مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى/توطئة
منذ اليوم الذي بسط فيه العثمانيون سلطانهم على البلاد العربية، والعلاقات القائمة بين العرب والترك موطدة الأركان ثابتة البنيان، إذ كان العرب قد أفل، وكان الاتراك ينظرون إلى العرب نظرتهم إلى عنصر تجمعهم به رابطة العقيدة الدينية، فلم يثقل حكمهم على العرب.
ودار الزمن دوراته، وتعاقبت الأعوام تباعا، والعلاقات بين العرب والأتراك، تسير في جو هادئ لا تعكرها نمرة جنسية أو نزعة عنصرية، حتى إذا ما تولى السلطنة الخليفة عبد الحميد، تجلت هذه العلاقات واضحة وعلى صورة أقوى و أوثق من ذي قبل، إذ حرص هذا الخليفة في سياسته على خطب ود العرب واستدناهم منه، وتعزيز صلاته بهم، فكان السيد المطاع، والرئيس المرموق.
بيد أن الشعور القومي كان ينبثق مومضا بين الفينة والفينة تحدوه الأمجاد العربية التاريخية. ولكنه كان مقتصرة على طائفة بعينها هي طائفة المثقفين. لذلك لم يتعد هذا الشعور حدوده ولم يتجاوز آفاقهم، بسبب الجهل الذي كان مسيطرا يومذاك على العالم العربي.
غير أن الثقافة القومية الأوروبية ما لبثت أن تغلغلت في الاقطار العثمانية جميعها، وبخاصة ما نجم منها عن الثورة الفرنسية الكبرى، فما كان من الأتراك إلا أن راحوا يتغنون بهذه الثقافة مبشرين مبادئها، متطلعين إلى الأخذ عنها ، ولا سيما بعد اعلان الدستور عام ١٩٠٨، اذا سيطرت النعرة الطورانية على الشبيبة التركية الاتحادية ، لم يعودوا ينظرون إلى العرب کاخوان في الدين ، بل مستعبدين مستعمرين . وكان لا هذه الروح العنصرية العنيفة من أثر تتجلى فيه الله الخليفة . وقد تمكن الاتحاديون من تحقيق حلمهم ، فخلعوا السلطان عبد الحميد وأعلنوا الدستور عام ١٩٠٨ ، وبذلك قضوا على آخر خليفة كان ينظر إلى العرب نظرته الى اخوان في العقيدة الإسلامية – وكان ذلك من دواعي سياسته كخليفة للمسلمين – فيذر الرماد على الروح الوطنية الجياشة في صدور مثقفي العرب.
ثم شرع الاتحاديون يناهضون العرب مستغلين حفاوة الشعب باعلان الدستور ؛ وان أنس لا أنس حادثة مر بي في الاستانة ، وهو من أوثق الأدلة على الشعور العدائي الموجه ضد العرب . فبينما كنت أسير مع زميل الدراسة عوني عبد الهادي عقب اعلان الدستور ، شاهدت جمهور غفير من الاهلين أمام ضابط يدعى مري بك وقد قام يخطب فوق عجلة متمنيا محسنات الدستور وامجاده ، ثم ما لبث أن انتقل الى التحامل على كبار الموظفين العرب السابقين ، كأن يقول : « الخائن عسب عزة والخائن عرب أبو الهدى [1] الخ... وقد عجبت أيما عجب لهذا التحامل المغرض؛ أفلم يكن بين رجال الحكم البائد طائفة كبيرة من الاتراك فلما لم يندد الخطيب واحد منهم مثل ما تندد بالشخصيتين العربيتين ؟ واذا كان يندد بهما لشخصهما فل يعمد الى ذكر قومیتهما ؟.
حقًا لقد هزني شعوري القومي وتعاظمتني العزة العربية ، فانطلقت اليه وصديقي عوني عبد الهادي ، ندفع صفوف الجماهير المزدحمة حتى اذا ما وصلنا اليه ، جابهناه باستنكار مزاعمه ، وفي ملامحهنا الغضب الشديد وفي صوتنا نبرات في مثل النار.
ولدى معادي وزميلي الى مسكننا أخذنا نقلب الرأي فيما سوف تتمخض عنه الأحداث بعد إذ علن لنا بوضوح أن رجال « جمعية تركيا الفتاة » و الذين تسلموا مقاليد الحكم في العهد الجديد متعصبون أيما تعصب لقوميتهم التركية ، حاصرون سیاستهم في تقوية هذه القومية والنهوض بها على حساب القوميات الأخرى التي كانت تنتظمها الدولة العثمانية . وقد خرجنا من هذه الحقيقة على أن نشكل جمعية عربية سرية على نحو جمعية تركيا الفتاة تنهض بواجب الدفاع عن حقوق العرب ورفع مستواهم ، ولم أكد أفاتح الزميل محمد رستم حيدر الذي أعتمد عليه حتى حبذ الرأي . وكان هذا مبدأ تشكيل الجمعية العربية الفتاة ، أي على أثر اعلان الدستور العثماني بأربعة أيام لا أكثر.
جمعية الاخاء العربي
واحتفلت بالدستور جميع العناصر المنضوية تحت راية الامبراطورية العمانية ، لأنها كانت تتوقع أن يعود عليها هذا الدستور بالخير العميم . ونحن العرب لم نكن نتوقع في حال أن يستغل الدستور للتحامل على وطنيتنا وقوميتنا ، لذلك اندفع المثقفون الواعون يفكرون في الطريقة التي تساعدنا على الاحتفاظ بكرامتنا ، ولما أن رأوا الى العنصر الأرمني يشرع بتأسيس النوادي والجمعيات الخاصة به ويجاريه في ذاك الاروام والارناؤوط وغيرهم ، شعروا بالتبعة التي تحفزهم الى التطريز على منوال غيرهم ، وترسم آثارهم ، حفاظا على عروبتهم من جهة، ثم برهنةً على أنهم ليسوا دون غيره استعداداً وطموحاً ؛ وقد لاقى هذا الشعور صداه القوي في الأوساط العربية ، فاغتنمه فريق من ذوي المقامات الرفيعة وأهل الرأي من رجالات العرب في عهد عبد الحميد ، وأسسوا جمعية أطلقوا عليها عنوان «الاخاء العربي » على أن تكون غايتها عون » جمعية الاتحاد والترقي » في الحفاظ على أحكام الدستور ، وجمع كلمة جميع الملل التي تظللها الراية العثمانية ، دون ما نظر إلى الفروق الدينية والجنسية ، والسعي إلى تأييد العدل والحرية والمساواة بين جميع هذه العناصر ، وإزالة الضغائن والاحقاد بينها . ومن هذا يتبين أن القائمين على « جمعية الاخاء العربي » قد حرصوا على ألا يظهروا بالمظهر الذي يستشم منه أي عداء الحكم القائم ، على انهم لم يغفلوا في برنامجهم أن الجمعية سوف تعمل على اعلاء شأن الأمة العربية في كافة مرافقها الحيوية فمن الناحية الفكرية تهتم بنشر العلوم والمعارف بين أبنائها و تأسیس المدارس واصدار الجرائد . ومن الناحية الاقتصادية ستعمد الى رفع المستوى الاقتصادي بين السكان وذلك بالقيام بالمشاريع الاقتصادية و تنمية الثروة القومية .
