليم الثالث تضمن قطعة من بحر القلزم وفحص التيه وبعض البحر الشامي بما عليهما من المدن والمراسي والحصون العامرة وأرض فلسطين والشام وأسفل أرض الحجاز مع قطعة من غربي البادية وفيها من البلاد المشهورة القلزم وفاران والأيلة ومدين وخيبر ووادي القرى والحجر وتبوك ودوما ومعدن النقرة والعادي والسيالة وراهط ثم الفرما وعسقلان وغزة والرملة وبيت المقدس وطبرية ونابلس ودمشق وبعلبك وحمص ويافا وقيسارية وأرسوف وعكة وصور وبيروت والناعمة وجبيل واطرابلس وانطرطوس وبيسان وجبلة واللاذقية والسويدة وأنطاكية ونحن ذاكرون لما في كل واحدة منها من المباني والعجائب والطرق والمصنوعات وما يجلب إليها وما يخرج عنها وما بينها من الأميال والفراسخ وأمكنتها على التقصي بحول الله.

فأما بحر القلزم فإنه كما قدمنا ذكره طوله نحو ثلاثين مرحلة وعرضه أوسع ما يكون قدر ثلاثة مجار ثم لا يزال يضيق حتى يرى من بعض جوانبه الجانب الآخر وأوسع مكان فيه حيث القلزم.

وبحر القلزم في ذاته كالنهر وفيه جبال عادية فوق الماء وفيه تروش وقالات ظاهرة ومخفية وطرق السفن فيما بينها معلومة لا يدخل بينها إلا الربانيون وأولو المعرفة بالبحر والتمهر في الرياسة فيه العالمون بطرقاته المجترئون على مجالاته والسير في هذا البحر بالنهار فقط وأما بالليل فلا يسير أحد فيه لصعوبة طرقه وتعاريج مسالكه وكثرة معاطبه.

والقلزم كانت مدينتين وهما الآن أكثرهما خراب لتسلط العرب عليهما وأخذهم ما بأيدي أهليها والتضييق الدائم عليهم حتى قلت عمارتهما وخاف قاصدهما وانقطعت طرق تجاراتهما وفنى ما بأيدي أهليهما وضاقت معايشهم وشرب أهلهما من عين السويس وهي عين ناشعة في وسط الرمل وماؤها ماء زعاق لا يسيغه شارب.

وبين القلزم ومصر تسعون ميلاً وكذلك من القلزم إلى الفرما في البر مما يلي الشمال سبع مرحل وهو ما بين البحر القلزمي والبحر الشامي من المسافة وما بينهما يسمى فحص التيه وهناك تاهت بنو اسرائيل في زمن موسى عليه السلام.

وبالقلزم تنشأ السفن السائرة في هذا البحر وإنشاؤها شيء طريف وذلك أن الكلكل ينبسط على الأرض عريضاً ثم لا يزال اللوح يتركب منه على ما لصق به حتى يتهندم ثم يجوز بحبال الليف والدسر ويوصل بينهما بالجسور الماسكة فإذا كمل ذلك بأسره جلفط بالشحم المتخذ من دواب البحر ودقاق اللبان وقيعان مراكبه عراض دون تعميق في تركيبها لتحمل بذلك كثير الوسق ولا تدرس على كبير عمق.

ومن القلزم على الساحل إلى فاران أربعون ميلاً ومدينة فاران في قعر جون وهي قرية صغيرة يأوي إليها بعض عرب تلك الناحية.

وإزاء فاران موضع متجون من قبل البحر وعلى ضفته جبل من حجر صلد والماء يتردد معه ويستدير وسلوكه عند هيجان الريح به صعب لا يقدر أحد على جوازه إلا بعد جهد وربما تلف السالك فيه إلا ما دفع الله وفيما يذكر أن بهذا البحر غرق فرعون لعنه الله.

ومنه إلى جبل الطور وهو على مقربة من البحر ويمتد معه وبينه وبين البحر طريق مسلوك وهو جبل عال يصعد إليه على مدارج وفي أعلاه مسجد وله بئر ماء ناشعة ومنها يشرب من هناك من الصادرين والواردين.

ومن الطور إلى المصدف وهو مكان حسن رمل وماؤه صاف ويصاد به اللؤلؤ.

ومن هذا المصدف إلى شرم البيت وهو مرسى لا ماء فيه.

ومنه إلى شرم البئر وهو مرسى لا ماء فيه.

ومنه إلى رأس أبي محمد وهو مرسى لا ماء فيه وهو رأس عقبة أيلة.

وأيلة مدينة صغيرة والعرب يأوون إليها ويتصرفون فيها.

ثم إلى العونيد وهو مرسى فيه الماء وتقابله جزيرة النعمان وبينها وبين البر عشرة أميال وجزيرة النعمان معمورة فيها قوم من العرب أشقياء عيشهم من صيد الحوت.

ومنها إلى مرسى ظبا فيه ماء.

ومنه إلى العطوف ثم إلى الحوراء وهي قرية عامرة وأهلها أشراف وعندهم معدن يقطعون فيه الأبارم ومنها يتجهز بها إلى سائر الأقطار المصاقبة والمتباعدة ويتصل بها في جهة الجنوب وعلى قرب منها جبل رضوى وفيه حجر المسن الذي يحمل إلى جميع أقطار الأرض من بلاد المشرق والمغرب وشرب أهل الحوراء من آبار عذبة وبها إرساء وقصر.

ومنه إلى وادي الصفراء وهو مرسى حسن.

ومنه إلى القويعة وهو مرسى عامر وماؤه يجلب من بعيد.

ومنها إلى الجار ثم إلى الجحفة ثم إلى قديد ثم إلى عسفان ثم إلى جدة وقد سبق لنا ذكر هذه الحصون والمعاقل فيما سبق من ذكر الإقليم الثاني حيث جاء ذكر الجحفة وقديد وعسفان والجار والسقيا ولا حاجه بنا إلى إعادة ذكر ذلك.

وعلى ساحل بحر القلزم مدينه مدين وهي أكبر من تبوك وبها البئر التي استقى منها موسى عليه السلام لسائمة شعيب ويحكى أنها بئر معطلة وقد عمل عليها بيت وماء أهلها من عين تجري إليهم وسميت مدين بالقبيلة التي كان منها شعيب وبها معايش ضيقة وتجارات كاسدة.

ومن مدينة مدين إلى أيلة خمس مراحل.

ومن أيلة إلى الجار نحو من عشرين مرحلة.

ومن مدين إلى تبوك في البرية شرقاً ست مراحل.

