مقدمة ابن خلدون/الفصل الخامس عشر في أن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقدمة ابن خلدون الجزء الثاني
المؤلف: ابن خلدون



الفصل الخامس عشر في أن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء[عدل]

اعلم أنّ العالم العنصريّ بما فيه كائن فاسد لا من ذواته ولا من أحواله والمكوّنات من المعدن والنّبات وجميع الحيوانات الإنسان وغيره كائنة فاسدة بالمعاينة وكذلك ما يعرض لها من الأحوال وخصوصا الإنسانيّة فالعلوم تنشأ ثمّ تدرس وكذا الصّنائع وأمثالها والحسب من العوارض الّتي تعرض للآدميّين فهو كائن فاسد لا محالة وليس يوجد لأحد من أهل الخليقة شرف متصل في آبائه من لدن آدم إليه إلّا ما كان من ذلك للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كرامة به وحياطة على السّرّ فيه وأوّل كلّ شرف خارجيّة كما قيل، وهي الخروج عن الرّئاسة والشّرف إلى الضّعة والابتذال وعدم الحسب ومعناه أنّ كلّ شرف وحسب فعدمه سابق عليه شأن كلّ محدث ثمّ إنّ نهايته في أربعة آباء وذلك أنّ باني المجد عالم بما عاناه في بنائه ومحافظ على الخلال الّتي هي أسباب كونه وبقائه وابنه من بعده مباشر لأبيه فقد سمع منه ذلك وأخذه عنه إلّا أنّه مقصّر في ذلك تقصير السّامع بالشّيء عن المعاني له ثمّ إذا جاء الثّالث كان حظّه الاقتفاء والتّقليد خاصّة فقصّر عن الثّاني تقصير المقلّد عن المجتهد ثمّ إذا جاء الرّابع قصّر عن طريقتهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها وتوهّم أنّ ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلّف وإنّما هو أمر وجب لهم منذ أوّل النّشأة بمجرّد انتسابهم وليس بعصابة ولا بخلال لما يرى من التّجلّة بين النّاس ولا يعلم كيف كان حدوثها ولا سببها ويتوهّم أنّه النّسب فقط فيربأ بنفسه عن أهل عصبيّته ويرى الفضل له عليهم وثوقا بما ربّي فيه من استتباعهم وجهلا بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال الّتي منها التّواضع لهم والأخذ بمجامع قلوبهم فيحتقرهم بذلك فينغّصون عليه ويحتقرونه ويديلون منه سواه من أهل ذلك المنبت ومن فروعه في غير ذلك العقب للإذعان لعصبيّتهم كما قلناه بعد الوثوق بما يرضونه من خلاله فتنمو فروع هذا وتذوي فروع الأوّل وينهدم بناء بيته هذا في الملوك وهكذا في بيوت القبائل والأمراء وأهل العصبيّة أجمع ثمّ في بيوت أهل الأمصار إذا انحطّت بيوت نشأت بيوت أخرى من ذلك النّسب «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ 14: 19- 20» [1] واشتراط الأربعة في الأحساب إنّما هو في الغالب وإلّا فقد يدّثر البيت من دون الأربعة ويتلاشى وينهدم وقد يتّصل أمرها إلى الخامس والسّادس إلّا أنّه في انحطاط وذهاب واعتبار الأربعة من قبل الأجيال الأربعة بان ومباشر له ومقلّد وهادم وهو أقلّ ما يمكن وقد اعتبرت الأربعة في نهاية الحسب في باب المدح والثّناء قال صلّى الله عليه وسلّم «إنّما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» إشارة إلى أنّه بلغ الغاية من المجد وفي التّوراة ما معناه إنّ الله ربّك طائق [2] غيور مطالب بذنوب الآباء للبنين على الثّوالث والرّوابع وهذا يدلّ على أنّ الأربعة الأعقاب غاية في الأنساب والحسب. وفي كتاب الأغاني في أخبار عزيف الغواني أنّ كسرى قال للنّعمان هل في العرب قبيلة تتشرّف على قبيلة قال نعم قال بأيّ شيء قال من كان له ثلاثة آباء متوالية رؤساء ثمّ اتّصل ذلك بكمال الرّابع فالبيت من قبيلته وطلب ذلك فلم يجده إلّا في آل حذيفة بن بدر الفزاريّ وهم بيت قيس وآل ذي الجدّين بيت شيبان وآل الأشعث بن قيس من كندة وآل حاجب بن زرارة وآل قيس بن عاصم المنقريّ من بني تميم فجمع هؤلاء الرّهط ومن تبعهم من عشائرهم وأقعد لهم الحكّام والعدول فقام حذيفة بن بدر ثمّ الأشعث بن قيس لقرابته من النّعمان ثمّ بسطام بن قيس بن شيبان ثمّ حاجب بن زرارة ثمّ قيس بن عاصم وخطبوا ونثروا فقال كسرى كلّهم سيّد يصلح لموضعه وكانت هذه البيوتات هي المذكورة في العرب بعد بني هاشم ومعهم بيت بني الذّبيان من بني الحرث بن كعب اليمنيّ وهذا كلّه يدلّ على أنّ الأربعة الآباء نهاية في الحسب والله أعلم.

حواش[عدل]

  1. سورة فاطر الآية: 16 و 17.
  2. طائق: قادر