وكان الطلاب العرب في هذا الدور لا يفكرون إلا بتعزيز قوميتهم على غرار زملائهم الأتراك الاتحاديين ، فيؤيدوا كل من يتقدم لتعزيز هذه القومية ؛ ولذا سارعوا الى تأييد « جمعية الاخاء العربي » كل التأييد ، من غير أن يكلفوا أنفسهم مؤونة استكناه حقيقة شخصيات أعضائها ، والبحث فيما اذا كانوا جديرين حقا بالاضطلاع بمهمة خدمة العرب ، وغاية ما كانوا يشعرون هو أنهم في حاجة قصوى إلى تأييد كل فرد عربي، مهما تكن صفته، و مهما تكن نزعته . أما هو عربي ؟؟ ان في ذلك لكفاية وغنى.
إلا أن جمعية الاخاء العربي ما لبثت أن انحلت بعد وقوع حادثة ٣١ آذار ١٩٠٩ الشهيرة وملخصها أن أفراد الجيش التركي المرابط في الاستانة لم يكونوا متشبعين بالافكار الحرة التقدمية كزملائهم أفراد الجيش المرابط في , الروملي[2] الذين كانوا على اتصال دائم مع الغرب وجيوش الدول البلقانية المتشبعة بالروح القومية والافكار الحرة. لذلك فانهم قد قاموا بعصيان مسلح بعد أن نحوا ضباطهم وطالبوا بإعادة سلطة الخليفة وعدم الاعتراف بالوضع الذي تم بعد اعلان الدستور، الأمر الذي اضطر الجيش المرابط في « الروملي » بقيادة محمود شوکت باشا العراقي الأصل إلى الزحف على استانبول و محاصرة العصاة والتغلب عليهم ثم خلع عبد الحميد واعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل هذا العصيان.
واتهم عبد الحميد بالمؤامرة وتهيئة هذا العصيان لصالحه الخاص كي يعيد سلطته الفردية التي أضاعها باعلان الدستور سنة ١٩٠٨. إلا أن الواقع يدل على أن عبد الحميد لم يكن يفكر بما نسب اليه، وهو الذي يعرف بأن الدستور اعلن بناء على حركة قام بها الجيش المرابط في الروملي وان هذا الجيش هو النخبة الممتازة من الجيش العثماني. فمن الطبيعي أن لا يخاطر عبد الحميد ويحرك القوة العسكرية المرابطة في استنبول لتقدم على ما أقدمت عليه مع وجود الفارق الكبير بينها وبين قوى الروملي . إلا أنه قد يكون داخله الفرح لما وقع، مع الملاحظة بأن ذلك ربما أودى بحياته . وقد سبب بالفعل خلعه عن العرش فالدافع الحقيقي الاحادثة اذن هو أن أفراد جيش الاستانة كانوا متشبعين بالافكار الرجعية وبروح التعصب ، والنظر لوضع الاستانة الديني وكونها عاصمة الخلافة ، و بتمسك الجميع فيها بالدعايات التي توجب التمسك بأهداب الدين و مکارم الخلافة ، الأمر الذي لا يخلو أبداََ من التأثير بأفكار واتجاهات الجمهور ولا سيما الجهلاء منه . ولما كان معظم المنتسبين الى فروع جمعية الاخاء في الولايات العربية من الرجعيين الذين آزروا حركة عصیان ٣١ آذار المشهورة لذلك فان الاتحاديين بعد أن قمعوا هذا العصيان المسلح ، أغلقوا فروع جمعية الاخاء فلم يعد لرجالها منفعة من استمرارها في العمل بعد أن أصبحت الحكومة ضدها فانحلت الجمعية. العربي
المنتدى الادبي :
و بعد اعلان الدستور ودعوة البلاد العثمانية الى الانتخابات النيابية ، أخذ النواب يتوافدون الى الاستانة . وقد أراد الاتحاديون اخراج أحد نواب العرب ممن اتصل بعبد الحميد من مجلس النواب لانهم لم يطمئنوا اليه وكان نائبا عن بنغازي واسمه يوسف شتوان وقد تحايلوا على ذلك بادعائهم أن انتخابه غير صحيح وغير قانوني ؛ فثارت ثائرتي وصديقي محمد یوسف خيبر ، واتفقنا مع كثير من اخواننا الطلاب العرب على تأییده ، فانطلقنا الى المجلس ، واستطعنا بفضل تضامننا ، بعد أن مهدنا السبيل الى ذلك بتوزيع المنشورات والقاء الخطب ان نئبته في المجلس وطفقنا لا يتناهى الى مسامعنا نبأ وصول نائب عربي الى الاستانة إلا أزدلفنا الى المرفأ نستقبله استقبالاََ حاراََ رائعا. ومن هذا كله يتبين أن الشعور القومي العربي عمَّ جميع الطلاب والشبيبة هم دعامة المستقبل ولكن الاحداث كانت تعلمنا وتثقفنا ؛ فأدركنا أن العمل غير المنظم لن يعود بفائدة ملموسة ، وخاصة بعد أن طالعنا نظم الاتحاديين و تشکیلاتهم ، فأسسها المنتدى الأدبي عام ١٩٠٩ ، الا انني لم أكن انوي الاقامة في الاستانة طويلاََ بعد تأسيسه فغادرتها الى باريس وكان دعامة هذا المنتدى يوسف مخيبر وسيف الدين الخطيب ورفيق رزق سلوم ، وهم من أصدقائي الذين أعتمد عليهم وعبد الكريم قاسم الخليل وجميل الحسيني وأحمد عزت الاعظمي مصدر مجلة المنتدى الأدبي . وبتي المنتدي قائما حتى أوائل عام ١٩١٥ اذ أغلقته الحكومة بعد ذلك وقد أدى هذا المنتدى للعرب خدمات جليلة فنشر الفكرة العربية ، وكان بمثابة موئل الطلاب العرب الذين يؤمون الاستانة . وبالنظر لكونه المؤسسة العربية ذات المكانة الوحيدة في الدولة العثمانية . ولما كان رئیسه عبد الكريم قاسم الخليل طموحاََ سهل الانقياد ، فقد بلغ هذا المنتدى مكانة رفيعة وخاصة ابان عقد الاتفاق بين زعماء العرب والاتحاديين عقب مؤتمر باريس.