ومدينة تبوك بين الحجر وبين أول الشام وأول الشام منها على أربع مراحل في نحو نصف طريق الشام ولها حصن يطيف بها وشرب أهلها من عين ماء خرارة وبها نخيل كثير ويقال إن أصحاب الأيكة الذين بعث الله إليهم شعيباً كانوا بها وكان شعيب من مدين.

والحجر من وادي القرى على مرحلة وهو حصن نظيف الحال بين الجبال وبها كانت ديار ثمود وبها بيوت منقورة في الصخر وأهل الحجر وتلك النواحي يسمونها الأثالب وهي جبال في ذاتها متصلة في العيان حتى إذا توسط المار بها كانت كل قطعة منها قائمة بذاتها يطاف بكل واحدة منها من غير أن يمازج بعضها بعضاً أو يختلط بعضها ببعض وبها الآن بئر ثمود ويحيط بالحجر من كل ناحية جبال ورمال لا يكاد أحد يرتقي إلى ذراها إلا بعد جهد ومشقة.

ومن الحجر إلى تيماء أربع مراحل ومن تيماء إلى خيبر أربع مراحل.

ومدينة خيبر مدينة صغيرة كالحصن منيعة ذات نخيل وزروع وكانت في صدر الإسلام داراً لبني قريظة والنضير وكان بها السموءل بن عاديا المضروب به المثل في الوفاء.

ومنه إلى المدينة أربع مراحل.

وبقرب خيبر جبل رضوى وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية ورأسه من ينابيع الماء به كخضرة البقل وفيه مياه كثيرة وأشجار ومنه تحمل أحجار المسن إلى سائر الآفاق.

وفيما بينه وبين ديار جهينة وساحل البحر ديار يسكنها قوم من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب وهم يسكنون بيوت الشعر وهم خلق كثير زيهم زي الأعراب ينتجعون المراعي والمياه كانتجاع العرب لا فرق بينهم وبين العرب في خلق ولا خلق وتتصل ديارهم مما يلي المشرق بوادي أرادان وهو عن الجحفة على مرحلة وبينها وبين الأبواء التي في طريق الحاج ستة أميال.

ومن تيماء إلى دومة الجندل أربع مراحل.

ودومة الجندل حصن منيع ومعقل حصين وبه عمارة وتتصل به عين التمر وبرية خساف من بادية السماوة وبريه خساف وهي ما بين الرقة وبالس عن يسار الذاهب.

وتيماء حصن عامر وبنية أزلية وهو أعمر من تبوك وبينهما أربع مراحل وبين تيماء وأول الشام ثلاثة أيام وبتيماء مياه ونخيل ومنه تمتار البادية وبه تجارات قلائل ويسكن بين أيلة وتبوك إلى وادي القرى قبائل لخم وجذام وجهينة وبلي وبلادهم بلاد إبل وألبان وأسمان وهم ينتجعون مراعي هذه الأرض ولهم كرم وبذل لما في أيديهم وهم يسكنون بيوت الشعر وينتقلون من موضع إلى موضع لا يقيمون بمكان ولهم مصايف ومرابع يدورون عليها وينتقلون إليها مع الدهر وهم مترددون إليها.

وأما جبل اللكام فإنا ذكرناه لأنه ليس بمعمور الأرض أطول منه فإنه يبتدئ من بحر القلزم فيمتد إلى نواحي الشام فيسمى هناك جبل لبنان ثم ينتهي إلى حمص فيجاورها ويسمى هناك جبل بهرا وتنوخ ثم يمر إلى أن يجاور اللاذقية وثم يسمى اللكام وينتهي إلى عين زربة والهارونية ثم إلى مرعش إلى أن يصل شمشاط وهي عليه ثم يتصل بأعمال آمد ويسمى هناك جبل السلسلة ثم ينقسم فتمر منه شعبة مع المشرق إلى حصن منصور إلى الباب والأبواب ويتعلق به جبل القبق وتمر الشعبة الثانية منه مع آمد إلى أحواز ميافارقين ويمر مع الجنوب إلى حدود بارما ويسمى هناك جبل الكرد إلى أن ينتهي إلى شهرزور إلى أحواز حلوان إلى الجبال من أحواز الصيمرة إلى جنوب إصبهان ثم يعطف إلى أن يأتي قاشان إلى قم ثم يصل إلى الري ويتصل به هناك جبال الديلم ويمر مع ساحل البحر الخزري إلى أن ينتهي إلى بحيرة خوارزم ثم يمر متصلاً بجنوب الغزية حتى يتصل بفاراب ثم يمر في شرقي بلاد الشاش وينتهي إلى أقصى بلاد فرغانة فيتصل هناك بجبال فردحس الخارجة من البحر الصيني المحيط على وخان فيقطع بلاد التبت لا في وسطها بل على غربيها ومشارق بلاد الخرلخية إلى أن يأتي من حدود الإسلام إلى فرغانة.

فتمر منه قطعة إلى الجنوب من فرغانة إلى جبال البتم وبها يسمى هناك على جنوب أشروسنة ومياه سمرقند تنبعث منه وتنفذ قطعة منه إلى نسف على جنوب الصغد إلى كش ونسف ونواحي زم على جيحون ثم تصل شعبتان منه فتمر إحداهما شمالاً إلى الجوزجان ويمتد على الجوزجان ويأخذ على الطالقان إلى مرو الروذ إلى طوس آخذاً على نيسابور فتكون نيسابور في سفحه وهو في شرقها ويمتد سائراً إلى الري فيكون عن يمين القاصد من خراسان إلى العراق وينجر مع معظمه كما قدمناه فيما سلف.

وأما حدود فلسطين وهي أول أحواز الشام وحدودها مما يلي المغرب مقدار أربعة أيام وذلك من رفح إلى اللجون وعرضه من يافا إلى ريحا مسيرة يومين وزغر وديار قوم لوط والبحيرة المنتنة وجبال الشراة مضمومة إليها وهي منها في العمل إلى حمود أيلة.

وديار قوم لوط والبحيرة المنتنة وزغر إلى بيسان وطبرية تسمى الغور لأنها بقعة بين جبلين وسائر مياه الشام تنحدر وتجتمع فيكون منها نهر زخار أوله من بحيرة طبرية فيأخذ من طبرية وجميع الأنهار تصب إليه مثل نهر اليرموك والحد وأنهار بيسان وما ينصب من كوش مآب وجبال بيت المقدس وجبال قبر إبراهيم عليه السلام وجميع ما ينصب أيضاً من نابلس فإنه يجتمع الكل منها حتى يقع في بحيرة زغر وتسمى بحيرة سادوم وغاموراء وهما كانتا مدينتين لقوم لوط فغرقهما الله تعالى فعاد مكانهما بحيرة منتنة وسميت البحيرة الميتة لأن ما فيها شيء له روح لا حوت ولا دابة ولا شيء متكون مثل ما ييكون في سائر المياه الراكدة والمتحركة وماؤها حار كريه الرائحة وفيه سفن صغار يسافر بها في تلك الناحية وتحمل عليها الغلات وصنوف التمر من زغر والدارة إلى ريحا وسائر أعمال الغور وطول هذه البحيرة ستون ميلاً وعرضها اثنا عشر ميلاً.

