مجلة الرسالة/العدد 975/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 975/القصص

مجلة الرسالة - العدد 975
القصص
[[مؤلف:|]]
Le Fils بتاريخ: 10 - 03 - 1952


الابن

للكاتب الفرنسي بول بورجيه

استيقظت مدام (ليجيه) في صبيحة هذا اليوم قلقة بادية الهموم والتفكير. فقد كان عليها أن تضع حدا لحياتها كأرملة في مقتبل العمر، ولحياتها كأم ذات بنين ثلاثة. فلقد مضى على وفاة زوجها وهي إذ ذاك في الثالثة والثلاثين عامان كاملان. وكانت وفاته بعلة ذات الجنب التي غالته وشيكا من دائرة عمله كمحام له شهرة مستفيضة ومحل من قلوب الناس. ومنذ ستة أسابيع سلفت قبل هذا الصباح الذي تستفيق فيه مدام (ليجيه) حائرة مفكرة، اجترأ (جورج كولت) صديق بعلها المرحوم ومحام مثله أمضى معه سني الجامعة ثم لزم زوجها في دائرته لزوم الشريك وفي بيته لزوم الصاحب، اجترأ هذا الزميل على أن يقول للأرملة الصبية منذ ستة أسابيع:

- إني لأحمل لك أيتها السيدة منذ طويل عاطفة لم أستطع استكناهها ولا فهم طبيعتها إلا منذ اليوم الذي غادرنا فيه صديقي العزيز زوجك، فأصبحت بوفاته حرة التصرف مالكة لزمام أمرك. وأظنك كنت تستشعرين مني هذا الصمت الناطق وتحسين احترامي المراحل الفقيد وتقدرين رعايتي لك. فبسببك يا سيدتي (ومعذرة من اعترافي بهذه الحقيقة) قطعت كل صلة ترابطني بامرأة أخرى في هذه الحياة، وأنت كامرأة في ريق شبابها واكتمال أنوثتها، لك الحق بل يجب عليك أن تستأنفي حياة الزوجية السعيدة من جديد. وإذن فهل أستطيع أن آمل يا سيدتي أن تعتبريني الزوج المخلص الذي سيكون من أشهى أحلامه أن يضحي راحته وحياته لأجلك. . . إني أحبك. . . يا سيدتي، ولعلها المرة الأولى التي أسمح فيها لنفسي بنطق هذه الكلمة الجريئة على مسمع منك. . . أما أنت يا سيدتي فليس عندك إلا كلمة واحدة تقولينها في هذه اللحظة ستكون هي الأولى والأخيرة. ولكن بحقك لا تلفظيها إلا بعد تأمل في عاقبتها، فإن ما أجن لك من هوى دفين لأمر من الأهمية والخطورة بحيث لا تكفيه كلمة أو جواب يقال على استعجال واقتضاب. قالت مدام (ليجيه) وصوتها راجف وطرفها خاشع:

- أتطلب مني استئنافاً لحياتي الزوجية معك؟ ثم جمد لسانها عند هذه الكلمة فلم تأت (بلا) أو (بنعم) وأخيراً جسرت فقالت:

ولكن حياتي لا يمكن ترميمها ولا استئنافها. إنك تتكلم عن الحق والواجب وأنا لا أعرف إلا حقاً واحداً: هو السهر على أولادي، ولا أفهم إلا واجباً فرداً: هو واجبي نحو أبنائي الثلاثة. . قال الصديق الخاطب:

- أولاً تشعرين أني أحبهم هم أيضاً وأعزهم وأحنو عليهم كأبيهم صديقي الراحل. . .؟! ومن لعمري سيحل محل الأب الراحل إن لم يحله صديق أبيهم وصفيه؟ وهل غيري يعرف ميول صديقه وذوقه ومشربه في التربية والمسلك؟ وإذن فهل تسمحين يا سيدتي أن أشغل مكان الأب الراحل؟ أترضين أن تكوني امرأتي أمام الله والناس.