جمعية الفتاة :
وقد سافر عوني عبد الهادي ومحمد رستم لباريس لاكمال دراستهما فخابراي بخصوص مواصلة السير بجمعيتنا العربية التي كنا شرعنا بتأسيسها في الآستانة فأحبتهما بضرورة ذلك و بأنني على وشك اللحاق بهما . وهكذا تشكلت أول هيئة ادارية للفتاة سنة ١٩١١ وغايتها النهضة بالعرب وايصالهم الى مصاف الامم الحية. - ١١ وكنا نهدف من اطلاق اسم « الفتاة » ، على جمعيتنا ، اسم الجمعية العربية الفتاة ، ولكننا خشينا أن يلفت هذا الاسم أنظار الاتحاديين فنقع تحت طائلة طغيانهم فيما فيما اذا عثروا على شيء من مراسلاتنا أو أخبارنا لذلك آثرنا اللياذ بالتستر الشديد. أما مركز الجمعية فقد كان في باريس بسبب وجودنا طلاباََ فيها ، وقد ضمت كلاّ من السادة: عوني عبد الهادي ، رفيق التميمي ، محمد رستم حيدر ، محمد محمصاني ، عبد الغني العريسي ، صبري الخوجة ، توفيق الناطور ، وكاتب هذه السطور ، وكنا أول هيئة ادارية للفتاة. ثم انضم إليها : جميل مردم بك ، صبحي الحسيني، الامير مصطفي الشهابي ، توفيق فايد ، ابراهيم حيدر . وقد تحاشينا ذكر اسم الاستقلال في مضامین برنامج جمعيتنا ، وان كنا في السر نعمل ونسعى وراءه. أما سير أعمالنا فقد كان وفق خطة مرسومة منظمة . فكنا نعقد اجتماعاتنا في باريس بصورة سرية، ونحتاط لمساعينا بالكتمان الشديد، ونحرص أيما حرص على محاضر الجلسات أن يتسرب منها ما ينم على حقيقتنا . و كان من شروط العضو المنتمي الى جمعيتنا أن يكون كتوماََ مخلصاََ ، مؤمناََ بالعقيدة القومية العربية ، مطيعاََ لقرارات الاكثرية بدون قید و لا شرط واذا ما آنس أحد الأعضاء في شخص عربي نزعة وطنية عربية نظير نزعتنا ، وجب عليه أن يقدم عنه تقريراََ حتى اذا درس الدراسة الوافية ، واستوثقت الجمعية من أهليته ، أصدر القرار بقبول انتسابه مبدئياََ ، ثم عهد الى شخصين هما مقدمه و أحد الاعضاء بدراسة كافة أحواله وملابساته ، ونزعاته في مبادئه الوطنية ثم صلابة أخلاقه . ومتى - ١٢ تمّ هذا كله، دعي الى تأدية القسم أمامهما فقط وهو لا يعرف من أعضاء الجمعية غيرهما . وكان القسَم الذي أشرت اليه يتلخص في الطاعة لقرارات الجمعية ، والحرص على الكتمان الشديد ، وبذل النفس والنفيس في سبيل إعلاء شأن الامة العربية وايصالها الى مصاف الأم الحية - كما قلنا من قبل - . لم تكن أعمال الجمعية في بادىء الامر لتتعدى نشر الدعاية الوطنية في الصحف وغيرها ،والتحري عن أعضاء جدد . ولما كنت وأنا في باريس على اتصال دائم بأصدقائي في المنتدى الادبي باستانبول، وهم سيف الدين الخطيب ورفيق رزق سلوم ، و يوسف مخيبر ، فقد قدمت أسماءهم الى هيئة جمعية الفتاة الادارية ، فاحرزوا التزكية ، وقبلوا في عداد أعضائها وقد أقسموا اليمين أمام السيد توفيق الناطور وهو في طريق عودته الى بيروت عن طريق استنبول وبذلك أصبحت أعمال المنتدى المذكور في استنبول مرتبطة بجمعية الفتاة بباريس. وخابرت کذلك رشيد الحسامي الذي كان موظفاََ عدلياََ في الكرك لينضم إلينا . وبعد أن تمت مخابرته و مخابرة توفيق البساط والامير عارف الشهابي وعمر حمد ومحمد الشربقي ، و بعد دراسة مبادئهم ، ضموا الى حلقة أعضاء جمعيتنا . ولما كان صيف عام ١٩١٣ فاتحتُ توفيق السويدي في استنبول وأنا عائد الى دمشق بالانضمام الينا وقدمت اسمه للمركز ، فقبل حسب الأصول المرعية . وعقب وصولي لدمشق أطلعت شكري القوتلي على قانوننا في دارنا بالقنوات ثم زُكِّي وقبل بعد أن حلف اليمين حسب المعتاد. وانضم الينا أيضاََ كثير من الأعضاء الجدد في العطل الصيفية ، أي في الاوقات التي تعود فيها الى بلادنا . وما مرّت بنا فرصة سانحة من الدعاية لقضية وطننا وخدمته إلا اعتنمناها. جمعية العهد : لم يكن وضع البلدان العربية خافياََ على مثقفني الضباط العرب أيضاََ . فأخذوا بدورهم يفكرون بواجبهم نحو وطنهم وانتهوا الى تأليف : «جمعية العهد، عام ١٩١٣ وهي جمعية سرية كان من خيرة رجالها عزيز علي المصري ، وياسين الهاشمي ، ونوري السعيد ، و مولود مخلص ، ومحمد اسماعيل الطباخ ، وسليم الجزائري ، وعلي النشاشيي الخ ... وسأذكر بعد قليل كيف اتصلت جمعية الفتاة بهذه الجمعية ، وكان عزيز علي يرى ضرورة لقلب ادارة الدولة العثمانية لتدار کولايات متحدة لكل منها برلمانها ولها برلمان اتحادي في الاستانة حتى يمكن انقاذها من الانقراض . مؤتمر باريس: ثم جاء مؤتمر باريس كأحسن وأفضل فرصة للدعاية إلى الاهداف التي تستشرفها« جمعية الفتاة» . وقد كلفت الجمعية اخواننا السادة : عوني عبد الهادي وجميل مردم بك و محمد محمصاني و عبد الغني العريسي بمهمة السعي لعقد مؤتمر في باريس غايته تحقيق أهدافها ، فضموا إليهم السادة
- ندره المطران ، شكري غانم، شارل دباس ، جمیل معلوف ،
