مجلة الرسالة/العدد 901/الأدب المهني أو أدب أرباب المهن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 901/الأدب المهني أو أدب أرباب المهن

مجلة الرسالة - العدد 901
الأدب المهني أو أدب أرباب المهن
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 09 - 10 - 1950


للأديب خليل رشيد

- 1 -

إلى أولئك النفر القليل ممن جادت بهم الحياة ووهبتهم النبوغ والعبقرية الذين أبوا العيش إلا من قوة أيديهم وعرق جباهم نقدم هذا الحديث.

قبل الشروع في الحديث أود أن أبين السبب الذي دعاني إلى جمع ما تناثر من أخبار هؤلاء الأدباء ولم شعثهم في مدرج هذا الحديث. هي أمنية طالما اعتلجت بها النفس، واختلج بها القلب، أن أهدى ما ضل من تلك العقول الآسنة التي تجعل الأدب وقفا على الطبقة الممتازة وعلى البطالين من ممتهني الأدب الأفاقين الذين يأبون النزول إلى ميدان العمل بدعوى أن العمل لا يتفق وكرامة الأديب، وأن الأدب والعمل على طرفي نقيض. وهذا القرآن بصريح بيانه يقول (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم). وأن ليس للانسان إلا ما سعى). وفضلنا المجاهدين على القاعدين درجات). وفضلنا المجاهدين على القاعدين درجات). والقرآن ملئ بفضل العمل وشرف العامل وذم البطالة والبطالين. ومتى كان أديب التسول والاستجداء أرفع من الأديب المهني. ومتى كانت المهنة ضعة وحطة لممتهنها؟ وقد جاء في الحديث الشريف (إن الله يعطي العبد على قدر همته وفهمته) (اعملوا فكل مسير لما خلق له) (اعقل وتوكل) (أشد الناس عذابا يوم القيامة المكفي الفارغ) (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) (إذا قصر العبد في العمل ابتلاه الله بالهم) (أخشى ما خشيت على أمتي كبر البطن ومداومة النوم والكسل) مضافا إلى هذا وذاك وزيادة في الإيضاح نورد بعض ما ورد من حكم في هذا الباب.

قالت الحكماء.

(كلب طواف خير من أسد رابض) (البطالة تقسي القلب) (أطلب تظفر) (من عجز عن زاده اتكل على زاد غيره) (من العجز نتجت الفاقة) (الدعة ذل) (لا يفترس الليث الظبي وهو رابض).

وجاء في الشعر العربي قديما في تأييد ما ذهبنا إليه!

وما غلظت رقاب الأسد حتى ... بأنفسها تولت ما ع وهذا أبو دلف يقول. -

ما للرجال وللنعيم وإنما=خلقوا ليوم كريهة وكفاح

وهذا السراح الوراق ينشدنا. -

دع الهوينا وانتصب واكتسب ... واكدح فنفس المرء كداحه

وكن عن الراحة في معزل ... فالصفع موجود مع الراحه

وهذا خليفة من خلفاء الإمبراطورية الإسلامية يزيد بن عبد الملك يقول (ما يسرني أنى كفيت أمر الدنيا كله لئلا أتعود العجز).

