مقدمة ابن خلدون/المقدمة الخامسة في اختلاف أحوال العمران في الخصب و الجوع و ما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر و أخلاقهم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقدمة ابن خلدون الجزء الأول
المؤلف: ابن خلدون


المقدمة الخامسة في اختلاف أحوال العمران في الخصب و الجوع و ما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر و أخلاقهم[عدل]

اعلم أنّ هذه الأقاليم المعتدلة ليس كلّها يوجد بها الخصب ولا كلّ سكّانها في رغد من العيش بل فيها ما يوجد لأهله خصب العيش من الحبوب والأدم والحنطة والفواكه لزكاء المنابت واعتدال الطّينة ووفور العمران وفيها الأرض الحرّة الّتي لا تنبت زرعا ولا عشبا بالجملة فسكّانها في شظف من العيش مثل أهل الحجاز وجنوب اليمن ومثل الملثّمين من صنهاجة السّاكنين بصحراء المغرب وأطراف الرّمال فيما بين البربر والسّودان فإنّ هؤلاء يفقدون الحبوب والأدم جملة وإنّما أغذيتهم وأقواتهم الألبان واللّحوم ومثل العرب أيضا الجائلين في القفار فإنّهم وإن كانوا يأخذون الحبوب والأدم من التلول إلّا أنّ ذلك في الأحايين وتحت ربقة من حاميتها وعلى الإقلال لقلّة وجدهم فلا يتوصّلون منه إلى سدّ الخلّة [1] أو دونها فضلا عن الرّغد والخصب وتجدهم يقتصرون في غالب أحوالهم على الألبان وتعوّضهم من الحنطة أحسن معاض وتجد مع ذلك هؤلاء الفاقدين للحبوب والأدم من أهل القفار أحسن حالا في جسومهم وأخلاقهم من أهل التّلول المنغمسين في العيش فألوانهم أصفى وأبدانهم أنقى وأشكالهم أتمّ وأحسن وأخلاقهم أبعد من الانحراف وأذهانهم اثقب في المعارف والإدراكات هذا أمر تشهد له التّجربة في كلّ جيل منهم فكثير ما بين العرب والبربر فيما وصفناه وبين الملثّمين وأهل التّلول يعرف ذلك من خبره والسّبب في ذلك والله أعلم أنّ كثرة الأغذية وكثرة الأخلاط الفاسدة العفنة ورطوباتها تولّد في الجسم فضلات رديئة تنشأ عنها بعد- أفظارها- في غير نسبة ويتبع ذلك انكساف الألوان وقبح الأشكال من كثرة اللّحم كما قلناه وتغطّي الرّطوبات على الأذهان والأفكار بما يصعد إلى الدّماغ من أبخرتها الرّديّة فتجيء البلادة والغفلة والانحراف عن الاعتدال بالجملة واعتبر ذلك في حيوان القفر ومواطن الجدب من الغزال والنّعام والمها والزّرافة والحمر الوحشيّة والبقر مع أمثالها من حيوان التّلول والأرياف والمراعي الخصبة كيف تجد بينها بونا بعيدا في صفاء أديمها وحسن رونقها وأشكالها وتناسب أعضائها وحدّة مداركها فالغزال أخو المعز والزّرافة أخو البعير والحمار والبقر أخو الحمار والبقر والبون بينها ما رأيت وما ذاك إلّا لأجل أنّ الخصب في التّلول فعل في أبدان هذه من الفضلات الرّديّة والأخلاط الفاسدة ما ظهر عليها أثره والجوع لحيوان القفر حسن في خلقها وأشكالها ما شاء واعتبر ذلك في الآدميّين أيضا فإنّا نجد أهل الأقاليم المخصبة العيش الكثيرة الزّرع والضّرع والأدم والفواكه يتّصف أهلها غالبا بالبلادة في أذهانهم والخشونة في أجسامهم وهذا شان البربر المنغمسين في الأدم والحنطة مع المتقشّفين في عيشهم المقتصرين على الشّعير أو الذرة مثل المصامدة منهم وأهل غمارة والسوس فتجد هؤلاء أحسن حالا في عقولهم وجسومهم وكذا أهل بلاد المغرب على الجملة المنغمسين في الأدم والبرّ مع أهل الأندلس المفقود بأرضهم السّمن حملة وغالب عيشهم الذّرة فتجد لأهل الأندلس