حتى يشمل المؤتمر المسلمين والمسيحيين معا ، وكلف دباس، والعريسي ومردم بأمانة سير المؤتمر . و بذلك تأسست لجنة ( مؤتمر باريس ) في أوائل نیسان ١٩١٣ . فاتصل أعضاء هذه اللجنة فورا بحزب اللامركزية في مصر وبكل من آنسوا فيهم مهم من امكان التعاون معهم. وكان حزب اللامركزية يضم السادة : رفيق العظم ، رشید رضا ، شبلي الشميل ، اسكندر عمون ، حقى العظم، محب الدين الخطيب الخ... وهدفه أن تحصل البلدان العربية وهي جزء من الدولة العثمانية ، على شكل النظام الإداري اللامركزي ، كما تمكن من استصلاح شؤونها ومواكبة سير المدنية . وكان للحزب مكانته الكبرى بالنظر لمكانة أعضائه وصلتهم بالصحافة المصرية ، وكانت الغاية اتصالنا بهذا الحزب اللامركزي تعميم الحركه العربية ونشر فكرتها، كما أن لجنة مؤتمر باريس اتصلت بالجمعية الاصلاحية في بيروت وكانت جمعية الفتاة متصلة بها بواسطة أعضائها الموجودين في بيروت
وقد تأسست الجمعية الإصلاحية في بيروت عقب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب البلقانية في خريف سنة ١٩١٢ و ترديد الاندية الأوربية تقسيمها لمناطق نفوذ . وخشي العرب مغبة ذلك فتنادي مفكرو بيروت في شهر كانون أول ١٩١٢ للعمل على درء الخطر عن بلادهم وكان والي الولاية أدهم بك سياسياََ معتدلاََ عينته حكومة الاستانة الائتلافية التي يرأسها كامل باشا فاستجاب لطلباتهم ، فاجتمع مندوبو بيروت في دار البلدية وقرروا طلب تطبيق اللامركزية في ادارة البلاد، وأن يكون للولاية مجلس عمومي يشرف على الادارة المحلية ، وله حق استيضاح الوالي وطلب عزله من حكومة الاستانة المركزية، وأن تكون اللغة العربية رسمية كالتركية في البلاد العربية ، ويستعان في الامور الفنية مستشارين أجانب تعينهم الحكومة المركزية ، فلم تمانع حكومة الاستانة في ذلك ، إلا أن اغتيال الاتحاديين لوزير الحربية ناظم باشا واقالة كامل باشا من
الحكم في ٢٣ كانون الثاني ، واستلام أنور باشا وزارة الحربية ، وجمال باشا البحرية غيّر الوضع ، فعزل الوالي و عين مكانه حازم بك، فحل الجمعية الاصلاحية في شهر مارس . وقد احتجت بيروت وظهرت صحفها بيضاء مجللة بالسواد ، ولم يتوقف نضال رجال الإصلاح إلا بعد اتفاق الاتحاديين مع المؤتمرين في باريس.
وانعقد مؤتمر باريس في 18 حزيران ١٩١٣ مؤلفاََ من السادة : عبد الحميد الزهراوي رئيساََ ومندوباََ عن حزب اللامركزية في مصر مع زميله اسکندر عمون ، وأحمد مختار بيهم ، وسليم علي سلوم ، والدكتور أيوب ثابت و أحمد حسن طبارة عن الجمعية الاصلاحية في بيروت , و توفيق السويدي وسليمان عنبر عن العراق ، ومحمد حيدر وابراهيم حیدر عن بعلبك ، وعبد الكريم الخليل عن جالية الاستانة ، وعباس بجاتي عن المهاجرين السوريين في أميركا الجنوبية ، ونجيب دياب ونعوم مكرزل والياس مقصود عن المهاجرين السوريين في الولايات المتحدة ، وندرة مطران و جمیل مردم بك وشكري غانم وعوني عبد الهادي وعبد الغني العويسي وشارل دباس وخير الله خير الله ومحمد محمصاني عن الجالية العربية في باريس.
وقد أقرّ هذا المؤتمر المقررات الآتية :
١- ان الاصلاحات الحقيقية واجبة وضرورية للمملكة العثمانية فيجب أن تنفذ بوجه السرعة.
٢ - من المسلم به أن يكون تمتع العرب بحقوقهم السياسية مضموناََ وذلك بأن يشتركوا في الادارة المركزية للمملكة اشتراكاََ فعلياََ.
٣- يجب أن تنشأ في كل ولاية عربية ادارة لامركزية تنظر في حاجاتها ومتطلباتها للرقي.
٤- كانت ولاية بيروت قدمت مطالبها بلائحة خاصة صودق علها يوم 31 كانون الاول ١٩١٣ باجماع الآراء وهي قائمة على مبدأين أساسيين وها توسیع سلطة المجالس العمومية وتعيين الدولة العثمانية لمستشارين أجانب كموظفين لدى الحكومة، فالمؤتمر يطلب تنفيذ و تطبيق هذين المطلبين .
٥- اللغة العربية يجب أن تكون معتبرة في مجلس النواب العثماني ، ويجب أن يقرر هذا المجلس كون اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية
٦- تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات العربية إلا في الظروف والاحيان التي تدعو الى الاستثناء الاقصى ٧ - يتمنى المؤتمر من الحكومة السنية العثمانية أن تكفل لمتصرفية لبنان وسائل مالیتها
٨ - يصادق المؤتمر ويظهر میله لمطالب الارمن العثمانيين القائمة على أساس اللامركزية ويرسل لهم تحياته بواسطة مندوبهم ويحيي العراق .
٩ - يجري تبليغ هذه القرارات للحكومة العثمانية.
١٠- وتبلغ هذه القرارات أيضاََ للحكومات الاوربية ، و پشكر المؤتمر الحكومة الفرنسية شكراََ جزيلاََ لترحابها الكريم بضيوفها .
ملحق لهذه القرارات.
١- اذا لم تنفذ القرارات التي صادق عليها هذا المؤتمر فالاعضاء المنتخبون في لجان الاصلاح العربية يمتنعون عن قبول أي منصب كان في الحكومة العثمانية إلا بموافقة خاصة من الجمعيات التي ينتمون إليها .
٢ - تكون القرارات برنامحاََ سياسياََ للعرب العثمانيين ولا يمكن مساعدة أي مرشح في الانتخابات النيابية إلا اذا تعهد من قبل بتأييد هذا البرنامج وتنفيذه.
