منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب/المقام الرابع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
  ►المقام الثالث المقام الرابع المقام الخامس ◄  


المقام الرابع


قال النصراني: "فصل في تمييز الأسباب التي بواسطتها انتشرت كلتا الشريعتين، قد قلنا في شأن الشريعة المسيحية إنها انتشرت بواسطة الآيات والمعجزات التي صدرت، لا عن المسيح وحده، بل وعن تلاميذه، وبواسطة الصبر على الشدائد وأنواع العذاب في طاعة الله. أما الذين نشروا دين محمد فإنهم لم يظهروا شيئا من المعجزات، ولم يقاسوا شيئا من البلايا الشديدة، ولا من أنواع القتل الشنيعة من أجل اعتقادهم، بل تبعت الشريعة حيث سهل السيف طريقها قدامها، فإنها متعلقة بالكلية بالسيف والقتال".

الجواب والله الموفق:

هذا الكلام يدل إما على الجهل المفرط، وإما على العناد والمكابرة في إنكار ما استفاضت به الأخبار وتضمنته كتب السيرة وتلقاه الخلف عن السلف من شدة ما عاناه المؤمنون من أذى المشركين إذ كانوا بمكة مع النبي ﷺ وما قاسوه من الضيق والبلاء، تارة بالضرب الشديد وتارة بالقتل الشنيع وتارة بالحصار وقطع الميرة عنهم وعدم اتصال أحد بنافعة إليهم، إلى غير ذلك من إخراجهم من ديارهم وإزعاجهم من أوطانهم. وهم في كل ذلك صابرون على دينهم متابعون نبيهم ﷺ لا يبالون بما أصابهم في ذات الله.

قال الإمام محمد بن إسحاق في السيرة: إنهم -يعني المشركين- عدوا على من أسلم وبايع واتبع رسول الله ﷺ من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر. فمن استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصبر ويعصمه الله منهم. فكان بلال - مولى أبي بكر - لبعض بني جمح، مولدا من مولديهم، وكان صادق الإسلام طاهر القلب. فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله، لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد. حتى مر به أبو بكر الصديق يوما وهم يصنعون ذلك به، فاشتراه وأعتقه.

قال ابن إسحاق: "ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، منهم زبيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى. فقالت: كذبوا، ما تضر اللات والعزى وما ينفعان. فرد الله إليها بصرها. ومر بجارية لبني عدي، وكان عمر بن الخطاب يعذبها، لتترك الإسلام - وهو يومئذ مشرك - وهو يضربها، حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك أني لم أتركك إلا ملالة، فابتاعها أبو بكر فأعتقها. وكان بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه -وكانوا بيت إسلام- إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة".

قال ابن إسحاق: فيمر بهم رسول الله ﷺ فيقول فيما بلغني: «صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة». فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام. وكان أبو جهل الذي يغري بهم في رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه، فقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به.

قال: وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي كان به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة. فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من ذلك قال لهم: «لو خرجتم إلى إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه» فخرج إليها كثير منهم ممن لم يطق المقام بمكة، وصبروا على الجلاء ومفارقة الأوطان والعشائر والإقامة في دار البغضاء البعداء، حتى أنجز الله لهم ما وعدهم.

ثم حصرت قريش رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين في شعب أبي طالب، ومعهم أبو طالب ومن تابعه على النصرة من مشركي بني هاشم وبني المطلب. وتعاقدت قريش على أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يتركوا أحدا يصل إليهم بنافعة حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ، فاشتد الأمر عليهم ودام ذلك ثلاث سنين حتى نقض الله ما عقدوه وأعز رسوله وحزبه.

فهذا بعض حال المهاجرين من أهل مكة.

وأما الأنصار فإن الذي دعاهم إلى الدخول في الإسلام واتباع محمد ﷺ بعد عناية الله بهم وسابقة الحسنى أن اليهود كانوا جيرانهم بالمدينة، وكانت تقع بينهم الحروب في الجاهلية. فكانت اليهود تستفتح عليهم وتقول: هذا زمان نبي يبعث، فنتبعه فنقتلكم معه قتل عاد. فقدم طائفة منهم مكة في بعض المواسم، وسمعوا ما يدعو إليه رسول الله ﷺ من محاسن الشريعة وما يتلوه من القرآن الذي دلتهم عقولهم أنه ليس من قول البشر، وعلموا أنه رسول الله وأنه الذي كانت توعدهم به اليهود، فآمنوا به وصدقوه وبايعوه على الإيمان والنصرة.

ولما أرادوا بيعته ليلة العقبة، وكانوا سبعين رجلا، قال لهم أسعد بن زرارة، وهو أحد ساداتهم وقد أخذ بيد النبي ﷺ: "رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وجزاؤكم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله. فقالوا: يا أسعد، انقل عنا يدك، فوالله لا ندع هذه البيعة، ولا نستقيلها. فبايعوه، وأعطاهم بذلك الجنة".

ومن المعلوم أن ما تحملوه من ذلك هو من أعظم ما يشق على النفوس؛ فإنهم نابذوا العرب قاطبة، بل الخلق كلهم وقاطعوا من لم يدخل معهم في ذلك من أهليهم وعشائرهم، وقطعوا الحبال بينهم وبين الناس.

وهكذا المهاجرون من غير أهل مكة، قد أسلم منهم كثير وهجروا أوطانهم وعشائرهم وهاجروا إليه في المدينة وصبروا على ما كابدوه من الجوع والعري والشدة ومفارقة المألوفات قبل أن يقوم الجهاد. وإنما دخلوا بالدعوة والقرآن، وإلا فلم يكن له ﷺ ما يستميل به القلوب من مال فيطمع فيه، ولا قوة يقهر بها الرجال، ولا أعوان على الأمر الذي أظهروه والدين الذي دعا إليه.

وكانوا حين دعاهم مجتمعين على عبادة الأصنام وتعظيم الأزلام، مقيمين على ما هم عليه من عبية الجاهلية في العصبية والحمية والتمادي والتباغي وسفك الدماء وشن الغارات. لا تجمعهم ألفة دين ولا يمنعهم عن سوء أفعالهم نظر في عاقبة ولا خوف عقوبة ولا لائمة. فألف الله بنبيه ﷺ بين قلوبهم وجمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء وتناصرت القلوب وترادفت الأيدي. فصاروا إلبا واحدا في نصرته، وعنقا واحدا إلى طاعته. وهجروا أوطانهم وبلادهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا مهجهم وأرواحهم في نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته، بلا دنيا بسطها عليهم، ولا أموال أفاضها إليهم، ولا عوض في العاجل أطمعهم في نيله يحوونه، أو ملك أو شرف في الدنيا يحوزونه. بل كان من شأنه ﷺ أن يجعل الغني فقيرا والشريف أسوة الوضيع.

فهل تلتئم مثل هذه الأمور أو يتفق مجموعها لأحد.