ومن هذا القبيل كثير لا يحصيه عد ولا يحصره حد. ولا يدع إذا ما امتهن الأشراف بعض المهن من الصنائع ونبذوا التجارة وراءهم ظهريا إذ في التجارة فقدان مروءتهم ومنافات الشرف الذي إليه يسعون. ونكتفي بالتدليل على ذلك يقول ابن خلدون في مقدمته صفحة (395) ما هذا نصه وتحت عنوان (خلق التجار نازلة عن خلق الأشراف والملوك). ثم يشرح ذلك قائلا (إن التجار في غالب أحوالهم إنما يعانون البيع والشراء، ولا بد فيه من المكايسة ضرورة، فإن اقتصر عليها اقتصرت به على خلقها وهي أعنى خلق المكايسة بعيدة عن المروءة التي تتخلق بها الأشراف، وأما أن استزل خلقه بما يتبع ذلك في أهل الطبقة السفلى منهم من المماحكة والغش والخلابة وتعاهد الإيمان الكاذبة على الأثمان رسما وقبولا فاجدر بذلك الخلق أن يكون في غاية المذلة لما هو معروف، ولذلك نجد أهل الرياسة يتحامون الاحتراف بهذه الحرفة لأجل ما تكسب من هذا الخلق.). ولم يكتف ابن خلدون بهذا القدر بل ذهب في تأييد ذلك بمقدمته أيضا صفحة (399) قائلا (قد قدمنا في الفصل قبله أن التاجر مدفوع إلى معاناة البيع والشراء وجلب الفوائد والأرباح ولا بد من ذلك في المكايسة والمماحكة والتحاذق وممارسة الخصومات واللجاج وهي عوارض هذه الحرفة وهذه الأوصاف نقص من الذكاء والمروءة.

فلا يدع إذن من أن ينبذ الأشراف التجارة وراءهم ظهريا لما فيها كما قدمنا من فقدان المروءة وخلق غير خلق الأشراف وهم بنبذ البطالة أحرى وأجدر لما فيها من ذلة وحطة. فما عليهم إلا أن يتخذوا صناعة من الصناعات كي تدر عليهم الرزق وتكفيهم مؤونة العيش.

وما المهنة إلا شرف يتحلى له المرء. وقد امتهنها الأشراف من العرب وسادات قريش. واليك ما جاء في كتاب المعارف لابن قتيبة صفحة (249 و 250) تحت عنوان صناعات الأشراف فقال. . -

كان أبو طالب يبيع العطر وربما باع البر. وكان أبو بكر الصديق بزازا. وكان عثمان بزازا. وكان عبد الرحمن بن عوف بزازا. وكان سعد بن أبي وقاص بيري النبل. وكان العوام أبو الزبير خياطاً، وكان الزبير جزاراً، وكان عمرو بن العاص جزاراً، وكان العاص بن هشام أخو أبي جهل حداداً، وكان عامر بن كريز جزاراً. وكان الوليد بن المغيرة حداداً، وكان الوليد بن المغيرة حداداً، وكان عقبة بن أبي معيط خماراً، وكان عثمان بن طلحة الذي دفع إليه رسول الله (ﷺ) مفتاح البيت خياطاً، وكان قيس بن مخرمة خياطاً، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت والأدم، وكان عقبة بن أبي وقاص نجاراً، وكان أمية بن خلف يبيع البرم، وكان محمد بن سيرين بزازاً، وكان مجمع الزاهد حائكا، وكان أيوب يبيع جلود السختيان فنسب اليها. وكان المسيب أبو سعيد زياتا، وكان مالك بن دينار وراقا، وكان أبو حنيفة صاحب الرأي خزازا. وقد جاء في مقدمة ابن خلدون ما يعزز المهن والصنائع في صفحة (383) بقوله (قالوا المعاش إمارة وفلاحة وصناعة وتجارة، أما الفلاحة فهي متقدمة عليها كلها بالذات؛ وأما الصنايع فهي ثانيتها. وجاء أيضا بالمصدر نفسه (ص) 401 (إن رسوخ الصنايع في الأمطار هو برسوخ الحضارة وطول أمده). وورد أيضا بنفس المصدر (ص) 403 (إن الأمطار إذا قاربت الخراب انتقصت منها الصنائع