٣ – المؤتمر يشكر مهاجري العرب على وطنيتهم في مؤازرتهم له . وفي يوم 30 حزيران زار وفد مؤلف من السيد عبد الحميد الزهراوي رئيس المؤتمر وشكري غانم نائب الرئيس و اسکندر عمون وسليم علي سلام والشيخ أحمد طبارة وأحمد مختار بيهم وخليل زينية ، قصر السفارة العثمانية في باريس ، فقابل الوفد السفير وسلمه نسخة من قرارات المؤتمر الكتاب الآتي :
«انفاذاََ للقرار الصادر من المؤتمر العربي في ٢٣ حزيران ١٩١٣ نتشرف بأن ترسل لدولتكم مع كتابنا هذا نسخة من القرارات التي صادق عليها المؤتمر راجين أن تتفضلوا باطلاع الحكومة العثمانية عليها واقبلوا فائق احترامنا .»
كما زار الوفد المسيو بيشون وزير الخارجية الفرنسية لشكره على ضيافة فرنسا التي انعقد المؤتمر في عاصمتها . وفي أثناء الحديث أفْهِمَ المسيو بيشون ان الاصلاح المطلوب ليس عملاََ عدائياََ ضد الدولة العثمانية بل هو لغاية نبيلة ترمي الى اصلاح شؤون البلاد العربية والدولة العثمانية التي تشكل تلك البلاد جزءاََ كبيراََ منها.
وبذلك لم يعد مجال لمن لهم ميول لا تتفق ومبادئنا الوطنية من الاستفادة من انعقاد هذا المؤتمر.
وبينما كان مؤتمر باريس منعقداََ سعى محمد باشا العظم وعبد الرحمن باشا اليوسف بوصفهما من ذوات بلادهما ، مدعيين بأنه يجب أن يكون لهما المقام الاول في شؤونها - لتأليف حزب في دمشق باسم حزب الاصلاح المناوأة مؤتمر باريس و ليتقربا بتأسيسه من الدولة العثمانية تأميناََ لمنافعهما على حساب الشعب وانضم إليهم الامير شكيب أرسلان والدكتور حسن الاسير والشيخ أسعد الشقيري وقصدوا الاستانة وزاد عددهم بأن انضم اليهم الشريف علي حيدر وأخوه جعفر والشيخ عبد العزيز الشاويش من أقطاب الحزب الوطني المصري الذي كان يعمل لمقاومة الانكليز ويسعى لتأمين مساعدة الدولة العثمانية لحزبه والسيد عبد العزيز الثعالبي من وطنيي تونس والشيخ سليمان الباروني من وجهاء الوطنيين المجاهدين في طرابلس الغرب وقد نزح عنها بعد الاحتلال الايطالي و يوسف شتوان نائب برقة السابق . و بذلات قوّيا دعاية القائلين من الاتراك بأن مؤتمر باريس يعمل بوحي الدول الاجنبية.
الحكومة العثمانية وموقفها من العرب بعد المؤتمر :
وعقب نثر قرارات مؤتمر باريس التي ترمي الى اصلاح أساسي في البلاد العربية ، أرسلت الحكومة التركية الى باريس مدحت شكري بك للاتفاق مع أعضاء مؤتمر باريس وتحديد مطا لبهم على أساس يتفق مع وجهات نظر الحكومة العثمانية وبعد جهد جهيد تم الاتفاق بين الفريقين على الشروط الآتية :
١ - يكون التعليم العالي فقط باللغة التركية وما عداه فيكون باللغة العربية في جميع البلاد العربية. ٢- يجب على جميع الموظفين في البلاد العربية باستثناء الولاة أن يعرفوا اللغة العربية ويجري تعيينهم من قبل السلطات المحلية ما عدا القضاة الشرعيين الذين تعينهم العاصمة.
٣ - توسع سلطات الادارة المحلية فتشمل النافعة والتعليم والاوقاف الخ...
٤ - يكون في الوزارة مبدئيا ثلاثة وزراء من أبناء البلاد العربية وتضم وظائف الدولة الكبرى عدداََ كافياََ منهم يتناسب مع عدد العرب في الدولة . ٥ - لما كان أعضاء مجلس الاعيان يعينون تعييناََ من قبل السلطان وجب تعيين اثنين من العرب عن كل ولاية عربية.
وقد أعلنت الحكومة العثمانية عزمها على تحقيق تلك الاصلاحات ، إلا أنها لم تحقق ما تم الاتفاق عليه ، بل رأت أن تنفذ خطة التقارب التركي - العربي بالاكتفاء بتعيين كل من السادة : عبد الحميد الزهراوي و محمد بهم ويوسف سرسق وعبد الرحمن اليوسف ومحي الدين النقيب وأحمد كيخيا في مجلس الاعيان . وعينت السادة شكري العسلي وعبد الوهاب الانكليزي وناجي السويدي وأمين التميمي في مناصب رفيعة . ثم أسست مدرستين ثانويتين عربيتين الواحدة في دمشق والثانية في بيروت وعهدت الى كل من السيدين رفيق التميمي ورستم حیدر بأن يدير كل واحد منهما مدرسة وصار في مقدور المحاكم في البلاد العربية سماع المرافعات باللغة العربية . وقد خيل للحكومة التركية أنها ترضي أبناء البلاد العربية بهذه الحلول المحدودة ، ولكن جمعيتنا رأت في هذه الحلول مسائل ثانوية بالنظر لمطالبنا الاولية ، اذ ان تعيين بعض ارباب النفوذ من العرب في مجلس الاعيان وتعيين بعض الموظفين في وظائف مرموقة ليس هو ما ينشده العرب ، وانما ينشدون حياة حرة تكفل لبلادهم تقدمها وازدهارها ؛ لذلك اتخذت جمعيتنا قراراََ بأن التدابير التي اتخذتها الحكومة التركية يجب أن لا تشغلنا عن مطالبنا الرئيسية ، وعلى العرب إظهار شعورهم الحقبقي بعدم قبولهم لكل حل لا يتفق مع مقررات مؤتمر باريس . فالزهراوي لم يكن على علم بوجود جمعية الفتاة وخططها فلم يُدخلها في حسابه وان خطته المعتدلة هذه واتجاهه لمماشاة سياسة الحكومة الاتحادية لم تنجه من أن يحكم عليه بالاعدام في المجلس العرفي في عاليه .
وعلى الأثر أبلغت الجمعية القرار الآنف الذكر لعضويها في الاستانة سيف الدين الخطيب ورفيق رزق سلوم وهما قوام المنتدى الادبي في الاستانة ليعملا على تحقيق ما قرره المؤتمر.