ومن ريحا إلى زغر يومان.

ومن زغر إلى جبال الشراة ومن جبال الشراة إلى آخر الشراة يومان.

ومن ريحا إلى بيت المقدس مرحلة.

ومن بيت المقدس إلى عمان والبلقاء يومان.

ومن الرملة إلى قيسارية مرحلة كبيرة.

وريحا المذكورة من أجمل بقاع الغور وعمتا وبيسان وأكثر غلات بلاد الغور النيلج وأهله سمر بل إلى السواد أقرب.

والجي بلد من بلاد فلسطين صغير ماؤه حار وهواؤه وخيم.

وأما مدينة بيسان فصغيرة جداً وبها نخل كثير وينبت بها السامان الذي يعمل منه الحصر السامانية ولا يوجد نباته البتة إلا بها وليس في سائر الشام شيء منه.

وفلسطين ماؤها من الأمطار والسيول وأشجارها قليلة وديار فلسطين حسنة البقاع بل أزكى بلاد الشام ومدينتا الشام هما الرملة ثم بيت المقدس.

فأما الرملة فهي مدينة حسنة عامرة وبها أسواق وتجارات ودخل وخرج ومنها إلى يافا التي على ساحل البحر الملح نصف يوم.

ومن الرملة إلى نابلس يوم.

ومن الرملة إلى قيسارية مرحلة كبيرة.

ونابلس مدينة السامرية وبها البئر التي حفرها يعقوب عليه السلام وبها جلس السيد المسيح وطلب من المرأة السامرية الماء ليشرب وعليه الآن كنيسة حسنة ويزعم أهل بيت المقدس أن السامرية لا يوجد أحد منهم إلا بهذه المدينة.

وبآخر مدن فلسطين مما يلي الجفار وطريق مصر مدينة غزة وبينهما من الأميال ثلاثون ميلاً.

ومن فلسطين إلى مدينة عسقلان مرحلة كبيرة.

وبين عسقلان وغزة نحو من عشرين ميلاً وهي الآن عامرة بأيدي الروم ومرسى غزة تيدا.

ومن ميماس إلى عسقلان شرقاً عشرون ميلاً.

والعريش مدينة كانت ذات جامعين مفترقة المباني والغالب على أرض الرمال ولها ثمار وجمل فواكه وهي على مقربة من البحر.

وأيضاً فإن الطريق من الرملة إلى يبنى نصف مرحلة ومنها إلى يزدود في البر مرحلة ومن يزعود إلى غزة وقد تقدم ذكرها مرحلة.

ومن غزة إلى مدينة رفح وهي مدينة صالحة مرحلة ومنها إلى العريش مرحلة ومن العريش إلى الورادة وهي منزل قرب البحر مرحلة.

ومن الورادة إلى الفرما وهي مدينة على بحر الشام مجاورة لبحيرة تنيس مرحلة.

وأما مدينة عسقلان فهي مدينة حسنة ذات سورين وبها أسواق وليس لها من خارجها بساتين وليس بها شيء من الشجر واستفتحها صاحب القدس بعساكر الروم من الإفرنج وغيرهم في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة وهي الآن بأيديهم وعسقلان معدودة في أرض فلسطين ويقابلها في جهة الجنوب ناحيتان جليلتان وهما جبال وشراة فأما جبال فمدينتها تسمى دراب وشراة أيضاً مدينتها تسمى أذرح وهما في غاية الخصب وكثرة أشجار الزيتون واللوز والتين والكروم والرمان وعامة سكانها من قيس.

وكذلك بين جنوب منها وشرق قرية مؤتة ومنها إلى عمان تمر فيما بين شعبي جبل يقال له الموجب وهو واد عظيم عميق القعر ويمر فيما بين هذين الشعبين وليسا بمتباعدين وذلك يمكن أن يكون بمقدار ما يمكن أن يكلم إنسان إنساناً وهما واقفان على ضفتي النهر فيسمع بعضهما بعضاً ينزل فيه السالك ستة أميال ويصعد ستة أميال أيضاً.

ومن عسقلان الساحلية المتقدم ذكرها إلى حصن الماحوز الأول على البحر خمسة وعشرون ميلاً ويقابله في البرية كوم زنجل وبيت جبريل وهما محلان ينزل بهما ثم إلى الماحوز الثاني خمسة وعشرون ميلاً ومنها إلى مدينة يافا وهي فرضة بيت المقدس وبينهما مرحلتان خفيفتان.

وبيت المقدس مدينة جليلة قديمة البناء أزلية وكانت تسمى إيلياء وهي على جبل يصعد إليها من كل جانب وهي في ذاتها طويلة وطولها من المغرب إلى المشرق وفي طرفها الغربي باب المحراب وهذا الباب عليه قبة داؤود عليه السلام وفي طرفها الشرقي باب يسمى باب الرحمة وهو مغلق لا يفتح إلا من عيد الزيتون لمثله ولها من جهة الجنوب باب يسمى باب صهيون ومن جهة الشمال باب يسمى باب عمود الغراب وإذا دخل الداخل من باب المحراب وهو الباب الغربي كما قلناه يسير نحو المشرق في زقاق شارع إلى الكنيسة العظمى المعروفة بكنيسة القيامة ويسميها المسلمون قمامة وهي الكنيسة المحجوج إليها من جميع بلاد الروم التي في مشارق الأرض ومغاربها فيدخل من باب في غربها فيجد الداخل نفسه في وسط القبة التي تشمل على جميع الكنيسة وهي من عجائب الدنيا والكنسية أسفل ذلك الباب ولا يمكن أحداً النزول إليها من هذه الجهة ولها باب في جهة الشمال ينزل منه إلى أسفل الكنيسة على ثلاثين درجة ويسمى هذا الباب باب شنت مرية وعند نزول الداخل إلى الكنيسة تلقاه المقبرة المقدسة المعظمة ولها بابان وعليها قبة معقودة قد أتقن بنيانها وحصن تشييدها وأبدع تنميقها وهذان البابان أحدهما يقابل الشمال حيث باب شنت مرية والباب الآخر يقابله من جهة الجنوب ويسمى باب الصلوبية وعلى هذا الباب قنبنار الكنيسة ويقابلها من جهة الشرق كنيسة عظيمة كبيرة جداً يقدس فيها إفرنج الروم ويتقربون.

