مجلة الرسالة/العدد 935/قانصوه الغوري

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 935/قانصوه الغوري

مجلة الرسالة - العدد 935
قانصوه الغوري
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 06 - 1951


سلطان مصر الشهيد

للأستاذ محمود رزق سليم

الفصل الثالث

جلسة صاخبة

رحم الله مصرباي! لقد قتلته أطماعه! وما اكثر ما تقتل الأطماع!

بهذه الكلمات نطق السلطان الغوري في جمع من الأمراء وأرباب الدولة، وذلك بعد اكثر من عامين من بدء سلطنته، وقد اجتمعوا إليه يوماً.

فقال له الاتابكي قيد الرجي: يا مولانا! لقد لقي جزاء تمرده. لقد كان معنا أخاً وصديقاً حميماً. ثم غزا الحسد قلبه فاحتله، فتداعى على أثره وده، وانهار صرح وفائه. وملكت الأطماع جماع نفسه. وصحبها الزهو والترف، مع الوثوق والغرور بقوته. فأنظمت أما عينيه معالم الحق، وأنبهمت آيات الصواب، فاصبح كالغابة العشواء تخبط على غير هدى، وتسير دون جدوى، ولم يتخذ لنفسه عبرة ممن سبقه من الأمراء الطامعين الطامحين الذين غامروا بأرواحهم في ميدان لوثته الحقود والأهواء، وأثارت حمية فرسانه نيران الحسد والبغضاء. فذهبوا طعاماً صالحاً لهذه النيران. وبقيت اللوثة تدمغ صفحات حياتهم وتشوهها.

فقال طراباى: انه معذور يا مولانا في طموحه هذا، الذي أورده موارد والتلف والبوار. . .! فإن مولانا اثر من الله عليه بسلطنته المباركة، خلع أول ما خلع، على مصرباي. ورقاه إلى رتبة الدوادارية الكبرى، ولم يكتف كرم مولانا بذلك، بل وكل إليه مع الدوادارية الوزارة والاستدارية، ثم مكن له في شؤون الدولة. . .

أنسى مولانا أننا حين لجأنا إلى بيع الأوقاف لنستعين بها على ملء الخزائن الشيرفة، لكي نحشو به الأفواه الفارغة،. . . لم نستطع. . . فعدلنا إلى اخذ ريع سنة كاملة منها، وإلى فرض أجرة عشرة شهور كاملة على أملاك القاهرة وسائر أنحاء البلاد، ثم خفضت بعد إلى سبعة شهور، بسبب ثورة المالكين ضدنا، ولولاي إذ أنهيت إلى أسماع المقام الشريف خب ثورتهم، فوافق على مقترحي بتخفيض هذه الضريبة، لوقع ما لا تحمد عقباه.

في أثناء ذلك يا مولانا! كان مصر باي أثناء ذلك مقيماً فيما وكل إليه جمع ماله. فلقد وكل إليه أن يجمع ما فرض من المال على أملاك الصليبة إلى مصر إلى دير الطين إلى غير ذلك.

شمر مصرباي عن ساعد الجد، وكتب القوائم المطلوبة مستعيناً بالمباشرين من أولاد ابن الجيعان. وبعث إلى أعيان الناس بتلك النواحي رسلاً غلاظاً شداداً لا يعصون ما أمرهم. . . واخذوا يثقلون على الناس بكل وسيلة مستطاعة، وبكل حيلة قدروا عليها، حتى وفوا بما فرض عليهم. . . نحن حقاً لا نؤاخذه بهذه الغلطة ولا بهذا الأثقال، ولا بتلك الجفوة في معاملة المالكين والآهلين، لأنه كان يقوم بواجبه في جمع المال المعروض. . . وإنما ننعى عليه حبه للمال، وانتهاز هذه الفرصة لملئ جعبته منها. . وتدبير جزء منه لنفسه.

