مجلة المقتبس/العدد 95/طرق الشرق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة المقتبس/العدد 95/طرق الشرق

مجلة المقتبس - العدد 95
طرق الشرق
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 12 - 1914


ربما يظن بعضهم أن الاتصال بين الشرق والغرب كان في القديم معدوماً والحقيقة أن الاتصال للتجارة والزيارة كان موجوداً ولكن لا كما هو اليوم فكنت ترى في البلد الواحد من الشرق أو الغرب بضعة رجال سافروا إلى القاصية في البر أو البحر واليوم ترى في المدن التي كثر اختلاط أهلها بالأمم المجاورة والبعيدة خمسة أو عشرة في المئة ولا سيما سكان الساحل فكثر الخلط في الأخبار قديماً وقلّ اليوم إذ عرف كل شيء وسهلت الطرق التجارية بحرية كانت أو برية طرق الاطلاع على الحقائق وكانت طرق فارس في الأمم القديمة آمن الطرق وأسلكها (المقتبس م3 ص103) ولذلك سهل على كثير من أهل الإسلام أن يزوروها وكانت كتابة قدماء جغرافيي العرب أمتع من كتابتهم على نفس ديار العرب ولم تبطل المواصلات بين الغرب والشرق فتارة يتقدم الفينيقيون ويحملون على سفنهم متاجرهم إلى سواحل البحر الرومي وربما بلغوا بها بريطانيا العظمى وطوراً تكون النوبة للرومان يفتحون جزءاً عظيماً من بلاد الشرق الأقرب فتكثر متاجرهم مع أهله وآونة يكثر الاختلاط بين بالروم من أهل المملكة الشرقية ويتسلطون على كثير من الأقاليم الشرقية فتزيد الصلات التجارية معهم ثم تجيء نوبة الروسيين فالجنوبيين فالبيزيين فالبنادقة الإيطاليين.

ومنذ القرن الرابع للمسيح أخذ من دانوا بالنصرانية يأتون إلى الأراض المقدسة وفي الحروب الصليبية كثرت هذه العلائق وكان للنورمانديين فضل السبق على سائر الأمم الأوربية بتحمسهم في زيارة الأصقاع المقدسة في فلسطين مدفوعين بعوامل حب الربح والاتجار أيضاً فكانوا يتحاشون تجثم أهوال البحر ولذلك كنت تراهم يقطعون المسافة براً فيمرون بفرنسا وبجزء عظيم من إيطاليا ثم يركبون البحر من نابولي أو كايت أو سلونا وهي الموانئ التي كانت تتقايض التجارة مع سورية وقد قضى الصليبيون الذين سافروا من أوربا إلى فلسطين من طريق الأستانة براً ثمانية أشهر وكانت تقطع المسافة بحراً في مراكب تلك الأيام بين إحدى مواني الأندلس وبين الإسكندرية في ثلاثين أو أربعين يوماً وربما بلغت من البندقية إلى يافا خمسين يوماً بحسب ملائمة الهواء. والطريق التي كانت متبعة في القرن السادس عشر للذهاب من فرنسا إلى الشرق براً هي راغوس يكي بازار اسكوب تاتار بازار جق.

وكانت الطرق البرية المسلوكة معبدة كل التعبيد ومرافق الحياة موفورة بها ولا سيما البغال والحمير والخيل والجمال والهوادج والمركبات لكل إقليم اصطلاحه وعاداته ولذلك كان المرء إذا قصد السرعة يتأتى له ذلك كما فعل البارودي لاكاد فقضى اثنين وعشرين يوماً للذهاب من الأستانة إلى فونتينبلو قرب باريز. وزار برتراندون دي لابروكيير القدس فرجع راكباً من الأستانة إلى فرنسا من طريق بلاد الفلاخ وبلغراد وبشته في خمسين يوماً ووقف منها أياماً في الطريق وقضى الرحالة ابن جبير من لدن خرج في القرن السادس للهجرة في غرناطة الأندلس إلى أن آب إليها عامين كاملين وثلاثة أشهر ونيفاً. وكان للأندلسيين غرام في الرحلة إلى المشرق يقصدونه للحج وطلب العلم والتجارة كما كان للمشرقيين عناية بذلك ولكن أقل من عناية الأندلسيين ولا غرابة فالأندلسيون أوربيون ومن أين للشرقي همة كهمة الغربي.