وفي شرقي هذه الكنيسة منحرفاً بشيء لطيف إلى الجنوب الحبس الذي حبس فيه السيد المسيح ومكان الصلوبية وأما القبة الكبيرة فهي قوراء مفتوحة للسماء وبها دار بها الأنبياء مصورون والسيد المسيح والسيدة مريم والدته ويوحنا المعمدان وعلى المقدسة من القناديل المعلقة على المكان خاصة ثلاثة قناديل ذهب وإذا خرجت من هذه الكنيسة العظمى وقصدت شرقاً ألفيت البيت المقدس الذي بناه سليمان بن داؤود عليه السلام وكان مسجداً محجوجاً إليه في أيام دولة اليهود ثم انتزع من أيديهم وأخرجوا عنه إلى مدة الإسلام فكان معظماً في ملك المسلمين وهو المسجد المعظم المسمى بالمسجد الأقصى عندهم وليس في الأرض كلها مسجد على قدره إلا المسجد الجامع الذي بقرطبة من ديار الأندلس وفيما يذكر أن مسقف جامع قرطبة أكبر من مسقف الجامع الأقصى وصحن المسجد الأقصى هو في تربيع طوله مائتا باع في عرض مائة وثمانين باعا نصفه مما يلي المحراب مسقف بأقباء صخر على عمد كثيرة صفوفاً والنصف الثاني صحن لا سقف له وفي وسط الجامع قبة عظيمة تعرف بقبة الصخرة وهذه القبة مرصعة بالفص المذهب والأعمال الحسنة من بناء خلفاء المسلمين وفي وسطها الصخرة المسماة بالواقعة وهو حجر مربع كالدرقة في وسط القبة رأسها الواحد مرتفع عن الأرض مقدار نصف قامة أو أشف من ذلك ورأسها الثاني لاصق بالأرض وطول هذه الصخرة مقارب لعرضها يكون بضعة عشر ذراعاً في مثلها وينزل من باطنها وأسفلها إلى سرداب كالبيت المقلم طوله عشرة أذرع في عرض خمسة وارتفاع سمكه يشف على القامة ولا يدخل إلى هذا البيت إلا بمصباح يستضاء به ولهذه القبة أربعة أبواب والباب الغربي منها يقابله مذبح كان بنو إسرائيل يقربون عليه القرابين وبالقرب من الباب الشرقي من أبواب هذه القبة الكنيسة المسماة بقدس القدس وهي لطيفة القدر والقبلي منها يقابله المسقف الذي كان مصلى للمسلمين فلما استفتحها الروم وبقي بأيديهم إلى وقت تأليفنا لهذا الكتاب صيروا هذا المسقف من المسجد بيوتاً يسكنها الجيل المعروفون بالداوية ومعناه خدام بيت الله ويقابل الباب الشمالي بستان حسن مغروس بأنواع الأشجار ودائر هذا البستان أعمدة رخام مضفورة بأبدع ما يكون من الصنعة وفي آخر البستان مجلس برسم الغذاء للقسيسين والمدرجين.

وتخرج من هذا المسجد أيضاً شرقاً فتصل إلى باب الرحمة المغلوق كما قدمنا وبالقرب من هذا الباب باب آخر مفتوح يعرف بباب الأسباط عليه الدخول والخروج وإذا خرجت من باب الأسباط سرت في حدود مقدار رمية سهم فتجد كنيسة كبيرة حسنة جداً على اسم السيدة مريم ويعرف المكان بالجسمانية وهناك قبرها يبصر جبل الزيتون وبينه وبين باب الأسباط نحو ميل.

وفي طريق الصعود إلى هذا الجبل كنيسة عظيمة حسنة متقنة البناء تسمى كنيسة باتر نصتر وعلى أعلى الجبل كنيسة أخرى حسنة معظمة وفيها رجال ونساء محبوسون يبتغون بذلك أجر الله سبحانه وفي شرقي هذا الجبل المذكور منحرفاً قليلاً إلى الجنوب قبر العازر الذي أحياه السيد المسيح وعلى ميلين من جبل الزيتون القرية التي جلب منها الأتان لركوب السيد المسيح عند دخوله إلى أورشليم وهي الآن خراب لا ساكن بها.

وعلى قبر العازر يؤخذ طريق وادي الأردن وبين وادي الأردن وبيت المقدس مسافة يوم واحد ومن قبل أن تصل إلى وادي الأردن مدينة ريحا السابق ذكرها وبينها وبين الوادي ثلاثة أميال وعلى الوادي المسمى الأردن كنيسة عظيمة على اسم شنت يوحنا يسكنها رهبان الإغريقيين ووادي الأردن يخرج من بحيرة طبرية ويصب في بحيرة سادوم وغاموراء اللتين كانتا مدينتي قوم لوط فغرقهما الله بذنوب أهلهما ومما يلي قبلة وادي الأردن برية متصلة.

وأما ما يلي بيت المقدس في ناحية الجنوب فإنك إذا خرجت من باب صهيون وسرت مقدار رمية حجر وجدت كنيسة صهيون وهي كنيسة جليلة حصينة وفيها العلية التي أكل عليها السيد المسيح مع التلاميذ وفيها المائدة باقية إلى الآن ولها ميعاد في يوم الخميس ومن باب صهيون تنزل في خندق يعرف بوادي جهنم وفي طرف الخندق كنيسة على اسم بطرس وفي هذا الخندق عين السلوان وهي العين التي أبرأ بها السيد المسيح الضرير الأعمى ولم تكن له قبل ذلك عينان ومن هذه العين المذكورة إلى الجنوب الحقل الذي يدفن فيه الغرباء وهي أرض اشتراها السيد لذلك وبقربها بيوت كثيرة منقورة في الصخر وفيها رجال قد حبسوا أنفسهم فيها عبادة.

وأما بيت لحم وهو الموضع الذي ولد فيه المسيح فبينه وبين القدس ستة أميال وفي وسط الطريق قبر راحيل أم يوسف وأم ابن يامين ولدي يعقوب عليهم السلام وهو قبر عليه اثنا عشر حجراً وفوقه قبة معقودة بالصخر وبيت لحم هناك كنيسة حسنة البناء متقنة الوضع فسيحة مزينة إلى أبعد غاية حتى إنه ما أبصر في جميع الكنائس مثلها بناء وهي في وطاء من الأرض ولها باب من جهة المغرب وبها من أعمدة الرخام كل مليحة وفي ركن الهيكل من جهة الشمال المغارة التي ولد بها السيد المسيح وهي تحت الهيكل وداخل المغارة المذود الذي وجد به وإذا خرجت من بيت لحم نظرت في الشرق منه كنيسة الملائكة الذين بشروا بولادة السيد المسيح. ومن بيت لحم إلى مسجد إبرهيم في الجنوب نحو من ثمانية عشر ميلاً وهي قرية ممدنة وفي مسجدها قبر إبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم السلام وكل قبر من قبورهم تجاه قبر امرأة صاحبه وهذه المدينة في وهدة بين جبال كثيفة الأشجار أعني شجر الزيتون والتين والجميز وفواكه كثيرة.