وهذا سبيله من قبيل الاختيار العقلي والتدبر الفكري، لا والذي بعثه بالحق وسخر له هذه الأمور، لا يرتاب عاقل في شيء من ذلك، وإنما هو أمر إلهي وشيء غالب سمائي، ناقض للعادات ويعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.

وبهذا يتبين أن قيام دينه ﷺ إنما كان بالحجة. ولكنه شرع الجهاد لتبليغ الأدلة وإيصال الحجة وإنفاذ البيان إلى المخاطبين. ومن أجل ذلك كان أكثر الداخلين بالسيف لما سمعوا القرآن وعرفوا الإسلام انفتحت بصائرهم وصلحت عقائدهم واستبصروا فيما كانوا عنه من قبل ذلك عمين.

ولهذا المعنى لما وقعت الهدنة التي عقدها النبي ﷺ بينه وبين المشركين يوم الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا، واختلط المسلمون بالكفار وبادؤوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن وخلى كل بأهله وأصدقائه، وأخبروهم بأحوال النبي ﷺ ومعجزاته وأعلام نبوته وحسن سيرته وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، دخل في الإسلام في مدة هذه الهدنة كثير من الناس، ولهذا سماه الله فتحا مبينا.

والمقصود التنبيه على ما نال المسلمين من الشدائد وما كانوا عليه من الصبر في طاعة الله ورسوله ونصرة دينه، وأن ذلك إنما كان باليقين الذي اقتضاه ما شاهدوه من آيات النبوة، وأعلام الرسالة، وأن دين الإسلام اشتهر وانتشر في القبائل بالدعوة والبيان قبل أن يفرض الجهاد. وسيأتي تتمة لهذا المعنى إن شاء الله تعالى.


فصل

وأما قول النصراني: " لأنهم لم يظهروا شيئا من المعجزات".

فجوابه: أن معجزات نبيهم ﷺ غنية عن غيرها فإنه قد حصل بها قيام الحجة والدلالة على أنه رسول الله، فلا حاجة بعد ذلك إلى ظهور الخوارق على يد أصحابه وأتباعه. ومع ذلك فقد ظهر على أيديهم من الخوارق والآيات الدالة على أن متبوعهم رسول الله ما لا يحصى.

واعلم أن كثيرا من أهل الكلام لا يسمي معجزا إلا ما كان للأنبياء فقط. وأما ما يجري على يد الولي فيسمونه كرامة. ونقل عن السلف أنهم كانوا يسمون هذا معجزا، وذكر ذلك عن الإمام أحمد. ثم ما يجري على يد غير النبي من الخوارق، إن ظهر على يد صالح متبع للسنة قائم على قدم العبودية المرضية فهو المسمى كرامة. وإن كانت حال من ظهرت له الخوارق بضد ذلك فهو استدراج، وخيال شيطاني، وليس من حال أولياء الله وكرامتهم.

قال بعض الأئمة: "اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى تنظر متابعته لرسول الله ﷺ وموافقته لأمره ونهيه". [1]

فأولياء الله المتقون هم المهتدون المقتدون بمحمد ﷺ، فيفعلون ما أمر وينتهون عما عنه زجر ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم الله تعالى بملائكته وروح منه، ويقذف في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين. وخيار أولياء الله تكون كراماتهم لحجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين مثل ما كانت معجزات نبيهم كذلك. فكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباعهم رسوله، فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ﷺ.

إذا عرفت هذا، فاعلم أن الكرامات والخوارق والمعجزات المنقولة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من صلحاء الأمة وعلمائها كثيرة جدا.

مثل ما كان لسفينة مولى رسول الله ﷺ حين انكسرت سفينة في البحر هو فيها، فركب لوحا منها، فطرحه في الساحل بأرض فيها أسد، قال: فخرج إلي الأسد يريدني، فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله ﷺ فتقدم، ودلني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه يودعني، ورجع.

وكان أسيد بن حضير وعباد بن بشر تحدثا عند النبي ﷺ في حاجة لهما حتى ذهب بعض الليل. ثم خرجا من عنده وكانت ليلة شديدة الظلمة وفي يد كل واحد منهما عصا، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، فلما فرق بينهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، حتى بلغ منزله. والقصة في صحيح البخاري وغيره.

ومن ذلك قصة أبي بكر الصديق - وهي في الصحيحين - لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا أسفلها أكثر منها، فشبعوا، وصارت أكثر مما كانت عليه قبل ذلك. فنظر إليها أبو بكر وامرأته، فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله ﷺ وجاء إليه أقوام كثيرون، فأكلوا منها.

وكان خبيب بن عدي أسيرا عند المشركين بمكة، فكانوا يرون عنده العنب وما على وجه الأرض يومئذ عنب.

وعامر بن فهيرة من شهداء بئر معونة التمسوا جسده فلم يقدروا عليه، وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع. قال عروة: فيرون أن الملائكة رفعته.

وخرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر - وكانت صائمة - سمعت حسا على رأسها، فرفعته فإذا دلو برشاء أبيض معلق، فشربت منه حتى رويت، فما عطشت بقية عمرها.

والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله أبر قسمه. فكانت الحرب إذا اشتدت على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء، أقسم على ربك، فيقول: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، فيهزم العدو. فلما كان يوم اليمامة قال: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شهيد، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدا.

وخالد بن الوليد حاصر حصنا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم. فشربه فلم يضره.

وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة، ما دعاه قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق.

وعمر بن الخطاب ظهرت له الكرامات الكثيرة. منها أنه أرسل جيشا، وأمر عليهم رجلا يدعى سارية. فبينما عمر يخطب إذ جعل يصيح وهو على المنبر: "يا سارية، الجبل، يا سارية، الجبل". فقدم رسول ذلك الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، لقينا عدونا فهزمونا، فإذا بصائح: يا سارية، الجبل، يا سارية الجبل، فأسندنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله.

ودعا سعيد بن زيد على أروى حين كذبت عليه، فقال: "اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها". فعميت، ووقعت في حفرة من أرضها، فماتت.

والعلاء بن الحضرمي كان عامل النبي ﷺ على البحرين، وكان يقول في دعائه: "يا عليم ويا حليم يا علي يا عظيم" فيستجاب له. دعا الله بأن يسقوا فيتوضؤوا لما عدموا الماء، ولا يبقى الماء بعدهم، فأجيب. ودعا الله لما اعترضهم البحر، ولم يقدروا على المرور، فمروا كلهم هو والعسكر بخيولهم على الماء، ولم تبتل سروج خيولهم. ودعا الله ألا يروا جسده إذا مات، فلم يوجد جسده في اللحد.

وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار، فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي في قوة مدها، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: هل تفقدون من متاعكم شيئا حتى أدعو الله فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة. فقال: اتبعني، فاتبعه، فوجدها قد تعلقت بشيء، فأخذها. وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فأمر بنار، فألقي فيها، فوجدوه قائما يصلي فيها، وقد صارت عليه بردا وسلاما. وقدم المدينة بعد موت النبي ﷺ فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله. ووضعت له جاريته السم في طعامه، فأكله، فلم يضره. وخببت عليه امرأة زوجته، فدعا عليها، فعميت، فجاءت إليه وتابت، فدعا الله، فرد عليها بصرها.

وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه في كمه ألفي درهم، وما يلقاه سائل إلا أعطاه بغير عدد، ثم يجيء إلى بيته فلم يتغير عددها أو وزنها. ومر بقافلة وقد حبسهم الأسد، فجاء حتى مس بثيابه فم الأسد ووضع رجله على عنقه، وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن، وإني أستحي من الله أن أخاف شيئا غيره. ومرت القافلة. ودعا الله أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء له بخار. ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان، فلم يقدر عليه.

وتغيب الحسن البصري عن الحجاج، فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله ألا يروه فلم يروه. ودعا على بعض الخوارج، وكان يؤذيه، فخر ميتا.

وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة، ودعا الله فأحياه له. فلما وصلوا إلى بيته قال لابنه: يا بني، خذ سرج الفرس؛ فإنه عارية، فأخذ سرجه، فمات. وجاع مرة بالأهواز فدعا الله واستطعمه، فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير، فأكل، وبقي الثوب عند زوجته زمانا. وجاءه الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل، فلما سلم قال له: اطلب الرزق من غير هذا الموضع. فولى الأسد وله زئير.

ورجل من النخع كان له حمار، فمات في الطريق، فقال أصحابه: هلم نتوزع متاعك، فقال: أمهلوا هنيئة، ثم توضأ، فأحسن الوضوء، وصلى ركعتين، ودعا الله، فأحيا له حماره، فحمل عليه متاعه.

ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكعانا لم تكن معه قبل، ووجدوا له قبرا محفورا فيه لحد من صخرة، فدفنوه فيه، وكفنوه في تلك الأثواب.

وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يصلي يوما في شدة الحر، فأظلته غمامة. وكان السبع يحميه، وهو يرعى ركاب أصحابه؛ لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أن يخدمهم.

وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته. وكان هو وصاحب له يسيران بالليل، فأضاء لهما طرف السوط.

ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره، فأهوى ليأخذها، فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر.

وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا. وخرج يمتار لأهله طعاما، فلم يقدر عليه، فمر بسهلة حمراء، فأخذ منها، ثم رجع إلى أهله، ففتحوها، فإذا هي حنطة حمراء. فكان اذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا.

وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال: صوتا حسنا، ودمعا غزيرا، وطعاما من غير تكليف. فكان إذا قرأ بكى وأبكى، ودموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله، فيصيب فيه قوته، ولا يدري من أين يأتيه.

وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج، فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء، فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه، ثم تعود بعده. [2]

وهذا باب واسع جدا لا يمكن أن يؤتى منه في هذا الموضع بأكثر مما ذكرناه. وكلها قضايا عامتها مشهورة في كتب الحديث والأثر، وقد سقناها كما ساقها شيخ الإسلام أبو العباس.

ثم قال: ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، إذا احتاج إليها الضعيف الإيمان، أو المحتاج، آتاه منها ما يقوي إيمانه، ويسد حاجته، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها، لا لنقص ولايته. ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من تجري على يديه الخوارق لهداية الخلق أو لحاجاتهم، فهؤلاء أعظم درجة.

وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية كأحوال الكهان الذين يكون لأحدهم القرين من الشياطين، يخبره بكثير من المغيبات، مما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، كما دل على ذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، وغيره.

وكان للأسود العنسي الذي ادعى النبوة من الشياطين من يخبره ببعض الأمور الغائبة. فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون أن تخبره الشياطين بما يقولون فيه حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره، فقتلوه.

وكذلك مسيلمة الكذاب، كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه على بعض الأمور.

وأمثال هؤلاء كثيرون، مثل: الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان، وادعى النبوة. وكانت الشياطين تخرج رجله من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ فيه. وكان يري الناس بجبل قاسيون رجالا ركبانا على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة. وإنما كانوا جنا. ولما أمسكه المساك ليقتلوه، طعنه الطاعن بالرمح، فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله؛ فسم الله. وطعنه فقتله.

وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها مثل آية الكرسي.


والمقصود عند ذكر هذه الخوارق التنبيه على الفرق بين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية؛ فإن بينهما فروقا متعددة.

منها أن كرامات أولياء الله سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية يكون سببها ما نهى الله ورسوله عنه، ويستعان بها على ما نهى الله عنه ورسوله.

وتجد كثيرا ممن ضعفت بصيرته وقل علمه بالكتاب والسنة وأحوال السلف الصالح يكون عمدته في اعتقاده في شخص كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض الخوارق للعادة. مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، وأن يمشي على الماء أحيانا، أو يملأ إبريقا من الهواء، أو ينفق بعض الأوقات من الغيب، أو أن أحدا استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاء فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما يسرق لهم أو بحال غائب لهم أو مريض، أو نحو ذلك من الأمور. وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي الله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله ﷺ وموافقته لأمره ونهيه. وكرامات أولياء الله أعظم من هذه الأمور.

وهذه الأمور وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله، فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين، وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون لأهل البدع، فتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان فيه شيء من هذه الأمور يكون وليا لله. بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والإقرار بحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة. ومثال ذلك أن هذه الأمور المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص، ويكون أحدهم لا يتوضأ، ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسا للنجاسات، معاشرا للكلاب، يأوي إلى الحمامات والمزابل التي هي مأوى الشياطين، ولا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف.

وقد قال النبي ﷺ: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا جنب» وقال عن الأخلية: «إن هذه الحشوش محتضرة» أي يحضرها الشياطين. وقال: «من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». وقال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا». وقال: «إن الله نظيف يحب النظافة».

وقال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} إلى قوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} الآية.

فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي تحبها الشياطين، يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين. أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق. أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي تحبها الشياطين. أو يدعو غير الله، فيستغيث بالمخلوقات، ويتوجه إليها. أو يسجد إلى ناحية قبر الشيخ، ولا يخلص الدين لرب العالمين. أو يلابس الكلاب، أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة. أو يأوي إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين. أو يكره سماع القرآن، وينفر عنه، ويقدم على سماع الأغاني، والأشعار، فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن.

قال ابن مسعود: "ولا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله". وقال عثمان بن عفان: "لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله".

فإذا كان الرجل خبيرا بحقائق الإيمان الباطنة فارقا بين الأحوال الشيطانية والأحوال الرحمانية، قد قذف الله في قلبه نوره. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ}.

ففرق بين حال أولياء الرحمن وحال أولياء الشيطان، كما يفرق الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزائف. وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء. وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب. ففرق بين محمد الصادق رسول رب العالمين وموسى والمسيح وغيرهم، وبين مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي ونحوهم من الكذابين. فكذلك يجب الفرق بين أولياء الله المتقين وأولياء الشياطين الظالمين، وبسط ذلك لا يتسع له هذا الموضع.

ولشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية في ذلك مصنف سماه: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان أتى فيه بالعجب العجاب، فجزاه الله خير الجزاء، وأثابه خير الثواب.


فصل

قال النصراني: "وإنما تستدل علماؤهم على صحتها -يعني الشريعة- بكثرة الغلبات والفتوحات وعظم الملك، وهذا مما ليس شيء أقل يقينا منه، فإن مع أن عبادات الوثنيين في غاية الشناعة ترى كم من البلاد فتحت على أيدي الفرس واليونانيين والروم، حتى اتسعت ممالكهم في الأرض".

الجواب، ومن الله التأييد:

إن استدلال علمائنا على صحة الشريعة ليس محصورا في هذا الدليل - كما اقتضاه كلامه - فإن طرق الأدلة على صحتها لا تنحصر. فإن الله تعالى جعل لمحمد ﷺ الآيات البينات قبل مبعثه، وفي حياته وموته، إلى هذه الساعة، وإلى قيام الساعة. فإن ذكره وذكر البشارة به موجود في الكتب المتقدمة، كما قدمنا بعض ذلك. ولما ولد اقترن بمولده من الآيات ما هو معروف في كتب الأخبار والسير، كارتجاس إيوان كسرى وسقوط شرافات منه وانصداعه. وما اقترن به من رؤيا الموبذان، التي أولها سطيح الكاهن بخمود نار فارس التي يعبدونها، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة، وغيض بحيرة ساوة. وحفظ السماء بالشهب رجوما للشياطين المسترقة للسمع، وجرى ذلك العام قصة أصحاب الفيل. وكل ذلك إرهاص بين مبعث محمد ﷺ إلى ما كان يحصل في مدة نشأته من الآيات والدلائل مثل ما حصل لمرضعته لما كان عندها، ومثل ما شوهد منه في صغره من شق صدره، وتظليل الغمامة له، ومعرفه جماعة له بعلاماته، كما في قصة بحيرى الراهب.

وأما ما في أيام نبوته فظاهر، كما تقدم ذكر بعضه. وأما بعد موته فمثل نصر أتباعه وإهلاك أعدائه وإعلاء ذكره ونشر لسان الصدق له، وإظهار دينه على كل دين باليد واللسان والدليل والبرهان. وهذا مما يطول وصف تفصيله.


وهكذا آيات غيره من الأنبياء متنوعة قبل المبعث وحين المبعث وبعد موتهم، لكن آيات نبينا ﷺ أكثر وبراهين نبوته أظهر. ثم إن غير الفتوحات من آياته أبلغ في الدلالة وأبهر في المعجزة، وأكبر في البرهان من التمكين في الأرض ووراثتها من أيدي الأمم الذين عصوه وخالفوا أمره، مع أن هذا أيضا دليل ظاهر وبرهان قاطع.

وللاستدلال به طرق:

الطريق الأول: ما تقدمت الإشارة إليه من إخباره ﷺ بذلك، ثم وقوعه على وفق ما أخبر، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} الآية.

ووردت الأحاديث الصحيحة بهذا الوعد -كما قدمنا ذكر بعضها- وقد وقع ذلك كله كما أخبر، فإن الله تعالى أظهر دينه على سائر الأديان بحيث أنه لم يبق أهل دين يخالف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون، فظهروا عليهم، وإن لم يكن ذلك في كل المواضع، وفي جميع الأزمان. فقد قهروا اليهود، وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد مصر والشام وما والاها إلى ناحية الروم، إلى ما ورائها، وغلبوا أهل المغرب، وغلبوا المجوس على ملكهم، وغلبوا كثيرا من عباد الأصنام على كثير من بلادهم، مما يلي الترك والهند، وذلك سائر الأديان، فثبت أن الذي أخبر الله به في قوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} قد وقع. وقيل في معنى الظهور المذكور في الآية: إنه الظهور بالحجة. والكل حق. فإن الله أظهر دين الإسلام بالاعتبارين على أكمل الوجوه، فجعل لأهله الظهور بالحجة والبيان، والسيف والسنان، وقد وقع ما وعدهم من الاستخلاف في الأرض وتمكين الدين، وتبديل الخوف بالأمن، وبلوغ ملك هذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها، وقد أخبر بذلك - وهو خبر عن الغيب - وأصحابه في غاية القلة، فوقع كما أخبر، فكان معجزا.


الطريق الثاني: أن الفتوحات الإسلامية وقعت خارقة للعادة، بحيث لم يقع قبلها ولا بعدها نظيرها، وهذا يدل على عناية الرب تعالى بذلك، وعلى تأييده لمن جاء بهذه الشريعة بأمر سمائي، لا من قبيل قوة البشر وتغلبات الملوك. وذلك يعرف بوجوه: منها قلة من قام به في أول الأمر، وضعفهم وقوة عدوهم وكونهم في غاية الكثرة ونهاية الحنق عليهم والبغض لهم، والجد في عداوتهم بكل ممكن، فأيدهم الله عليهم وأظهرهم، فدل على أن هذا النصر من السماء. ومنها أن أعداءه مع كون حالهم ما وصفناه، كانوا على أديان وجدوا عليها آباءهم، ونشأوا عليها، وألفتها طباعهم، وكان النبي ﷺ يدعوهم إلى تركها، وأن يتبعوا ما جاء به من الشريعة والمنهاج. وكان أول من دعا إلى ذلك العرب الذين هم أقوى الناس نفوسا، وأقساهم قلوبا، وأشدهم توحشا، وأمنعهم جانبا، وأحبهم لأن يغلبوا، ولا يغلبوا، وأعسرهم انقيادا للملوك، وأجفاهم أخلاقا، وأقلهم احتمالا للضيم والذلة، فما كانوا ليجيبوا إلى ما طلبه منهم إلا لما رأوه من الآيات وشاهدوه من المعجزات الدالة على أنه رسول الله، أو بأمر خارق للعادة، ليس من صنع البشر، فكان معجزا، فدل على أنه من عند الله. ومنها أن تلك الفتوحات وقعت في مدة قريبة، ففتحت على رسول الله ﷺ جزيرة العرب كلها إلى ما يليها من أرض الشام في مدة عشر سنين، فدخلوا في طاعته، والتزموا دينه، وتركوا أديانهم، سوى من قبلت منه الجزية والصغار، وهذا ما لم يعهد له نظير. وكذلك الفتوحات الواقعة في أيام خلفائه الراشدين في المشارق والمغارب، كان ذلك في أقرب مدة، وكانت أعداؤهم في غاية الكثرة والشجاعة، والقوة والنجدة، ولم يكن للمسلمين إذ ذاك من العدد والعدة والقوة ما يكون له نسبة بجنب ما عند أعدائهم من ذلك، فكيف بما كافأتهم؟ فلا يرتاب عاقل أن ما أعطوه من الظهور والغلبة ليس إلا بالنصر الإلهي والتأييد السمائي، الخارق للعوائد، الدال على صدق من جاء بهذه الشريعة، وأنها مرضية لله.