قالت الأرملة في حسرة وتلدد:

خلني الآن لشأني. . . هلا جنبتني الكلام في هذا الموضوع.؟! إنه ليؤلمني البحث فيه ويسبب لي كثيراً من الشجن والشجو.

لا أعرف شيئاً. ولا أفهم شيئاً. لست بمستطيعة أن ألمح في قرارة نفسي المظلمة عاطفة أستطيع منها إجابتك على سؤالك لأني أجهل نفسي. . . ولكني أعدك أن جوابي سيكون بعد قليل من الزمن. . . أما الآن فلا أستطيع، أجل لا أستطيع. . فأجاب جورج فوكولت:

- سأنتظر كلمتك كما تشائين وأنى تشائين: إنك إلا تقولي (لا) هذه اللحظة فبحسبي، لأن ذلك معناه أنك قد تتبصرين خلال سجوف المستقبل الكلمة الحبيبة إلى قلبي وهي (نعم). إن التردد والتحير مؤلمان للقلب مزهقان للروح إذا لم يكن القلب المنتظر في شرخ شبابه. قال ذلك وأبان لها عن طرف لمته وقد طرزتها سنوه الأربعون بأسلاك الشيب البيضاء. فأحست المرأة الأرملة وهي تتأمل وخطات الشيب في رأسه، وتنظر إلى أثر التأنيب الصامت من عينيه السوداوين: أن موسيو جورج إنما يقيس سعادته في هذه الدنيا بمقياس ما بقى له من سنين فيها، وكأن نظرته كانت تقول لها، إن ما يطويه الشباب اللاهي من متع ومباهج لا ينشرها كفن المشيب مهما يمتد ويضف ثوبه. ثم يستأنف حديثه ويقول:

- إنه إحسان منك على أي حال أن تحددي لقلبي الشهيد موعداً للجواب كي أغادرك وأنا أقول لنفسي من يوم لآخر ستوافيني نعمة جوابها في يوم كذا. . (كاترين)، أيتها العزيزة، اختاري بنفسك اليوم الموعود وعيني تاريخه، وليكن القرب والبعد على ما يوافق رغبتك وهواك. . . أما أنا فسأعاهدك الآن عهداً لا أحنث فيه ولا أنحرف ألا أخوض في ذكر هذا الموضوع الذي سيكون برغم هذا هو شغلي الشاغل وهمي الناصب. . فحددي بعيشك موعد جوابك. وهنا تمتمت مدام (ليجيه) بصوت محتبس ولهجة ضارعة: سيكون ذلك حين ينتهي أجل حدادي على زوجي الراحل. وبما أنك تدعي حبي فأرجوك التمسك بوعدك منذ الآن كما أتمسك بوعدي أنا. والآن أرجو ألا تلح علي في هذا الشأن فقد كفاني ما كفاني. . .

ثم يقول لها، وهو يود أن يوضح بالوقت المعين كل شك وغموض يمكن أن يعتور موعده المرجى: وإذن فسيكون جوابك بعد أسابيع في الرابع عشر من نيسان؟! فأجابت على هذا بإيماءة من رأسها ثم انعقد بينهما جو من الصمت. . .

لقد غالت يد الموت زوجها الحبيب في الرابع عشر من إبريل أي منذ اثنتين وعشرين شهراً سلفت قبل هذا اليوم الذي يجالس فيه مدام (ليجيه) خطيبها المسيو جورج. كل ذلك جال بذهن (مدام ليجيه) وظن الخاطب الصديق الذي شعر بثقل كلماته على نفس الزوجة بعد أن عين لها الموعد المضروب. . .

أن يستأنف المرء حياته دون أن يعوج بذكرى أحبته الراحلين عن الدنيا ففي ذلك ويا للحسرة إساءة إلى ذكراهم الغابرة وعهودهم الماضية، وإذن فمن يغب عن الوجود تمت معه ذكراه وتنعدم ثم تبتلعه هوة العدم إلى غير رجعة، والهفتاء.

