مجلة الرسالة/العدد 965/الأدب والفن في أسبوع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 965/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 965
الأدب والفن في أسبوع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 12 - 1951


للأستاذ عباس خضير

افتتاح مؤتمر المجمع اللغوي:

أحتفل مجمع فؤاد الأول للغة العربية بافتتاح مؤتمره السنوي يوم الاثنين 24 ديسمبر الحالي، فاسهل الجلسة معالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا رئيس المجمع بكلمة أعلن فيها افتتاح المؤتمر وحيا الأعضاء ورحب بهم.

ثم وقف الدكتور منصور فهمي باشا كاتب سر المجمع فألقى كلمته، وقد تحدث عن الذوق اللغوي وموقف المجمع مما يقرره من ألفاظ ومصطلحات من حيث فرض السلطة أو ترك الحرية لمن يأخذ بها. ثم أجمل أعمال المجمع في الدورة الماضية. وقد جنح في كثير من العبارات إلى الظرف والفكاهة.

قال الدكتور منصور باشا: إن المجمع يحكم اختيار أعضائه ممن يتذوقون اللغة العربية تكون له ذوق خاص في اللغة، وقد أخذ يرنو إلى أن يشيع في الناس هذا الذوق. وقد قال في مستهل كلمته أنه لن يحول الحديث إلى فلسفة، فللفلسفة مجالها ولها وزن ثقيل تترنح له الدار ويرتج الجدار، ويلوذ أكثر للزوار بالفرار. . . ولما وصل إلى الكلام على (الذوق السليم) شبهه (بتيار إلهي يجري في وادي الظروف والزمن) وما كدت أسمع هذا التشبيه حتى أشفقت على الدار ونظرت خائفا إلى الجدار وتطلعت أرقب الزوار. .

وقد بدأ مسألة للسلطة والحرية في اللغة متسائلا: هل آن لما تطلع إليه المجمع وطلبه على لسان بعض أعضائه أن يتحقق فيطوع السلطة التنفيذية لخدمة اللغة وسلامتها؟ ثم تحدث عن رأي معالي الأستاذ رئيس المجمع في ذلك وهو رعاية الحرية وإيثارها على التسلط، وقال: إنني أستبيح لنفسي التجانف عن هذا السبيل الحنبلي في تقديس الحرية لأكون من أنصار أبي حنيفة ومن إليه ممن يتجوزون في أشربة من الخمر في بعض الظروف. . فقد يكون للسلطان في بعض الأحايين نفع كبير، ولقد أرى أن بين السيطرة المستنيرة وبين بعض صنوف الخمر المستجادة وجها من وجوه الشبه!

قال الدكتور منصور فهمي ذلك ولم يبين لنا كيف السبيل إلى فرض السيطرة على أذواق الناس في اللغة. ولست أدري ماذا يقصد بإجازة أبي حنيفة أشربة من الخمر في بعض الظروف! هل يقصد تحليل أبي حنيفة للنبيذ؟ وهل يحسب نبيذ أبي حنيفة من الخمر؟ وما موقع (صنوف الخمر المستجادة) مما قال به أبو حنيفة؟