ولما كان الشعور القومي العربي آخذاََ بالانتشار والامتداد، فقد لاقى قرارنا تأییداََ و تشجيعاََ من أحرار العرب . فاتصل شبان العرب في الاستانة بالسيد عبد الحميد الزهراوي باعتباره أبرز شخصية عربية في مجلس الاعيان وأبلغوه عدم قبول العرب لتلك الحلول، وأبرقتُ له من دمشق باسم شبابها الوطني راجياََ منه التمسك بمقررات مؤتمر باريس كما اتصلوا هم بعبد الكريم الخليل رئيس المنتدى الادبي الذي كان همزة الوصل بين الاتحاديين وأعضاء مؤتمر باريس للتقريب بين وجهتي نظر العرب والترك ، وأبلغوه عدم قبول العرب للحلول التركية ، فعمل عبد الكريم الخليل على تهدئة الخواطر كما ان السيد عبد الحميد الزهراوي قال انه على استعداد تام للاستقالة فيما اذا كان العرب يرون في ذلك فائدة ، ولما كان السيد عبد الحميد الزهراوي من أعضاء حزب اللامركزية فقد كان عليه أن يتصل بحزبه ليأخذ رأيه فيما يجب عليه أن يعمله فأقره على خطته وهذه صورة ما كتبه الزهراوي الى صديقه الاستاذ السيد رشيد رضا صاحب مجلة المنار الإسلامية وأحد أركان حزب اللامركزية في وضمنه كل آرائه السياسية وأعرب فيه عن ثقته التامة بالاتحاديين ووجوب الاخلاص لهم :
«وكنت قد فصلت لكم إذ جئت باريس كيف وجدت أمر مؤسسي فكرة المؤتمر فوضى وكيف تعبنا في ستر الامر وايجاد المؤتمر ، و بعد انقضاء المؤتمر تفرق الجمع الذي لفق تلفيقا ، ثم بعد قليل نفد صبر البيروتيين فذهبوا الى بلاده عن طريق استانبول ، وبقيت يا عزيزي وحدي أمثل الفكرة ، وبقي خليل زينية وأيوب ثابت وهما لم يرشفا من مشرب الجامعة العربية ولا قطرة واحدة ، حتى ولا من الجامعة السورية ، وانما همهما بيروت وحدها لا شريك لها
« لو عجلت تلك الايام ورجعت على الفور الى مصر لبقيت المسألة مقطوعة بتراء ، فيكثر استهزاء الأفراد والجماعات والاقوام بأشخاصنا وبجماعتنا وقومنا ، لكن الله عز وجل سلمني من هذا ، وقدرني على الصبر هناك ممثلا للفكرة مدة خمسة أشهر - وما هي بالقليلة ولا الكثيرة - و نعمت المدة كانت ، وفقت فيها كثيراََ وعظم فيها اختباري لاوربا ، وما أحوجنا إلى مثل هذا الاختبار. « جئت بعد ذلك الى استانبول لأرى جدَّ فيها لأن المعرفة بالقديم لا تغني ، والمعرفة عن بعد كثير من مآخذها غير صحيح ، وما أضر العلم المبني على مأخذ غير صحيح
« بعد وصولي بقليل عرفت كثيرة من الاحوال الحاضرة هنا ، و بعد مدة أخرى عرفت أكثر وكدت أظنني اكتفيت وأحطت كل الاحاطة ، ولكن الآن تبين لي أنه لولا الصبر والتأني اللذان مكنني الفاطر سبحانه منهما رجعت معرفة غير كافية ، ولذلات أصبحت لا أحس أن أقول تمت احاطتي وانما أقول أصبح يجوز لي أن أفصل بشيء من الطمأنينة ، وان تأخير هذا التفصيل والشرح كان أنفع وجاء اليوم في وقته
والشرح ههنا يتعلق بثلاثة مواضيع « أو موضوعات » :
١ – اوروبا العثمانية.
٢ – الاتحاديون وغيرهم.
٣ – رجال الاصلاح الحقيقي وابناء العرب هنا وفي الجهات الأخرى .
واني أبدأ بالاول لقصر البحث فيه ، واشفع بالثاني ، وأخرت الثالث لطوله وطوّلته لتوقف التفاهم و كثير من أعمالنا على الإحاطة بهذه الحقائق المشروحة فيه
اوروبا العثمانية : لقد كشفت اوروبا آخر ستار من ستر السياسة في المسألة العثمانية وقررت التدخل في سائر شؤونها وانما لا يزالون مختلفين بعض الاختلاف في كيفية هذا التدخل وكميته وصورة توزيعه فيما بينهم ، وليس في اوروبا اليوم موضوع مقرب على هذا الموضوع ، ولا تمضي ثلاثة أشهر حتى تتمخض الليالي فتلد ذلك الشكل الجديد الذي يتفقون عليه ، والذي أظنه أن الدولة ستبقى معه و تعيش أحسن مما كانت عائشة لأن بعض التدخل طب ، ولست مغالية اذا ذهبت إلى أن الموت أقرب اليها مع عدم التدخل البتة منه مع شيء من ذلك ، فانا اذا قلنا بعدم التدخل البتة فحينئذ تخلق كل واحدة سببا لانشاب الحرب عليها فتؤخذ بداء السكتة دفعة واحدة.
الاتحاديون وغيرهم:
الاتحادون معروفون فمن غيره ؟
لا يوجد الآن حزب سياسي آخر الا أن يكون خفياً ولم اشتم شيئا من هذا ، وحينئذ لا تجد مقابل الاتحاديين إلا جماعات الاجناس كجماعات الروم وجماعات الأرمن وجماعات العرب.
تعرف أن للروم جماعات وللارمن جماعات فهل للعرب مثل هذا ؟
هلم ننظر :
الروم كلهم جماعة واحدة يرأسهم البطرك ولكيلا يستبد ربطوه بمجلسين روحانی و جسماني ، وهكذا الأرمن ، أما العرب فليس لهم مثل ذلك ، وثانيا : الروم والأرمن لهم جمعيات سياسية منظمة مرتبة غنية و ليس للعرب مثل ذلك اللهم إلا جماعتنا في مصر وجماعتنا في بيروت ، اذن غيرالإتحاديين هم الروم والأرمن و جماعتنا في مصر وجماعتنا في بيروت.
