مجلة الرسالة/العدد 909/شعر الحماسة عند العرب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 909/شعر الحماسة عند العرب

مجلة الرسالة - العدد 909
شعر الحماسة عند العرب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 12 - 1950


للأستاذ أحمد حسن الرحيم

شعر الحماسة لا يخلو منه أدب أمة من الأمم الراقية، فهو قطعة من تاريخ حروبها الداخلية والخارجية، وهو حافز قوي يؤجج في النفس الحمية والحرص على الكرامة. ولكثرة حروب العرب كثر في أدب شعر الدماء والصدام. وقد تكيف العربي لبيئته القاسية وأذعن لما تطلب منه حفظا لحياته، فالذي يعيش في خيمته عرضة لكل هجوم يباغته به عدوه من الإنسان أو الحيوان ينبغي أن يكون شجاعا خفيف الحركة لا تربكه المفاجآت. ولما كان الكلام من وسائل الدفاع - أيضاً - فقد وجب أن يكون سريع الارتجال، حاضر البديهة، بليغ الإجابة، وقد أحب العرب باديتهم وفضلوها عن الحضارة وافتخروا بحريتها وطلاقتها، قال القطامي: -

ومن تكن الحضارة أعجبته ... فأي رجال بادية. ترانا

ومن ربط الجحاش فإن فينا ... قنا سلباً وأفراساً حسانا

وقد كان العربي بحاجة مستمرة إلى سلاحه وجواده وقد روى عن حاتم الطائي الجواد العلم أنه كان يجود بكل ما يملك إن سئل إلا أنه يشق عليه جدا أن يجود بجواده أو حسامه، وهو على حق في ذلك فجوده في آلة الحرب في مجتمع دموي يسلمه إلى الذل والهوان، قال الشاعر: -

فما منعت دار ولا عز أهلها ... من الناس إلا بالقنا والقنابل

ولسعة الصحراء وتنقل العرب فيها عز عليهم أن يذعنوا لجبار متحكم، لماذا يقبلون الضيم وأرض الله واسعة، ومطية السفر حاضرة وقد أوصى بعضهم بعضاً بمغادرة دار الهوان.

قال عنترة العبسي يطري دار العز ولو كانت سعيراً متقداً: -

لا تسقني كأس الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

كأس الحياة بذلة كجهنم ... وجهنم بالعز أطيب منزل

وقال غيره: -

إذا جانب أعياك فاعمد لجانب ... فإنك لاقٍ في بلاد معولا

فالعربي في صحرائه جراب آفاق لا يضيره بل يسره أن يتنقل من أرض إلى أخرى إذ تربطه بها أملاك أو مصالح لا تنقل. ولكثرة ترحال العرب كثر أدب الحنين إلى الديار ووصف الدمن والأطلال والفراق كثرة بينة.

ونتج عن كثرة الحروب تعدد الزوجات ليكثر النسل (فالعزة للكاثر) ومن كان أكثر عدداً فقد نأى عنه الضيم، وفرضت مهابته على خصومه.

أبى لهم أن يعرقوا الضيم أنهم ... بنو ناتق كانت كثيراً عيالها

وأصبح تعداد البنات عبئاً على الرجل ونقطة ضعف ينبغي أن يذود عنها.

ونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يخلن إماء والإماء حرائر

فهم يكثرون من النساء لزيادة النسل ولا يتمنون لهن أن يكثرن من البنات، ولو كانت فتاة الصحراء كفتا ة اليوم في حذق فن القتال لكان للعربي إلى المرأة نظرة أخرى. وقد ورد في تاريخ العرب ذكر نساء مقاتلات ولا سيما من الخوارج ولكنهن من القلة بحيث لا تستقيم بهن قاعدة. وقد تطور فن القتال وأصبح اليوم - بصالح المرأة، فقد كانت قديماً آلة الحرب تحتاج إلى عضل شديد، أما اليوم فقد أصبحت أهميته ضئيلة بجانب المهارة وقوة الأعصاب.

ولقد تمكن حب الحرب من نفس العربي، وساد نظام (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) وأصبحت

الحرب عندهم من الأماني الثلاث العزيزة التي لولاها لا يحفل الإنسان بحياته.