الطريق الثالث: ما أشرنا إليه فيما تقدم، بما حاصله أن محمدا ﷺ قام بهذه الشريعة ناسخا شرائع الأنبياء قبله، مستحلا دماء من خالفه من أهل الكتاب وغيرهم، وأموالهم ونسائهم، قائلا: إن الله أمرني بذلك. ومع ذلك أيده الله تعالى بأنواع التأييد، وصدقه بأكمل انواع التصديق، ومكنه في الأرض، وأظهر دينه على كل الأديان، وجعل لأمته من التميكن في الأرض ما لم يكن لغيرهم، فدل ذلك على أنه رسول الله، وأنه إنما فعل ذلك عن أمر الله له بذلك، وإلا لكان ذلك طعنا في الرب تعالى حيث زعم أعداؤه أنه سلط جبارا كاذبا عليه، وعلى أوليائه وأتباع رسله، ويمكن له غاية التمكين، ويؤيده أعظم التأييد. فمن آمن بربوبية الله لهذا الخلق، ورأى ما ذكرنا لم يرتب في صدق محمد ﷺ وأنه رسول الله، وأن ما أعطاه من النصر والتأييد هو من آيات نبوته، كما كان من آيات الأنبياء إهلاك الله مكذبيهم ونصرة المؤمنين بهم، كإغراق قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. وقد ذكر الله قصصهم في القرآن في غير موضع، وبين أنها من آيات الأنبياء، كما في سورة الشعراء، يختم كل قصة من تلك القصص بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ}. ومن ذلك ما جعله من اللعنة التابعة لمن كذبهم، ومن لسان الصدق والثناء والدعاء لهم ولمن آمن بهم، كما قال في قصة نوح: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ}، وكذلك في قصة إبراهيم، أي: تركنا هذا القول يقوله المتأخرون. وكذلك في قصة موسى وهارون وإلياس. وقال في قصة فرعون وقومه: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً}. وقال في عاد: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} ولهذا قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} وقال: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}.

وكل واحد من هذه الطرق التي ذكرناها كاف في الدلالة على صحة الشريعة، وصدق من جاء بها، فكيف وهي كلها متفقة متظاهرة على ذلك، مضافة إلى ما لا يحصى من الأدلة والبراهين التي هي أظهر من شمس الظهيرة لأولي الألباب والبصيرة.

وأما اعتراض النصراني بتمكين من مكن في بعض البلاد من الوثنيين ونحوهم من ملوك الكفار، فهو اعتراض فاسد، فإن أولئك لا يشبهون المسلمين فيما ذكرناه من قوة التمكين في مثل هذه المدة اليسيرة، ولم يحصل لهم ما حصل لهم، ولا ما قاربه، ولم يدع أحد منهم أن ذلك عن أمر الله له بذلك، ولم يشرع شريعة يحمل الناس عليها مدعيا أنها من عند الله. فإن سنة الله في المتنبئين الكذبة على الله أن يهتك أستارهم، ويظهر للخلائق عارهم، ويهزم أنصارهم، ويدمر ديارهم. كما جرى لمسيلمة والأسود وطليحة وأضرابهم من الكذبة. فإن الله أظهر لخلقه من الدلالة على صدق رسله - بما جرى لهم وما عرف من أحوالهم وسيرهم الباطلة، وتدمير الله إياهم - ما هو من الحكم الباهرة والمصالح العظيمة، فإن الضد يظهر حسنه الضد. وكذلك من سبر أحوال ملوك الكفار رأى العبرة في هذا الباب. فإنهم وإن انتصروا على أتباع الرسل - أحيانا - فإن أولئك لا يقول مطاعهم: إنه نبي. ولا يقاتلون أتباع الأنبياء على دين، ولا يطالبون منهم أن يتبعوهم على دينهم، بل يصرحون: إنا نصرنا عليكم بذنوبكم، وإنكم لو اتبعتم دينكم لم ننصر عليكم. وأيضا فلا عاقبة لهم، بل الله يهلك الظالم بالظالم، ثم يهلك الظالمين جميعا.

وليس قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت. فهذا وأمثاله مما يظهر به الفرق ويبين أن ظهور محمد ﷺ وأمته على أهل الكتاب من جنس ظهورهم على عبدة الأوثان، فإن من أهل الكتاب من يقول: سلطتهم علينا بذنوبنا مع صحة ديننا، كبخت نصر. وهذا قياس فاسد، فإن ذلك من جنس خرق العادات المقترن بدعوى النبوة. وهذا من جنس خرق العادات التي لم تقترن بدعوى النبوة، وما لم يقترن بدعوى النبوة لا يكون دليلا عليها، وقد يغرق في البحر أمم كثيرة فلا يدل على نبوة نبي، بخلاف غرق فرعون وقومه. وهذا موافق لما أخبر به موسى عليه السلام: "إن الكذاب لا يتم أمره"، وذلك أن الله حكيم لا يليق به تأييد الكاذب على كذبه، من غير أن يبين كذبه.

ولهذا إن أعظم الفتن الدجال لما اقترن بدعواه خوارق كان معها ما يدل على كذبه، كدعوى الإلهية، وهو أعور مكتوب بين عينيه " كافر"، يقرؤه كل مؤمن، والله لا يراه أحد حتى يموت. وقد ذكر النبي ﷺ هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة.

فأما تأييد الكاذب دائما فهذا لم يقع قط، فمن يستدل على ما يفعله الرب تعالى بالعادة والسنة، فهذا هو الواقع، ومن يستدل بالحكمة فحكمته تناقض أن يفعل ذلك.


فصل

قال النصراني: "ثم إنه لم يكن للمسلمين النصر والغلبة دائما، فإن من المشهور أنهم انهزموا عدة مرات في البر والبحر، وأنهم طردوا عن جميع بلاد الأندلس وغيرها من البلاد، ولا يمكن الأمر الذي هو كثير الانقلاب من حال إلى حال، والذي يشترك فيه أهل الصلاح والطلاح أن يكون دليلا على صحة الدين".

الجواب، والله الهادي إلى سواء السبيل:

أن انهزام المسلمين في بعض المواطن غير قادح في صحة الدليل لوجوه:

الأول: أن ذلك لم يمنع حصول الظهور على الأعداء وتمام الوعد الذي وعد به النبي ﷺ بل مع وقوع ذلك في بعض المواطن كان الظهور للمسلمين على جميع أهل الملل، ولما كان الأمر كذلك بطل الاعتراض.