قال السلطان: الحق إننا اجتزنا هذه المحنة بتوفيق الله ومعونته، ولولاه سبحانه، لفوجئنا بما لا نتوقعه. . لقد كان الجند في ثورة دائمة. . إذا خبت نارها آنا فتحت رمادها وميض النار. واخذ الدساسون يدسون بينهم، ويثيرون حميتهم، ويوقدون نار الثورة بينهم. وكنا نحن من ناحيتهم نلتمس لهم العذر. . . فلقد تأخرت رواتبهم جملة شهور، ولم نقدم إليهم من نفقة البيعة شيئاً. . . ولكنا كنا مكرهين، فلقد تسلمنا زمام السلطنة، والخزائن خاوية على عروشها. تصر فيها الرياح صرير اليأس الحزين. وتسرح في جنباتها الجرذان سروح الأمن اللاهي. فصابرناهم بالتهديد بترك السلطنة. . . وطوراً يبذل الوعود والملاينة. . .

ثم أحببنا أن نستولي على بعض أوقاف المساجد، ونشرع في بيعها لسد فراغ الخزائن، ونترك للمساجد ما تحتاج إليه منها لتظل مفتوحة للعبادة وذكر الله، وخير لنا أن تنفق أموال المساجد على الجنود السلطانية وضروريات السلطنة، من أن تنفق على المتعطلين من خدمتها، والمتبطلين من شيوخها، والكسالى الخاملين من مدعي المعرفة والوصول. . . لكن وقف في وجوهنا ثلاثة من قضاة الشرع وبخاصة شهاب الدين أحمد الشيشيني قاضي قضاة الحنابلة، وقبض لنا في قسماته، وعبس في غضونه، واغلظ في القول. ثم وسمنا بأننا نعبث بأموال الواقفين واعيان وقفهم على غير ما يرغبون، وأننا لن ننفقها في سبيل الخير المرسوم لها. . . كأن الخزائن الشريفة ليست سبيلاً من سبل الخير، أو لست مرجعاً للبلاد وملاذا لها وذخرا وقت الشدة. . . وكان تهدئة خواطر الجند والقضاة على فتهم، ودفع مرتباتهم، والعمل على استتباب السكينة بينهم وبين أهل البلاد ليست مظهراً من مظاهر الخير، ولا معبراً من معابر البر، يصح أن تحول إليه هذه الأوقات المباحة المأكولة. . وجزى الله خيرا قاضي قضاة الحنفية عبد البر بن الشحنة، فإنه وحده دون الثلاثة القضاة الآخرين كان مسايرا لنا فيما ذهبنا إليه. . .

ومهما يكن من شيء فقد أغضينا عن بيع الأوقاف، واجتزأنا بما فرضناه عليها وعلى أرباب الأملاك.

قيت: الواقع يا مولانا! أننا وفقنا، واجتزنا التجربة بثبات وعزيمة، ولولا قوة أيمان كنا نستمدها من المقام الشريف، وصبر مكين تحلينا به تحت ظله، وإخلاص زدنا به تحت لوائه، لتفاقمت ثورة الجند، ولوجدنا لدى العامة من الملاك والسكان ما يجهدنا ويضنينا، وذلك لما أصابهم من المشقة بسبب ما فرض عليهم. وقد وقع منهم قلق واضطراب عدة مرات. حتى أدى ذلك إلى تعطيل البيع والشراء، وغلقت الحوانيت وانفضت الأسواق. واحتجوا مراراً أخرى علينا. وتعرضوا لنا في الطريق العام مهللين ومكبرين تكبير الغاضب المهتاج.

وفي أحد أيام الجمعة، عقب الصلاة، قوبلت بجمع منهم غفير، تجاه باب زويلة. لقد رجموني بالحجارة أنا والأمير طراباي، حتى اضطررنا إلى أمر الجنود فاعملوا فيهم السيف، وقتلوا ثلاثة أشخاص، وجرحوا آخرين ثم تفرق الجمع.

وقد انتهز بعض السفلة والأوغاد والقطاع، هذه الفرصة، وعاثوا في أرجاء القاهرة فساداً، فسلبوا ونهبوا. ولولا همة مشكورة بذلها الأمير علان الوالي، لما إنقمع هذا الشر. لقد قبض على جماعة منهم، ووسط نحو أربعة عشر. . . خرط أوساطهم بالسيف

ثم. . يا مولانا! هناك الاشميون الطامعون الذين لا يحمدون الله على ما أولاهم من فضل، وحياهم من نعمة. أولئك الذين يفغرون فاهم كجهنم. ويقولون: هل من مزيد؟ ولا لهم إلا الاستحواذ على المال من الناس، ولا هم لهم من الخزائن الشريعة إلا أن يستدروا عط اياها ويستمنحوا جداها، أمثال. . مصرباي وجان بردا الغزالي.