وليس بشمال بيت المقدس شيء من البناء ومن مدينة بيت المقدس شمالاً إلى مدينة نابلس يومان وكذلك من نابلس إلى الرملة يوم كبير.

ومن بيت المقدس إلى عمان والبلقاء يومان وبعض يوم.

ومن بيت المقدس إلى طبرية تسعون ميلاً وكذلك من طبرية إلى الرملة ثلاث مراحل وطبرية مدينة الأردن الكبرى وهي قصبتها فمنها إلى صور يومان كبيران ومنها إلى عقبة افيق نحو يوم ومنها إلى بيسان بعض يوم ومنها إلى عمتا مدينة الغور إلى آخر عمل الأردن ومنها إلى موضع يعرف بالجميلة يوم.

ومن طبرية إلى عكة يومان خفيفان وهي مدينة جليلة على جبل مطل طويلة في ذاتها قليلة العرض وطولها نحو من ميلين وأسفلها من جهة المشرق بحيرة عذبة الماء طولها اثنا عشر ميلاً في عرض مثلها وبها مراكب سامحة تحمل فيها الغلات إلى المدينة ولها سور حصين ويعمل بها من الحصر السامانية كل عجيبة وقليلاً ما يصنع مثلها في بلد من البلاد المعروفة وفي هذه المدينة حمامات حامية من غير نار توقد لها فهي حارة في الشتاء والصيف وفيها حمام يعرف بحمام الدماقر وهو كبير عظيم وماؤه في أول خروجه حار تسمط فيه الجداء والدجاج ويسلق فيه البيض وماؤه ملح وبها حمام اللؤلؤ وهو أصغر من حمام الدماقر وماؤه حار عذب وهذا الماء الحار يخترق في الدور المجاورة له وبه يغتسلون ويتصرفون ومن حماماتها حمام المنجدة وماؤه حار عذب وليس فيها حمام ترقد له النار إلا الحمام الصغير الذي بها وذلك أنه بناه أحد الملوك الإسلامية في داره ليدخله هو ومن له من أهل وولد وحاشية فلما مات أخرج وجعل للناس عامة فهم يدخلونه وماؤه يسخن بالنار وحده وفي جهة الجنوب منها حمامات كثيرة مثل عين موقعين وعين الشرف وغيرهما تصب إليها عيون مياهها حارة مدى الدهر ويقصد إليها من جميع النواحي أهل البلايا من الناس مثل المقعدين والمفلوجين والمرياحين وأصحاب القروح والجرب فيقيمون بها في الماء ثلاثة أيام فيبرؤون بإذن الله من ذلك.

ومدن سواحل فلسطين منها عسقلان وأرسوف ويافا وهذه كلها مدن تتقارب مقاديرها وصفاتها وأحوال أهلها مع أنها لطاف حصينات كثيرة العمارات وبها شجر الزيتون والكروم كثيرة جداً ويافا في ذاتها مدينة ساحلية وهي فرضة لبيت المقدس وبينهما ثلاث مراحل خفاف.

وبين يافا والرملة عشرون ميلاً.

وقيسارية بلد كبير عظيم له ربض عامر وحصن منيع حسن.

وبين يافا وقيسارية ثلاثون ميلاً ومن قيسارية إلى نابلس مرحلة وكذلك من قيسارية إلى الرملة مرحلتان خفيفتان ومن قيسارية إلى مدينة حيفا على الساحل يومان.

وحيفا تحت طرف الكرمل وهو طرف خارج في البحر وبه مرسى حسن لإرساء الأساطيل وغيرها ومدينة حيفا هي فرضة لطبرية وبينهما ثلاث مراحل خفاف.

ومن حيفا إلى مدينة عكة مرحلة في البر وهي من الأميال ثلاثون ميلاً وفي البحر رؤوسية ثمانية عشر ميلاً ومدينة عكة كبيرة واسعة الأرجاء كثيرة الضياع ولها مرسى حسن مأمون وناسها أخلاط فمن طبرية إلى عكة يومان ومن عكة إلى حصن الزيب اثنا عشر ميلاً وهو حصن حسن على ضفة البحر الملح.

ومنه إلى االنواقير وهي ثلاثة جبال بيض شواهق مطلة على ضفة البحر نحو من ثمانية عشر ميلاً ومن وسط النواقير إلى مدينة الإسكندرية خمسة أميال.

ومن الإسكندرية إلى مدينة صور خمسة عشر ميلاً وهي مدينة حسنة على ضفة البحر وبها للمراكب إرساء وإقلاع وهو بلد حصين قديم والبحر قد أحاط به من ثلاثة أركانه ولهذه المدينة ربض كبير ويعمل بها جيد الزجاج والفخار وقد يعمل بها من الثياب البيض المحمولة إلى كل الآفاق كل شيء حسن عالي الصفة والصنعة ثمين القيمة وقليلاً ما يصنع مثله في سائر البلاد المحيطة بها هواء وماء.

ومن صور إلى طبرية يومان كبيران ومنها إلى عدلون وهو حصن منيع على البحر ومنه إلى صرفند عشرون ميلاً وهو حصن حسن ومنه إلى صيداء عشرة أميال وبين صور وصرفند يقع نهر ليطقة ومنبعه من الجبال ويقع هناك في البحر ومن مدينة صور في البر إلى طبرية يومان كبيران ومن صور إلى دمشق أربعة أيام.

ومدينة دمشق من أجمل بلاد الشام وأحسنهما مكاناً وأعدلها هواء وأطيبها ثرىً وأكثرها مياهاً وأغزرها فواكه وأعمها خصباً وأوفرها مالاً وأكثرها جنداً وأشمخها بناءً ولها جبال ومزارع تعرف بالغوطة وطول الغوطة مرحلتان في عرض مرحلة وبها ضياع كالمدن مثل المزة وداريا وبرزة وحرسة وكوكبا وبلاس وكفرسوسية وبيت الأهواء وبها جامع قريب الشبه بجامع دمشق ومن باب دمشق الغربي وادي البنفسج وطوله اثنا عشر ميلاً وعرضه ثلاثة أميال وكله مغروس بأجناس الثمار تشقه خمسة أنهار وغير ذلك ويكون في كل واحدة من هذه الضياع من ألفي رجل إلى ألف وأقل وأكثر والغوطة أيضاً هي أشجار وأنهار ومياهها مخترقة تشق البساتين والديارات وبها من أنواع الفواكه ما لا يحيط به تحصيل ولا يأتي به تمثيل كثرةً وخصباً وطيباً ودمشق أنزه بلاد الله من خارج.