من ذكاء العقول وخفّة الأجسام وقبول التّعليم ما لا يوجد لغيرهم وكذا أهل الضّواحي من المغرب بالجملة مع أهل الحضر والأمصار فإنّ الأمصار وإن كانوا مكثرين مثلهم من الأدم ومخصبين في العيش إلّا أنّ استعمالهم إيّاها بعد العلاج بالطّبخ والتّلطيف بما يخلطون معها فيذهب لذلك غلظها ويرقّ قوامها وعامّة مآكلهم لحوم الضّأن والدّجاج ولا يغبطون [2] السّمن من بين الأدم لتفاهته فتقلّ الرّطوبات لذلك في أغذيتهم ويخفّ ما تؤدّيه إلى أجسامهم من الفضلات الرّديّة فلذلك تجد جسوم أهل الأمصار ألطف من جسوم البادية المخشّنين في العيش وكذلك تجد المعوّدين بالجوع من أهل البادية لا فضلات في جسومهم غليظة ولا لطيفة. واعلم أنّ أثر هذا الخصب في البدن وأحواله يظهر حتّى في حال الدّين والعبادة فنجد المتقشّفين من أهل البادية أو الحاضرة ممّن يأخذ نفسه بالجوع والتّجافي عن الملاذّ أحسن دينا وإقبالا على العبادة من أهل التّرف والخصب بل نجد أهل الدّين قليلين في المدن والأمصار لما يعمّها من القساوة والغفلة المتّصلة بالإكثار من اللّحمان والأدم ولباب البرّ ويختصّ وجود العبّاد والزّهّاد لذلك بالمتقشّفين في غذائهم من أهل البوادي وكذلك نجد هؤلاء المخصبين في العيش المنغمسين في طيّباته من أهل البادية ومن أهل الحواضر والأمصار إذا نزلت بهم السّنون [3] وأخذتهم المجاعات يسرع إليهم الهلاك أكثر من غيرهم مثل برابرة المغرب وأهل مدينة فاس ومصر فيما يبلغنا لا مثل العرب أهل القفر والصّحراء ولا مثل أهل بلاد النّخل الّذين غالب عيشهم التّمر ولا مثل أهل إفريقية لهذا العهد الّذين غالب عيشهم الشّعير والزّيت وأهل الأندلس الّذين غالب عيشهم الذّرة والزّيت فإنّ هؤلاء وإن أخذتهم السّنون والمجاعات فلا تنال منهم ما تنال من أولئك ولا يكثر فيهم الهلاك بالجوع بل ولا يندر والسّبب في ذلك والله أعلم أنّ المنغمسين في الخصب المتعوّدين للأدم والسّمن خصوصا تكتسب من ذلك أمعاؤهم رطوبة فوق رطوبتها الأصليّة المزاجيّة حتّى تجاوز حدّها فإذا خولف بها العادة بقلّة الأقوات وفقدان الأدم واستعمال الخشن غير المألوف من الغذاء أسرع إلى المعى اليبس والانكماش وهو ضعيف في الغاية فيسرع إليه المرض ويهلك صاحبه دفعة لأنّه من المقاتل فالهالكون في المجاعات إنّما قتلهم الشّبع المعتاد السّابق لا الجوع الحادث اللّاحق. وأمّا المتعوّدون لقلّة الأدم [4] والسّمن فلا تزال رطوبتهم الأصليّة واقفة عند حدّها من غير زيادة وهي قابلة لجميع الأغذية الطّبيعيّة فلا يقع في معاهم بتبدّل الأغذية يبس ولا انحراف فيسلمون في الغالب من الهلاك الّذي يعرض لغيرهم بالخصب وكثرة الأدم في المآكل وأصل هذا كلّه أن تعلم أنّ الأغذية وائتلافها أو تركها إنّما هو بالعادة فمن عوّد نفسه غذاء ولاءمه تناوله كان له مألوفا وصار الخروج عنه والتّبدّل به داء ما لم يخرج عن غرض الغذاء بالجملة كالسّموم واليتّوع [5] وما أفرط في الانحراف فأمّا ما وجد فيه التّغذّي والملاءمة فيصير غذاء مألوفا بالعادة فإذا أخذ الإنسان نفسه باستعمال اللّبن والبقل عوضا عن الحنطة حتّى صار له ديدنا فقد حصل له ذلك غذاء واستغنى به عن الحنطة والحبوب من غير شك وكذا من عوّد نفسه الصّبر على الجوع والاستغناء عن الطّعام كما ينقل عن أهل الرّياضيّات فإنّا نسمع عنهم في ذلك أخبارا غريبة يكاد ينكرها من لا يعرفها والسّبب في ذلك العادة فإنّ النّفس