مجلة الرسالة/العدد 917/ذكرى الشاعر الثائر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 917/ذكرى الشاعر الثائر

مجلة الرسالة - العدد 917
ذكرى الشاعر الثائر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 01 - 1951


معروف الرصافي

للأستاذ حمدي الحسيني

السيد معروف الرصافي رحمه الله شاعر عربي فحل، ولد في العراق ونشأ فيه، اشتغل بالتعليم في العراق والآستانة والقدس ودخل مجلس النواب العثماني نائباً عن متصرفيه - المنتفك - من أعمال العراق. عاصر عبد الحميد واكتوى مع الشعوب العثمانية عامة بنار مظالمه، فتألم لشدة وقع تلك المظالم ولكنه لم ينطو على ألمه شأن المستضعفين من الناس الذين يقع الظلم على رؤوسهم فيطأطئون تحت صارين، وينصب الأذى على نفوسهم فيحتملون الأذى خاضعين، بل ثار على الظلم ثورة عنيفة صاخبة وقاوم الأذى مقاومة قوية صارخة. وقد شهد الانقلاب العثماني وسقوط الجبار عن العرش، فثارت الحمية في نفسه وصاح في وجه الجبار بصوت متهدج جهوري يحمل كل عواطف إرواء الغليل وشفاء الصدر، ورأى طلعة الدستور البهية مشرقة على الإمبراطورية العثمانية فكبر وهلل ورحب بالدستور ترحيب الصب المستهام وتغنى بحسناته بأعذب الأنغام.

خالط الاتحاديين وهم في منصة الحكم وفي ظل الدستور فأطرى مؤنباً عاتباً معنفاً. ورأى توثب العرب للنهضة وتحفزهم للنضال في سبيل الحرية فأحس بإحساسهم ومشى في صفوفهم يثير في نفوسهم ما كمن من القوة ويحرك في عواطفهم ما خمد من الانطلاق والحركة. واتصل بالملك العربي بالشام والعراق وبالحركات الوطنية في العراق وسوريا وفلسطين فابتأس وتنعم وبكى وتبسم.

والرصافي كما عرفناه في القدس بالمعاشرة، وفي شعره بالسماع والمطالعة، عميق الشعور حاد الذكاء مرهف الحس حائر النفس قلق العواطف مكبوت الرغبات، وهو على علمه وفضله وعلو كعبه في اللغة والأدب وعلى سبقه في الحركة العربية القومية وجليل أثره في ميدان الكفاح في سبيل الحرية والاستقلال كان يعيش في ضنك من الحياة وبؤس في العيش ولكن هذا الضنك وهذا البؤس لم يؤثرا على عزة نفسه ولم يسلماه لغير الكرامة وعلو الهمة. وكثيراً ما كان يتمثل بهذا البيت: -

تعود كل بؤسها ونميمها ... وعشنا على بؤس ولم نتعود وكل ما فعل الفقر في نفس الرصافي هو الكبت: فقد كبت الفقر (وإن شئت فقل الشعور بالنقص) غريزة التغلب والسيطرة فأنكبت هذه الغريزة القوية العنيفة فأقضت عليه مضجعه وزلزلت أركان حياته، حتى هدته المعرفة إلى ما تعانيه الأمة العربية من آلام القهر والخضوع، فرأى في قهرها صورة لسلطته المقهورة فدفعه هذا التشابه إلى التفكير في الغير بدل التفكير في الذات تخفيفاً لألم الكبت. فراح الرصافي بعد هذا الانتقال النفسي بصف ما تلاقي الأمة العربية من ألم الخضوع لظلم المستبدين من الحكام، ومرارة الانقياد لسلطان الجهل وحكم العادات الضارة والتقاليد السقيمة. وهو بهذا إنما يصور رغبته في الحرية لتطبقها الأمة في نضالها. ومن حسن حظ الأمم المستضعفة أن يكون بين أفرادها أمثال الرصافي ممن كبتت فيهم رغبة الحرية ووهبهم الله قوة البيان سلاحاً يقتلون به عدو الأمة وعدوهم. فهؤلاء المكبوتون في الأمم الخاضعة المقهورة كالحرارة في الأجسام والنور في الظلام والحد القاطع في شفرة الحسام، أحس الرصافي بالظلم الواقع على الأمة العربية من قبل السلطان عبد الحميد وحكومته المؤلفة من أوباش الناس؛ ورأى الخضوع لهذا الظلم بادياً على الأمة العربية بدواً شائناً معيباً وهي الأمة العريقة في الحرية والاستقلال والعزة والكرامة فتأذى بهذا الظلم وبرم بهذا الخضوع فنظم قصيدة سماها (تنبيه النيام) وبدأها بالتساؤل عن الوقت الذي تنبه فيه الأمة العربية فتدفع عن نفسها الأذى وتسترجع حقها المسلوب ويبدي تعجبه لصبرها على الضيم وبقائها على الظلم.