ومرت على هذا اليوم ستة الأسابيع المضروبة دون أن يلم خلالها طيف الزوج الراحل ودون أن تتردد ذكراه على رأس الخاطب ومدام (ليجيه) فتفسد عليهما خلوتهما اللذيذة وجلساتهما اليومية المتعاقبة. . .

ويجد المسيو جورج من اللطف والأدب ألا يعرض لذكر الموعد المرتقب خلال هذه الأسابيع الستة. ثم يرى من الظرف والكياسة أن يغادر (باريس) حين اقترب اليوم المضروب يوم 16 نيسان. أما مدام (ليجيه) فقد أخذت تتهيأ لهذا اليوم وهو ذكرى يوم وفاة زوجها. وقد أحيت هذه الذكرى في ذلك اليوم في شيء من البرود وعدم المبالاة لم تمتزج بهما إثارة من حنان ولا بقية من فجيعة وحسرة. وفي اليوم الثالث عشر من نيسان تسلمت من جورج خاطبها خطاباً ينبئها فيه بزيارته من الغد عند الظهر، فأقبلت على الرسالة تقرأها مرة ومرتين ثم بدرت منها بادرة غريبة عجبت لها هي نفسها. . وذلك حين رفعت رسالته إلى فمها وقبلت سطورها وفي ظنها أنها إنما تقبل حياة تفيض بالسعادة واللذة خلال هذه السطور. . وأخذت تردد: نعم. . نعم. . سيكون جوابي. . نعم. وإذن ففيم استيقاظها صبيحة هذا اليوم مضطربة حيرى كما أسلفنا؟. . ما الذي حدث خلال هذه الفترة القصيرة بين تقبيلها رسالة جورج نهار الأمس فرحة نشوى وبين الساعة التي ترتفق فيها وسادة سريرها الوثير يبدو عليها سهوم وتفكير؟ ما الذي طرأ عليها يا ترى فبدل عزمها؟!. . وأقبلت الخادم في هذه اللحظة فهصرت أستار الغرفة عن النوافذ والشبابيك فطغت على جوها موجة من نور لآلاء ضاحك غمر المكان كله؛ وكان المكان في شارع (فانو) تشرف نوافذه وشرفاته على بستان القنصلية النمساوية الظليل. ولمعت زرقة السماء من خلال النوافذ ونفذ تغريد العصافير إلى المسامع شجياً موسيقياً شعرت معه مدام (ليجيه) أن ثوب الجدة الذي تضفيه الطبيعة على جسمها يتفق والموقف الجديد الذي تقفه هي من حياتها الجديدة هذا اليوم. . حتى أن الثوب المزركش الذي حملته الخادم منذ لحظة كان يغريها بأخيلة وخطرات حافلة باللذة والسعادة. . ومع ذلك فلم يتقطب جبينها ويربد وجهها كلما نظرت إلى عقرب الساعة ينتقل من مكانه. مالها تقف حالمة ساهمة بدل أن تنشط وتفرح؟. . أتراها تتخوف مما عساه يحمله لها هذا اليوم من خوف مجهول؟