لا ادري لماذا حنق مصرباي - رحمه الله - عليّ. . . وعلى أزدمر. . . وتربص بنا الدوائر وقعد لنا كل مقعد. .؟ إلا إننا أوعزنا بالإغلاظ عليه في أداء حساب ما جمعه. .؟ أم حسداً لقربنا من قلب مولانا السلطان. .؟ أم لأننا كنا نذوده سراً عن الأتمار بالسلطنة. .؟

السلطان: أما الجان بردا الغزالي فقد أعطيته أماني، فظهر لذلك بعدما اختفى زمناً، هارباً مني، وقد خلعت عليه ورقيته إلى حجابة حلب، وأمرته بالشخوص تواً إليها تلافياً لشره وحسماً لنزواته، أما مصرباي فلقد لقي حتفه مجاهداً في بسيل أطماعه الباطلة، بعد أن أكلت الغيرة قلبه كما يأكل النار الهشيم. .! ألا تقص علينا أيها الأمير علان، قصة مصرباي كاملة.!

علان: اجل يا مولانا! إن مصرباي لما قبض عليه بأمر المقام الشريف، وبعد مشورة الأمراء، وادخل إلى البحرة وقيد، لبث زمناً ثم سير إلى الإسكندرية، فظل إلى سجونها ردحا من الزمان. ولكنه استطاع من بعد أن يفلت من سجنه ويهرب.

لقد قيل أن مملوكة (اياسا) بعث إليه في شجنه بهدية فيها شموع، ودس وسط هذه الشموع مبرداً من الفولاذ! فتناول مصرباي هذا المبرد، وظل يعالج به قيده من كسر، استطاع بعد ذلك أن يفر. . . وقد اختفى بعد فراره، وبحثنا عنه في كل مكان فلم نعثر له على اثر. وقد احتلنا في سبيل الظفر به بجملة حيل. لقد أوعزنا إلى الجنود السلطانية أن يثوروا ضد المقام الشريف ثورة مكذوبة مفتعلة، لنغرى مصرباي بالانضمام إلى صفوف العصاة الثائرين العصاة، فنستطيع حينذاك القبض عليه. ولكنه لم يظهر. . . وكأنه لدهائه فهم الخدعة فلم تجز عليه. . .

وقد لبث مصرباي في خفائه يجمع شمل ممماليكه ويلم شعث اتباعه، ويغرى الطامعين ذوى الأغراض بالالتفاف حوله. . . فالتف من حوله جماعة من الذؤبان والثعالب. . . فأغراه هذا بالوثوق من نفسه، وظن أن الأمر اصبح له ميسراً.

فكمن برجاله في طريق الأمراء حين نزولهم من القلعة من لدن مولانا السلطان في تلك الليلة من رمضان التي نعموا فيها بتناول فطورهم على الموائد الشريفة. . . أراد مصرباي أن يقطع عليهم الطريق، ويفاجئهم بالبطش بهم. . . ثم يزحف بمن معه إلى القلعة فيملكها. . .

لكنه قد خاب فأله وكشف رخه وشالت نعامته. . فقد وقف المماليك حول أمرائهم وقفة روعته وزلزلت أقدامه، حتى اضطر إلى الفرار هارباً بمن معه. ولكنه بعد أن جرح الأميران طراباى وتمر الزردكاش.

رحل مصرباي بعد ذلك إلى الازبكية ليجمع شمل أعوانه ويلم شعثهم. مغريا كثيراً من الأمراء والجنود أن ينضموا إليه، ليعاود الزحف والهجوم، ولكن لم يطعه أحد.

ثم ذهبت إليه في جمع حاشد من المماليك السلطانية، فحملنا عليه حملة صادقة، هو ومن معه من الثائرين، حتى قتلناه شر قتلة، وحملت جثته على فرس إلى الأبواب السلطانية الشريفة.