ومياه الغوطة الجارية بها تخرج من عين الفيجة وهذه العين في أعلى جبل وينصب ماؤها من أعلى هذا الجبل كالنهر العظيم له صوت هائل ودوي عظيم يسمع على بعد ويرى نزول الماء من أعلى الجبل على قرية ابل حتى ينتهي إلى المدينة فتتفرع منه الأنهار المعروفة بها منها نهر يزيد ونهر ثورة ونهر بردى ونهر قناة المزة ونهر باناس ونهر سقط ونهر يشكور ونهر عادية وهذا النهر ليس بمشروب منه لأن عليه مصبات أوساخ المدينة وأوذار غسالاتها وقنوات صغار ويشق لهذا النهر وسط المدينة وعليه قنطرة يجتاز عليها الناس وكذلك أيضاً سائر الأودية التي ذكرناها تخرج منها سواق تخترق المدينة وتجري إلى دورها وحماماتها وبساتينها وأسواقها.

وبها المسجد الجامع الذي ليس على الأرض مثله بناء ولا أحسن منه صفة ولا أتقن منه إحكاماً ولا أوثق منه عقداً ولا أغرب منه رسماً ولا أبدع منه تلميعاً بأنواع الفصفص المذهب والآجر المحكوك والمرمر المصقول وهو في مربعة تعرف بالميزاب فمن جاءه من ناحية باب جيرون صعد إليه في درج رخام كبير واسع نحو من ثلاثين درجة ومن قصده من ناحية باب البريد والقبة الخضراء وقصر اليتيمين وحجر الذهب وباب الفراديس كان مدخله مع الأرض بغير عرج وفيه آثار عجيبة فمنه الخوان والقبة التي فوق المحراب عند المقصودة ويقال إنها بناء الصابئة وكان مصلاهم بها ثم صار في أيدي اليونانين فكانوا يعظمون فيه دينهم ثم صار من بعدهم لملوك من عباد الأوثان فكان لهم موضعاً لأصنامهم ثم انتقل إلى اليهود فقتل في ذلك الزمان يحيى بن زكرياء فنصب رأسه على باب المسجد المسمى باب جيرون ثم تغلبت عليه النصارى فصار ملكاً بأيديهم فحولته بيعة يقيمون بها دينهم ثم استفتحها الإسلام فصار لهم فاتخذوه جامعاً فلما كان في أيام الوليد بن عبد الملك من بني أمية عمره فجعل أرضه رخاماً ومعاقد رؤوس أساطينه ذهباً ومحرابه مذهباً وسائر حيطانه مرصعة بأشباه الجوهر ودور السقف كله مكتباً كما يدور بترابيع جدران المسجد مذهباً بأحسن صنعة وأبدع تنميق ويقال إنه جعل بأعلى السقف حصر رصاص محكة التأليف وثيقة الصنعة والماء يصل إليه في قنوات رصاص فمتى احتاج ذلك المسجد إلى الغسل فتح إليه الماء وغسل جميع صحنه بأهون سعي ويقال إن الوليد بن عبد الملك المقدم ذكره أنفق في إتقان هذا المسجد الجامع خراج الشام كله سنتين.

ومدينة دمشق محدثة وإنما كان القديم من موضعها موضعاً يسمى الجابية وذلك في أيام الجاهلية وبنيت دمشق عليها ولها أبواب شتى فمنها باب الجابية وعرض الأرض المعمورة أمامه ستة أميال طولاً في عرض ثلاثة أميال كل ذلك أشجار وعمارات ويشقها خمسة أنهار ومن أبوابها باب توما وباب السلامة وباب الفراديس ودير مران يقابله والباب الصغير.

ومدينة دمشق جامعة لصنوف من المحاسن وضروب من الصناعات وأنواع من الثياب الحرير كالخز والديباج النفيس الثمين العجيب الصنعة العديم المثال الذي يحمل منها إلى كل بلد ويتجهز منها به إلى كل الآفات والأمصار المصاقبة لها والمتباعدة منها ومصانعها في كل ذلك عجيبة يضاهي ديباجها بديع ديباج الروم ويقارن ثياب تستر وينافس أعمال إصبهان ويشف على أعمال طرز نيسابور من جليل ثياب الحرير المصمتة وبدائع ثياب تنيس وقد احتوت طرزها على أفانين من أعمال الثياب النفيسة ومحاسن جمة فلا يعادلها جنس ولا يقاومها مثال ولدمشق في داخلها على أوديتها أرحاء كثيرة والحنطة فيها كثيرة جداً وأنواع الفواكه وأما الحلاوات فيها فمنها ما لا يوجد بغيرها ولا يوصف كثرة وطيباً وجودة وأهلها في خصب عيش واتصال أمن وصناعاتها نافقة وتجاراتها رابحة وهي من أعز البلاد الشامية وأكملها حسناً.

ومنها إلى مدينة بعلبك في جهة الشمال مرحلتان وهي مدينة خصيبة على سفح جبل وعليها سور حصين مبني بالحجارة وسعته عشرون شبراً والماء يشق في وسطها ويدخل كثيراً من ديارها وعلى هذا النهر أرحاء ومطاحن وهي كثيرة الغلات نامية الإصابات وافرة الفواكه والطرف غزيرة الكروم والأشجار خصيبة المآكل والأسعار وفيها من عجيب البناء المذكور آثار يجب ذكرها لشماختها ووثاقة صنعها وذلك أن بها من عجيب البنيان الملعبين وهما الصغير والكبير فالكبير يحكى أنه بني في أيام سليمان بن داؤود وهو عجيب المنطر فيه حجارة يكون طول الحجر منها عشرة أذرع وأقل وأكثر ومنه شيء مبني على عمد شاهقة يروع منظرها والملعب الصغير قد تهدم أكثره وذهبت محاسنه وبقي منه الآن حائط قائم طوله عشرون ذراعاً وارتفاعه على الأرض عشرون ذراعاً وليس فيه إلا سبعة أحجار حجر واحد في أسفله وحجران فوقه وأربعة أحجار فوق الحجرين وفي هذه المدينة من البناء كل شيء عجيب.