وبعد ذلك ألقى الدكتور أحمد عمار محاضرة قيمة موضوعها (المصلحات الطبية ونهضة العربية يصوغها في القرن الحاضر) بدأها بقوله: اللغات كائنات حية نامية متجددة، ما تجددت عاشت، فإن جمدت ماتت. ولقد تعتورها من آفات الإفراط والتفريط أدواء لا منجاة منها إلا أن تكون بين ذلك قواما وتلزم بينهما قصد السبيل. ثم قال: ولقد وسعت لغتنا في ريعانها من مطالب الحضارة أعلاها مرتقى وأصعبها شعابها، ومن بينها الطب، إذ بلغ شأوها فيه أن نلقاه عليها الغرب وتدارسه في كتبها حقبا طوالا. وما كان ذلك إلا لأن أسلافنا لم يبتلوا بذلك الداء الدولي وهو فرط الحذر، ولم يخشوا في النقل عمن سبقهم من الأمم لومة لائم، بل أقبلوا عليه إقبالا لعلهم كانوا فيه إلى العجلة والاندفاع أقرب منهم إلى التؤدة والأنة، فما أضر بهم ولا بلغتهم قليل الاندفاع. ولو أنهم أسرفوا في الحذر لما خلد لهم في التاريخ ذكر ولا بقى لهم في العلم أثر. ثم تحدث الدكتور عمار عن العناية بالمصطلحات الطبية في مطلع النهضة المصرية الحديثة، بعد العصور التي تخلفت فيها اللغة، حتى بلغ الحديث مجمع فؤاد الأول فأشار إلى حيرته التي طالت سبعة عشر عاما بين إشفاق على القديم ووجل من الجديد، وأهاب به قائلا: ما عدة النهضات إلا الإقدام، وقال إننا نشفق من الجمود أكثر مما نشق من الاندفاع، فلنتوسط بينهما السداد ما استطعنا إليه سبيلا. ثم فصل رأيه في ذلك بأمثلة في وضع المصطلحات الطبية سأعود إلى عرضها في عدد قادم إن شاء الله لاستكمال الفائدة من هذه المحاضرة الدسمة الشهية. . . وقد دل الدكتور أحمد عمار بجزالة لغته وإمتاع أسلوبه وعمق فكرته على أدب وفضل يحمد المجمع على إتاحة الفرصة لظهورهما.

ثم تحدث الأستاذ عبد الحميد العبادي بك عن (كتب الحسية وأثرها في المعجم اللغوي الكبير) فشرح هذا النظام في المجتمع الإسلامي وذكر ما ألف في الحرف وشئون الأسواق وما تضمنته هذه المؤلفات من نقد المجتمع وساق طائفة من ألفاظ الحرف والآلات ومصطلحاتها مما لم تضمنه المعجمات داعيا إلى تضمينها المعجم الوسيط والمعجم الكبير.

وتكلم الأستاذ ماسينيون فقال إنه قدم من باريس يحمل إلى المجمع مع التحية مطلبا خاصا بلجنة تخريج أستاذة اللغة العربية في فرنسا، وهو أن يمدها بالمنهج الذي وضعه لإحصاء القواعد اللغوية والكلمات العلمية التي قررها المجمع.

وختم الاحتفال بكلمة وجيزة للأستاذ حسن حسني عبد الوهاب باشا أبلغ فيها تحيات المغرب الشقيق منوها بما توارت به البشارات من فتح المعاهد العلمية التي شاءت مصر أن تنشأ في المغرب لربط الأواصر وجمع الشتات.

قالت العرب:

كان الأستاذ أحمد محمد بريري قد عاد إلى المناقشة فيما جرى بيننا من خلاف على كلمات وردت في مؤلفات الدكتور طه حسين، إذ خطأ رفع (يدخلون) في قوله (يريدون أن يضحكوا من أصحاب الصحف ورؤساء تحريرها فيدخلون عليهم فصولا نشرت على أنها لم تنشر) وأنكر عليه استعمال نحو (قد لا يفعل، وسوف لا يفعل، ونفس الشيء، وما كاد يفعل كذا حتى حدث كذا) وقد بينت في هذا كله وجه الصواب الذي أستديره. . فلما عاد إلى المناقشة في صحيفة الأساس (7ديسمبر الحالي) ألفيته قد تعلق بأمور جدلية لا تؤدي مجاراته فيها إلى طائل، ولحظت أنه يحاول أن يخرج بهذه الجدليات عما واجهته به في الموضوع، فرأيت أن أمسك عن مجاراته في ذلك ضنا بالوقت والجهد أن يذهبا سدى.

ثم تناولت (الأساس) في موعد حديث الأستاذ التالي (يوم الجمعة14 ديسمبر) فوجدته يتعرض لعبارات أخرى في كتابات الدكتور طه حسين، وقلت لعله أصاب شيئا، ولكن وجدته لا يزال على طريقته في توهم الأخطاء.

