مجلة الرسالة/العدد 897/الغزالي وعلم النفس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 897/الغزالي وعلم النفس

مجلة الرسالة - العدد 897
الغزالي وعلم النفس
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 09 - 1950


للأستاذ حمدي الحسيني

النزوع

النزوع أو الإرادة أو العمل، هو المظهر الثالث للشعور الإنساني، وما دمنا قد تحدثنا في المقالين السابقين من هذه السلسلة عن المظهرين الأولين للشعور عند الغزالي وهما المعرفة والوجدان، أو على حد تعبير الغزالي العلم والحال، نرى من الحق أن نتحدث هذه المرة عن المظهر الثالث للشعور وهو النزوع أو العمل. وبهذا نكون قد تحدثنا عن أجزاء العملية العقلية عند الغزالي تامة، وصورنا مظاهر الشعور الثلاثة في نظر هذا العبقري كاملة.

وها نحن أولاء الآن نورد وصف النزوع في علم النفس الحديث فنقابله بما سنورده من وصف لهذا النزوع عند الغزالي. يقول النفسيون: النزوع هو الوجه الثالث لأية عملية عقلية، وهو محاولة (أو جهد) يبذله الإنسان ليستديم الارتياح الذي وجده، أو يبتعد عما شعر به من الألم والضيق. فهو ما يشعر به الإنسان عندما يكون هو الفعال نفسياً، فيؤثر في ما يجري في نفسه من الخواطر منتقلاً من اللحظة التي هو فيها، نازعاً نحو أخرى آتية أو مبتعداً عنها في حين أنه في الوجدان يكون هو المتأثر المنفعل.

وليس الإدراك والوجدان والنزوع أجزاء منفصلة يتكون من مجموعها الشعور، إنما هي أوجه (ومظاهر لشيء) وأخذ يمكن تميزها بعضها عن بعض يا لفكر ليس إلا. فهي متصلة بعضها ببعض اتصالاً وثيقاً، وتوجد في كل عملية عقلية، وتحدث كلها في آن واحد. فالإدراك لا يوجد من غير أن يصحبه وجدان؛ ولا يوجد وجدان بغير نزوع أو أدراك، والنزوع لا يوجد بدون أخويه الآخرين.

فالشعور وحدة متصل بعضها ببعض. الإدراك والوجدان والنزوع مظاهر ثلاثة لتلك الوحدة).

ولنر الآن ما كتبه العبقري العظيم أبو حامد الغزالي في هذا الموضوع (أعلم أن النية والإرادة والقصد عبارات متواردة على معنى واحد، وهو حالة وصفة للقلب يكتنفها أمران، علم وعمل والعلم يقدم لأنه أصله وشرطه؛ والعمل يتبعه لأنه ثمرته وفرعه وذلك لأن كل عمل، أعني كل حركة وسكون اختياري فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم واردة وقدرة، لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه، فلا بد وأن يعلم ولا يعمل ما لم يرد فلا بد من الإرادة ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقاً للغرض، إما الحال أو المآل. فقد خلق الله الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور ويلائم غرضه، ويخالفه بعض الأمور، فيحتاج إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه، ودفع الضار الخافي عن نفسه، فأفتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر والنافع حتى يجب هذا ويهرب من هذا. فإن من لا يبصر الغذاء لا يمكنه من أن يتناوله. ومن لا يبصر النار لا يمكنه الهرب منها فخلق الله الهداية والمعرفة وجعل لها أسباباً وهي الحواس الظاهرة والباطنة.

ثم لو أبصر الإنسان الغذاء وعرف أنه موافق له فلا يكفيه ذلك للتناول ما لم يكن فيه ميل إليه ورغبة فيه وشهوة له باعثه عليه. إذ المريض يرى الغذاء ويعلم أنه ولا يمكنه التناول لعدم الرغبة والميل، فخلق الله له الرغبة والميل والإرادة، وأعني به نزوعاً من نفسه إليه وتوجيهاً في قلبه نحوه. ثم ذلك لا يكفيه، فكم من شاهد طعاماً راغب فيه يريد تناوله عاجز عنه لكونه زمناً، فخلقت القدرة والأعضاء المتحركة حتى يتم التناول. والعضو لا يتحرك إلا بالقدرة. والقدرة تنتظر الداعية الباعثة والداعية تنتظر العلم والمعرفة أو الظن أو الاعتقاد وهو أن يقوي في نفسه كون الشيء موافقاً له، فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق لابد يفعل وسلمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه انبعث الإرادة وتحقق الميل. فإذا انبعثت الإرادة إنتهضت القدرة لتحريك الأعضاء. فالقدرة خادمة الإرادة، الإرادة تابعة لحكم الاعتقاد والمعرفة. فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة وهي الإرادة. وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض إما في الحال وأما في المآل فالمحرك الأول هو الغرض المطلوب وهو الباعث والغرض الباعث هو المقصد المنوي والانبعاث هو القصد والنية. وأنتهاض القدرة لخدمة الإرادة لتحريك الأعضاء هو العمل، إلا أن أنتهاض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد وقد يكون بباعثين اجتماعا في فعل واحد. وإذا كان بباعثين فقد يكون كل واحد بحيث لو أنفرد لكان ملبياً بإنهاض القدرة؛ وقد يكون كل واحد قاصراً عنه إلا بالاجتماع. وقد يكون أحدهما كافياً لولا الآخر لكن الآخر انتهض عاضداً له معاوناً).