الوجه الثاني: أن سنة الله تعالى في رسله وأتباعهم أن يدالوا مرة، ويدال عليهم مرة أخرى، ثم تكون العاقبة لهم. وبهذا أجاب هرقل أبا سفيان في حديثه الذي قدمناه، حيث قال له هرقل: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجالا، يدال علينا المرة، وندال عليه الأخرى. فقال هرقل: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة. فصار هذا من أعلام الرسل، فهو دليل لنا لا علينا، ولله الحمد والمنة. فإن قيل: ففي الأنبياء من قتل، كما أخبر الله أن بني إسرائيل يقتلون النبيين بغير حق، وفي أهل الفجور من يؤتي سلطانا، ويسلط على قوم مؤمنين كبخت نصر. أجيب بأن من قتل من الأ نبياء فهو كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد، كما قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. ومعلوم أن حال هؤلاء أكمل من حال من يموت من المؤمنين حتف أنفه. كما قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} الآية. ثم الدين الذي قاتل عليه الشهيد ينتصر ويظهر، فتكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة، ومن قتل منهم كان شهيدا. وهذا غاية ما يكون من النصر، إذ كان الموت لا بد منه، بخلاف من يهلك هو وطائفته فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة. والشهداء قاتلوا باختيارهم، وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا، فهم اختاروا الموت، إما أنهم قصدوه، وإما قصدوا ما به يصيرون شهداء، عالمين بأن لهم السعادة في الآخرة وفي الدنيا بالانتصار لطائفتهم، وبقاء لسان الصدق لهم ثناء ودعاء. بخلاف غيرهم، فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون معه سعادة الآخرة، ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا، بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، وقد أخبر الله تعالى أن كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أى: ألوف كثيرة - كما هو أحد الأقوال في الآية - وأنهم ما استكانوا لما أصابهم، بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سبب ظهور العدو، وأن الله آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. فإذا كان هذا قتل المؤمنين، فما الظن بقتل الأنبياء، ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو أعظم الفلاح.


الوجه الثالث: أن في وقوع الهزيمة والكسر على المسلمين في بعض المواطن مصالح عظيمة، وحكما باهرة كثيرة، فمع عناية الله بهم وإرادته ظهورهم وكرامتهم، ابتلاهم بذلك في بعض الأوقات، لتتم المصلحة، وتنفذ الحكمة، فيعود المكروه محبوبا.

وقد أشار سبحانه في سورة آل عمران في سياق قصة أحد إلى أصول المصالح، والحكم في ذلك.

منها: تمييز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يتميز الصادق من الكاذب، فاقتضت حكمة الرب تعالى أن يبتليهم بذلك ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق الذي جاءوا به، ممن لا يتبعهم إلا على الظهور والغلبة خاصة، ولم يجعل الغلبة على المؤمنين دائما، لأن ذلك يمنع حصول مقصود البعثة، فاقتضت حكمته تعالى أن يجمع لهم بين الأمرين، لتتم المصلحة، ثم يجعل العاقبة لهم.

ومنها: تعريفهم عاقبة المعصية، فإنه تعالى أخبر أن ما يصيبهم فهو بسبب ذنوبهم، فيكون ذلك تنبيها على شؤم عاقبة الذنب، ليحتروزا منه.

ومنها: أنه لو نصرهم دائما وأظفرهم بعدوهم في كل موطن، وجعل لهم التمكن والقهر لأعدائهم أبدا لطغت نفوسهم، وشمخت أنوفهم، كما يكونون لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط، فهو المدبر لأمر عباده، كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير.

ومنها: أنه سبحانه هيأ لعباده منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه.

ومنها: أن الشهادة عند الله من أعلى المراتب، والشهداء هم خواصه المقربون من عباده، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتسلط العدو.

إلى غير ذلك من الحكم، والمصالح التي تفوت الوصف.

فإذا كان في إدالة العدو على المؤمنين في بعض المراتب ما فيه من المصالح والغايات المحمودة، كان إلى الدلالة على صحة الشريعة أقرب منه إلى العكس، ولم يكن ناقضا للاستدلال؛ إذ هذا يكون لأمر عارض، ومقتض طارئ، ثم تكون العاقبة والنصر للمؤمنين. بل قد قدمنا أن مثل هذه الأدلة من أعلام الرسل.

ومما يزيد ذلك بيانا ما أشرنا إليه من أن ظهور الكفار على المؤمنين - أحيانا - هو سبب ذنوب المسلمين كيوم أحد. فإذا تابوا انتصروا، كما قد جرى للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار.

فهذا من آيات النبوة؛ فإن النبي إذا قاموا بوصاياه نصروا، وإذا ضيعوها ظهر أولئك عليهم.

فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك، ودوران الحكم مع الوصف وجودا من غير مزاحمة وصف آخر يوجب العلم بأن المدار عليه.

ومن المعلوم بالاستقراء والتتبع أن نصر الله سببه اتباع النبي ﷺ فهو يدل على أن الله سبحانه يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه. فهذا يوجب العلم بنبوته.

ومن هذ ظهور بخت نصر، إنما كان لما غيرت بنو إسرائيل عهود موسى عليه السلام فإذا اتبعوها كانوا منصورين، كما كان في زمن داود وسليمان وغيرهما.

قال الله تعالى: " {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا}.

فكان ظهور بني إسرائيل تارة وظهور عدوهم تارة من دلائل نبوة موسى ﷺ.

وقد قال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} فأخبر تعالى أن سنته التي لا تبديل لها نصر المؤمنين على الكافرين، والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله، فإذا نقص بالمعاصي كان الأمر بحسبه، كيوم أحد. فهذه عادته المعلومة.

والكاذب الفاجر وإن أعطي دولة فلا بد من زوالها، ولا بد من بقاء لسان السوء له في العالم، وهو وإن ظهر سريعا فإنه يزول سريعا.

وأما الأنبياء فإنهم يبتلون كثيرا؛ ليمحصوا بالبلاء، فإن الله تعالى إنما يمكن العبد إذا ابتلاه، ويظهر أمرهم شيئا فشيئا كالزرع.

قال الله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} إلى قوله: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} الآية.

ولهذا كان أول من يتبعهم ضعفاء الناس، أشار إليه بعض الأئمة.

فاعتبار هذه الأمور، وسنة الله في أوليائه وأعدائه مما يوجب الفرق بين النوعين وبين دلائل هذا ودلائل هذا.

وأما قول النصراني: "إنهم - يعني المسلمين - طردوا عن بلاد الأندلس وغيرها من البلاد" فهذا من قبيل ما تقدم مما يبتلي الله تعالى به عباده، وهو مما جاءت به الأنذار عن النبي ﷺ فإنه أخبر بإدالة العدو على المسلمين، حتى يأخذوا بعض ما في أيديهم إذا أضاعوا أمر الله، وفرطوا فيما أوجبه عليهم من طاعة نبيهم ﷺ فهو من أدلة الرسالة من وجهين: من جهة إخباره بذلك، فوقع كما أخبر. ومن جهة الاعتبار في ترتب ذلك على معصية الرسول ﷺ. ثم إنه وإن أخذت من أيدي المسلمين بعض البلاد التي كانت في أيديهم فقد غلبوا على بلاد كثيرة بعد غلبهم على ما غلبوا عليه، فإنه قد حصل للمسلمين الغلبة في بلاد الروم وما والاها بعد خروج الأندلس عن أيديهم بما أكبر بكثير مما غلبوا عليه. ولا تزال طائفة من هذه الأمة المحمدية على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة.

