مقدمة ابن خلدون/المقدمة السادسة في أصناف المدركين من البشر بالفطرة أو الرياضة و يتقدمه الكلام في الوحي و الرؤيا

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقدمة ابن خلدون
المؤلف: ابن خلدون


المقدمة السادسة في أصناف المدركين من البشر بالفطرة أو الرياضة ويتقدمه الكلام في الوحي والرؤيا[عدل]

إعلم أن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصاً فضلهم بخطابه وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينهم وبين عباده يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على هدايتهم ويأخذون بحجزاتهم عن النار و يدلونهم على طريق النجاة وكان فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بوساطتهم ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم قال ﷺ ألا وأني لا أعلم إلا ما علمني الله واعلم أن خبرهم في ذلك من خاصيته و ضرورته الصدق لما يتبين لك عند بيان لك عند بيان حقيقة النبؤة و علامة هذا الصنف من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشي أو إغماء في رأي العين وليست منهما في شيء وإنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني بإدراكهم المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلية ثم يتنزل إلى المدارك البشرية إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند الله ثم تنجلي عنه تلك الحال وقد وعى ما القي إليه قال ﷺ: وقد سئل عن الوحي أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحياناً يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ويدركه أثناء ذلك من الشدة والغط مالا يعبر عنه ففي الحديث كان مما يعالج من التنزيل شدة وقالت عائشة كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً وقال تعالى: إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ولأجل هذه الغاية في تنزل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون ويقولون له رئي أو تابع من الجن وإنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال ومن يضلل الله فما له من هاد. ومن علاماتهم أيضاً أنه يوجد لهم قبل الوحي خلق الخير والزكاء ومجانبة المذمومات والرجس أجمع وهذا هو معنى العصمة وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات و المنافرة لها وكأنها منافية لجبلته وفي الصحيح أنه حمل الحجارة وهو غلام مع عمه العباس لبناء الكعبة فجعلها في إزاره فانكشف فسقط مغشياً عليه حتى استتر بإزاره ودعي إلى مجتمع وليمة فيها عرس ولعب فأصابه غشي النوم إلى أن طلعت الشمس ولم يحضر شيئاً من شأنهم بل نزهه الله عن ذلك كله حتى إنه بجبلته يتنزه عن المطعومات المستكرهة فقد كان صلى الله عليه و سلم لا يقرب البصل والثوم فقيل له في ذلك فقال إني أناجي من لا تناجون وانظر لما أخبر النبي ﷺ خديجة رضي الله عنها بحال الوحي أول ما فجأته و أرادت اختباره فقالت اجعلني بينك و بين ثوبك فلما فعل ذلك ذهب عنه فقالت إنه ملك و ليس بشيطان ومعناه أنه لا يقرب النساء وكذلك سألته عن أحب الثياب إليه أن يأتيه فيها فقال البياض و الخضرة فقالت إنه الملك يعني أن البياض و الخضرة من ألوان الخير والملائكة والسواد من ألوان الشر والشياطين وأمثال ذلك. ومن علاماتهم أيضاً دعاؤهم إلى الدين والعبادة من الصلاة والصدقة والعفاف وقد استدلت خديجة على صدقه ﷺ بذلك وكذلك أبو بكر ولم يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله وخلقه وفي الصحيح أن هرقل حين جاءه كتاب النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام أحضر من وجد ببلده من قريش وفيهم أبو سفيان ليسألهم عن حاله فكان فيما سأل أن قال بما يأمركم فقال أبو سفيان بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف إلى آخر ما سأل فأجابه فقال إن يكن ما تقول حقاً فهو نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين والعفاف الذي أشار إليه هرقل هو العصمة فانظر كيف أخذ من العصمة والدعاء إلى الدين والعبادة دليلاً على صحة نبؤته ولم يحتج إلى معجزة فدل على أن ذلك من علامات النبؤة. ومن علاماتهم أيضاً أن يكونوا ذوي حسب في قومهم وفي الصحيح ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه وفي رواية أخرى في ثروة من قومه استدركه الحاكم على الصحيحين وفي مسئلة هرقل لأبي