طراباى: لو إن مولانا لم يغدق على مصرباى كل هذا الإغداق، ولم يبسط له رداءالأمل إلى آخر مداه، لما تطلع إلى ابعد من منصبه الذي رقى إليه، ولكفكفت أطماعه، وتضاءلت همامة نفسه وعجزت عن أن نطيع هواها، ولما خدعته نفسه الأمارة بالسوء بأنه أهل للسلطة أو الانابكية. والنفس كالجواد إذا روخى له في الخطام شرد وجمح، وإذا جبذ من الزمان تطامن وكبح.

السلطان: أيها الأمير طراباي إن لمصرباي على السلطنة يد لا تنساها، فكان حقاً علينا أن نبر له في الجزاء، ونجزل له في العطاء. . . لقد تعصب مصرباي للسلطنة قبل أن تتعصب أنت لها. . . ردعا الأمراء إليها، وأنت لاه عنها بجوار الملك العادل، يغريك من بعيد بالانابكية، ويضمرلك في نفسه الغدر والخيانة والحرمان والإقصاء عنها. . . حتى فطنت أخيرا إلى مكره، وبدأت تلمس خفي غدره. فانحزت إلى جانبنا، ولكن بعد أن لأي ومراودة

أما مصرباي فقد دبر أمر القبض على العادل بهمة وعجلة وحزم. وكان أهلا لمنصبه. ذا كفاية مذكورة، ودراية مشكورة، وإقدام كان له الأثر في النصر والظفر. . وما كنا لننعى على أحد كفايته أو نغض من شأنها، أو نسد سبل العمل أمام مواهبه، أو نجفوه. . . أن السلطنة العادلة هي التي تفسح المجال أمام الكفايات حتى تنتفع بإنتاجها. وإذا هي غضت من شأنها كبتتها، حتى تستحيل بعد حين نارا محرقة يصعب إطفاءها. ولا يشير حقد الأكفاء مثل الجفاء. . . غير أن الرجل الكفء لا يشوهه مثل نكوصه وغدره، وحيرته بين أطماعه وتردده. وان عدم الولاء آفة. وهو جرى أن يطوح بهم نحو الحضيض، ويسير بهم إلى الهاوية. وقد قيل: مصارع الرجال تحت بروق الطمع.

طرباي: كنت يا مولانا بجوار العادل أؤدي واجبي. وحينما تبين لي وجه الحق، وبدا لي أن مصلحة السلطنة في أن انضم إلى صفوف مولانا، انضممت. وقد كنت في سلطنة العادل اتابكيا بالنيابة. ثم عدت إلى منصبي بعد تمام أن تمت السلطنة لمولانا. ورضيت بان استظل بظلها وانضوي تحت لوائها في مصاحبة اتابكي السلطنة الأمير قيت. وهاأنذا لا أزال - كما كنت - رأس نوبة، راضياً غير طامع. فلم يغنني مال، ولم يستهوني منصب، ولم اظفر بيميني إلى شيء تأباه مشيئة مولانا السلطان، ووهبت لحياظة سلطنته الشريفة كل ما أذخر من روح وقوة ورأي.

قرقماس بن ولي الدين (أمير السلاح): ما اضن إن مولانا السلطان يشك في إخلاص الأمير طراباي ولعل يضرب رجل برجل آخر. . أليس كذلك أيها الانابكي قيت. .؟

قيت: لا ادري لماذا تغمز هذه الغمزة أيها الأمير قرقماس بين يدي مولانا السلطان! وهو أدرى ما تسكنه صدورنا لمقامه الشريف، من حب مكين واخلاص متين. وكأني بك تتهمني بالائتمار على قرار الشريف بركات آخي الجازاني من سجنه، إن هذه تهمة باطلة، وحملة ظالمة، لكنها متداعية واهنة، تحمل في اردانها دليل بطلانها.