فظهر بما قررناه الفرق بين الفتوحات الإسلامية وصحة الاستدلال بها على صحة الشريعة، وبين محاربات الملوك المبطلين. وتبين أن الاشتراك الصوري بين أهل الصلاح والطلاح من بعض الوجوه مع ظهور الفروق الصورية والمعنوية من وجوه أخرى غير قادح في صحة الدليل. كما أن دخول كثير من الناس في الأديان الباطلة بمجرد الدعوة إليها وإلقاء الشبهات غير مقتض صحة ذلك الباطل، ولا قادح في صحة حجج الأنبياء وأتباعهم، حيث استجاب لهم كثير من الناس بمجرد الدعوة. فهذا اشتراك في صورة الاستجابة بالدعوة. ولما لم يكن هذا الاشتراك الصوري بين أهل الصلاح والطلاح قادحا في صحة دين الحق ولا مضعفا حجة أهله، فكذلك ما نحن فيه.


فصل

قال النصراني: "لا سيما حيث إن أكثر حروب الملوك بغير عدل، إذ يقاتلون أمما من غير الظالمين لهم، وليس لهم ما يتعللون به على محاربتهم سوى الاختلاف في الدين، وهذا ما هو إلا غاية عدم الدين، إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن إرادة النفس. وأما الإرادة فهي تنقاد بالتعليم والإقناع، لا بالتهديد والقهر. ومن اضطر لتصديق الدعوى من غير إرادة منه، فهو لا يصدقها، بل يظهر فقط أنه يصدقها هربا من الشدائد. ومن يلزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب له، فهو بفعله هذا يدل على عدم ما يستدل به على صحة دعواه".

الجواب، وبالله التوفيق:

أما حروب ملوك المسلمين بعضهم لبعض في طلب الملك فليس مما نحن فيه، إذ هو من قتال الفتنة الذي نهى عنه النبي ﷺ وحذر منه، وهو قتال على الدنيا.

وأما القتال الشرعي فهو القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه. ولا ريب عند الموافق والمخالف أن محمدا ﷺ جاء بشرع الجهاد، وتضمن الأمر به القرآن الذي أنزل عليه. وإنما شرع في المدينة بعد الهجرة إلى المدينة حين اجتمع بها المهاجرون والأنصار. وعند ذلك علم أعداؤه من العرب واليهود أنها كانت لهم دار منعة، فخافوا منهم ما كانوا يحذرون، فرموهم عن قوس واحد، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، وكان الله يأمرهم بالصبر والعفو والصفح. ثم إنه تعالى بحكمته أذن لهم في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} ثم فرض عليهم القتال لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}. ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، فقال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}. فكان محرما، ثم مأذونا فيه، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين.

وإذ كان القتال عن أمر الله وشرعه، كان القيام به من أكبر الفضائل، وأعظم الوسائل، لما فيه من بذل النفوس والأموال في مرضاة الله وما كان عن أمر الله فهو على وفق الحكمة والعدل، لأنه صدر عن أمر الحكيم الخبير، وقد قامت البراهين واتضحت الدلائل، وظهرت المعجزات على أن محمدا رسول الله، فبطل أن يكون قتال المسلمين لمن خالف الملة قتالا بغير عدل. وقد ذكرنا فيما تقدم إشارة إلى بعض ما في شرع الجهاد من الحكم والغايات المحمودة.

وأما قتال المسلمين أمما من غير الظالمين لهم، وأن السبب إنما هو الاختلاف في الدين، فهذا أوضح حجة على أنه على مقتضى العدل، لأنهم إنما يقاتلون المشركين بالله الكافرين به وبرسله، كما كان النبي ﷺ إذا بعث سرية، قال: «اغزوا بسم الله، قاتلوا من كفر بالله». فأعظم الظلم وأكبر الذنوب الشرك بالله والكفر به.

فشرع الله الجهاد ليكون الدين كله له كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}.

وإذا كان قتالك من ظلمك واعتدى عليك حتى يكف عن ظلمه واعتدائه لا يكون ظلما ولا قبيحا، فكيف يكون قتال الكافر بالله المكذب لرسوله وكتابه، الآتي بأعظم الظلم وأكبر الذنب، يقال فيه: إنه بغير عدل؟ ما هذا إلا جهل عظيم، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون.

وقوله: "إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن إرادة النفس" إلى قوله: "فهو لا يصدقها، بل يظهر فقط أنه يصدقها، هربا من الشدائد".

جوابه: أن هذا وإن وجد في آحاد من الناس فليس على العموم، فلا تنتقض به الحكمة في مشروعية الجهاد، فإنه قد دخل في الإسلام فئام من الناس بالقتال، وافتتحت ديارهم بالسيف، فدخلوا وكثير منهم كارهون، فلما خالطوا المسلمين، وسمعوا القرآن، وبلغتهم معجزات النبوة وآيات الرسالة صلحت عقائدهم، وانفتحت بصائرهم، وعلموا أنه الحق، ودانوا به باطنا وظاهرا، وعلموا أبناءهم ونساءهم، وبذلوا يه نفوسهم وأموالهم. هذا ما لا يرتاب فيه ذو عقل صحيح. وهل يستجيز من له أدنى مسكة من عقل أن يقول: إن من دخل في الإسلام بعد قيام الجهاد من العرب وغيرهم من أصناف الأمم أنهم إنما يصدقون بالإسلام ظاهرا فقط؟ هذا مما يعلم فساده ببديهة العقل فإن الله قد خص هذه الأمة بما وهبها من الإيمان بالله ورسوله، وتمام الانقياد لما جاء به الرسول، منشرحة بذلك صدورهم، مصدقة به قلوبهم، ما لم يعط غيرهم من الأمم، وذلك لما أيد به نبيهم ﷺ من المعجزات، وأنواع الأدلة والآيات، ولهذا كان أكثر الأنبياء تابعا يوم القيامة، وكان أمته خير الأمم، وأكثر أهل الجنة، وأول الناس سبقا إلى الجنة كما قال ﷺ: "«نحن الآخرون السابقون يوم القيامة»". ولا ينتقض ما ذكرناه بالمنافقين والزنادقة، فإنهم مقهورون مغمورون في المؤمنين، بل في وجودهم بين المؤمنين مع كونهم أعداء لهم في صورة أولياء، واجتهادهم في الإضرار بدينهم ودنياهم وسعيهم في ذلك بكل ما أمكنهم، ثم لم يظفروا بمطلوبهم، ولم يحصلوا على مرادهم دليل على صحة الشريعة وأنها من عند الله عز وجل.