وقد يذهب البعض من أدعياء الأدب على أن الأدب وقف على ذوي المراكز الممتازة والطبقة العليا ولا يحق لغير هذه الطبقة أن يدعيه. وإن ادعاه أحد غير هذه الطبقة فادعاؤه باطل وإن جاء بالمعجز المبدع. وإذا ما جاءهم أديب مهني من ذوي النبوغ والعبقرية بأدب رفيع ممتاز فلا يقابل أدبه بغير الاستهجان والازدراء ومط الشفاه، أقول، - متى كانت العبقرية بنت القصور والضياع ووليدة الغنى والثراء؟ ومتى كان الذكاء أليف الترف والنعيم؟ وكثيرا ما نرى التبلد الذهني والخمول العقلي حليف القصور وتوأم الترف والنعيم وقولهم يناقض العرف وما قيل قديما من أن العبقرية بنت الجوع. ولنعرف الأدب والأديب قبل الدخول في صلب الموضوع.

الأدب:

مرآة صافية تنطبع عليها انعكاسات المجتمع وصوره بما فيها من آلام وآمال. والأديب - هو العدسة اللاقطة لتلك الصور والانعكاسات فإذا ما تأثر الأديب بصورة من صور المجتمع أخرجها لوحة فنية ذات منظر أخاذ، وليس عليه ما تبعثه الصورة في النفس من ألم وانقباض أو بسطة وانشراح وإنما عليه أن ينقل الصورة بكل أمانة وصدق، يستطيع والحالة هذه التقاط صور المجتمع بما فيها من آلام وآمال إلا من الدس بين طبقات المجتمع وعانى ما يعانيه من بؤس وشقاء فمتى يستطيع ذو البرج العاجي حليف الخمرة والدن واليف الغيد من أبناء الترف والنعيم تصوير البؤس والشقاء وهي صور الأغلبية الساحقة للشعب؟ وكيف يستطيع أن يعطينا الصورة صادقة صحيحة من برجه العاجي من لم يتذوق البؤس والشقاء؟ فليس أديبا ولا فنانا من يصف لنا الحياة من دائرة ضيقة ولا يراها إلا من جهة واحدة. وليس الأديب إلا من يعطينا صور الحياة من جميع جهاتها بما فيها من آلام وآمال وسعادة وشقاء. ولا يستطيع هذا إلا الأديب الذي خبر الحياة وتذوق منها طعم اللذة والألم. وذاك أديب الواقع الذي يعيش بين طبقات المجتمع ويندس بين صفوفه، وهذا ينقسم إلى قسمين. قسم يفضل الراحة والهناءة فيتخذ من الأدب مهنة للكسب والعيش فيبذل ماء وجهه باستنداء الأكف وطلب الصدقات يتسكع على باب هذا وذاك في سبيل الحصول على العيش الرذيل. وهذا النوع من الأدباء يكون مهدر الكرامة مهان النفس فتأتي صورة مشوهة عن الحقيقة لابسة غير لبوسها حسب ما يقتضيه ظرفه وحسب ما تطلبه مصلحته. والأدب أرفع من أن ينزل إلى هذا المستوى إذ هو في رفيع سامي منزة عن الدنايا والهنات وإلا فهو الحقيقي سواء.

لنترك هذا النوع من الأدب والأدباء إذ لا خير يرجى من أدب وأديب ينزل إلى هذا المستوى الوضيع ولنتحدث عن القسم الثاني من الأدباء الواقعيين الذين نريد الحديث عنهم بعد هذه المقدمة. الأدباء الذين أبوا العيش إلا من قوة أيديهم وما يبذلونه من جهد وذلك باختيارهم مهنة تدر عليهم الرزق وتصون أديم وجوههم من الابتذال وتكفيهم ذل الحاجة والسؤال وتحفظ كرامتهم من الأمتهان وهذا القسم من الأدباء أولى بالذكر والخلود. - وها نحن نقدم لك طائفة من هؤلاء الأدباء المهنيين ممن انقادت لهم المعاني وأعطتهم قيادها مع شئ يسير من تراجمهم والشيء المختار من أشعارهم ونتاجهم الأدبي ومن الله نستمد المعونة والتوفيق.

للكلام بقية

خليل رشدي

العمارة - العراق

-