سفيان كما هو في الصحيح قال كيف هو فيكم فقال أبو سفيان هو فينا ذو حسب فقال هرقل والرسل تبعث في أحساب قومها ومعناه أن تكون له عصبة وشوكة تمنعه عي أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه ويتم مراد الله من إكمال دينه وملته. ومن علاماتهم أيضاً وقوع الخوارق لهم شاهدةً بصدقهم وهي أفعال يعجز البشر عن مثلها فسميت بذلك معجزةً وليست من جنس مقدور العباد وإنما تقع في غير محل قدرتهم وللناس في كيفية وقوعها ودلالتها على تصديق الأنبياء خلاف فالمتكلمون بناء على القول بالفاعل المختار قائلون بأنها واقعة بقدرة الله لا بفعل النبي وإن كانت أفعال العباد عند المعتزلة صادرة عنهم إلا أن المعجزة لا تكون من جنس أفعالهم وليس للنبي فيها عند سائر المتكلمين إلا التحدي بها بأذن الله وهو أن يستدل بها النبي ﷺ قبل وقوعها على صدقه في مدعاه فإذا وقعت تنزلت منزلة القول الصريح من الله بأنه صادق وتكون دلالتها حينئذ على الصدق قطعية فالمعجزة الدالة بمجموع الخارق والتحدي ولذلك كان التحدي جزء منها وعبارة المتكلمين صفة نفسها وهو واحد لأنه معنى الذاتي عندهم والتحدي هو الفارق بينها وبين الكرامة والسحر إذ لا حاجة فيهما إلى التصديق فلا وجود للتحدي إلا إن وجد اتفاقاً وإن وقع التحدي في الكرامة عند من يجيزها و كانت لها دلالة فإنما هي على الولاية وهي غير النبؤة ومن هنا منع الأستاذ أبو إسحق و غيره وقوع الخوارق كرامة فراراً من الالتباس بالنبؤة عند التحدي بالولاية وقد أريناك المغايرة بينهما وإنه يتحدى بغير ما يتحدى به النبي فلا لبس على أن النقل عن الأستاذ في ذلك ليس صريحاً وربما حمل على إنكار لأن تقع خوارق الأنبياء لهم بناء على اختصاص كل من الفريقين بخوارقه. وأما المعتزلة فالمانع من وقوع الكرامة عندهم أن الخوارق ليست من أفعال العباد وأفعالهم معتادة فلا فرق وأما وقوعها على يد الكاذب تلبيساً فهو محال أما عند الأشعرية فلأن صفة نفس المعجزة التصديق والهداية فلو وقعت بخلاف ذلك انقلب الدليل شبهةً والهداية ضلالةً والتصديق كذباً واستحالت الحقائق وانقلبت صفات النفس وما يلزم من فرض وقوعه المحال لا يكون ممكناً وأما عند المعتزلة فلأن وقوع الدليل شبهة والهداية ضلالة قبيح فلا يقع من الله. وأما الحكماء فالخارق عندهم من فعل النبي ولو كان في غير محل القدرة بناء على مذهبهم في الإيجاب الذاتي ووقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقف عن الأسباب والشروط الحادثة مستندة أخيراً إلى الواجب الفاعل بالذات لا بالاختيار وأن النفس النبوية عندهم لها خواص ذاتية منها صدور هذه الخوارق بقدرته وطاعة العناصر له في التكوين والنبي عندهم مجبول على التصريف في الأكوان مهما توجه إليها واستجمع لها بما جعل الله له من ذلك والخارق عندهم يقع للنبي سواء كان للتحدي أم لم يكن وهو شاهد بصدقه من حيث دلالته على تصرف النبي في الأكوان الذي هو من خواص النفس النبوية لا بأنه يتنزل منزلة القول الصريح بالتصديق فلذلك لا تكون دلالتها عندهم قطعيةً كما هي عند المتكلمين ولا يكون التحدي جزأ من المعجزة ولم يصح فارقاً لها عن السحر والكرامة وفارقها عندهم عن السحر أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر فلا يلم الشر بخوارقه والساحر على الضد فأفعاله كلها شر وفي مقاصد الشر وفارقها عن الكرامة أن خوارق النبي مخصوصة كالصعود إلى السماء والنفوذ في الأجسام الكثيفة وإحياء الموتى وتكليم الملائكة والطيران في الهواء وخوارق الولي دون ذلك كتكثير القليل والحديث عن بعض المستقبل وأمثاله مما هو قاصر عن تصريف الأنبياء ويأتي النبي بجميع خوارقه ولا يقدر هو على مثل خوارق الأنبياء وقد قرر ذلك المتصوفة فيما كتبوه في طريقتهم ولقنوه عمن أخبرهم وإذا تقرر ذلك فاعلم أن أعظهم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد ﷺ فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرةً للوحي الذي يتلقاه النبي و يأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه وهذا معنى قوله ﷺ ما من نبي من الأنبياء إلا وأتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحى إلي فأنا أرجو أن أكون تابعاً يوم القيامة يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهو كونها نفس الوحي كان الصدق لها أكثر لوضوحها فكثر المصدق المؤمن وهو التابع والأمة.