حين تكلمت مدام ليجيه عن واجباتها نحو أولادها لم تقل كل شيء للصديق الخاطب، لم تعترف له أن ولدها البكر (شارل) ما فتئ منذ شهور مدعاة تخوفها. أبداً لم تبادل الابن مع أمه كلمة عن (جورج فوكولت) خاطبها الرغيب، وكان هذا الأخير لا يميز هذا الغلام اليافع في المخاطبة والحوار عن أخيه الصغير (رنيه) وأخته الصغيرة (هيلين) اللذين كان يكلمهما بصيغة الإفراد دون كلمة. ولكن إذا شفعت سنو الطفل (رينه) الخمس وأعوام الطفلة (هيلين) العشرة - لهذه الصيغة الافرادية يبدي فيها صديق أبيهما حبه وتدليله لهما، فإن الستة عشر عاماً التي يجتازها الغلام المراهق (شارل) كانت تقيم بينه وبين (جورج) الخاطب جواً مختلفاً عن جو أخويه فيه بدل الألفة والعطف وعدم الكلفة الانقباض والنفرة. ومع هذا فقد كان الخاطب الواغليغضي عن هذا ويتجاهل، بل لقد أخذ في الآونة الأخيرة يضاعف عطفه على الغلام ويبتغي الوسيلة إلى قلبه النافر ووجهه العابس الصامت.

وتلاحظ مدام (ليجيه) ذلك السلوك المحبب الجذاب الذي يعامل به الخاطب ولدها البكر فتغتبط به وتنشرح له.

ولكن رغم كل هذا كانت تترقب من ابنها رفضاً وثورة أخذت تحسب حسابهما وتتهيأ لهما منذ أيام.

من هنا كانت حيرتها وقلقها في هذه الصبيحة الباسمة من نيسان التي كان عليها فيها أن تقول كلمتها الأخيرة في رفض يد (جورج) أو قبولها. ولهذا وحده هي تدير في ذهنها الصورة المستحبة الملائمة التي يمكنها بها أن تفاجأ ولدها دون أن تؤذيه أو تسوئه في عزة نفسه، فكانت تردد:

- كان علي أن أنبئه بذلك وأسبر غور رضاه أو رفضه منذ ستة أسابيع. . غير أني لم أستطع ذلك لأني اجدني أمامه مرتبكة مشلولة الإدارة كأني بحضرة أبيه الراحل. فيا لله كم يشبهه حتى كأنه صورته الثانية! وعلى كل حال فإن جورج أحسن في تحببه إليه وترضيه. . وذكر أسم جورج هكذا مراراً، ودل المرأة على أنها تنطوي له على حب وميل. .

نعم يلوح لها أنها تحبه بأنصاف من العواطف والميول غير متكاملة ولا متكونة. ويكن ذلك ويا للأسف كان يزيد ألمها ويضاعف شجوها. . أجل إن جورج محق في قوله. فواجب على معاودة حياتي الزوجية، وأنا بهذا لا أنال شيئاً من زوجي الميت ولا أسوئه في كرامته. كذلك لا أفتات على أولادي الأحبة الذين تركني لهم، لأن جورج سيحبهم وسيحنو عليهم. والصغيران يحسان بهذا وبقدراته في سذاجة وطهارة. أما شارل ولدي الحبيب فسوف يقدره كذلك إن تفكر وتدبر. آه لشد ما يحب إياه هذا الصغير! إنه لينمو ويتفتح للحياة يوما بعد يوم كأنما نتعهد نماءه معجزة من السماء.

هون الأول في فصله في مدرسة (سان لويس) وإنه يترقى بين رفقائه وزملائه بصورة غريبة سريعة كأنما وكن نفسه على أن يسد الفراغ الذي تركه أبوه من بعده، إن لم يكن قد قام في نفسه أكثر من هذا: أن يكون خليفة أبيه في البيت ورب الأسرة التي كان يحلم أن يكون حاميها وراعيها. فيا للقسوة والنكران! وكيف تجرؤ هذه الأم أن تسلم أمور البيت إلى راع آخر وحام غريب؟! ومضى الوقت وكادت الساعة تبلغ العاشرة وأفكار المرأة ما زالت تضطرب في ساحة ذهنها جيئة وذهوبا. وفيما هي منصرفة إلى زينتها وترجيل شعرها وتعليق حليها وأقراطها، إذا طرقات على باب الغرفة تنفذ إلى أذنيها فيجب لها قلبها وترتعش نفسها أمامه كمجرم أمام قاضيه. وفي الحق لقد كان الداخل (شارل) الذي توقف على الباب لحظة كالمأخوذ بدل أن يدخل عليها لتوه. قالت له الأم مضطربة قلقة وقد شاهدت تأثرا فجائيا يطبع وجهه بطابع الألم؛ مالك يابني؟ فأجابها الغلام: لا شيء لا شيء، إني مشدوه متعجب فقط. . . لقد ألفت أن أراك دائماً في ثياب الحداد. ولكن ولكن. . . أصحيح أن حدادنا على أبي قد انتهى؟ فألقت (مدام ليجيه) على المرآة الكبيرة أمامها نظرة غير عامدة فإذا بها تبصر ملامح وجهها الرائق تنسجم أبدع انسجام مع خصلات شعرها الذهبي، ولكن يناقض ذلك كل المناقصة زي ولدها المدرسي الأسود الغارق كله في حلة من حداد، ويرتجف صوت الأم حين تهم بإجابة ولدها ثم تنجدها لباقتها فتغير مجرى الحديث وتقول:

