منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب/المقدمة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
  ►منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب المقدمة المقام الأول ◄  


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، فصدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وبددهم تبديدا: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}. تفرد بالخلق والتصوير، ويبده الأمر والتدبير، وإليه القضاء والتقدير، فلا يملك أحد من دونه قطميرا: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا}.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، تعالى الملك الجبار: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}. تفرد بالربوبية في قدمه، وظهرت سمات العبودية على من سوى ذي الجلال والإكرام: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ}.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله على حين فترة من الرسل ودروس السبل، وقد مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، فهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي والارتياب، ففتح برسالته أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فاستنارت لها الطرق، وانفتحت الأبواب، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، ففتح القلوب بالإيمان والقرآن. وجاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان، ودعا إلى الله على بصيرة جميع العباد إلى أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلامها أي إشراق، وتألفت به القلوب بعد شتاتها والافتراق، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار، واستجابت القلوب لدعوته الحق طوعا وإذعانا، وامتلأت بعد خوفها وكفرها أمنا وإيمانا، فجزاه الله عن أمته خير الجزاء، وصلى الله عليه صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء، وعلى إخوانه من الرسل والأنبياء وعلى آل كل، وأصحاب كل والأولياء.

وبعد: فقد سألني بعض الإخوان [1] -أيدهم الله تعالى بروح منه، وكتب في قلوبهم الإيمان والفهم عنه- أن أكتب جوابا عن أباطيل الكتاب الذي صنفه بعض الضالين من النصارى الجهلة المغالين، وسماه " مفتاح الخزائن ومصباح الدفائن "، وضمن بعض فصوله الرد على المسلمين والاعتراض على نبوة سيد المرسلين، وقد بث منه النصارى نسخا كثيرة، ليلبسوا الأمر على ضعفاء البصيرة، ويلقوا عليهم الشكوك والشبهات بما لفقوه من أباطيل الترهات: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

وقد وفى سبحانه بما وعد، وأظهر دينه على رغم من كفر وجحد، فأظهره بالحجة والبيان، ونصره بالسيف والسنان، وأيد أهله على سواهم، ونصرهم بالحجة على من ناوأهم، كما أظهرهم بالسيف على من كانوا له يحاربون، وذلك مصداق قوله تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}.

وأيد رسوله وأتباعه بالحجج الصحيحة العلمية، والبراهين القاطعة العقلية والنقلية بما لم يبق بعده للمخالف إلا محض العناد، وحينئذ فالدواء الشافي من هذا الداء سيف الجهاد، وكفى لمن جانب جانب الاعتساف، وسلك طريق العدل والإنصاف ما تضمنه القرآن العربي المبين من البينات والحجج والبراهين، فهو الشفاء النافع لمن استشفى، والكفاية التامة لمن به استكفى، وهو الهدى والنور وشفاء وسوسة الصدور، وهو الكفيل بالانتصار على المبطلين لمن كان به خبيرا.

كما قال تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما يبطلها ويلقيها من شاهق كما قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}.

وفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ﷺ في صفة القرآن: «فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ}، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».

ولما كان الله تعالى قد أمر رسوله بإقامة الحجة على الكافرين بطريق الجدال، وشرع ذلك في السور المكية والمدنية حتى بعد فرض القتال.

كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.

وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.

وأمره بعد إقامة الحجة على النصارى بالمجادلة، أن يدعوهم إلى الملاعنة والمباهلة، فقال تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}.

فلم يزل ﷺ في جدال الكفار على اختلاف مللهم، وتباين نحلهم، إلى حين وفاته، وكذلك أصحابه من بعده ومن تبعهم من أئمة الدين وحماته، وبهذا الأمر قام الدين واتضح منهاجه للعابدين، وإنما جعل السيف ناصرا للحجة والبرهان مسهلا طريق البلاغ إلى المكلفين بالسنة والقرآن، وأعدل السيوف سيف ينصر حجج الله وبيناته، وهو سيف رسوله وأتباعه الذين بذلوا نفوسهم لله ابتغاء مرضاته.

فعند ذلك رأيت الإجابة إلى الجواب أولى، فاستعنت بالله، فنعم المعين ونعم المولى، رجاء الدخول في زمرة المجاهدين والانتظام في مسلك أنصار الدين.

واعلم أن الكتاب الذي قصدنا الرد لباطله يشتمل على مقالتين:

المقالة الأولى منها تنقسم إلى قسمين: الأول: في صحة الشريعة المسيحية. والثاني: في إثبات صحة كتب العهد الجديد، يعني: الأناجيل التي يعتمدها أهل النصرانية.

والمقالة الثانية تنقسم أيضا إلى قسمين: القسم الأول: في الرد على اليهود المكذبين. والقسم الثاني: في الرد على المسلمين، وهذا القسم -أرشدك الله لما يرضيه- هو الذي قصدنا الرد عليه فيه. وأما ما قبله من الأقسام فهو إما في صحة رسالة المسيح، وأن دينه دين صحيح، وهذا متفق عليه بين المسلمين قبل التبديل والنسخ بشريعة خاتم النبيين. وإما في الرد على اليهود في كفرهم بالإنجيل، وقولهم بالزور في المسيح ابن البتول. وهذا أيضا على الجملة صحيح مقبول. لكن تلك الأقسام قد ضمنها النصراني أيضا باطلا كثيرا، ومزج بها بهتانا وزورا.

وسيمر عليك إن شاء الله الرد عليه في ذلك ضمن ما كتبناه.

وذلك القسم الذي نقضناه يشتمل على خمسة فصول من الكلام؛ فجعلنا الرد عليها في خمسة مقامات، لكل فصل منها مقام، وسميته "منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب". ومن الله نستمد الإعانة على ما أردناه، والتوفيق لإصابة الغرض بما أوردناه، فهو الذي يهدي إلى سواء السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

هامش

  1. ذكر محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ أنه حاكم البحرين آنذاك عبد الله بن أحمد بن محمد آل خليفة.
منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب
المقدمة | المقام الأول | المقام الثاني | المقام الثالث | المقام الرابع | المقام الخامس