مجلة الرسالة/العدد 917/من مجالس الأدب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 917/من مجالس الأدب

مجلة الرسالة - العدد 917
من مجالس الأدب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 01 - 1951


أديب يتعاظم. . .!

للأستاذ محمد رجب البيومي

إلى الأستاذ محمد كرد علي

قرأت المقال الذي نشره الأستاذ الحوماني بأحد أعداد الرسالة تحت عنوان (هؤلاء كلاب) فرأيت أن أعرض عليك ما سبق أن قاله أحد أدباء القرن السادس الهجري في زملائه لتكون على بينة من أخباره، ولن أفتري على الرجل فأنطقه بما لم يقل، ولكني تقيدت بما روى المؤرخون عنه، وهاأنذا أضع بين يديك المراجع التاريخية، فأنت رجل مراجع وفهارس وتقبل فائق احترامي.

م. ر. البيومي

(ياقوت الحموي يتوجه إلى مسجد الخضر في آمد، ويقابل شيخ أدبائها علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت الشهير بشميم الحلى ويدور بينهما الحديث التالي)

ياقوت: السلام عليكم يا سيدي الجليل.

شميم: عليك السلام ورحمة الله، من أنت؟

ياقوت: أنا ياقوت الحموي جئت إلى آمد اليوم، فوجدت حديثك على كل لسان، وسمعت المدح ينثر عليك بدون حساب، فرأيت أن أحظى بمقابلتك، وأنهل من معينك الفياض.

شميم: كأنك لم تسمع بي إلا حين جئت إلينا اليوم، مع أن مؤلفاتي العديدة قد تناقلها الناس في الآفاق، وذاع حديثها في أنحاء حلب وبغداد وخراسان. .!

ياقوت: لا يا مولاي فقد سمعت الكثير عن أدبك وإنتاجك، ولكني حين نزلت آمد، ولمست إعجاب الناس بك، تذكرت ما أعرفه عنك، وهرعت إلى لقائك، راغباً في الاستفادة والتوجيه!

شميم: إنني كما تعرف، متنوع الثقافة، متشعب المعارف، ففي أي فن تريد أن يجري الحديث؟

ياقوت: لقد شغفت بالأدب ورواية الشعر والتاريخ وإنني لأرجو أن أنقع لديك القليل.

شميم: أنظر أمامك، فهذا صوان ضخم مليء بالكتب الأدبية التي ألفتها من ذاكرتي دون أن أستعين بمؤلفات أحد، فهل شاهدت في رحلاتك المسهبة من له هذا القدر من التأليف؟

- هذا مجهود كبير يا مولاي، ولكنه غير مستغرب من أديب كبير عكف على الأدب والشعر حقبة من الزمن، ولعلك تخبرني عن طريقتك في التأليف، وكيف تختار المواضيع التي تدج فيها القول، حتى انفق لك هذا التراث الثمين.

- أنا لا أطرق الأبحاث الهينة المريحة، التي يعمد إليها جمهور المؤلفين، ولكني أعمد إلى المعجز العصي من آثار السابقين فأعارضه بما أراه، فتكون معارضتي ماحقة ساحقة، وأنت تعلم ما ذاع عني من المقدرة والإبداع!!

- لقد قرأت بعض معارضاتك، ولكن اختلاف الأيام قد أفسد الذاكرة وشقت الانتباه، فهل لي أن أعرف منك من عارضتهم من البلغاء لأسجل ذلك فيما بين يدي من أوراق.

- لقد رأيت الناس يعجبون بأبي تمام وهو حقير فدم، إذا قيس بي، سمعت بعض الثناء على حماسته التي جمعها من أشعار الناس، فأردت أن أخمله بحماسة جمعتها من شعري الخاص. ولم أستنجد الشعراء الآخرين كما فعل ابن أوس الذليل، فجاءت حماستي ضرباً من السحر الحلال.

- هل لك أن تسمعني بعض خرائدها الجياد؟

- حماستي مشهورة معروفة فسل عنها الناس، وأظنك ستتجاوز حدود الأدب في السؤال!

- معاذ الله أن أتجاوز الحد معك أيها السيد الجليل، ولكني ظامئ إلى المعرفة والعلم، وقد قدمت بلدتك من أجلك وحدك، فكيف أخرج منها خالي الوفاض؟

- أعرف تماماً أنك جئت إلى آمد لتزورني، فليس بها من تشد إليه الرحال سواي، ولن أسد في وجهك الطريق فسلني عما تشاء.