- ولكن. . . قل لي. . . لعلك مسرور من أستاذك هذا الصباح؟ ثم. . . ثم كيف حال كتابتك في الإنشاء، أظنها أعجبته؟! ثم ناجت نفسها:

- سألبث لحظة قبل الاعتراف له بالحقيقة خصوصاً وهو متأثر ومفاجأ بهذا اللباس والوقت متسع للغداء وللإفضاء إليه بالأمر. . .

على رغم من أن المحامي المتوفى موسيو (ليجيه) قد خلف لعائلته بفضل مركزه الخطير ونجاحه الكثير ثروة لا بأس بها، فإن مدام (ليجيه) لم تخالف شيئاً مما ألفته سابقا من تدبير واقتصاد في الإنفاق على المنزل. ولما كانت مدام ليجيه لا تستقبل في مفتتح عهدها بالترمل إلا أقرباء يمتون إلى الزوج بصلات القربى والمودة، فإن الإعداد لذكرى الميت لم يكن يحملهم جهدا أو مشقة، ولكن أنى لها بملء كرسي زوجها بشخص خاطبها جورج في حفلة الغد؟ أي عذر ستعتذر به لولدها؟ كيف تخل بهذه العادة التي يقدسها ابنها ويمجدها، والتي باتت تهبط روحها وتثقل على قلبها لأن صورة الخاطب أخذت تحتل مكانها يوما بعد يوم من قلبها.

وفي صباح هذا اليوم في وثبة طافرة من وثبات الإرادة الغريزية أمرت مدام ليجيه الخادم فقالت: - لويس، لا تضعي في هذا الغداء مقعد المرحوم زوجي على المائدة، بل عليك أن تضعي مكانه مقعدا لجورج فوكولت. . .

وحان وقت الغداء واتخذت العائلة أمكنتها حول المائدة، ولكن (شارل) الصغير ما كاد يرى المائدة والكرسي الجديد بدل كرسي أبيه المتوفى حتى حملق في وجه أمه وقد امتقع وجهه وانتسف لونه أولا ثم احمر واشتعل بالدم الملتهب. ونظرت إليه الأم برعب وهيبة، ثم صبغ وجهها الاحمرار هي أيضاً. ولكن في تلك اللحظة الرهيبة الحرجة جرى أمر زاد أمر زاد في اضطراب مدام ليجيه وارتباكها ثم حيرها، ولكنه في الوقت نفسه أجرى المسألة في مجرى حسن لم تكن تتوقعه مدام (ليجيه). فبينما كانت تتناول بيدها مسند مقعد كي تجلس إلى المائدة إذا (بشارل) ولدها يلقي عليها نظرة تفيض بالحنان والشكر ثم تخضل عيناه بالدمع الذي لم يكن منبعه الحنق عليها ولا الغضب منها وإنما هو الامتنان منها والشكر لها. . . ولكن عن أي شيء صدر هذا الامتنان؟! نجم مما صوره له وهمه دون أن يتظننبالحقيقة الواقعة فلم يلاحظ الولد الطيب صورة المفاجأة والدهشة التي بدت على وجه أمه، ولا نظرات الارتباك المتبادلة بينها وبين الخادم، فقر في ذهنه أن أمه قد تبرعت له بمكان أبيه مراعاة له وتبديد لظنونه السابقة في وفائها لأبيه، لهذا أحتل مقعد أبيه أو الكرسي الذي وضع للخاطب (جورج فوكولت) محل كرسي أبيه، وقلبه يخفق من الفرح والشكر وحلقه غاص من الذكرى والحنين. . . وانتهى الغداء وخلا المكان (بشارل) وبأمه فضم (شارل) أمه إلى صدره بشوق وشكران وراح يقول لها وقد أرخى لعبراته العنان حتى بللت وجه الأم المسكينة الحائرة.