ولنذكر الآن تفسير حقيقة النبؤة على ما شرحه كثير من المحققين ثم نذكر حقيقة الكهانة ثم الرؤيا ثم شان العرافين وغير ذلك من مدارك الغيب فنقول إعلم، أرشدنا الله وإياك أنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثماني وأولاً عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعداً من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلاً بعضها ببعض وكل واحد منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعداً وهابطاً ويستحيل بعض الأوقات والصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهو ألطف من الكل على طبقات اتصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط وبها يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها وما بعد ذلك من وجود الذوات التي لها هذه الآثار فيها ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية ترتفع إليه من عالم القدرة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده وهذا غاية شهودنا ثم إنا نجد في العوالم على اختلافها آثاراً متنوعةً ففي عالم الحس آثار من حركات الأفلاك والعناصر وفي عالم التكوين آثار من حركة النمو والإدراك تشهد كلها بأن لها مؤثراً مبايناً للأجسام فهو روحاني ويتصل بالمكونات لوجود اتصال هذا العالم في وجودها ولذلك هو النفس المدركة والمحركة ولا بد فوقها من وجود آخر يعطيها قوى الإدراك والحركة ويتصل بها أيضاً ويكون ذاته إدراكا صرفاً وتعقلاً محضاً وهو عالم الملائكة فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية ليصير بالفعل من جنس الملائكة وقتاً من الأوقات في لمحة من اللمحات وذلك بعد أن تكمل ذاتها الروحانية بالفعل كما نذكره بعد ويكون لها اتصال بالأفق الذي بعدها شأن الموجودات المرتبة كما قدمناه فلها في الاتصال جهتا العلو والسفل وهي متصلة بالبدن من أسعف منها وتكتسب به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على التعقل بالفعل ومتصلة من جهة الأعلى منها بأفق الملائكة ومكتسبة به المدارك العلمية والغيبية فإن عالم الحوادث موجود في تعقلاتهم من غير زمان وهذا على ما قدمناه من الترتيب المحكم في الوجود باتصال ذواته وقواه بعضها ببعض ثم إن هذه النفس الإنسانية غائبة عن العيان وآثارها ظاهرة في البدن فكأنه وجميع أجزائه مجتمعةً ومفترقةً آلات للنفس ولقواها أما الفاعلية فالبطش باليد والمشي بالرجل والكلام باللسان والحركة الكلية بالبدن متدافعاً وأما المدركة وإن كانت قوى الإدراك مرتبة ومرتقيةً إلى القوة العليا منها ومن المفكرة التي يعبر عنها بالناطقة فقوى الحس الظاهرة بآلاته من السمع والبصر وسائرها يرتقي إلى الباطن وأوله الحس المشترك وهو قوة تدرك المحسوسات مبصرةً ومسموعةً وملموسةً وغيرها في حالة واحدة وبذلك فارقت قوة الحس الظاهر لأن المحسوسات لا تزدحم عليها في الوقت الواحد ثم يؤديه الحس المشترك إلى الخيال وهي قوة تمثل الشي المحسوس في النفس كما هو مجرد عن المواد الخارجة فقط وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن الأول من الدماغ مقدمه للأولى ومؤخرة للثانية ثم يرتقي الخيال إلى الواهمة والحافظة فالواهمة لإدراك المعاني المتعلقة بالشخصيات كعداوة زيد وصداقة عمرو ورحمة الأب وافتراس الذئب والحافظة لإبداع المدركات كلها متخيلةً وهي لها كالخزانة تحفظها لوقت الحاجة إليها وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن المؤخر من الدماغ أوله للأولى ومؤخره للأخرى ثم ترتقي جميعها إلى قوة الفكر وآلته البطن الأوسط من الدماغ و هي القوة التي يقع بها حركة الرؤية والتوجه نحو التعقل فتحرك النفس بها دائماً لما ركب فيها من النزوع للتخلص من درك القوة والاستعداد الذي للبشرية وتخرج إلى الفعل في تعقلها متشبهةً بالملإ الأعلى الروحاني وتصير في أول مراتب الروحانيات في إدراكها بغير الآلات الجسمانية فهي متحركة دائماً ومتوجهة نحو ذلك وقد تنسلخ بالكلية من البشرية وروحانيتها إلى الملكية من الأفق الأعلى من غير اكتساب بل بما جعل الله فيها من الجبلة والفطرة الأولى في ذلك.