عجبت لقوم يخضعون لدولة ... يسوسهم بالموبقات عميدها

وأعجب من ذا أنهم يرهبونها ... وأموالها منهم ومنهم جنودها

ولكن ما قيمة التألم في هذا المعرض. فخير منه توجيه الأمة إلى الهدف؛ وأي هدف أحلى من الحرية في نظر الأمم المستعبدة.

ألا إنما حرية العيش غادة ... منى كل نفس وصلها ووفدها

يضيء دجنات الحياة جبينها ... وتبدو المعالي حيث أقلع جيدها

أخذ الرصافي يقذف بحممه في وجه الظالم المتربع على العرش ويهدي باقات عواطفه المعطرة لأمته الخاضعة فينعشها ويغذيها ويحفزها. حتى حدثت في نجد حوادث دامية بين ابن الرشيد حليف السلطان وابن السعود خصيمه فاهتبل السلطان الفرصة وساق على المتخاصمين جيشاً عربياً ليفك الخصام في الظاهر وليعين ابن الرشيد على ابن السعود في الباطن فاشتبك الجيش مع المتخاصمين وكلهم عرب، فجرت الدماء حتى صبغت رمال الصحراء تحقيقاً لرغبة السلطان الذي أراد أن يضعف من قوة العرب بقتل زهرات شبابهم من الحاضرة والبادية ويباعد بين صفوفهم بتقوية البغضاء والعداوة بين أمرائهم وقادة الرأي فيهم فقام الرصافي لهذا الحادث وقعد، برق ورعد، ونظم قصيدة سماها (إيقاظ الرقود) خاطب بها العرب ووضع أمامهم ما أراد السلطان بسوق الحملة العربية على الأميرين العربيين في قلب الجزيرة العربية

حكومة شعبنا جارت وصارت ... علينا تستبد بما أشارت

فلا أحداً دعته ولا استشارت ... وكل حكومة ظلمت وجارت

فبشرها بتمزيق الحدود

ولم ينس الرصافي في هذا الموقف أن يوجه إلى الأميرين المتقاتلين أقسى عبارات اللوم والتعنيف على ما ارتكبا من الأعمال التي تتنافى مع مصلحة الأمة العربية، وأخذ يستعرض ما أصاب الجنود العرب من قتل وفشل في تلك المعركة المشؤومة وحاشا للرصافي أن ينسى عبد الحميد في هذا الموقف وهو منبع بالآلام الجسام والمصائب الضخام.

أقول وليس بعض القول جداً ... لسلطان تجبر واستبدا

تعدى في الأمور وما استمدا ... ألا يا أيها الملك المفدى

ومن لولاه لم نك في الوجود

أنم عن أن تسوس الملك طرفاً ... أقم ما تشتهي زمراً وعزفا

أطل نكر الرعية خل عرفا ... سم البلدان مهما شئت خسفا

وأرسل من تشاء إلى اللحود

فدتك الناس من ملك مطاع ... ابن ما شئت من طرق ابتداع

ولا تخش الإله ولا تراع ... فهل هذي البلاد سوى ضياع

ملكت، أو العباد سوى عبيد

تنعم في قصورك غير دار ... أعاش الناس أم هم في بوار فإنك لم تطالب باعتذار ... وهب أن الممالك في دمار