- آه، شكراً لك ألف مرة يا أماه. فقالت أمه في حيرة:

- ولكن لم هذا الشكر يابني؟! فقاطعها دون أن يترك لها الفرصة لمتابعة حديثها:

- أشكرك لأنك أحللتني محل أبي على مائدة الطعام في اليوم الذي تخلعين عنك فيه ثوب الحداد. إنك لا تدرين أي جميل أسديته إليَّ وملأ به قلبي الحزين. . . آه. . . ولكن يجب أن أعترف لك بصراحة. لقد كنت منذ زمن أشك، بل أخاف من تصرفاتك فاغفري لي الآن هذه الشكوك والظنون. . . نعم كنت أخشى أن تسنح لك في يوم ما فكرة الزواج لأنك ما تزالين صبية. ولقد أبصرت ثلاث أمهات من أمهات رفقائي في المدرسة يتزوجن ويسلمن أبناءهن لأب ثانِ غريب عنهم. ولكنك أجلستني تجاهك منذ لحظة على مقعد أبي المرحوم فأدركت أنك تريدين أن تقولي لي: املأ محل أبيك يابني فقد آن لك أن تشغله وتواجه أختك وأخاك العزيزين وأمك التي تحبك، ولكن إن شغل مكان أبي ذلك الأب الذكي الطيب، فذلك ما ليس في وسعى ولكن أعاهدك أن أبذل له جهدي. وهنا تمثل لمدام (ليجيه) أنها كانت ستحطم قلب أبنها النبيل لو أنها انقادت لهواها الذي بدأت تشعر به نحو (شارل).

وفي هذه اللحظة وبينما (مدام ليجيه) تضطرب بين الماضي والحاضر، وتترجح بين تيارين طاغيين. تيار جارف عنيف من حب امرأة صبية حسناء، وآخر هادئ عميق من عطف أم رؤوم، إذا برنين الجرس ينتزعها من ذراعي ابنها الذي كانت تحتضنه وتضمه إلى صدرها بحرارة وشوق. .

لم تكن مخدوعة فقد جاءها الخادم بعد ثوان يطلب الإذن لموسيو جورج الخاطب الجديد، فأبدى ابنها (شارل) حركة مفاجئة أراد معها الانسحاب من قاعة الاستقبال ولكن الأم فهمت منه هذه الحركة فقالت في كبرياء ممزوجة بألم:

إبق مكانك يا (شارل) ثم التفتت إلى الخادم وتقول:

- قل لموسيو (جورج فوكولت) إنه من المستحيل على مواجهته هذه الساعة وسأكتب له جوابي كتابة. . .

وحين انفردت بابنها راحت تعانقه في لهفة وابتهاج ثم قالت: أبداً لن أتزوج يا شارل العزيز. أبداً لن أثقل عليك بأب يؤلم نفسك ويجرح قلبك. لن أرضى أن تتألم أنت كي أسعد أنا. إنك حسبي من دنياي يا بني وأظن أني حسبك أيضاً.