ومن مدينة دمشق إلى بيروت يومان كبيران ومنها إلى مدينة صيداء مثل ذلك ومن دمشق إلى أذرعات وهي البثنية أربع مراحل ومن دمشق إلى نابلس ست مراحل غرباً ومن دمشق إلى اطرابلس الساحلية خمس مراحل.

فأما مدينة صيداء فهي على ساحل البحر الملح وعليها سور حجارة وهي تنسب إلى امرأة كانت في الجاهلية وهي مدينة كبيرة عامرة الأسواق رخيصة الأسعار محدقة بالبساتين والأشجار غزيرة المياه واسعة الكور لها أربعة أقاليم وهي متصلة بجبل لبنان لإقليم يعرف بإقليم جزين وفيه مجرى وادى الحر وهو مشهور بالخصب كثير الفواكه وإقليم السربة وهو إقليم جليل وإقليم كفر قيلا وإقليم الرامي وهو نهر يشق جبالها ويصب إلى البحر وجميع هذه الأربعة أقاليم تشتمل على نيف وستمائة ضيعة وشرب أهلها من ماء يجري إليها من جبلها في قناة وبهذه المدينة أعني صيداء عينها المعروفة وذلك أنه ينشأ بها في أيام الربيع سميكات على طول الإصبع سواء منها ذكور ومنها إناث ولها علامات تعرف بها إناثها وذكورها فإذا كان وقت سفادها أخذت صيداً ثم تجفف فإذا احتيج إليها أخذت منها واحدة فتسحق وتستف بالماء فإن الرجل ينعظ إنعاظاً قوياً ويجامع ما شاء ولا يصيبه عن ذلك عجز ولا فتور وهذه السميكات صغار على هيئة الوزغ لها أيد وأرجل خفية صغار وقد رأيناها غير ما مرة.

ومن صيداء إلى الجية وهو حصن على البحر ثمانية أميال ومنه إلى حصن القلمون على البحر خمسة أميال وهذا الحصن على قنطرة والقنطرة على واد وهي عريضة جداً وقد بني الحصن عليها وهو حصن منيع في عطفة جون.

ومنه إلى حصن الناعمة وهو كالمدينة الصغيرة سبعة أميال والناعمة مدينة حسنة وأكثر نبات أرضها شجر الخرنوب التي لا يعرف في معمور الأرض مثله قدراً ولا طيباً ومنها يتجهز به إلى الشام وإلى ديار مصر وإليها ينسب الخرنوب الشامي أما وإن كان الخرنوب في الشام كثيراً طيباً فهو بالناعمة أكثر وأطيب.

ومن حصن الناعمة إلى طرف بيروت أربعة وعشرون ميلاً ومدينة بيروت أيضاً مدينة على ضفة البحر الملح على سور حجارة كبيرة واسعة ولها بمقربة منها جبل فيه معدن حديد طيب جيد القطع ويستخرج منه الكثير ويحمل إلى بلاد الشام ولها غيضة أشجار صنوبر مما يلي جنوبها تتصل إلى جبل لبنان وتكسير هذه الغيضة اثنا عشر ميلاً في مثلها وشرب أهلها من الآبار.

ومنها إلى دمشق يومان ومن مدينة بيروت إلى حصن المزداسية ثمانية أميال ومنه إلى نهر الكلب ستة أميال وهو على البحر حصن صغير ومنه إلى جونية أربعة أميال وجونية حصن كبير على البحر وأهله نصارى يعاقبة ومنه إلى عطفة سلام وهو جون كبير طوله عشرة أميال ومنه إلى ماحوز جبيل وهو حصن حصين ثم إلى موقع نهر إبراهيم ثلاثة أميال.

ومن النهر إلى مدينة جبيل خمسة أميال وهي مدينة حسنة على البحر لها سور من حجر حصين ولها كورة واسعة وأشجار وفواكه وكروم وليس لها ماء جار وإنما يشرب أهلها من مياه الآبار وبها إرساء وحط ومن مدينة جبيل على البحر إلى حصن بثرون عشرة أميال وهو حصن حسن ومنه إلى أنف الحجر على البحر خمسة أميال ومن حصن أنف الحجر إلى مدينة اطرابلس الشام ثمانية أميال.

ومدينة اطرابلس الشام مدينة عظيمة عليها سور من حجر منيع ولها رساتيق وأكوار وضياع جليلة وبها من شجر الزيتون والكروم وقصب السكر وأنواع الفواكه وضروب الغلات الشيء الكثير والوارد والصادر إليها كثير والبحر يأخذها من ثلاثة أوجه وهي معقل من معاقل الشام مقصود إليها بالأمتعة وضروب الأموال وصنوف التجارات وينضاف إليها عدة حصون وقلاع معمورة داخلة في أعمالها مثل أنف الحجر المتقدم ذكرها وحصن القالمون وحصن أبي العدس وأرطوسية ولها من أمهات الضياع المشهورة المذكورة أربعة فمنها الضيعة المعروفة بالشفيقية والزيتونية والراعبية والحدث وأميون وبها من شجر الزيتون وأنواع الفواكه أكثر مما في غيرها ومنها في جهة الجنوب حصن بناه ابن صنجيل الإفرنجي ومنه افتتح اطرابلس وبينهما أربعة أميال وهو حصن منيع جداً وهو بين واديين.

ويقابل مدينة اطرابلس أربع جزائر في صف فأولها مما يلي البر جزيرة النرجس وهي صغيرة خالية وإليها جزيرة العمد ثم إليها جزيرة الراهب ثم إليها جزيرة أرذقون.

ومن مدينة اطرابلس على الساحل إلى رأس الحصن وهو مدينة صغيرة عامرة آهلة وهي على طرف جون وهذا الجون طوله رؤوسية خمسة عشر ميلاً وتقويراً مع الساحل ثلاثون ميلاً ويسمى جون عرقة وفي وسط هذا الجون ثلاثة حصون تتقارب بعضها من بعض اسم أحدها مما يلي اطرابلس لوتورس والآخر بابيية وهو على نهر جار يسمى نهر بابيية والحصن الثالث يسمى حصن الحمام وهي تتقارب بعضها من بعض ومنه إلى عرقة وهي مدينة عامرة حسنة في سفح جبل قليل العلو ولها في وسطها حصن على قلعة علية ولها ربض كبير وهي عامرة بالخلق كثيرة التجارات وأهلها مياسير وشربهم من ماء يأتيهم في قناة مجلوبة من نهرها ونهرها جار ملاصق لها وبها بساتين كثيرة وفواكه وقصب سكر وبها مطاحن على نهرها المتقدم ذكره وبينها وبين البحر ثلاثة أميال وحصنها كبير وعيش أهلها خصيب رغد وبناؤها بالجص والتراب والخير بها كثير.