أليس بناء (بلدز) بالمشيد

ظل الرصافي على هذه الحال تغلي عواطفه في صدره بمقاومة الظلم وتتطاير قذائف حقده على الاستبداد والخسف بنظم القصيدة في بغداد ويرسلها للنشر في مصر حتى تم الانقلاب العثماني وسقط عبد الحميد عن العرش فصاح بصوت جهوري:

قمنا على الملك الجبار نقرعه ... بالسيف منصلتاً والرمح مهزوزا

حتى تركناه في هيجاء معضلة ... ألقت ضراماً على الطائفين مأزوزا

إنا لنأبى على الطاغي تهضمنا ... حتى نهوز في الهيجاء تهويزا

ونأكل الموت دون العز نمضغه ... كمضغنا التمر برينا وسمربزا

لا عاش من لا يخوض الموت مرتضيا ... بقاءه بعصى الذل موكوزا

صاح الرصافي صيحته في وجه الجبار الهاوي عن العرش والتفت يتغنى بالحرية والعدالة والمساواة ويشيد بذكر الدستور وأبطال الانقلاب غير مفرق بين عنصر وعنصر من مجموع العناصر العثمانية حتى رأى الاتحاديين يبيتون ضد العرب ورأى العرب يتنبهون للأمر فيطلبون حقهم في الإصلاح وحقهم في الاستقلال الذاتي فكشر في وجه الاتحاديين وأقبل على العرب يحضهم على طلب الحرية وبذل الثمن لهذه الحرية التي لا تذوق أمة طعم السعادة بدونها ولا يصل إليها شعب إلا بدماء المهج، فنظم قصيدة سماها (في معرض السيف) يؤيد بها الحركة الإصلاحية في بيروت ويدعو جميع العرب إلى الانضمام إليها:

هي المنى كثغور الغيد تبتسم ... إذا تطربها الصمصامة الخذم

دع الأماني أو رمهن من ظبة ... فإنما هن من غير الظبا حلم

والمجد لا يبتنى إلا على أسس ... من الحديد وإلا فهو منهدم

والحق لا يجتنى إلا بذي شطب ... ماء المنية في غربيه منسجم

فللحسام صليل يرتمي شرراً ... مفتقاً أذن من في أذنه صمم

وإنما العيش للأقوى فمن ضعفت ... أركانه فهو في الثاوين مختوم

والمجد يأثل حيث البأس يدعمه ... حتى إذا زال زال المجد والكرم

ومن حسنات الرصافي الإحاطة بجميع النواحي المهمة من حياة الأمة العربية ولا سيما نواحي الوحدة التي تستمد منها قوتها في نضالها فوجه إلى إخواننا المسيحيين قصيدة عصماء سماها - في سبيل الوطن - أعلن فيها أن عناصر الوحدة بين العرب هي اللغة والوطن والإيمان بالله:

إذا جمعنا وحدة وطنية ... فماذا علينا أن نعدد أديان

إذا القوم عمتهم أمور ثلاثة ... لسان وأوطان وبالله إيمان

فأي اعتقاد مانع من أخوة ... بها قال إنجيل كما قال قرآن

ولنسمع الآن هذه الصيحة القوية المدوية يرسلها الرصافي من أعماق نفسه فترددها نفوس العرب الذين ربط الاتحاد القومي بين قلوبهم:

فمن مبلغ الأعداء أن بلادنا ... مآسد لم يطرق ذراهن سرحان

وإنا إذا ما الشر أبدى نيوبه ... رددناه عنا بالظبا وهو خزيان

سنستصرخ الآساد من كل مريض ... فنمشي إلى الهيجاء شيباً وشبان

أسود وغى تأبى الحياة ذميمة ... وتلبس بالعز الردى وهو أكنان

ومقاحيم تصلى المعمدان مشيمة ... إذا احتدمت في حومة الحرب نيران

وتكسو العراء الرحب مسح عجاجة ... يمج بها السيف الردى وهو عريان

ستنهض للمجد المخلد نهضة ... تقربها حوران عيناً ولبنان

وتعتز من أرض الشآم دمشقها ... وتهتز من أرض العراقيين بغدان

وتطرب في البيت المقدس صخرة ... وترتاح في البيت المحرم أركان

وتحسن للعرب الكرام عواقب ... فيحمدها مقت ويشكر مطران

حمدي الحسيني