لقد عمرت مدن كثيرة في القديم بسبب التجارة لإيواء القوافل والسياح وفي جنوبي أوربا شيء كثير منها وفي بلادنا عمرت البتراء (وادي موسى) وتدمر كما عمرت مخافي بلاد اليمن في أواخر القرن الثامن عشر ثم خلفتها مدن في نقل واردات اليمن وصادراتها وكان يصل إليها من أرض الهند الياقوت واللؤلؤ وأصناف من المسك والكافور والعود الرطب والعطر والحديد والفلفل ويصل من الصين الحرير والقصبات ويصل من عمان وأرض فارس تحف كثيرة. وكانت اليمن كالشام والعراق لتوسطها بين الشرق والغرب يغشاها كثير من تجار الأوربيين منذ العهد الأطول.

وفتح العرب قبل غيرهم طرق التجارة مع الشام قبل الإسلام بل وصلوا إلى أقصى الروم وإلى الهند والصين يبتاعون مصنوعات الأمم الصناعية ليحملوها (المقتبس م7 ص222) إلى الشعوب البربرية في أوربا. وللعرب مرفآن تجاريان عظيمان متصلان بالعاصمتين أحدهما البصرة على خليج فارس تفرغ فيه مراكب الهند تحمل العطور والأبازير والعاج وتجيء الجنوك الصينية تحمل صمغ اللك والحرير وتعود بالزجاج أأ

والسكر وماء الورد والقطن والإسكندرية هي المرفأ الثاني فتحت على العرب طريق البحر الرومي وإليه كانت تصل مراكب إيطاليا.

وتسير القوافل من بغداد إلى كل ناحية فمن الجنوب الغربي نقصد إلى دمشق وسورية وغلى الشرق نحو البصرة والهند ومن الشمال إلى طربون على البحر الأسود تحمل بضائع المملكة البيزنطية وإلى الشمال الشرقي إلى سرقند وبحر الخزر حيث كان يذهب التجار ليأخذوا جلود روسيا وشمعها وعسلها وكانت القوافل من القاهرة تسير إلى الغرب في الطريق العظيم الذي يحاذي البحر على طوله ماراً بطرابلس والقيروان لينفذ من طنجة التي كانت تصل إليها تجارة أسبانيا ومن الجنوب طريق يصعد منها إلى النيل حتى بلاد السودان وآخر يسير على الشاطئ الشرقي من افريقية حيث أنشأت العرب مقدشو وكلوة وسفالة ومن هذه الجهة كان يصدر التبر والعاج والعبيد.

قال ابن خرداذبة في المسالك والممالك: كان مسلك التجار اليهود الرازانية الذين يتكلمون بالعربية والفارسية والرومية والإفرنجية والأندلسية والصقلبية أنهم يسافرون من المشرق إلى المغرب براً وبحراً يجلبون من المغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفرآء والسمور والسيوف ويركبون من فرنجة (فرنسا) في البحر الغربي فيخرجون بالفرما ويحملون تجارتهم على الظهر إلى القلزم إلى أبحار وجدة ثم يمضون إلى السند والهند والصين فيحملون من الصين المسك والعود والكافور والدار الصيني وغير ذلك مما يحمل من تلك النواحي حتى يرجعوا إلى القلزم ثم يحملونه إلى الفرما ثم يركبون في البحر الغربي فربما عدلو بتجارتهم إلى القسطنطينية فباعوها من الروم وربما صاروا بها إلى ملك فرنجة فيبيعوها هناك وإن شاؤا حملوا تجاراتهم من فرنجة في البحر الغربي فيخرجون بأنطاكية ويسيرون على الأرض ثلث مراحل إلى الجابية (?) ثم يركبون في الفرات إلى بغداد ثم يركبون في دجلة إلى الإبلة ومن الإبلة إلى عمان والسند والهند والصين كل ذلك متصل بعضه ببعض.

فأما مسلك تجار الروس وهم جنس من الصقالبة فإنهم يحملون جلود الخز وجلود الثعالب السود والسيوف من أقصى صقلية إلى البحر الرومي فيعشرهم صاحب الروم وإن ساروا في تنيس نهر الصقالبة مروا بخليج مدينة الخزر فيعشرهم صاحبها ثم يصيرون إلى بحر جرجان فيخرجون في أي سواحله أحبوا وقطر هذا البحر خمسة مائة فرسخ وربما حملوا تجارتهم من جرجان على الإبل إلى بغداد ويترجم عنهم الخدم الصقالبة ويدعون أنهم نصارى فيؤدون الجزية. فأما مسلكهم في البر فإن الخارج منهم يخرج من الأندلس أو من فرنجة فيعبر إلى السوس الأقصى فيصير إلى طنجة ثم إلى إفريقية ثم إلى مصر ثم إلى الرملة ثم إلى دمشق ثم إلى الكوفة ثم إلى بغداد ثم إلى البصرة ثم إلى الأهواز ثم إلى فارس ثم إلى كرمان ثم إلى السند ثم إلى الهند ثم إلى الصين وربما أخذوا خلف رومية في بلاد الصقالبة ثم إلى خليج مدينة الخزر ثم في بحر جرجان ثم إلى بلخ وما وراء النهر ثم إلى ورت تعزهر ثم إلى الصين.