قالاتحاديون هم أولياء الأمر مباشرة ، وهم اليوم يتسلحون بهزائم شديدة ماضية وناوون نية قاطعة أن تحددوا شباب الدولة بقدر ما تسمح ، ويشتهون أن يختص إليهم العرب ويساعدهم فضلاؤهم في هذا السبيل،ويعترفون بخطيئاتهم الماضية و يودون أن لا يعودوا إلى مثلها بقدر الامكان ،أنا مؤمن بنياتهم وأقوالهم هذه كل الامان لادلة كثيرة ظهرت لي ، ولكنني مرتاب من جهة قابلية لتطبيق العمل على النية ، وعلى كل حال أرى أن عدم تركهم وحدهم خير من تركهم ، ویرجی به أن تقوي قابليتهم فان أن تخطئوني بتحسين الظن إلى هذه الدرجة - كما أشرتم إلى ذلك في كتاب ...– فاني لا اخطئكم بالتخطئة لاني اجل رأي أكثر من رأيي، وانما أرجو أن يكون في خطئي شيء من البركة، أرجو ذلك من مصداق قوله سبحانه : « فعسي أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا».
هذا وصف الاتحاديين بما هم عليه اليوم . أما الروم فقد قلوا في المملكة وقصاراهم أن يحافظوا على ما بيدهم من امتیازات البطركية و حق المبعوثية وسيقل الالتفات اليهم، وأماالأرمن فهم آلة بيد روسية وسيتم لهم في المبعوثية حظ قريب مما يأملون .وأما نحن معشر العرب فان اخاكم الآن يعتبر ممثل جماعتنا، وقد فصلت ما تم على يدي في الكتاب الذي ارسلته إلى الاخ الرفيق في البريد الماضي وههنا سأزيد.
رجال الاصلاح الحقيقي وابناء العرب هنا وفي الجهات الاخرى :
ما أظنكم - أستغفر الله - ما أعتقد انكم في حاجة إلى بيان أن رجال الاصلاح الحقيقيين غير كثيرين، وما أعتقد انكم تعرفون منهم ثلاثة أو أربعة، وأعني برجال الإصلاح الحقيقيين من جمعوا في موضوع الإصلاح بين صدق النظر وصدق العمل، من كثرت تجاربهم و مر نت رويتهم وصحت عزيمتهم وشهد لهم ماضيهم، من كثر اختلاطهم بمختلف الطبقات، ووقوفهم على متباين النزعات وصبرهم على متنوع العقبات، من امتزجت روحهم تحب النظام الذي تحبه الله و كره الفساد الذي يكرهه الله وامتزجت سيرتهم باخبار معا مع الجهاد الإصلاحي و من اشربت أفكارهم فهم معنى الرابطة وأفئدتهم حبها وتعشقها فنحن أقلة هؤلاء واقعون أمام حاجتين عظيمتين : الحاجة إلى تكثيره، والحاجة الى اشتغال هؤلاء مع من ليس من جنسهم وطبيعتهم، ثم نحن مع قلتهم وصعوبة اشتغالهم مع غيره أمام مشكلين عظيمين : الأول السبات الذي فيه الأمة ، والثاني الجشع الذي أوروبا فيه اترك تفصيل هذا الاجمال لحكتكم وحسبنا هي في كل موضوع ، وآحد الآن محكاية حال أبناء العرب هنا لانكم علقتم الأمل على صنف منهم ههنا. العرب هنا ثلاثة أصناف : متاجرون و متعامون ومأمورون ، فالصنف الأول لا في العير ولا في النفير من جهة السياسة والاصلاح ثم هو في غاية القلة، والصنف الثاني اولاد في ناشئة العمر لا يليقون السياسة ولا تليق لهم ، والصنف الثالث أربعة أقسام : الضباط والمأمورون المنصر بون في بعض الوظائف والمأمورون المتقاعدون المقيمون هنا والمأمورون المعزولون الذين جاءوا لينصبوا فاما الضباط فلا تجربة لهم في هذه المسالك البتة والأولى عدم دخولهم فيها ، فان هذه التجربة القليلة التي سأقصهاالآن زهدتني في كل سياسة يشترك فيها الضباط منا ، ذلك أن (٠٠٠) ناقم اليوم على الحكومة فيشتهي لأجل هذا زعزعة الدولة ونسفها نسفة ، وهو لاجل ذلك ناقم على مع الحكومة ومضاد له لانه على زعمه يؤخر حركات العرب ، ولاأدري ماهي حركات العرب وأين تسير وأين ترسي،وهدا يجتهد أن يجمع حوله بعض أولئك الأولاد وينفرهم منا ومن صنيعها ولكن لا ينجح بحوله تعالى ، ومن جهة أخرى فهو يحافظ على ظاهرالصداقة بيننا، وقد أردت اختباره فرأيته يجنح إلى مصالحة أولياء الأمور وحينئذ يرضى عن كل شيء ، فانظر يا عزيزي الى الذين يعدون أنفسهم في مصاف رجالنا. و أما المأمورون المتقاعدون مثلهم كمثل العجائز لا يرضيهن شيء ولا يستطعن عمل شيء. وأما المأمورون المنصوبون فلا هم لهم إلا حفظ المنصب . وأما طلاب المأموريات فجياع مساكين لا يفهمون من الإصلاح إلا المأمورية ، إن جاءت فقد جاء الاصلاح وان لم تجيء فقد منع الإصلاح . ومن هذا التفصيل يظهر لك أن العاصمة في حالتها الحاضرة ليس فيها عرب تستطيع جما عتنا أن تعتمد على أحد منهم ، أوأن تعمل صلة ورابطةمع احد منهم ، اللهم إلا أن يكون « فلان وفلان ، وكل ما أخبركم عنه و فلان ،وهو سراب بقيعة جاءهأخوكم الظمآن فلم يجده شيئا . و بعض اولائك الأولاد حمدون الشاب عبد الكريم ، وبعضهم لم يتمكن من انا أهم ار با لابهم أو أخميم أو ابن عمهم مثلا ، ومن ههنا أكثروا عليه من قيل وقال وكله هوا و هواء. وأما العرب في الجهات الأخرى فهم أهل سورية وأهل العراق وأهل الجزيرة الخاص . فالسوربون والعراقيون متر قد ألقوا الذل و تعودوا الاستجداء والاستكانة ، لا يفهمون ولا يريدون أن يفهموا ، لا يساعدون ولا ينوون أن يساعدوا ، لا يهون ولا يروق لهم أن يوقظوا . وأما أهل الجزيرة الخلص فهم الأهل وفاهم الله الخير وشد سواعدهم ، اولئك محب وصل الرابعة أن نقطعها مع الخضر على قلة غنائهم . قد فهمت من كتاب الاخ و فلان و كثيرا واستنبطت كثيرة ، ولو كان في وسع البشر أن تتوزع أرواحهم على أمكنة متعددة لكانت روحي أوزاعا على اليمن وعسير والحجاز ونجد و حضر موت ولكن نظرية الصوفية في هذا الباب لا يمكن تطبيقها. انظر يا عزيزي أنا لازم لهناك كما تشير ولازم الى هنا ،فالن هنا محل عمل ليس بقليل ، فاني أرجو أن يكثر بوجودي هنا عدد رجا لنا الذين يعتمد عليهم فان رضيت عن هذا الرأي فعليك عملان معجلان وعمل يمشي مع الزمان وأنا معك فيه على بعدالمقر، فالأول المعجلين تیشري بتلغراف عن رضائات خاصة وهو الأم ، ورضاء الرفاق عامة وهو منهم.