قال طرفة بن العبد: -

ولو ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي

فمنهن سبقى العاذلات بشربة ... كميت متى ما قل بالماء تزبد

وكرى إذا نادى المضاف مجنباً ... كسيد الغصا - نبهته - المتورد

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطرف المعمد

وقال غيره: -

وكان أخي جوان ذا حفاظ ... وكان القتل للفتيان زينا

وقال غيره: -

وإني في الحرب الضروس موكل ... بإقدام نفس لا أريد بقاءها ومن الصواب أن شعر الانتقام والوعيد يذكي جذوة النفس، ويحفز إلى الأخذ بالثأر ويرهب الخصم العنيد، ولعل من أسباب انصراف العرب عن الملاحم الطويلة أنهم بحاجة إلى نوع من الشعر سهل الترديد، قصير مستقل بذاته، سهل حفظه، يردد قبيل الحرب أو بين الجموع المتشابكة - وقد جاشت الأرواح - ليقوي النفس على الثبات ويهبها الإقدام والحرص على مواقف البطولة - وجل ما ورد في ديوان الحماسة من شعر الحرب قصير موجز مع احتمال أن أبا تمام قصر منه بانتخابه الغزير التوفيق.

ومن شعر الحماسة نرى أن قسما من العرب يرى أن من سمات الشجاعة والسطوة أن يكون الإنسان سريع الاستجابة لدواعي الشر، متحككا بة، إمعة مع كل شرير، لأن ذلك من مظاهر القوة والبسالة.

قال الشاعر: -

إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهمو ... لأية حرب أم بأي مكان

وقال غيره: -

لا يسألون أخاهم حيث يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا

وقال غيره: -

وأحيانا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا

وقال غيره: -

وإني لا أزال أخا حروب ... إذا لم أجن كنت مجن جاني

غفر الله (لسواء بن المضرب) وكان في عون من عاصره وعايشه

هذه غاية حب الخصام والفتن أن يكون حريصا على أن يستمر حبل الشر فإذا لم يجن حمى الجناة وصار لهم وقاء استدامة لشرهم وظلمهم، وإذا أسعده الحظ فجنى على الناس فتلك الأمنية.

ومن العيب على أفراد العشيرة: (ألا يظلموا الناس حبة خردل) أو أن يطلبوا من المستصرخ دليلاً على دعواه ومظلمته قبل أن يبدءوا المعركة.

والمستقرئ لشعر الحماسة في أدب العرب يجد منه ما يمثل عاطفتين متضادتين: عاطفة الرأفة بالأقارب ورعايتهم، وعاطفة القسوة عليهم، والمثل لكلتا العاطفتين عديدة.

قال أوس بن حنباء في مقاومة الشر وإن جاء من ذوي القربى:

إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هواناً وإن كانت قريباً أواصره

وقال غيره: -

ونحن بنو عم على ذات بيننا ... زرابي فينا بغضة وتنافس

ونحن كصدع العس أن يعط شاعباً ... يدعه وفيه عيبه متشاخس

وعارضه آخر في رعاية حقوق القربى وإكرام صلة النسب: -

وإني لأنسى عند كل حفيظة ... إذا قيل مولاك احتمال الضغائن

وإن كان مولى ليس فيما يهمني ... من الأمر بالكافي ولا بالمعاون

وقال غيره: -

لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب

من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب

وقال محمد بن عبد الأزدي:

ولا أدفع ابن العم يمشي على شفا ... وإن بلغتني من أذاه الجنادع

ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجعه يوما إلى الرواجع

وأحسب أن قصيدة (معن بن أوس) في مداراة القريب لانتزاع الضغينة من صدره باللطف والتسامح وسعة الصدر هي أم الباب في هذا الصدد: -

وذي رحم قلمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم

وفيها يفصل أسلوبه الناجع في رأب الصدع وإصلاح الخلاف وتأليف الأفئدة. وقد أعجب بها عبد الملك بن مروان وكان ذا نزعة أدبية وفضلها على كل ما سمع من شعر أمرؤ القيس والأعشى والنابغة. وإذا أخذنا بنظرية (أدلر) في شدة التنافس بين الأقارب فإن ما ذكر من أشعار البغض بين الأقرباء شئ طبعي شائع كما أن استعمال الحسنى في معاملتهم سمو من تغليب العقل على العاطفة لا يرقى إليه إلا القلائل.

ومن سمات الضعف والاستخذاء قبول الدية فلا تقبل الديات إلا عند خوف معاقبة، وقبولها عندهم سمة الضعف والطمع.

قال مرة بن عداء من بني أسد: - فلا تأخذوا عقلا من القوم إنني ... أرى العار يبقى والمعاقل تذهب

وقال غيره: -

ولكن أبى قوم أصيب أخوهم ... رضا العار فاختاروا على اللبن الدما

وقالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب على لسان أخيها القتيل: -

أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تعقلوا لهم دمى

ولا تأخذوا منهم أفالا وأبكراً ... وأترك في بيت بصعدة مظلم

والمستحسن أن يضيف الموتور إلى رفض أخذ الدية زيادة في التنكيل والقتل يتجاوز بها حد المساواة.