- سأترك الكلام في أبي تمام كيلا تغضب علي، وأحب أن أسألك عمن عارضتهم من الشعراء سواه.

- لقد عارضت الكثيرين غير حبيب، فأبو نواس قد نظم في الصهباء قصائد عامرة سارت مسير الشمس، وظن الناس أنه لم يدع شيئاً لغيره، فتصديت له معارضاً فأسقطت معجزته من يده، ونظمت في الخمر عقوداً بديعة، تحلى بها الرماق، فلو عاش ابن هانئ لاستحيا أن ينظم شعراً بعد الآن.

- أخاف أن تتهمني بفساد الذوق، إذا طلبت بعض خمرياتك أيها الطائر الصداح.

- لن أقول لك شيئاً بفمي، فأنا أعظم من أن أنشد الناس، ولكن خذ هذه الصحيفة واقرأ ما بها من الخمريات

ياقوت يتناول الصحيفة ويقرأ

أمزج بمسبوك اللجين ... ذهباً حكته دموع عيني

كانت ولم يقدر لشي ... ء قبلها إيجاب كوني

وأحالها التحريم لما ... شبهت بدم الحسين

يقاطعه شميم فيقول:

- ما رأيك في هذا القريض؟

- أحسنت يا مولاي غاية الإحسان!

- (في انفعال) ما عندك غير الاستحسان!! تباً لهذا الزمن الجاحد أنا مخطئ إذ أسمع البهائم أشعاري الجياد.

- معذرة أيها السيد، فقد اعتمدت أن أقول لمن ينشئ الشعر الجيد، أحسنت، وهاأنذا قد قلت، فماذا أصنع لأعبر عن إعجابي بشعر مولاي.

- نعم تقوم وتصنع مثل ما أصنع، (ثم يقوم من مكانه ويدور في المسجد ويصفق في تيه وإعجاب)

- لقد تعلمت منك ما يجب أن يصنعه المستحسن!! ولكن الضحك يأخذ على سبيل الكلام، فهل أضحك يا مولاي.

- لم تضحك أيها الأحمق في مجلسي الوقور؟

- كنت سمعت عنك نادرة ظننتها مختلفة عليك، وهاأنذا أصدقها الآن.

- ما هي النادرة يا مجنون!!

- حدثني أبو البركات سعيد الهاشمي أنك جئت قديماً إلى حلب، فقدم عليك في ملأ من صحبه، فأنشدتهم بعض قصائدك فاستحسنوها غاية الاستحسان، فغضبت كثيراً، وقمت إلى أحد أركان المنزل، ونمت على ظهرك ثم رفعت رجليك إلى الحائط ولم تزل ترتفع شيئاً فشيئاً حتى وقفت على رأسك، وقلت هكذا نشكر النعمة، بأن يقف الإنسان على رأسه لا على قدميه، وأمرت الحاضرين بأن يصنعوا ما صنعت!!

- نعم فعلت ذلك لأفهمهم طريقة الاستحسان - ثم ما هي المناسبة التي جعلت أبا البركات الحقير يحدثك بهذه النادرة، وقد طمسها الزمان.

- لقد كنا بحلب، ومرت بعض الجنائز، وبها نسوة يلطمن الوجوه، وينحن بكلمات حزينة، ويأتين بحركات عجيبة، فقال القوم: إن هذه الحركات منقولة عن مولاي، وإن نواح النائحات قد ألفه سيدي شميم!! وخاض الناس في غرائبك البديعة فذكر أبو البركات نادرته عنك، وهي تحفة بديعة ستدور بها الأسمار!

- هذا الكلب صادق فيما قال، وقد نسى أن يسمعك النواح العجيب الذي صنعته واخترت له روباً محكماً ووزناً مرناً، وإذا رجعت إلى حلب مرة ثانية فسل عنه الأدباء.

- أعجب كيف شغلت نفسك بالنادبات النائحات وأنت غارق في أبحاثك دون أن تجد الوقت لهؤلاء!

- لقد كنت مع تلاميذي ذات صباح بحلب، فمرت بنا جنازة يندب فيها النساء في غير حرارة وحسرة، كما يجب أن يكون، فأخذتني الحمية، وأمرت من معي من التلاميذ، فوقفوا صفين حولي، ولطمت خدي، فلطموا خدودهم مثلي، ووضعت نواحاً يرتلونه فأذن الله وتناقلته النادبات في جميع البلاد!

