مجلة الرسالة/العدد 936/الرعايا غير العبيد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 936/الرعايا غير العبيد

مجلة الرسالة - العدد 936
الرعايا غير العبيد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 06 - 1951


للأستاذ عبد المتعال الصعيدي

كنت أحب للأستاذ الفاضل الشيخ خالد محمد خالد وهو عالم أزهري أن يتأمل قليلاً في اسم كتابه الجديد - مواطنون لا رعايا - ولو أنه تأمل قليلاً في معنى كلمة رعايا لاختار له هذا الاسم - مواطنون لا عبيد - لأن موضوع كتابه في هذا المعنى. ولو أنه سماه أيضاً - رعايا لا عبيد - لما خرج عن معنى كتابه، ولما خرج عما ينبغي لعالم من علماء الدين، والأستاذ من أساتذة اللغة، لأنه أساء إلى كلمة رعايا، وحملها ما لا تحمله في اللغة والدين.

روى مسلم والترمذي أن النبي ﷺ قال. كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته.

وفي هذا الحديث دلالة صريحة على أن الراعي ليس معناه السيد، حتى تكون الرعية بمعنى العبيد، لأنه جعل كل واحد من الناس راعياً، فلو كان الراعي بمعنى السيد والرعية بمعنى العبيد لكان كل واحد من الناس سيداً وعبداً في وقت واحد، وهذا تناقض. على أن الحديث جعل الخادم راعياً في مال سيده، وفي هذا دلالة قاطعة على أن الراعي ليس بمعنى السيد، وإلا انقلب الوضع في هذه الحالة، لأن الخادم مسود لا سيد.

وهذا عثمان بن عفان يكتب إلى عماله في أول خلافته، فيطلب إليهم أن يكونوا رعاة لا جباة، فيعطي هذه الكلمة معناها الكريم، ويقول في ذلك: أما بعد، فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة، ولا يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء، والأمانة والوفاء. ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين، وفيما عليهم، فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة، فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم، ثم العدو الذي تنتابون، فاستحقوا عليهم بالوفاء.

فيفرق عثمان في هذا بين الرعاة والجباة، وهذا الفرق يكاد يحمل الجباة معنى السادة الذين يتعالون على الرعية، وينظرون إليها من الناحية المالية، فلا يهمهم إلا أن ينتزعوا منها مالها وهم في عزة السادة، وإلا أن تقدم إليهم هذا المال في صغار وذل، وعلى هذا يكون الرعاة الذين يقابلون الجباة لا يحملون شيئاً من معنى السادة، ولا تكون الرعية لهم عبيداً، بل يجمعهم جميعاً اسم المواطن.

فإذا انتقلنا من هذا إلى معنى كلمة رعية في اللغة وجدنا القاموس يقول: الراعي كل من ولى أمر قوم، والجمع رعاة ورعيان ورعاء وقد يكسر، والقوم رعية كغنية. ثم يقول: وراعيته لاحظته محسنا إليه، وراعيت الأمر نظرت إلى م يصير، وراعي أمره حفظه كرعاه، واسترعاه إياهم استحفظه.

وإذا انتقلنا من القاموس إلى النهاية في غريب الحديث والأثر وجدناها تقول: وفي الحديث (نساء قريش خير نساء، أحناه على طفل في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده) هو من المراعاة الحفظ والرفق وتخفيف الكلف والأثقال عنه، ومنه الحديث (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) أي حافظ مؤتمن، والرعية كل من شمله حفظ الراعي ونظره، وفي الحديث إلا إرعاء عليه) أي إبقاء ورفقاً؟ أرعيت عليه، والمراعاة الملاحظة، وفي حديث عمر (لا يعطى من الغنائم شيء حتى تقسم إلا لراع أو دليل) الراعي ها هنا عين القوم على العدو، من الرعاية والحفظ، ومنه حديث لقمان بن عاد (إذا رعى القوم غفل) يريد إذا انتقلنا بعد هذا إلى المصباح المنير في غريب الشرح الكبير وجدناه يقول: وقيل للحاكم والأمير راع لقيامه بتدبير الناس وسياستهم، والناس رعية، وراعيت الأمر نظرت في عاقبته، وراعيته لاحظته.

وفي كل هذا المنقول من كتب اللغة لا نجد في كلمة راع ورعاة معنى السيادة والتسلط والتحكم، ولا في كلمة رعية معنى الخدمة والعبودية، وإنما وظيفة الراعي حفظ الرعية وملاحظتها بالرفق واللطف، والإبقاء عليها بصيانتها عن موارد الهلكة، وتدبيرها وسياستها بالعدل، وهو في هذا أقرب إلى أن يكون خادماً للرعية، والرعية فيه أقرب إلى أن تكون هي المخدومة.

وكذلك الأمر في الرعية من جهة الدين، لا شيء فيها من معنى العبودية، ولا شيء في الرعاة من معنى السيادة، وإنما الخليفة وولاته أصحاب وظائف في الرعية، يخدمونها بأجر تفرضه لهم على قدر حاجتهم، وهي التي تختارهم لخدمتها بمحض إرادتها، وهي التي تعزلهم إذا أساءوا في خدمتها، فهي صاحبة السلطة عليهم في الحقيقة، وهي الراعية عليهم في نفس الأمر، وهم خدامها في الواقع، وما الخليفة وولاته إلا وكلاء عنها في تدبير أمورها العامة، لأن كل فرد منها تشغله أموره الخاصة في دنياه، فلا بد لها من أفراد منها ينوبون عنها في تدبير أمورها العامة، ولا يمتازون في هذا بشيء عليها، وإنما هم رعية مثلها، يقومون بأعمالهم كما يقوم كل فرد من الرعية بعمله، ولا يستحقون ما يأخذونه من المال لذاتهم أو لشرفهم، وإنما يستحقونه بما يقومون به من عمل، ولهذا أعطاهم الإسلام اسم العمال، فقال تعالى في الآية - 60 - من سورة التوبة (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) فالعاملون عليها هم الولاة، وهم العمال، ولا مانع من أن يدخل فيهم الخليفة، لأنه رئيس هؤلاء العمال، ولم تكن حكومة الخلفاء الراشدين إلا حكومة عمال، وهذا قبل أن تعرف أوربا الحديثة هذا النظام في الحكم، وقد كانت حكومة عمال صالحة، ولم تكن حكومة عمال لا تتورع عن السياسة الآثمة، كما لا تتورع حكومات العمال في أوربا الحديثة عن هذه السياسة وقد كان على الأستاذ الشيخ خالد محمد خالد أن يعرف هذا كله، وأن يدرك أن الناس حينما يطلعون على اسم كتابه - مواطنون لا رعايا - ينتقل نظرهم إلى حديث (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ويفهمون أن الحديث يقر الرعية بالمعنى الذي ينكره اسم كتابه، وفي هذا ما فيه. وعلى الأزهر أن يتدبر في أمر أهله بالإصلاح الذي دعونا إليه، وتوالى علينا الظلم بسببه، حتى يستقيم تفكيرهم، ولا تتغلب عليهم مطالعاتهم الخاصة، وقد أعذر من أنذر

عبد المتعال الصعيدي