وما برح الناس في الشرق والغرب يركبون متون الأخطار في قطع البراري والبحار لربط صلات الاتجار بين أوربا وإفريقية وآسيا حتى افتتح دياز البرتقالي سنة 1486م طريق رأس الرجاء الصالح في جنوبي إفريقية وخرقت ترعة السويس التي وصلت البحر الأبيض بالبحر الأحمر سنة 1869 فقربت المسافات البحرية ولما عمت الخطوط الحديدية بلاد الغرب وأخذت بعض بلاد الشرق ولا سيما الجزائر وتونس ومصر والبلاد العثمانية والهندية واليابانية وغيرها تقطع المساوف في قطار البخار سهلت الطرق وعم الاختلاط وتوفرت المتاجر واشتدت الحاجة في هذه الحرب العامة إلى الطريق الأمينة لأن العالم انقسم قسمين قسم سموه بالدول المركزية وهي ألمانيا والنمسا والمجر والبلغار والعثمانية وبلادهم اتصلت بعضها ببعض ولا سيما بعد أن استصفوا مملكة الصرب والجبل الأسود ورومانيا وقسم بقي وحده في غربي أوربا وجنوبها وهم الانكليز والفرنسيس والطليان وآخر في شرقها وهم الروس.

وقد نشر ارتورديكز في جريدة عثمانيشر لويد مقالة في الطريق إلى الشرق وحواجزها قال فيها: إن الحرب قد جعلت لصلات أوربا الوسطى مع الشرق نفس المكانة التي كانت لتلك الصلات في الأيام التي لم تكن فيها الاتصالات بين أوربا وأميركا الشمالية في الدرجة الأولى من العناية. وقد كان وقع الاستعداد لهذه الطوارئ بإنشاء خطوط الأناضول الحديدية ولا سيما خط بغداد وأضرت الحرب بالتجارة الهادئة ولكنها زادت في صلات أوربا الوسطى مع الشرق بواسطة النقليات العسكرية وبذلك حدث تبدل في البلقان وفي الشرق الأقرب مما يبشر بأنه سيكون له أثر في الصلات الاقتصادية أيضاً وقد أنذرتنا الحرب بعدم كفاية طرق المواصلات بين أوربا والشرق ومنها ما يسد زمن الحرب أو يصعب اجتيازه زمن السلم وللوصول من ألمانيا إلى الشرق الأقصى والأقرب أثنا عشر طريقاً (1) من بحر الشمال فالمانش فجبل طارق فالسويس (2) مارسيليا السويس (3) جنوة السويس (4) إيطاليا نابولي السويس (5) تريستا السويس (6) سراجيفويسكي بازار سكوبلج سلانيك السويس (7) بلغراد صوفيا بورتولاغوس السويس أو أزمير (8) بلغراد صوفيا الأستانة بغداد (9) قمسوار بازياس صوفيا الأستانة بغداد (10) اورسوفا لوم صوفيا بغداد (11) الطونة روسجق وارنة البحر الأسود (12) كرونستاد كونستانزا البحر الأسود.

فند الكاتب هذه الطرق ثم قال أن السبعة الأولى منها تجتاز السويس ومنها ما يمر بأرض فرنسا ومنها ما يجتاز المانش تحت مدافع انكلترا ومنها ما يضطر إلى السير في إيطاليا أو البحر الأدرياتيكي أو الأرخبيل وقد علمتنا تجارب الحرب أن لا نعنى بعد الآن إلا بالطرق البرية أو التي تجتاز من البحر مسافة قليلة وهذه الطرق هي التي تمر بالبلقان وكانت من قبل في حيز القوة لأن صربيا كانت في عداد أعدائنا تحول بيننا وبين الشرق من صوفيا. ورومانيا كانت على الحيادلكنها تميل إلى أن تكون محطة بين روسيا وصربيا من أن تكون بين الدول الوسطى والدولة العثمانية فتبدلت الحالة بعد ذلك وفتحت صربيا وفتح الطريق بين بلغراد وصوفيا ثم انقلبت رومانيا مع أعدائنا فكان منها أن سدت طريق بلاد الأفلاخ وجزءاً عظيماً من نهر الطونة وليس الآن من الطرق السالكة حق السلوك إلا طريق واحدة وهي المارة من بلغراد فصوفيا وهي تكفي للنقل بين برلين وبلغراد لا للصلات بين أوربا الوسطى من بلغاريا والأستانة.

