مجلة الرسالة/العدد 935/على هامش السياسة الدولية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 935/على هامش السياسة الدولية

مجلة الرسالة - العدد 935
على هامش السياسة الدولية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 06 - 1951


للأستاذ عمر حليق

وراء التوتر المخيف الذي يسود العلاقات الدولية هذه الأيام بعض العوامل الجوهرية التي قل أن يفطن لها المتتبع للشؤون الدولي عن طريق الصحف السيارة وغيرها من المواصلات الفكرية السريعة.

وهذه العوامل لا تقتصر على التنافس الاقتصادي والسياسي بمعناه الشائع؛ وإنما تشمل أوجها أخرى على غاية من الخطورة، وعلى عوامل بعيدة الأثر راسخة النفوذ في صميم المقومات الخلقية والثقافية والنفسانية لهذه الشعوب التي تنقسم الآن إلى معسكرات متطاحنة، تهددالإنسانية بويلات الذرة والهيدروجين وشتىأسلحة الحرب الحديثة المروعة.

ولقد ظهرت في الآونة الأخيرة - في أمريكا وبريطانيا على وجه الخصوص - دراسات عميقة البحث، علميةالمنهج، تحاول أن تلقي أضواء على تباين هذه المقومات الخلقية والثقافية والنفسانية في الشعوب المتخاصمة التي بلغت حدة خصومتها درجة يدركها المتتبع لمجرى الحوادث اليومية في عالم قلق مرهف الأعصاب.

وسيحاول كاتب هذه السطور أن يستعرض في فصول قصيرة ألواناً من هذه النتائج التي وصلت أليها تلك الدراسات التي توخى الباحثون فيها أهدافاً إيجابية نزيهة - نظراً لما فيها من نفع يستعين به رجل العصر على تفهم الأحداث ومكافحة الإرهاق العصبي الذي تخلقه مشاكل السياسة الدولية.

والتعرف على حقائق العلاقات الدولية ضرورة حتمية لأهل الشرق، وليست ترفا ثقافيا يمكن الاستغناء عنه.

فالموطن في مصر أو سوريا أو العراق أو نجد مثلا له مصلحة وصلة مباشرة بالتطورات السريعة المتلاحقة التي توجه العلاقات الدولية هذه الأيام - مصلحة وصلة أكثر وثوقا من مصلحة الموطن الذي يعيش في الأرجنتين أو الأروغواي أو غيرها من هذه الدويلات التي تعيش في أمريكا اللاتينية مثلا - وهي قسم من العالم لا تجاوره، وتهددهتهديدا مباشرا حدة التوتر الدولي وأخطار الحروب العالمة كما تهدد الشرق الأوسط مثلا.

والدراسات التي أشرنا أليها تتوخى التعرف معرفة جوهرية صادقة على حقيقة السلوك الإنساني لمختلف الشعوب - وعلى الأخص تلك التي في يدها مقدرات السلم والحرب.

ومعادل هذه الدراسات علوم اجتماعية متنوعة - منها علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، والأنترويوجيا وفلسفة التاريخ والاقتصاد بالإضافة إلى العلوم الاقتصادية والسياسية. فالاقتصاد والفلسفة السياسية والتاريخ لا تكفي للتعرف على أسباب التوتر في العلاقات الدولية. فالكثرة من المعلقين السياسيين في الصحف السيارةيقتصرون في تحليلهم للعلاقات الدولية على مطالعاتهم في التاريخ والاقتصاد والسياسة المعاصرة. وقل أن تجد من يزود نفسه بالدراسة العلمية العميقة لتلك العوامل النفسانية والاجتماعية المتباينة التي تؤثر في سلوك الشعوب والجماعات القومية إزاء المشاكل السياسية والعسكرية والاقتصادية التي يواجهها العالم المعاصر.

وقد فطنت لهذه الحقيقة مؤسسة اليونسكو التابعة لهيئة الأمم فكانت جماعة من أهل الاختصاص بالتعرف على دراسة العوامل الخفية الآنفة الذكر وتعميمها بين المثقفين من صناع السياسة وأولئك الذين يوجهون الرأي العام في مختلف الدول والأمصار - من صحفيين وكتاب -

وقد صنفت اليونسكو دراستها في أربعة أبواب: -

الأول: - يبحث في نفسية المواطن في بلد ما وعلاقته بالخلق القومي العام لذلك البلد.

وتحت هذا الباب يلمس الباحث ألوانا من الحقائق الجوهرية الخطيرة التي تسير الاتجاهات العاطفية لذلك الشعبفي صلاته مع العالم الخارجي، ومبلغ التوتر أو الصفاء الذي ينتج عن سير تلك الاتجاهات العاطفية وما تخلق في المراحل النهائية من عنف أو مسلمة إذا ما أن صدمت بالاتجاهات العاطفية والمقومات النفسانية للشعوب الأخرى.