إنني أنا الذي ذهبت بأمر مولانا السلطان إلى الأقطار الحجازية، أميرا للحاج، واصطحبت معي عدداً ضخماً من صناديد المماليك السلطانية للقضاء على الجازاني، ذلك العربي الثائر هناك. فقضيت على ثورته، وأطفأت نار فتنته. غير انه استطاع أن يفر من يدي، فقبضت تواً على أخيه وأخوته جميعاً، وسقتهم أسرى يجرون الحديد إلى الأبواب السلطانية الشريفة، فتأثرت نفس مولانا السلطان حينما رأى الشرفاء في القيد أذلاء، فأمر بسجنهم بداري في الازبكية.

قرقماس: أنت تعلم أيها الأمير أن مولانا السلطان قد فرض عليهم غرماً مالياً، ولكنهم لم يدفعوا منه شيئاً. فوكل إليك أمر رقابتهم، حتى يؤدوا ما فرض عليهم. فسجنتهم بدارك، فكيف يفر الصيد من شباكك أيها الصياد الماهر. . .؟ وأنت انابكي السلطنة وقائد جندها.؟ إن في هذه الحادثة لخطراً على سمعتنا، وضياعاً لما فرضه السلطان من الغرم، وتهوينا من شأننا، أمام الجازاني وعصبته في بلاد الحجاز، وفي ذلك خطر علينا عظيم. . ثم. . . إن الله عليم بذات الصدور. . .!

قيت: إذا كان السجين قد فر، هو وأخوته، فذاك تراخ وغفلة من الحراس، وسأقتص منهم. أما أنا فلا ادري كيف تستسيغ يا قرقماس، أن ترميني بأني هيأت لهم أسباب الفرار.؟ المال ابتغيه؟ وقد وهب لي الله منه الشيء الكثير، على يدي مولانا السلطان. . . أم لجاه ابتغيه؟ ومنا تستمد أسباب الجاه، أم لمنصب تتطلع إليه، وقد بلغت من المناصب الذرى. . .؟

حقاً! أنها لتهمة غريبة مريبة، ولعل في النفس شيئاً ستتكشف عنه الأيام. . .؟

السلطان: أيها الأمير قيت! إن المال لا حد لطمع النفس في جمعه. . . ما دامت النفس قد أشربت حبه. . . وأما المنصب فلا يزال أمامك فيه جوالة. . .! إن هناك منصب السلطنة. . .! وهو من القلب وقرة العين ومطمح الفؤاد.

أيها الأمراء! انتم جميعاً تعلمون أنني أزهدكم في السلطنة، وأشدكم جفاء لها. . . فمن شاءها منكم فليتقدم في غير مواربة ولا خيانة.

إنني مستعد للاختفاء من الميدان في هدوء وطمأنينة، بقلب راضٍ ونفس مستقرة شاكرة.

لقد أقمت في السلطنة زهاء ثلاثة أعوام، وان أوطد في دعائمها، واثبت من أركانها، أعالج من ثرواتها. ثم بدا لي أن اطمئن واقر بالهدوء فيها عيناً. . . فإذا أنا حالم واهم. . . وإذا الأماني في العيون سراب. وحقاً يؤتى الحذر من مأمنه.

قلقماس: حاشا يا مولانا أن يخيس أحد بعهدك، أو يشق عصا طاعتك، أو يخرج عن حظيرة ودك. . . أننا لنسيل دماءه على حد ظبانا، ونقطع أشلاءه على غرب سيوفنا، ونزهق روحه لتذهب للمعتبرين حديثاً.

إلا فليحدث نفسه بالسلطنة من شاء، وليذهب به خيال الأمل إلى ابعد الأنحاء. فنحن من وراءه نقطع جسده بدداً ونتركه طرائق قدداً.

أزدمر الدوادار: وأنا معك يا قرقماس. نحمي حوزة السلطنة، ونبذل الروح رخيصة في سبيل الذود عنها، ودفع الكائدين عن مها بالأذى.

ثم لا ادري أيها الأمير قيت؟ لماذا كنا معاً يداً واحدة ضد مصرباي. . . ذلك الذي كان ينقم منا نحن الاثنين. . . أليس ذلك لأننا كنا نحيط ائتماراته بالسلطنة. . . وندفع كيده عنها ونكيد له كما كان يريد أن يكيد لها.

