مجلة الرسالة/العدد 881/رسالة الشعر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 881/رسالة الشعر

مجلة الرسالة - العدد 881
رسالة الشعر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 05 - 1950


بغداد

للأستاذ إبراهيم الوائلي

بغداد إن طال الفراق وشفني ... ظمأ فحسب تعلتى ذكراك

أنا إن بعدت فلي خيال هائم ... عبر الفضاء يطوف في مغناك

وجوانح لم تحو في أعماقها ... ما يستجيب له الهوى إلاك

روح تهم على شواطئ دجلة ... وتحوم فوق جمالها الضحاك

وتعود يحملها الجوى خفاقة ... لتصيخ مني للنشيد الباكي

بغداد اشتاق النسيم متى سرى ... حلو المهب معطراً بشذاك

وإذ أطل الفجر يمسح ناظري ... مترفقاً أبصرت فيه رؤاك

أو طاف ما بين الخمائل صادح ... أحسست في شفتيه رجع صداك

بغداد ما أحلى المساء ودجلة ... تنساب كالنسمات بين رباك

في كل ضاحية فتون طافح ... ملء الفضاء يشيعه مرآك

وعلى الشواطئ من دجاك مناظر ... لم تتشح إلا بسحر دجاك

نشرت على الأفق الرحيب ظلالها ... ومشت خطاها تلتقي بخطاك

وتناثرت على جانبيك مواكب ... تستقبل الأحلام في دنياك

فهنا مشاهد للجمال طليقة ... جلت روائعها عن الادراك

وهناك سرب من مهاك وليت لي ... كبدا تذوب على خدود مهاك

أنا من سفكت على الصخور مآربي ... ونثرت آمالي على الأشواك

ومضيت كالطير الجريح مروعاً ... في الفقر بين مخالب وشباك

أطوى الدجى يقظان ملء جوانحي ... حرق وفي ثغري صداها الحاكي

بغداد ما أحلاك باسمة المنى ... للسامر النشوان. ما أحلاك

تلقاك بالمرح النفوس ولم تكن ... لولا المباهج والمنى تلقاك

وعلى الضفاف الحالمات موائد ... قد نضدتها في الدجى كفاك

رق النخيل لها وفاض مدامعاً ... كالفجر يلمع في متون فضاك وحنا عليها الكرم يسفح لبه ... فيها ويخضب بالدماء ثراك

فلكم خيال كالنسيم يروقه ... ألا يسامر غير شهب سماك

يختال في الأفق الرحيب محلقاً ... بجناح طير أو جناح ملاك

بغداد يا طيف المهوم إن دجا ... ليل ويا ألق الشعور الذاكي

كم في صباحك قد بعثت خواطري ... شعراً ورحت ايثه لمساك

وكم احتوتني والليالي سمحة ... لحظات صفو لم ترق لولاك

متع نهزت بها انتهازه عابر ... وصحبتها ذكرى معي لأراك

وهبي نسيت من الصبا أحلامه ... افهين في الحب أن أنساك

أنا من يقيم على العهود ولم أجد ... أولى بحفظ العهد غير هواك

مرت يداك على شفافي خلسة ... يوم الوداع وتمتمت شفتاك

ثم أنثنيت مودعاً فإذا على ... قلبي تطل مع الدحى سيماك

وتموج في شفتي نغمة حائر ... يطوي الظلام مردداً نجواك

بغداد والألم الدفين يهزني ... فاذا شكوت فلست أول شاكي

لي مثل ما للشاعرين تعتب ... لو تستجيب لعاتب أذناك

أتبيت دنياك الضحوك مدلة ... وعلى مآسيها تبيت قراك

فتذكري الريف الحزين ومن به ... والقاطنين صوامع النساك

الحاصدين من السهول رمالها ... والنائمين على الطوى الفتاك

واللابسين من الشتاء عراءه ... في حين طاب لسامر مشتاك

والزارعين ودون ما جهدوا به ... رصد يبث لهم من الأشراك

ريف لو أدكرت حياتك أنها ... ضيف عليه لساءها مجراك

يشقي ليحرس منك ليلاً باسماً ... ويعيش في غلس لكي يرع اك

بغداد هذا اللحن نجوى شاعر ... نساجه في الذكريات سواك

أنات قلب أن أثارك شجوها ... أو لم يثرك فإنها ذكراك

إبراهيم الوائلي