بمعنى آخر - فأن التعرف على المقومات الخلقية لشعب ما والتي يتميز بها عن غيره من الشعوب - التعرف على هذا الاختلاف يساعد كثيرا على تفهم أسس التنافس السياسي الدولي الشديد الذي نقرأ عنه في الصحف السيارة ونتساءل عما إذا كان من الممكن التغلب عليه وإحلال الصفاء والانسجام مكان الخصومة والتحدي.

والثاني: - يسعى لفهم الصورة التي يحملها شعب ما عن الشعوب الأخرى، وهل هذه الصورة صادقه - بمعنى أنها منطبقة على الصورة الحقيقية لتلك الشعوب - أم أنها وليده الاستنتاج الخاطئ الناتج عن سوء ٍالاجتهاد والانفعال النفساني العليل، والمعرفة المشوهة التي يحملها ذلك الشعب عن الحقائق التاريخية والاقتصادية والسياسية للشعوب الأخرى؟

وهذا بمعنى آخر - محاولة للتعرف مثلا على مبلغ الصدق فيما تدعيه دولة أو شعب ما بأن خصمه مجبول على العنف والغطرسة، وأن الحقد والدسيسة من خصائصه الخلقية الأصيلة، وأن ذلك الخصم مهما صادقته وحاولت توثيق العلاقات الودية معه فأن أهله مفطورون على التحدي والخسة والغدر. فكثير من الناس مثلا يعتقدون بأن الشعب الألماني شعب حربي لا يلتزم السلم ولا يشارك في حفظه حتى لو توفرت له أسباب الطمأنينة السياسية والعسكرية والاقتصادي. فمثل هذا الاعتقاد ظاهرة خطيرة لها أثرها البعيد في سلوك الشعوب تجاه الشعب الألماني من جهة؛ وفي سلوك الشعب الألماني تجاه الشعوب الأخرى متجهة أخرى. فأنت إذا اقتنعت بأن الناس لا تؤمن بأنك حريص على الوداد والصداقة فأنك ستسلك في المراحل النهائية - سلوك تحد مبعثه بأسك من إزالة هذه الصورة الخاطئة التي يحملها الناس عنك. وللصبر حدوده

والثالث: - يحاول أن يتعرف الأسباب التي دفعت شعبا من الشعوب لأن يحمل صورة خاطئة عن شعوب العالم الذين يعيش فيه. ويحاول كذلك أن يحصر تلك الأسباب في إطار علم النفس الاجتماعي مستندا إلى الحقائق الاقتصادية والعوامل التاريخية والسياسية التي تعيش في الحياة القومية لذلك الشعب.

وفي علم النفس الاجتماعي أسلحة يعتقد العارفون بها إزالة أسباب القطيعة وسوء السلوك والعقد النفسانيةالتي هي ليست وليدة التنافس الاقتصادي والقلق السياسي فحسب، بل هي كذلك ناتجة عن الجهل بالمقومات الخلقية والثقافية للعائلة الإنسانية على نحو ما أشرنا أليه. وفي استطاعة أولى الدراية كذلك أن يلجئوا لتلك الأسلحة لتحقيق السيطرة والتفوق السياسي والعسكري والاقتصادي على الشعوب الأخرى.

والرابع: الوصول من هذا التبويب والدراسة السابقة إلى حصر الأسباب التي تدفع الشعوب إلى الشقاق والعنف وإلى الحرب والقتال.

وهذا الحصر لا يكون بدراسة التنافس الاقتصادي وحدة الجدل السياسي - كما أشرنا سابقا - وإنما يكون بتمحيص المؤثرات الثقافية والاجتماعية للشعوب المتخاصمة، ومن الأمثلة هذا التمحيص معرفة الطريقة التي يربى بها ذلك الشعب أطفاله في سن الحداثة.

فقد حلل مثلا أحد العلماء في الانترويولوجيا البريطانيين من الذين قاموا بدراسة التوتر الدولي على ضوء ذلك العلم - المقدمات الخلقية للشعب العربي، فوجد العرب - والشعوب الشرقية أجمالا - تزم أطفالها في سن الحداثة زما يقيد اليدين والرجلين تقييدا كليا , ويمنع الطفل من الحركة ولا يترك له من أعضاء الجسد ما يوفر له الاتصال بالعالم الذي يحيط به سوى فمه وعينه. واستنتج العالم من ذلك أن الشعب العربي تبهره مظاهر العظمة والقوة المحسوسة (بواسطة العينين) تؤثر فيه البلاغة (بواسطة الفم). ولذلك فقد أشار على الدول والشعوب التي تتصل بالعرب بان تبهرهم بألوان العظمة والبأس المجسم (من طائرات وأساطيل وقوات عسكرية يراها بعينه) وان يخاطبهم - أي العرب - بالمنطق المعسول والكلمات المنتقاة.

هذا مثل واحد من أمثلة عديدة على هذااللون من الدراسات التي يطمح كاتب هذه السطور أن يلفت إليها النظر في استعراضه لبعض المؤثرات الجوهرية التي لا يفطن إليها كثير من الناس في معرض تفكيرهم وتأثرهم بمجرى العلاقات الدولية.

نيويورك

للكلام صلة

عمر حليق