قيت: مهزلة! وثورة عابثة! وفتنة فارغة! ومجانة جادة! ومزاح ثقيل الظل! لا ادري فيما تتحدثان، وعن أي شيء تتكلمان، وبأي امرئ تتهكمان؟ إلا أن في ذهني لحية، وفي كفي لعصية. وباطل الملامة، يشوه الكرامة. . . وارخص ما يبذل للشرف الدماء، أهون ما يباع للعز الدماء.

ولكن قبل ذلك. . .! قولاً لمن يرفع عقيرته بالقاع عن السلطنة. . إن السلطنة التي عرفت مبلغ بلائنا وصدق ولائنا وحسن وفائنا. فاحفظوا على أنفسكم الكيد، واخشوا مغبة الدسيسة، واسفروا وجوهكم عما تطمعون فيه، فإن النفاق دليل العجز، وهو لن يغنيكم فتيلاً.

السلطان: لا تختصموا لدي. . . ولا توقروا قلبي بمثل هذه الشحناء. . . أنكم جميعاً عمد السلطنة. على سواعدكم تقوم، وبأيمانكم تقوى وتشتد. وهي في حاجة إلى كل فرد منكم، فكونوا لها حراساً، ولشعبها سواساً، ولتكن صلتكم الحسنى ورابطتكم المودة والإيثار. بكم ينعقد لها لواء العزة والمنعة. وينبسط بساط القبول والرضا.

ذروا التغرير بالجنود، وإغراءهم. وليفض كل منكم إلي بدخيلة نفسه، ناصحاً أمينا. وسيجد مني صدراً رحباً، وسمعاً خصباً، وقلباً سمحاً، ونفساً طيبة، ومودة.

طراباي: أنها لحظة حكيمة حازمة يا مولانا! وشرعة منصفة، وأني اعتماداً على مالي في قلب مولانا من رضا، ومالي إلى نفسه من قرب، وما يعرفه في من إخلاص، وما تفضل به عليّ من ثقة. التمس من مقامه الشريف بإسم طائفة منا، ألا يقبض على أحد من الأمراء بالظنة، حتى يظهر له وجه الحق فيه ابلج، وبتكشف له عنه الصواب واضحاً.

السلطان: إذا! انتم تخشوني وتأتمرون بي، كما كنتم تخشون الملك العادل وتأتمرون به. . . وان خشيتكم الباطلة لتدفعكم إلى التحريض على الفتنة بين الجنود، ودفعهم إلى الثورة على السلطنة، إلا أن هذه عادة أسلافكم الذين وجتموهم على أمة، وانتم على آثارهم مقتدون.

أيها الاتابكي قيت! لقد أمرت بالقبض على مصرباي، وجان بردى الغزالي. وغيرهما من الأمراء المتهمين بالدس والائتمار واضرام الفتن ولكن هل كان هذا الأمر إلا بعد استشارتكم؟

قيت: اجل يا مولانا! السلطان: إذا! مم تخشون! ولم تهاون؟ ما دام الإخلاص رائدكم، والولاء قائد كم. . .؟ إلا أن هذه حالة لا يستقر معها لسلطنة، ولا يدوم بها هناء لسلطان.

وإذا فصحيح ما علمته من أن بعضكم يأتمر بي، ويثير الفتنة في سبيلي، ويتطلع إلى السلطنة ليشبع آمال طمعه.

قرقماس وأردمر معاً: نحن على استعداد لتصفية هذا الموضوع. . . وسيوفنا بين يدي مولانا مرهفة، ورماحنا مؤتلفة، وجيادنا معدة مصطفة، وجنودنا شاكية السلاح واقفة.

السلطان: أنا لا أبغي حرباً أو ضرباً، ولا لجاجاً ولا خصومة، أن أسرة إذا تفككت عراها، انتكث فتلها، ووهى غزلها، وإذا اختلف أفرادها، خارت أعضاؤها وفاجأها حسادها. وإذا تنابذ أعضاؤها اجترأ عليها أعداؤها، ولم تعد تستطيع أن تجابه أمورها الخارجية بحزم كامل وعزم شامل.