حقاً أن الإمام الغزالي رحمه الله قد ظهر في هذه القطعة النفسية الجليلة الخالدة التي انتزعناها من كتابه إحياء علوم الدين عالماً نفسياً كبيراً وعبقرياً في فهم الطبائع البشرية وأسرار النفس الإنسانية خطيراً. قد ظهر الغزالي في هذه القطعة فاهماً للشعور الإنساني كل الفهم، مدركاً للعملية العقلية كل الإدراك، فهو لم يعالج في هذه القطعة موضوع (العمل) فحسب بل عالج جملة الشعور وكلية العملية العقلية. عالجها هذه المعالجة الدقيقة المتقنة السهلة الواضحة المبسطة التي تدل دلالة تامة على أن الرجل قد أوصله تأمله في نفسه وملاحظته لغيره إلى أعمق أغوار النفس البشرية فتغلغل في تلك الأغوار البعيدة تغلغل القوي القادر وعاد يحمل إلى العقل البشري هذه الأسرار العظيمة عن النفس البشرية والطبائع الإنسانية فينتفع بها الناس كافة. ونحن لا نحب أن نترك هذه القطعة النفسية العظيمة الفائدة دون أن نشير إلى التشابه بين ما جاء فيها وما جاء على قلم العالم الاجتماعي الكبير غوستاف لويون في كتابه الآراء والمعتقدات عن اللذة والألم كعاملين للحركة وباعثين للرغبة. ويقول الدكتور لويون:

(اللذة والألم يورثان الرغبة، أي الرغبة في بلوغ اللذة واجتناب الألم. فالرغبة هي المحرك الأساسي للإرادة والباعث على العمل، والرغبة هي التي توحي إلى الإرادة التي تكون بدونها معدومة. وعلى نسبة الرغبة تكون الإرادة قوية أو ضعيفة. ومع ذلك لا يجوز خلط الإرادة بالرغبة كما فعل كثير من الفلاسفة كشوبنهور وكوندياك. فإذا كانت الرغبة مصدر كل ما يراد فإنه يرغب في أمور كثيرة لا تراد. فالإرادة تتضمن التأمل والقصد والتنفيذ. إلى أن يقول:

والأمل أبن الرغبة لا الرغبة نفسها. إذ هو عبارة عن استعداد نفسي يجعل الإنسان يعتقد إمكان تحقيق ما فيه من رغبة. فقد يرغب المرء في شيء دون أن يأمله، فعلى قلة من يأملون الثروة نرى جميع الناس يرغبون فيها، وكذلك العلماء فأنهم يرغبن في اكتشاف علة العلل مع أهم لا يأملون أن يصلوا إليه. وقد تقرب الرغبة من الأمل في بعض الأحيان فتختلط به. فالإنسان في لعبة الدولاب يرغب في الربح ويأمله. ويمكننا أن نعرف الأمل باللذة المرجوة. وفي الغالب يكون الأمل في دور الرجاء أشعتي للعلة منه في إيجازه، وسبب ذلك واضح، فاللذة المنجزة تكون محدودة مقداراً وزماناً مع أنه لا حد لما يوجه الأمل من أحلام ولم يوجد سلطان الأمل وفتنته إلا لاشتماله على ما في اللذة من ممكنات.

فهو عصا سحر قادرة على تحويل كل شيء. وهذا هو سر الكون دعاة التجدد لم يفعلوا سوى إقامة أمل مكان آخر).

ولا يفوتنا بعد كل ما تقدم عن النزوع أن نتحدث قليلاً عن سلوك الغزالي بالنسبة إلى أهدافه، يقول الغزالي:

(قد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور ويخالفه بعضها، فيحتاج إلى جلب الملائم الموافق ودفع الضار المنافي) وهو بهذا قد وضع قاعدة جلب اللذة ودفع الألم. وقال في موضع آخر:

(المحرك الأول هو الغرض المطلوب وهو الباعث. والغرض الباعث هو القصد المنوي، وهو بهذا قد وضع قاعدة الهدف الباعث. ولننظر الآن لنعرف ما هو الهدف الباعث للغزالي في حياته. وأين اللذة المجلوبة في هذا الهدف وأي الألم المدفوع. نريد أن نعرف هذا لنستطيع أن نعلل سلوك هذا الرجل على ضوء علم النفس الذي يشرف علينا من هذه السطور التي سطرها قلمه مغموسً بعصارة نفسه وخلاصة حياته.

قد وضع الغزالي لنفسه هدفاً يجلب بالحصول عليه اللذة وهو الجنة، فالجنة هدف الغزالي الباعث له على ذلك السلوك الذي سلكه في حياته؛ وقد كانت العبادة هي الطريق - أو الوسيلة - الموصلة إلى الهدف. وقد تركزت في هدف الغزالي كل رغباته، فكان منساقاً إلى الهدف بكل ما في رغباته من قوة وعنف. وقد وضع الغزالي لنفسه باعثاً آخر ولكنه باعث مكروه لأنه مصدر ألم وهو نار جهنم والعياذ بالله. فقد حرك هذا الألم في نفس الغزالي الرغبة في الهروب ابتغاء النجاة والطمأنينة، الهروب من الدنيا إلى الآخرة، من نار جهنم إلى جنات النعيم ونحن إذا فهمنا هذا جيداً استطعنا أن نفهم العلة في سلبية الغزالي وانطوائه على نفسه وعده رغبات الحياة الإيجابية مهلكة تجب النجاة منها، ورغبات الحياة السلبية منجية يجب الاعتصام بها. إذا فهمنا هذا جيداً استطعنا أن نفهم السبب في اعتبار الغزالي غرائز الغضب والتغلب السيطرة والمنافسة وحب المدح والجاه والثراء وما إليها يجب الابتعاد عنها والتخلص منها بالخوف والخضوع والانقياد والزهد والفقر وما إليها من الغرائز والرغبات السلبية.

حمدي الحسيني