قال والرجاء معقود بأن تكثر الخطوط الحديدية في البلقان في المستقبل فيكون منها ما يتصل بنهر الطونة والخط القديم الرئيسي - بلغراد صوفيا الأستانة - ويجب أن يضاف إليه خط من سنجاق يسكي بازار بواسطة جسر على الطونة ماراً بصربيا الشرقية القديمة مستفيداً من نهر الدانوب وسكك حديد لوم وروسجق وجرناردا وما يقام في هذا السبيل من العقبات تزل إلى الأبد فإن أوربا الوسطى يجب أن تخابر مقدونية وبلغاريا القديمة والأستانة وآسيا الصغرى من دون منازع ولا ممانع مهما كلفها الأمر والطرق التي تجتاز نهري الساف والطونة وأودية مواراويا والواردار والمريج لا ينبغي أن تغلق في وجه تجارة أوربا الوسطى.

وبعد فقد استفدنا بهذه الحرب عبراً كثيرة منها شدة حاجتنا بعد الآن لأن يركب الإنسان من برلين وهمبورغ في القطار ولا ينزل منه إلا في الأستانة ليعبر الخليج إلى آسيا ويركب في القطار الحديدي فلا ينزل إلا في صنعاء اليمن أو بغداد العراق وإنا بفتحنا طريق الصرب في العام الماضي وكانت صلاتنا مقطعة بين دار الخلافة وبرلين قد أدخلنا الحرب العامة في طور جديد فسقط في أيدي أعدائنا بفضل الطريق التي افتتحناها بيننا وبين أوربا الوسطى ودخلت تجارتنا في طور آخر وخفت وطأة الحرب إلى أقل من النصف.

فلو كان لنا اتصال مباشرة مع حلفائنا منذ أول نشوب الحرب من عدة طرق كيف كانت نتيجتها على الأتفاقيين الذين قبضوا على مضايق البحر وأخذت سفنهم وبوارجهم تسبح في عرض الماء في البحر الشمالي والبحر المحيط والبحر المتوسط والمحيط الهندي لولا ما أرصد لهم من الغواصات الألمانية التي ضيقت خناقهم ولولا هذه الممرات لما فتحنا من بلاد العدو تلك الأقطار والأقاليم ولا غنمنا هذه الغنائم الكثيرة.

إن الطرق الحديدية شرايين الممالك تحمل إليها الحياة وإذا انفتح الشريان في الإنسان مات ولولا الخطوط الحديدية الحربية في ألمانيا ما تيسر لها أن تسوق جيوشها إلى الشرق والغرب والجنوب في هذه السرعة المدهشة ونحن أيضاً لولا الخط البغدادي والسكة الحجازية ما استطعنا أن نحارب هذه الحرب ولو كانت خطوطنا ممتدة إلى القاصية أكثر مما هي الآن لضربنا عدوتنا انكلترا في البصرة وجدة ضربة يرن صداها كما ضربناها في كوت الإمارة وجناق قلعة.

يبلغ طول الخطوط الحديدية في السلطنة العثمانية نحو ثمانية آلاف كيلو متر وبها عمرت هذا العمران فماذا كان حالها لو كان فيها عشرون أو ثلاثون ألفاً وهي مستعدة لأن يكون فيها ثلاثمائة كيلو متر وماذا كان حالها لو اتصلت كل خطوطها الحربية بالمواني البحرية كما اتصلت من يافا وحيفا وبيروت وطرابلس واسكندرونة وأزمير مثلاً ولو اتصلت طرقنا البحرية بالبحر الأسود من عدة جهات وكذلك بالخليج الفارسي والبحر الأحمر والبحر الأبيض كيف كانت حالتنا التجارية مع الهند والقافقاس وأوربا الوسطى وافريقية وغيرها.

إن الأمم لا تستغني بعد الآن عن الاتصال بينها وقد بطلت العادة التي كانت متبعة في القديم من تقسيم المملكة الواحدة إلى مئات من الأجزاء كل جزء يعتصم وراء جبله أو يختبئ في واديه ولا يعرف ما عند صاحبه وجاره. الأمم اليوم محتاجة إلى التعارف والاتجار فأبن اليمن لا يعيش إذا لم يبدل حاصلات بلاده مع ابن بافاريا مثلاً وابن بروسيا مضطر إلى الاتجار مع ابن المجر والبلغاري محتاج إلى الفارسي وهكذا جميع الشعوب والممالك فهل يطول يا ترى عهد إنشاء طرق المواصلات في مملكتنا مع جيراننا أم ننسى زمن السام ما احتجنا إليه أيام الحرب.