والمقصود أن الله نصب الأدلة والبراهين على صدق رسوله وصحة ما جاء من النبوة والكتاب، وشرع الجهاد وسيلة إلى إبلاغ الحجة وإيصال الدليل إلى المكلفين، فإن من كان على دين وجد عليه آباءه وأسلافه، وأشربه قلبه، وألفته نفسه لا يختار دينا غيره، ولا يلتفت إلى سواه، فلا يصغي إلى حجج الحق وبراهينه. فكان من رحمة الله بعباده أن أمر رسوله ﷺ بالجهاد، لتبلغ الحجة مبلغها، فينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين.

وأما قول النصراني: "ومن يلزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب أو التخويف" إلى آخره؛ فهو كلام ساقط، فإن الأنبياء عليهم السلام جاؤوا بالرسالة إلى الأمم مقرونة بالتخويف بالعذاب للمكذبين والإنذار للمخالفين، كما جاءت بالبشارة للمؤمنين والرجاء للمصدقين، ومنهم من جاء بالقتال.

وبنو إسرائيل لما امتنعوا من التزام أحكام التوراة، لثقلها عليهم، رفع الله جبلا فوق رؤوسهم، وقيل لهم: التزموا وإلا وقع عليكم الجبل. كما قال تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقال تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ}.

وأيضا فالشرائع جاءت بالحدود وإيقاع العقوبة بالعصاة، ليرتدعوا عن المعاصي والمخالفات، وكل هذا إلزام بالأحكام بوساطة التعذيب أو التخويف، أفكان ذلك دليلا على عدم البرهان فيما دعا إليه الأنبياء عليهم السلام؟! وإذا لم يكن كذلك بطل هذا التمويه.


فصل

قال النصراني: "ثم إن ما يجعلونه علة للقتال من الاختلاف في الدين فينقضه فعلهم، حيث يتركون من ينخضع لهم، ويتدين بأي دين أراد. وقولهم أيضا: إن للنصارى في شريعتهم ما يكفي لهم خلاصا".

الجواب، وبالله التوفيق:

مراده بتركهم من يخضع لهم إقرار أهل الكتاب ونحوهم بالجزية. وهذا ليس على العموم في أهل كل دين، فإطلاقه باطل، فإنها لما نزلت آية الجزية، وهي قول الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. أخذها النبي ﷺ من ثلاث طوائف: اليهود، والنصارى، والمجوس، ولم يأخذها من عباد الأصنام.

فاختلف العلماء ههنا، فقيل: لا يجوز أخذها من كافر غير هؤلاء ومن دان بدينهم، اقتداء بأخذه وتركه. وقيل: بل تؤخذ أيضا من عبدة الأصنام من العجم دون العرب. والأول قول الشافعي وأحمد في رواية عنه. والثاني قول أبي حنيفة وأحمد في روايته الأخرى. وعلى القول الأول فإنما أخذها النبي ﷺ من المجوس، لأن لهم شبهة كتاب، لما ورد في بعض الأحاديث أنه كان لهم كتاب ثم رفع.

وجاء عنه ﷺ أنه قال في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". [3]

وليس المراد بسط هذه المسألة، وإنما المقصود أن أخذ الجزية ممن بذلها للمسلمين ليس على العموم في حق كل كافر.

وإذا عرف هذا فليس في إقرار من يقر بالجزية من الكفار ما يكون قدحا في حكمة الشريعة وكمالها، فإن أحكام الشريعة جاءت في كل باب على وفق الحكمة والمصلحة، والذي شرعها هو الرب سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين. وقد قامت الأدلة القاطعة على نبوة محمد ﷺ وأن القرآن كلام الله تعالى ورسالته إلى خلقه، وشرعه هو ما تضمنه كتابه وحكمة رسوله، والحكم والغايات في أحكامه لا يحيط بها إلا هو، فما علمناه منها قلنا به، وما جهلناه وكلناه إلى عالمه.

وقد ذكر العلماء من الحكمة في إقرارهم بالجزية وجوها:

فمنها: أنهم أقروا بذلك، ولم يعاملوا معاملة غيرهم من الكفار لحرمة الكتاب الذي ينتمون إليه.

ومنها: أن ذلك لحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.

ومنها: أن إقرارهم بذلك لأنهم أهل الكتاب وبأيديهم التوراة والإنجيل، وفيها صفة محمد ﷺ فربما يتفكرون ويعلمون صدق محمد ﷺ فيتبعون الحق، فأمهلوا لهذا المعنى.

ومنها: أن إبقاءهم كذلك من الشواهد والدلائل على نبوة محمد ﷺ لأن في الكتب التي بأيديهم ما يدل على أنهم بدلوا، وفيها ما يدل على أن شريعتهم ستنسخ بغيرها، كما قدمنا الإشاره إلى بعض ذلك. وفيها من صفة محمد ﷺ وأدلة نبوته ما قدمنا بعضه. وفيها من التناقض والاختلاف ما يبين أيضا وقوع التبديل.

قال شيخ الإسلام أبو العباس: وعند أهل الكتاب ما يدل على هذه المطالب، وقد ناظرنا غير واحد منهم، وبينا لهم ذلك، وأسلم من علمائهم وخيارهم طوائف، وصاروا يناظرون أهل دينهم، ويتبينون ما عندهم من الشواهد والدلائل على نبوة محمد ﷺ.

قال: وهذا من الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية، إذ عندهم من الشواهد والدلائل على نبوته، وعندهم من الشواهد على ما أخبر به من الإيمان بالله واليوم الآخر ما يبين أن محمدا ﷺ جاء بالدين الذي بعث الله به الرسل قبله، وأخبر من توحيد الله ومن صفاته بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله. قال الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وقال: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}. انتهى. [4]


وأما قول النصراني: "وقولهم -يعني المسلمين- إن للنصارى في شريعتهم ما يكفي لهم خلاصا" فهو كلام باطل وكذب صريح، فإن المسلمين متفقون على مقالة واحدة لا اختلاف بينهم، أن من بلغته رسالة محمد ﷺ فلا خلاص له ولا نجاة إلا باتباعه والإيمان به، سواء في ذلك اليهود والنصارى وعباد الأصنام وغيرهم من طوائف بني آدم. وقد علم من دينه بالضرورة أنه دعا الناس كافة إلى اتباعه، وأنه جاهد أهل الكتاب كما جاهد المشركين، فجرى له مع يهود المدينة وغيرهم ما هو معلوم. وغزا النصارى عام تبوك بنفسه وسراياه، وضرب الجزية على نصارى نجران.

وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده جاهدوا أهل الكتاب يهودهم ونصاراهم، وقاتلوا من قاتلهم، وضربوا الجزية على من أعطاها منهم عن يد وهم صاغرون.

وهذا الكتاب الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به مملوء من دعوة أهل الكتاب إلى اتباعه، ويكفر من لم يتبعه منهم، ويذمه، ويلعنه.

قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} وقال تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» وقال ﷺ: «بعثت إلى الأحمر والأسود» وقال: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل الذي لا يرتاب فيه مسلم.

هامش

منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب
المقدمة | المقام الأول | المقام الثاني | المقام الثالث | المقام الرابع | المقام الخامس