قال أحدهم: -

فيا شمل شمر واطلب القوم بالذي ... أصبت ولا تقبل قصاصاً ولا عقلا

ومما يدل على جودة الطبع، والثقة بالنفس وحب الصدق أن يعترف العربي لخصمه بالصفات المشرفة فيطرى شجاعته ويصف البطولة في حملاته، وأشعار هذا الضرب تسمى عندهم (بالمنصفات)

يكرمون شاعرها ويعجبون به فوق ما يصنعون لغيره من الشعراء قال عبد الشارق بن عبد العزى الجهني: -

شددنا شدة فقتلت منهم ... ثلاثة فتية وقتلت قينا

وشدوا شدة أخرى فجروا ... بأرجل مثلهم ورموا جوينا

فآبوا بالرماح مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا

وقال زفر بن الحرث: -

وكنا حبسنا كل بيضاء شحمة ... ليالي لاقينا جذام وحميرا

فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا

ولما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جرداً للمنية ضمرا

سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت اصبرا

لقد ذكر عن خصومه طواعية أنهم (كانوا على الموت اصبرا) وهذا لسان صدق ولفظ بديع يعتز بهما وبأمثالهما تاريخ الأدب.

وقال العديل بن الفرخ العجلي وهو شاعر إسلامي: -

إذا ما حملنا حملة مثلوا لنا ... بمرهفة تذري السواعد من صعد

وإن نحن نازلناهم بصوارم ... ردوا في سرابيل الحديد كما نردى

كفى حزناً أن لا أزال من القنا ... يمج نجيعاً من ذراعي ومن زندي

ومن أشنع العيوب عند العرب أن يعيش الفرد للذته وعاره فتشغله اللذة عن واجب الإباء والكرامة، وصورة مصعب بن الزبير ماثلة للأذهان إذ يترك من بعده زوجه سكينة بنت الحسين فتاة الحسب والأدب والجمال تندب ثكلها وهو يلومها على جزعها بقوله (ما ترك أبوك لابن حرة من عذر). وقد كانت لمصعب القدرة على النجاة.

قال شبرمة بن الطفيل من شعراء العصر العباسي الأول: -

لعمري لرئم عند باب ابن محرز ... أغن عليه اليارقان مشوف

أحب إليكم من بيوت عمادها ... سيوف وأرماح لهن حفيف

فهو يعرض بهم لسكوتهم إلى الخفض وانزوائهم عن لقاء الحروب وأبو نواس - وهو ربيب حياة اللذة - لا يعجبه قول شبرمة بل يقف على حافة الطرف الثاني قال: -

رضيت من الدنيا بكأس وشادن ... تحير في تفصيله فطن الفكر

إذا ما بدت أزرار جيب قميصه ... تطلع منه صورة القمر البدر

فأحسن من ركض إلى حومة الوغى ... وأحسن عندي من خروج إلى النحر

فلا خير في قوم تدور عليهم ... كؤوس المنايا بالمثقفة السمر

تحياتهم في كل يوم وليلة ... ظبي المشرفيات المزيرة للقبر

وهو بالإضافة إلى ما في حياته من عوامل الاستخذاء عاش في بيئة ترفل بنعمة الأمان، يسهر الحاكمون فيها على حماية دماء الناس وأموالهم، ولم يكلفه مجتمعه واجباً دفاعيا فظن نفسه مستغنيا عن الذياد. ولو عاش في بيئة يحتكم ساكنوها إلى القوة والسيف قبل المنطق لتبين خطل رأيه وراح ضحية فلسفته.

وقد زودت حرب الجاهلية وحرب الجمل وصفين وحروب الخوارج تاريخ الأدب العربي بأروع أدب الحرب، ولكنه نزر في العصر العباسي بالتدريج لتغير نظم المجتمع العربي. ولعل من أبرز شعر الحماسة في هذا العصر بائية أبي تمام في فتح عمورية وسيفيات أبي الطيب في الحماسة والمديح. وفي عصر الفترة المظلمة قصيدة صفي الدين الطائي الحلي (677 - 750 هـ) وأولها: -

سلي الرماح العوالي عن معالينا ... واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا

أما شعر الحماسة في الأدب الحديث فبحاجة إلى بحث مستقل وقد اكتسب معاني جديدة لتطور أساليب القتال ومعداته.

لقد كانت شوكة العرب وسطوتهم طاقة جبارة وجهها الإسلام إلى خارج الجزيرة واستغلتهالنشر الدين فاكتسح بها الأقطار.

وبعد هذا شواظ من أدب الحماسة عند أجدادنا الأباة أعيده على الأسماع لعله يقدح زند الحمية في النفوس ويلهب ما ورثت من حب التضحية لتوهب لها الحياة العزيزة، والدفاع المشروع تقره كل النظم الدينية والمدنية.

الحلة (العراق)

أحمد حسن الرحيم

ليسانس بالأدب العربي