ونرجع إلى موضوع الخلاف الأول لأن جزءا منه يرتبط بما طرقه في المقال الثاني، وأغض الطرف عن الهوامش قاصدا إلى الصميم، فأجمل رده فيما يلي: قال فيما يختص بإعراب (يدخلون): إن لكل منا رأيه، ثم مضى إلى سائر العبارات فأعاد ما كان قد قاله في (كاد)؛ أما البقية فقد طالب فيها بما قالت العرب قائلا: (. . . فلقد قلنا لم تقل العرب (قد لا ولا سوف لا. . الخ) فكيف يطالبنا بالإثبات؟ نحن ندعي العدم. . وقد قضى الله ألا تكلف إثباته. . وإنما على من يناقضنا أن يقول: قالت العرب. . ويأتي بهذا النص الذي نقول إنه منعدم)

أما الموضوع الذي طرقه بعد ذلك فهو استعمال الفعل (يلفت) على الوجه الذي جاء عليه بمقدمة كتاب (على هامش السيرة) للدكتور طه حسين في العبارة التالية: (إذا استطاع هذا الكتاب أن يلقى في نفوس الشباب حب الحياة العربية الأولى ويلفتهم إلى أن في سذاجتها ويسرها جمالا، ليس أقل روعة ولا نفاذا إلى القلوب من هذا الجمال الذي يجدونه في الحياة الحديثة المعقدة فأنا سعيد موفق إلى بعض ما أريد)

أنكر استعمال ذلك الفعل بمعنى التنبيه والتوجيه، لأن لفت معناه لوى وصرف.

حقا إن لفت معناها صرف، لكن هل هما مقصوران على معنى الانثناء عن الأمر والإعراض عنه؟ إنك تقول صرفت همي إلى كذا، ويقال هو مصروف إلى كذا، وانصرف إلى الشيء، والمقصود الإقبال والاهتمام، كما يقال صرفه عن كذا: لواه عنه. فالذي يعين المعنى حرف الجر كما في (رغب) مثلا. وعلى ذلك (لفت) على سبيل التضمين. على أنني ألمح في التعبير دقة بلاغية سببها (إيجاز بالحذف) وتقدير الكلام: ويلفتهم عما يخالونه في الحياة العربية من خشونة وجفاف إلى ما في سذاجتها ويسرها من جمال.

وسيقول لي الأستاذ بريري: إبت بما قاله العرب. هذه هي المسألة التي أعود إلى مساجلة الأستاذ من أجلها.

أليس بد مما قالت العرب نصا؟ أولا يجوز لنا أن نقول على نسقهم كلاما جديدا؟ وهل وقفت العصور المتتابعة عندما نطق العرب الأولون دون تطور في المعاني والتعبيرات؟

لقد لمحت في مقالك هذا كلمة (الذوق) إذ قلت في مخاطبة شيخك (مهلا يا سيدي الشيخ، فتلك كلمات غلاظ وأسئلة خشنة لا يحتملها الذوق. . الخ) فهل استعملت العرب هذه الكلمة في هذا المعنى الحديث؟ ولمحت في مقالك الأول كلمة (تطور) إذ قلت فيه (أو ترون أنا سلكنا جادة الصواب أم أخطأنا تطور الأطوار) فهل قالت العرب (تطور)؟ إنني لا أؤاخذك على هذا إلا إذا أردت أن أحاسبك بمنطقك، وهو منطق لا يتفق مع التطور اللغوي وما يبتدعه الكتاب من تعبيرات جديدة، لا تخرج عن النهج العربي، تضاف إلى ثروة اللغة وتطوعها للحياة المتجددة.

ثم أسألك يا سيدي الأستاذ: هل تمنح إطلاق (سيارة) على (الأتموبيل) لأن العرب لم تفعل؟ وهل تمنح إطلاق (قنبلة) على القذيفة المتفجرة لأن العرب لم تفعل؟

لقد رأيتك تفوض المجتمع اللغوي في أمر (كاد) معربا عن قبولك للتركيب إذا أقره، فإذا كان المجمع عندك حكما مرضيا فإني أحيلك إلى ما قرره في أمر تسع وثلاثين كلمة أقر استعمال المحدثين لها على خلاف ما سمع عن العرب الأولين في الصيغة أو في الدلالة، منها (ساهم) بمعنى شارك وقاسم، و (قهوة) للمكان الذي تشرب فيه. . الخ. وذلك بناء على ما أرتاه الأستاذ أحمد حسن الزيات بك من حق المحدثين في الوضع اللغوي. فإذا كنت مصرا على المطالبة بنص ما قالته العرب فإني ألفتك إلى مجمع فؤاد الأول اللغة العربية وهو - كما قالت - الذي فوضنا إليه أمر اللغة العربية.

عباس خضر