مجلة المقتبس/العدد 3/التعليم والتربية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة المقتبس/العدد 3/التعليم والتربية

مجلة المقتبس - العدد 3
التعليم والتربية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 4 - 1906


السعي والعمل

نشر هذه الأيام رئيس نظار فرنسا المسيو دومر كتاباً سماه كتاب لا بنائي فاقتبسنا منه الفصل الآتي وهاك تعريبه قال: إن في العمل حياة والفكر والإرادة لا يعدان شيئاً إذا لم يكونا سلماً للعمل. إلا وأن العمل والنشاط والسعي من لوازم التوازن الأدبي والطبيعي في الإنسان وهي من شروط كيانه وفيها بقاء المجتمعات البشرية. ولقد فضت الفطرة أن يكون العمل فرضاً مادياً وجعله قانون الأدب واجباً. رجل العمل هو الرجل النافع لنفسه ولغيره ولبلاده. وتحتاج فرنسا أكثر من قبل إلى رجال عمل من أبنائها فرجال القول فيها كثير. وقد مدح أجدادنا بفصاحتهم منذ عشرين قرناً وينهال عليهم هذا المديح المضحك أيام السقوط والانحطاط خاصة. ولقد كان قيصر يذبح خطباء الغلوا ويجرهم دامية أجسادهم إلى مركبة ظفره ولطالما خطبوا وأجادوا وظلت بلاد الغول مستعبدة.

ومن السعادة أن نرى أهل جنسنا قد أظهروا في تاريخهم الطويل المجيد من القادرين على العمل أكثر من غيرهم تشهد بذلك ألفا سنة قضاها في العمل والحرب والمجد فمن الواجب أن نجد في أبنائنا اليوم ذاك الشعور بالعمل والإرادة فمستقبلنا وحياتنا مناطان بذلك.

فبالعمل المتواصل الفعال يظفر المرء بالنجاح في جهاد الحياة وميدان العالم فالعمل لازم للدلالة على أننا مطبوعون عليه متطالون إليه وذلك بدون وناء دون أن نعرف العنت والتعب. فبالعمل تستحكم قوى جسدنا وعقلنا ونحفظ صحتنا الطبيعية والأدبية. فالعمل هو الحركة والنشاط وإن شئت فقل هو الحياة بعينها. والجمود والبلادة في قلة الحركة وفي قلة الحركة الموت. وإن في العمل على اختلاف أشكاله عقلياً كان أو أدبياً أو طبيعياً لإشارة على الحياة الشديدة. تلك الحياة التي هي أليق بأن تكون شعار النفوس الكبيرة والتي يجدر بالمرء أن يحيا بها. هب يا هذا للعمل أحسن ما في حياتك فليس كل عمل سعياً والسعي هو العمل المستمر القانوني والعمل يوجد ويغير وينتج. ولا يكفى الانصراف إلى العمل جملة واحدة بل لابد لنا من السعي في العمل المنتج للخيرات العقلية والطبيعية. فالسعي هو أول قانون إنساني أبدي يقضي على الجميع أن يتوفروا عليه فبه تكبر النفوس وتشرف الأرواح وهو ضروري للسواد الأعظم وفرض على الجميع.

متع طرفك قليلاً في سير الإنسانية تجد أن السعي كان في كل دور من أدوارها شرطاً في حياتها وأداة في نجاحها فالبسعي والذكاء والنشاط تغلب الإنسان على الحيوان واستعبد قوى الطبيعة فالتمدن عامة وخصوصاً التمدن الأوربي العظيم هو ابن سعي الإنسان ففي السعي الحرية كما جاء في بعض الأناشيد. السعي يضمن لمن ينصرف إليه استقلالاً ووقاراً يتعذر نيلهما على العطل ولا يطمح إليهما. فهو للمعوز ضرورة مطلقة وفرض مادي مشروع كما هو فرض اجتماعي وللغني نافع له من حيث أنه ينتفع من مال حصل عليه غيره وأورثوه إياه والواجب عليه في هذا المعنى كالواجب على الفقير.

وليس عندي من النعوت ما يوصف به من لا يعمل ولا يسعى. أي فضل في الحياة وإعجاب بها عند من لا يود أن يساعد المجتمع بعمله أقل مساعدة وأن يجاري في العمل الاجتماعي والوطني. والغني في سعة من أن يسعى ولا يجب عليه السعي أكثر من غيره لأن الأسباب لديه على العمل أعظم ولأنه غني عما يكتسب به ضرورياته فينصرف إلى المطالب العالية ويسهر على المصلحة العامة. إلا وأن السعي رب الفضيلة والبطالة أم كل الرذائل كما جاء في المثل. ومن ألف الفراغ يصبح وجوده عدماً ضاراً بالمجتمع وبنفسه ولا يمكن الامتناع عن كل عمل فمن لا يعمل الخير يعمل الشر لا محالة فبالسعي الحياة وبالبطالة تفلج الأعضاء وتموت. حديد لا يستعمل يصدأ ودماغ وأعضاء تعفى من العمل تضعف وتسقم. فمن يشغلهم السعي ويعيشون عيش العاملين يسعدون بحفظ قواهم وصحتهم ولا يتأثرون بالمظاهر الخارجية والمناظر التي تدهم الكسل العطل. لا يأتون كل صباح إلى ميزان الحرارة تفكهة ولا ينظرون أحوال الجو ولا يحدقون في المرآة إلى لون ألسنتهم بل يعيشون ويعملون ويبددون ويحرقون الجراثيم المضنية التي تسطو على أجسادهم وعقولهم فهم سالمون طبيعة وأدباً لأنهم عاملون.

السعي يدعو إلى تحمل أعباء الحياة وشقائها القليل بنشاط ويمنح حسن الخلق والسرور وعلى العكس في البطالة فإنها تدعو إلى الافتكار في أقل ما يصادفه المرء من العوائق وتعظمها كما تعظم الآلام والأوجاع فتولد الحزن وسوء الخلق والسويداء وهذا المرض من أمراض النفس وهو مبعث أمراض الجسد.