وهناك أعداء لنا في خارج بلادنا، يتربصون بنا الدوائر؛ ويقعد منا مقعد الثعلب من الفريسة، يرقبها في غفلة مصطنعة حتى إذا أمنت جانبه، فاجأها ودق عنقها. ونحن أحوج إلى توجيه قوانا لكبح هؤلاء الأعداء.

لقد سمعتم منذ حين أن الثائر (إسماعيل الصفوي) أراد الانقضاض على حلب. وكنا على وشك أن نجرد عليه حملة تأديبية.

غير أنى لا يهمني أمر الصفوي بمقدار ما يهمني أمر الدولة التي كونها بنو عثمان في بلاد الروم. لقد اتسعت رقعتها، ونمت ثروتها، وهيبت سطوتها، وأصبحت متاخمة لممتلكاتنا، وبمقدار ما نحيط به ملكنا من اتحاد وقوة وحيلة، تبقى مهابتنا في نفوسهم، وتدوم مكانتنا في قلوبهم.

لقد وفد إلينا قاصدهم - رسولهم - منذ حين، وأقام لدينا ردحاً من الزمان، لقد بعثوا إلينا معه هدايا ملكهم الثمينة، رمزاً للصداقة وتمكيناً للعودة، وتأكيداً لحسن الجوار. واغلب ظني انه إنما شخص ألينا، ليسير مبلغ ما فينا من قوة، وما لنا من التئام، وما بيننا من صلة وألفة، وما في بلادنا من ثروة. . . وكل أولئك سيكون له أثره في المستقبل المرتقب في رسم سياستهم قبلنا.

على أننا تلقينا هذا القاصد تلقياً حافلاً، ولم نذخر وسماً في إظهار عظمة مصر وقوة سلطنتها أمام عينه، ولم تقتصر في التنويه بفضل أمرائها ونباهة شأنهم ومبلغ شجاعتهم.

وأنت أيها الأمير ازدمر، حين ما توجهت إلى قناطر العشرة في زمن الربيع الزاهر، اصطحبت معك هذا القاصد واحتفيت به احتفاء كان مضرب المثل، وفهم عنك مبلغ ما عليه سلطتنا من جاء وقوة وحول وطول. ورأى ما لبلادنا من جمال وروعة. وعندما أراد العودة إلى بلاده خلعت عليه خلعة ثمينة، وحملته إلى ملكة هدية نفيسة تليق بمكانتها. . . ثم. . . بعثت في أثره الأمير (ثاني بك الخازندار) قاصاً من لدنا إلى ملكهم، ليقوم بمثل ما قام به قاصدهم.

هذه هي دولة بني عثمان. . . ثم هناك العربان في بلاد الحجاز بل ومختلف جهات الديار المصرية، يثورون من آونة لأخرى حاقدين علينا معشر الجراكسة ناقمين منا، يدعون أن البلاد بلادهم دوننا، وأننا عنها جد غرباء. . . يا لبلادتهم! كأن عشرات السنين التي انصرمت منذ ألف الملك المعز بن أبيك الجاشنكير دولته البحرية؛ أو منذ ألف الملك الظاهر برقوق بن أنص، دولته الجركسية، ليست كافية في نظر هؤلاء الحمقى لمصير عنصرها. . .! فهؤلاء العربان الذين يدعون حقهم في البلاد، لم ينهضوا في أغلب الأحوال، إلى معونتنا إذا دهم البلاد عدو أجنبي. . .! فلله ما أشد حدبهم على بلادهم، وما أنشطهم للذود عنها. . .!

أيها الأمراء! هكذا ترون أننا في حاجة إلى اتحاد قوى وائتلاف صميم. . . أما الخلف الذي تخفون إليه، فحالة لا تقوم بها سلطنة، ولا يهانا بها سلطان - كما ذكرت. . . لن ينفض هذا الجمع من هنا اليوم، حتى تقسموا جميعاً على المصحف العثماني، أمام قاضي القضاة، يمين الطاعة والولاء.

فأقسم الأمراء ثم أقسم لهم السلطان وأرسل إلى المماليك بالقلعة فأقسموا يمين الطاعة طبقة بعد طبقة.

(للكلام بقية)

محمود رزق سليم

الأستاذ المساعد بكلية اللغة العربية