- أنت مولاي مبدع في كل أمورك، وأخشى أن يبتعد بنا الحديث عن الأدب والشعر، فهل تكمل حديثك مع أبي نواس؟

- إن فضلي على هذا الكلب واضح بين، فإني لم أذق الخمر طيلة حياتي، ووصفتها بما أعجز المدمنين العشاق، أما اللعين أبو نواس فقد عب من الخمر دناناً مترعات، وكان شعره هراء بدداً إذا قيس بشعري الممتاز.

- إذا كنت لا تشرب الخمر، وأجدت فيها القول، فكيف بك لو تكلمت في الزهد والحكمة كأبي العلاء، مع أنك اصطليت بما للزهد والحكمة من ضرام.

- من ذلك الكلب الأعمى الذي تذكره في مجلسي الآن، إن المعري لا يوزن بنعلي، فكيف تطمع أن أعراضه بشعري الخلاب! ياقوت مندهشاً:

المعري كلب حقير! سبحان الله يا مولاي! لقد ذكرتني بأبي نزار، ملك النحاة.

- هذه جريمة ثانية، إذ كيف أذكر برجل كل صناعته النحو، أما أن فكاتب شاعر راوية إخباري محدث لغوي مؤرخ! هل غرب عنك عقلك يا مجنون؟

- ذكرتني به لشيء واحد يا مولاي، فقد كان لا يذكر أمامه نحوي مثله إلا قال عنه ما قلت في أبي العلاء، وقد خاض ذات يوم في ذكر زملائه النحاة فجعلهم جميعاً كلاباً، فقال له بعض الحاضرين: إذا أنت ملك الكلاب لا النحاة، فكأنما ألقم بحجر فاه!

- ملك النحاة معذور في سبه الناس، فقد ابتلى بمخالطة الأوشاب والرعاع فوصفهم بما يستحقون - دعنا منه، وتكلم فيما جئت من أجله دون انتظار.

لم أجئ إلا لأسألك عن مؤلفاتك، وقد ذكرت لي معارضتك لأبي تمام وأبي نواس، فمن غيرهم من الذين نكبوا بمعارضتك على غير ميعاد.

- لقد رأيت استحسان الناس لجناس البستي، فألفت كتاباً في التجنيس، أسميته (أنيس الجليس) وخذ هذه الصحيفة واقرأ ما يقع عليه بصرك دون اختيار.

(يتناول ياقوت الصحيفة ويقرأ)

ليت من طول بالشام نواه وثوى به!

جعل العودة المزو ... راء من بعض ثوابه

يقاطعه شميم ويصيح: اسجد الآن، اسجد الآن!

- لماذا أسجد يا مولاي؟

- هذا موضع من مواضع السجدات في الشعر، وأنا أعرف الناس بتلك المواضع فلا تخالف أمر مولاك.

يسجد ياقوت ثم يلقي الصحيفة ويسأل:

- ومن غير أبي تمام وأبي نواس وأبي الفتح البستي قد نكب بمعارضتك أيها السيد الجليل؟

- هل سمعت الخطباء يرددون على المنابر خطب أبن نباتة في دمشق وحلب وبغداد؟

- نعم يا مولاي.

- لقد عارضت هذا المتشدق بخطب قوية مدهشة، فليس للناس حديث غيرها الآن

- معذرة! فلم أحظ بسماعها. ولعل لديك سفراً يجمعها وأسعد بقراءته ردحاً من الزمان.

يمد شميم يده ويعطيه ديوان الخطب، فيقرأ ما وقعت عليه عينه ويسمع صاحبه قوله:

الحمد لله فالق حب الحصيد بحسام سح السحب، صابغ خد الأرض بقاني رشيق العشب، محيي ميت الأرض بإماتة كالح الجدب، لابتسام ثغر النسيم أنفاح الخصب، أحمده على ما منح من موضح بيان بما ألب في سوداء لب)

ويلاحظ شميم تلكؤ ياقوت في القراءة فيصبح منفعلاً

- ما للبهائم والأدب؟ دع السفر أيها الأعجم البليد، هل مررت على الموصل فأخذت منها البلادة والغباء؟

- معذرة يا مولاي، فقد ثقلت التراكيب، ولم يجد اللسان نافذة للاسترواح فتعثر به المنطق. . . وضل الإجادة في الإلقاء.