والثاني منهما حملك الرفاق على تقديم تلغراف للصدارة تحبذون فيه هذا التعيين وتجعلونه دليل إقدامهم على تنفيذ الرغائب كلها بعبارات رقيقة تشويقية . أما الثالث فهو ما بيننا من أمر ایجاد الرجال الذين إمتد عليهم وتوزيعهم بقدر ما يساعد الزمان والمكان البث الإصلاح العلمي والعملي ان لم ترض عن هذا الرأي فاكتب إلي" مفصلا ومبينا من كل جهة من جهات الموضوع ، وأنا من عهدت من يدع رأيه أسيرة إلى رأي و ليه . هده الخلاصة المفصلة والياك خلاصة الخلاصة ن وهي : أن اليأس لا يجوز في حال من الأحوال ، ولكن الأمة في كل أطرافها ليست بحالة يعتمد عليها في شي وانه مع هذالا يجوز أعمالهما،و كذالا يجوز اهمال من بيده أمر المملكة وتركهم وحدهم ، وانه لابدأنا ههنا من رجال ، وان أكثر ما يعرف به الرواة غير صحيح واني منتظر أمر كم بسرعة ، وان شوقي عظم ...» ومع ذلك لم ينج الزهراوي من طغيان جمال باشا فأمر باعدامه رغم أنه عرض نفسه لنقمة أمته بحسن نيته. وبينما كانت المخابرات تجري بين الهيئات العربية لاتخاذ موقف حازم حيال الحلول التركية ، كان السيد عبد الخليل رئيس المنتدى الأدبي ومن الرجال الذين طلبواالانضمام إلى جمعيتنا فرفضنا قبوله نظرا لنزعتهفي حب الظهور، يستمر محاولا تهدئةالخواطر بحجةأن البلاد بحاجة الى الاستقرار ، وليس في الإمكان تحقيق ذلك إلا بالعدول عن الشعب ، إذ يتحمل الشعب الحكومة العثمانية على عدم تنفيذ مقررات مؤتمر باريس ألبتة،وما قامت به الحكومةالعثمانية في الوقت الحاضر ليس إلا مقدمة الاصلاح المنشود. و حيال هذا الأمر لم نجد مندوحة عن العمل ، وخاصة بعد أن أصبحت الحلول التي أقرتهاالحكومة العثمانية أمرأواقعا، فرحنا نواصل الجهود لتحقيق ما مكن من مطالبنا. والغريب أن الدولة العثمانية كانت كلما ازدادت قوة بعد خروجها منهوكة القوى من الحرب البلقانية ، كما نصت على أعقابها تراجعا في تنفيذ مطالب العرب وتعسفا في أخذه بالشدة. وعدت إلى دمشق قبيل انعقاد مؤتمر باريس كما عاد معظم أعضاء هيئة جمعية الفتاة المركزية في باريس إلى بيروت فانتقل مركز الجمعيةالى المدينة المذكورة. وفي هذه الاثناء طفقنا تضم كل من تأنس فيه الميول الخيرة للمساهمة معنا في جهادنا. فدخل في الجمعية كل من فخري البارودي وفائز الغصين والأمير طاهر الجزائري والشيخ كامل القصاب . وقد حلفت القسم فخري البارودي بحضور المرحوم الامير عارف الشهابي . وهكذا أصبحت بيروت مركز العمل ؛ وكان على السيد محمد المحمصاني وأخيه محمود أن يتصلا بالجمعية اللامركزية في مصر توثيقا للصلة بينناوبينها ، وبذلك أصبحت قضيتنا تسير سيرة منظمة مسقا وفي هذه الأثناء أفرج عن عزيز علي المصري فعادالاستانة الى مصر بعد أن اعتقل بسبب نشاطه القومي بين الضباط العرب ورفاقه في الصلاح ، وكاد ينفذ فيه حكم الاعدام لولا تدخل رجالات العرب وأعضاء حزب اللامركزية في الذين توسطوا لدى السلطات البريطانية والمصرية العليا لاجل الإفراج عنه ؛ وكانت نفسه مفعمة بالغضب والحقدعلى حكومةالأستانة لما تحيفه من العالم وهوالذي طالما اختص الجيش العثماني خدمات مشكورة طوال أعوام عديدة ، وما أن حل بمصر حتى اتصل بكتي العظم في القاهرة وقرر الاثنان اذاعة منشورات شديدة ضد الحكومة العثمانية ودعوة العرب الاستقلال باسم ما سمياه « بالجمعية الثورية العربية»، وكانا يوزعان هذه المنشورات في جميع البلاد العربية في الدولة العثمانية ، ثم انفرد حقي العظم أحد أعضاء حزب اللامركزية في ذلك وكان يرسل كثيرة من المناشير دون أن يطلع الحزب على فحواها بصورة رسمية بل يكتفي أحيانا باطلاع زملائه في الحزب عليها ومن ثم يرسلهاالى السيد محمود المحمصاني عن طريق البريد الافرني . وقد شاءت المقادير أن يقع قسم من هذه المناشير في يد السلطة العثمانية فاعتبرت هذه المناشير صادرة عن حزب اللامركزية واتخذت منها أعظم وثيقة للحكم على أحرار العرب في ( المحكمة العسكرية العرفية بعاليه )بعد بحجة انتسابهم الى حزب اللامركزية.
الحكومة العثمانية وامارة الحجاز: وتنفيذ الخطة التي وضعتها الحكومة العثمانية بسلوك سياسة الشدة مع العرب قبيل اعلان الحرب العامة الأولى ، فقد أرسلت وهيب بك قائدة الى الحجاز بعد أن زودته بتعليمات صريحة لاضعاف ساطة شريف مكة ( الحسين بن علي ) ، ثم نزع السلطة من بده (كما سيأتي بيانه ) ولتحقيق هذه السياسة زادت من قوة فرقة الحجاز ، كما زادت من تعزيز مركزها في ولاية البصرة وكان مركزها فها ضعيفا. وهو إلا القليل حتى ظهرت هذه السياسة واضحة ، اذ طفقت الحكومة تخضد شوكة المنفذين العرب في البصرة وعلى رأسهم طالب باشا النقيب ، الذي كان يطالب بالإصلاح في البلاد العربية .