إذا ألفت شيئا صار من جبلتها وطبيعتها لأنّها كثيرة التّلوّن فإذا حصل لها اعتياد الجوع بالتّدريج والرّياضة فقد حصل ذلك عادة طبيعيّة لها وما يتوهّمه الأطبّاء من أنّ الجوع مهلك فليس على ما يتوهّمونه إلّا إذا حملت النّفس عليه دفعة وقطع عنها الغذاء بالكليّة فإنّه حينئذ ينحسم المعاء ويناله المرض الّذي يخشى معه الهلاك وأمّا إذا كان ذلك القدر تدريجا ورياضة بإقلال الغذاء شيئا فشيئا كما يفعله المتصوّفة فهو بمعزل عن الهلاك وهذا التّدريج ضروريّ حتّى في الرّجوع عن هذه الرّياضة فإنّه إذا رجع به إلى الغذاء الأوّل دفعة خيف عليه الهلاك وإنّما يرجع به كما بدأ في الرّياضة بالتّدريج ولقد شاهدنا من يصبر على الجوع أربعين يوما وصالا وأكثر. وحضر أشياخنا بمجلس السّلطان أبي الحسن وقد رفع إليه امرأتان من أهل الجزيرة الخضراء ورندة حبستا أنفسهما عن الأكل جملة منذ سنين وشاع أمرهما ووقع اختبارهما فصحّ شأنهما واتّصل على ذلك حالهما إلى أن ماتتا ورأينا كثيرا من أصحابنا أيضا من يقتصر على حليب شاة من المعز يلتقم ثديها في بعض النّهار أو عند الإفطار ويكون ذلك غذاءه واستدام على ذلك خمس عشرة سنة وغيرهم كثير ولا يستنكر ذلك. واعلم أنّ الجوع أصلح للبدن من إكثار الأغذية بكلّ وجه لمن قدر عليه أو على الإقلال منها وإنّ له أثرا في الأجسام والعقول في صفائها وصلاحها كما قلناه واعتبر ذلك بآثار الأغذية الّتي تحصل عنها في الجسوم فقد رأينا المتغذّين بلحوم الحيوانات الفاخرة العظيمة الجثمان تنشأ أجيالهم كذلك وهذا مشاهد في أهل البادية مع أهل الحاضرة وكذا المتغذّون بألبان الإبل ولحومها أيضا مع ما يؤثّر في أخلاقهم من الصّبر والاحتمال والقدرة على حمل الأثقال الموجود ذلك للإبل وتنشأ أمعاؤهم أيضا على نسبة أمعاء الإبل في الصّحّة والغلظ فلا يطرقها الوهن ولا ينالها من مدار الأغذية ما ينال غيرهم فيشربون اليتّوعات لاستطلاق بطونهم غير محجوبة كالحنظل قبل طبخه والدّرياس والقربيون ولا ينال أمعاءهم منها ضرر وهي لو تناولها أهل الحضر الرّقيقة أمعاؤهم بما نشأت عليه من لطيف الأغذية لكان الهلاك أسرع إليهم من طرفة العين لما فيها من السّمية ومن تأثير الأغذية في الأبدان ما ذكره أهل الفلاحة وشاهده أهل التّجربة أنّ الدّجاج إذا غذّيت بالحبوب المطبوخة في بعر الإبل واتخذ بيضها ثمّ حضنت عليه جاء الدّجاج منها أعظم ما يكون وقد يستغنون عن تغذيتها وطبخ الحبوب بطرح ذلك البعر مع البيض المحضّن فيجيء دجاجها في غاية العظم وأمثال ذلك كثيرة فإذا رأينا هذه الآثار من الأغذية في الأبدان فلا شكّ أنّ للجوع أيضا آثارا في الأبدان لأنّ الضّدّين على نسبة واحدة في التّأثير وعدمه فيكون تأثير الجوع في نقاء الأبدان من الزّيادات الفاسدة والرّطوبات المختلطة المخلّة بالجسم والعقل كما كان الغذاء مؤثّرا في وجود ذلك الجسم والله محيط بعلمه.

حواش[عدل]

  1. الفقر والحاجة (قاموس)
  2. لا يكثرون من استعمال السمن ولا يلتزمونه في أدمهم.
  3. السنون: ج السّنة: الجدب والقحط (قاموس) .
  4. في بعض النسخ: اما المتعودون للعيمة وترك الأدم والعيمة شهوة اللبن (قاموس) .
  5. قال في القاموس اليتّوع كصبور أو تنور كل نبات له لبن دار مسهل محرق مقطع والمشهور منه سبعة الشيرم واللاعية والعرطنيثا والماهودانه والمازريون والفلجلشت والعشر وكل اليتوعات إذا استعملت في غير وجهها أهلكت.