وأما أرض حمص فإن مدينتها حمص وهي مدينة حسنة في مستو من الأرض وهي عامرة بالناس والمسافرون يقصدونها بالأمتعة والبضائع من كل فن وأسواقها قائمة ومسرات أهلها دائمة وخصبهم رغد ومعايشهم رفيقة وفي نسائها جمال حسن بشرة وشرب أهلها من ماء يأتيهم في قناة من قرية بقرب جوسية والمدينة منها على مرحلة مما يلي دمشق ونهر الأرنط المسمى المقلوب يجري على بابها بمقدار رمية سهم أو أشف قليلاً ولهم عليه قرى متصلة وبساتين وأشجار وأنهار كثيرة ومنها تجلب الفواكه إلى المدينة وكانت في مدة الإسلام من أكثر البلاد كروماً فتلف أكثرها وثراها طيب للزراعات واقتناء الغلات وهواؤها أعدل هواء يكون بمدن الشام وهي مطلسمة لا تدخلها حية ولا عقرب ومتى أدخلت على باب المدينة هلكت على الحال وبها على القبة العالية الكبيرة التي في وسطها صنم نحاس على صورة الإنسان الراكب يدور مع الريح حيث دارت وفي حائط القبة حجر عليه صورة عقرب فإذا جاء إنسان ملدوغ أو ملسوع طبع في ذلك الحجر الطين الذي يكون معه ثم يضع الطين على اللسعة فتبرأ للحين وجميع أزقتها وطرقها مفروشة بالحجر الصلد وزراعاتها مباركة كثيرة وزروعها تكتفي باليسير من السقي وبها مسجد جامع كبير من أكبر جوامع مدن الشام.

ومن مدينة حمص إلى حلب خمس مراحل.

ومن حمص إلى انطرطوس على البحر مرحلتان والطريق من عرقة إلى انطرطوس على الساحل تخرج من مدينة عرقة إلى الحصن المسمى شنج ثم إلى مدينة انطرطوس وهي في آخر جون كبير وعلى أكثره جبال ممتدة ويقطع هذا الجون رؤوسية خمسة عشر ميلاً ومدينة انطرطوس مدينة صغيرة على البحر لها سور حصين وعلى مقربة منها في البحر جزيرة أرواد وهي جزيرة كبيرة فيها كنيسة كبيرة معمورة متقنة البناء شاهقة منيعة ذات أبواب حديد وهي كالمحرس.

ومن انطرطوس في جهة الجنوب من البر إلى حصن الخوابي على أعلى الجبل خمسة عشر ميلاً وهذا الحصن حصن منيع وأهله حشيشية خوارج في الإسلام لا يعتقدون شيئاً من البعث ولا القيامة من بعد الموت لعنوا بمذهبهم.

وانطرطوس فرضة حمص ومن حمص إلى دمشق خمس مراحل وكذلك من اطرابلس الشام إلى دمشق خمس مراحل.

والطريق من دمشق إلى مدينة يثرب تخرج من دمشق إلى منزل على نهر صغير ومنه إلى دمة مرحلة ومنه إلى ذات المنازل وهي قرية عامرة ومنها إلى ينوع مرحلة ومنها إلى البثنية مرحلة ومنها إلى دمة مرحلة وهي قرية ومنها إلى مدينة تبوك ثم إلى المحدثة ثم إلى الاقرع ثم إلى الحنيفية ثم إلى الحجر مرحلة وهو حصن منيع بين جبال في ديار ثمود ومنه إلى وادي وهي مدينة صغيرة جداً على نهر صغير ومنه إلى الرحبة ثم إلى ذي المروه ثم إلى المر ثم إلى السويدة ثم إلى ذي خشب ثم إلى المدينة يثرب.

والطريق من دمشق إلى الرقة نحو من ثماني عشرة مرحلة.

والشام اسم لجملة بلاد وأكوار مثل بلاد فلسطين التي منها أطباق القدس وكورة عمواس وكورة لد وكورة يبنا وكورة يافا وكورة قيسارية وكورة نابلس وكورة سبسطة وكورة عسقلان وكورة غزة وكورة بيت جبرين.

وفي جنوب هذه البلاد فحص التيه وهي الأرض التي هام فيها بنو إسرائيل أربعين سنة لم يدخلوا مدينة ولا أووا إلى بيت ولا بدلوا ثوباً ولا ازداد أحد منهم في قدره وطول هذا الفحص الذي هو أول أرض التيه نحو من ستة أيام.

ويلي كورة فلسطين من جهة المشرق كورة الأردن وأكبر بلادها مدينة طبرية ومنها اللجون ومنها كورة السامرية وهي نابلس وبيسان وريحا وزغر وعمتا وحبيس وجدر وابل وسوسية وكورة عكة وكورة ناصرة وكورة صور ويليها من جهة المشرق أرض دمشق ومن كورها الغوطة وأرض بعلبك والبقاع وإقليم لبنان وكورة حولة وكورة اطرابلس وكورة جبيل وكورة بيروت وكورة صيداء وكورة البثنية وكورة حوران وكورة جولان وكورة ظاهرة وكورة البلقاء وكورة جبرين الغور وكفرمآب وكورة عمان وكورة الشراة وبصرى والجابية.

ويلي هذه الأرض من جهة المشرق أرض البادية ويليها من ناحية الجنوب أرض السماوة وأرض عاد ويلي أرض دمشق أرض العواصم وأرض قنسرين وسنذكرها أيضاً في أمكنتها عند اتصالها بالمصورة الآتية من الإقليم الرابع.

ومدينة دمشق قطب ومدار لمدنها فمنها إلى بعلبك مرحلتان ومنها إلى حمص خمسة أيام ومن دمشق إلى طبرية أربع مراحل ومن دمشق إلى اطرابلس على بحر الروم مسيرة خمسة أيام ومن دمشق إلى أقصى الغوطة يوم وهناك تتصل بطرف البادية ومن دمشق إلى بيروت يومان ومن دمشق إلى صيداء يومان ومن دمشق إلى أذرعات وهي البثنية أربعة أيام ومن دمشق إلى الجولان يومان.

والشام أول طوله من ملطية إلى رفح والطريق من ملطية على منبج وبينهما أربع مراحل ومن منبج إلى حلب يومان ومن حلب إلى حمص خمسة أيام ومن حمص إلى دمشق خمسة أيام ومن دمشق إلى طبرية أربعه أيام ومن طبرية إلى الرملة ثلاثة أيام ومن الرملة إلى رفح يومان فذلك خمس وثلاثون مرحلة.

نجز الجزء الخامس من الإقليم الثالث والحمد لله ويتلوه الجزء السادس منه إن شاء الله تعالى.