مقدمة ابن خلدون/الفصل السادس عشر في أن الأمم الوحشية أقدر على التغلب ممن سواها

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقدمة ابن خلدون الجزء الثاني
المؤلف: ابن خلدون



الفصل السادس عشر في أن الأمم الوحشية أقدر على التغلب ممن سواها[عدل]

اعلم أنّه لمّا كانت البداوة سببا في الشّجاعة كما قلناه في المقدّمة الثّالثة [1] لا جرم كان هذا الجيل الوحشيّ أشدّ شجاعة من الجيل الآخر فهم أقدر على التّغلّب وانتزاع ما في أيدي سواهم من الأمم بل الجيل الواحد تختلف أحواله في ذلك باختلاف الأعصار فكلّما نزلوا الأرياف وتفنّقوا [2] النّعيم وألفوا عوائد الخصب في المعاش والنّعيم، نقص من شجاعتهم بمقدار ما نقص من توحّشهم وبداوتهم واعتبر ذلك في الحيوانات العجم بدواجن الظّباء والبقر الوحشيّة والحمر إذا زال توحّشها بمخالطة الآدميّين وأخصب عيشها كيف يختلف حالها في الانتهاض [3] والشّدّة حتّى في مشيتها وحسن أديمها وكذلك الآدميّ المتوحّش إذا أنس وألف وسببه أنّ تكوّن السّجايا والطّبائع إنّما هو عن المألوفات والعوائد وإذا كان الغلب للأمم إنّما يكون بالإقدام والبسالة فمن كان من هذه الأجيال أعرق في البداوة وأكثر توحّشا كان أقرب إلى التّغلّب على سواه إذا تقاربا في العدد وتكافئا في القوّة العصبيّة وانظر في ذلك شأن مضر مع من قبلهم من حمير وكهلان السّابقين إلى الملك والنّعيم ومع ربيعة المتوطّنين أرياف العراق ونعيمه لمّا بقي مضر في بداوتهم وتقدّمهم الآخرون إلى خصب العيش وغضارة [4] النّعيم كيف أرهفت البداوة حدّهم في التّغلّب فغلبوهم على ما في أيديهم وانتزعوه منهم وهذا حال بني طيِّئ وبني عامر بن صعصعة وبني سليم بن منصور ومن بعدهم لمّا تأخّروا في باديتهم عن سائر قبائل مضر واليمن ولم يتلبّسوا بشيء من دنياهم كيف أمسكت حال البداوة عليهم قوّة عصبيّتهم ولم تخلفها مذاهب التّرف حتّى صاروا أغلب على الأمر منهم وكذا كلّ حيّ من العرب يلي نعيما وعيشا خصبا دون الحيّ الآخر فإنّ الحيّ المتبدّي [5] يكون أغلب له وأقدر عليه إذا تكافئا في القوّة والعدد. سنة الله في خلقه.

حواش[عدل]

  1. ورد هذا العنوان في المقدمة الخامسة.
  2. تفنقوا: تنعموا
  3. الانتهاض: القيام بالأمر.
  4. الغضارة: النعمة والخصب (قاموس) .
  5. المتبدي: المقيم في البادية.