- قلت لك هل مررت على الموصل فأخذت منها الفهاهة والبلادة؟ فلم أظفر بجواب!

- أنا مضطر لمخالفتك الرأي في أهل الموصل فهم كما أعتقد، ألبة أذكياء.

- وما معرفتك بالذكاء واللب؟ لقد ناقشتهم وخبرتهم، فعجبت كيف خلقهم الله، ووالله لو قدرت على خلق مثلهم ما خلقتهم على الإطلاق.

- للمرة الثانية تذكرني بأبي نزار ملك النحاة!

- ولأي شيء ذكرتك به الآن؟

- أنت تسب أهل الموصل، وهو يسب أهل الشام، وكلاكما لا يعترف بإنسان، فجميع الناس كلاب رعاع. . .

- لي العذر إن شتمت جميع الناس، فهم لا يفرقون بين الدر والبعر، وملك النحاة معذور أيضاً، وإن كان يخاف الناس فلا يجاهر بسبهم كما أفعل الآن.

- هو مجاهر مثلك يا مولاي، وقصته مع نور الدين زنكي قد عرفها كل إنسان يقطن بلاد الشام!

- لم أشغل ذهني قبل الآن بأبي نزار فأعرف قصته مع نور الدين، ومع ذلك فاسردها علي بإيجاز.

- لقد خلع نور الدين عليه حلة سنية، ومر في طريقه فرأى حلقة بها تيس يدربه إنسان، فقال المدرب لتيسه، إن بحلقتي رجلاً عظيم الشأن نابه الذكر، فأين مكانه، فشق الحيوان الحلقة ووضع يده على ملك النحاة، فلم يتمالك نفسه وخلع عليه حلة نور الدين، وعلم الملك فعاقبه، فقال ملك النحاة، إن بهذه المدينة أكثر من مائة ألف تيس فما عرف قدري غير هذا الحيوان فخلعت الحلة عليه في ارتياح.

- أصاب ملك النحاة فأهل الموصل كأهل الشام في الدناءة والحطة، وقد كنت أشرح لهم القاعدة العلمية، واقرأ النص الأدبي موضحاً محللاً فما يستفيدون شيئاً مني، فمن ذا يلومنا على احتقار الدهماء!

- كلامك رفيع يا مولاي، فالموصليون معذورون إذا لم يفهموه.

- اسمع يا بني ليس في الوجود إلا خالقان، فواحد في الأرض وواحد في السماء، فالله في السماء، وأنا في الأرض كما تراني الآن.

ياقوت ينظر إليه مندهشاً.

شميم: هذا كلام لا تفهمه أنت ولا العامة، ولكنك لا تنكر مقدرتي على خلق الكلام.

- اعفني من هذا الحديث يا مولاي، فلست من علماء التوحيد فأعلم من الذي يخلق الكلام؟

- إذا لم تسر المناقشة كما أريد فلن أتحدث معك في علوم الأدب على الإطلاق!

- لن نتحدث في الأدب كما تريد يا مولاي، وسأسألك سؤالاً يتعلق بك، فأنا رجل محدث، وإن لم تكن بالمحدث جرأة مات بغصته، فهل تأذن بالجواب؟

- اذكر السؤال أولاً ولي الحق في قبوله أو رفضه كما أشاء.

- لم سماك الناس (شميماً) مع أن اسمك الحقيقي علي يا مولاي؟

- لقد مكثت مدة من عمري لا آكل غير الطيب، لأخفف الرطوبة، وأقوي الذاكرة، وكان الغائط يمتنع عني بضعة أيام، فإذا جاءني كان أشبه ببندقة من الطين، فكنت آخذه وأقول لمن يجلس معي (شمه، شمه) فإن له رائحة طيبة، فكثر ذلك حتى غلب علي ولقبني الناس بشميم.

- حسبك يا مولاي، فأنا أريد أن أسجل جميع ما سمعته منك، ولو طال بنا الحديث لعجزت عن حصره، وستكون تسميتك هذه مسك الختام.

- لقد أمتعتك بحديثي، وهو لا يباح لكثير من الناس، فاشكر ربك على فضله، فالأمر كما قال أبو العلاء

وكم عين تؤمل أن تراني ... وتفقد عند رؤيتي السوادا

(المنصورة)

محمد رجب البيومي