مجلة الرسالة/العدد 865/النبي وأهل القليب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 865/النبي وأهل القليب

مجلة الرسالة - العدد 865
النبي وأهل القليب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 30 - 01 - 1950


للأستاذ محمود أبو ريه

لما انتصر المسلمون في وقعة بدر ونزلت الآية: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون) أمر النبي صلوات الله عليه بالقتلى من صناديد قريش أن يُقذفوا في القليب (البئر) ثم وقف عليهم وقال - على ما جاءت به إحدى الروايات. (يا أهل القليب هل وجدتهم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً) فقيل له: تدعو أمواتاً؟، قال: ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يجيبون!)

وأخذ بهذه الرواية طائفة من المؤرخين، ولكن عائشة رضي الله عنها صححت هذه الرواية، واستدركت على من رواها وقالت: إنما قالت النبي: إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق - وقد قال تعالي - (إنك لا تسمع الموتى - وما أنت بمسمع من القبور)

وعلى أن رواية عائشة هي الصحيحة التي توافق العقل والمنطق وتتفق وسمو خلقه العظيم صلوات الله عليه، فإن بعض الذين يتحدثون عما قاله النبي لأهل القليب من مؤرخي عصرنا لا يزالون يدعون رواية عائشة. وآخر من قرأنا لهم ذلك معالي الدكتور طه حسين بك في كتابه (الوعد الحق)

هذا وأن لعائشة لاستدراكات كثيرة على طائفة من الصحابة كبيرة.

فقد ذُكر عندها أن ابن عمر رفع إلى النبي: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. فقالت:، إنما قال رسول الله (إنه ليعذب بذنبه وأن أهله ليبكون عليه حسبكم القرآن (ولا تزر وازرة وزر أخرى)

وعن مسروق قال: قلت لعائشة يا أمتاه، هل رأى محمد ربه؟ فقالت لقد قفَّ شعري مما قلت! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت لا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير - وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب - ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب - ثم قرأت: وما تدري نفس ماذا تكسب غداً ومن حدثك أنه كنتم فقد كذب - ثم قرأت: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك.

ومما ردتّه عائشة خبر ابن عمر وأبي هريرة (إنما الشؤم ثلاث فقالت، إنما كان رس يحدث عن أحوال الجاهلية وأنهم كانوا يتشاءمون من ثلاثة - وفي رواية لها أن أبا هريرة لم يحفظ والأخذ بهذا الحديث يعارض الأصل القطعي (أن الأمر كله لله)

ولما روى أبو هريرة: أن رسول الله قال (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ودماً خير له من أن يمتلئ شعراً) قالت عائشة: أنه لم يحفظ، إنما قال (. . . من أن يمتلئ شعراً هجيتُ به)

ومما استنكرته على أبي هريرة أنه لما روي حديث (من أصبح جُنباً فلا صوم عليه) قالت: إن رسول الله كان يدركه الفجر وهو جنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم. وبعت إلى أبي هريرة أن لا يحدث بهذا الحديث فأذعن وقال: إنها أعلم مني

ولهذا الحديث قصة لا بأس من إيرادها لأنها طريفة (في كتاب اختلاف الحديث للشافعي أن أبا بكر بن عبد الرحمن قال.

كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم - وهو أمير على المدينة من قبل معاوية - فذكر له، أن أبا هريرة يقول (من أصبح جُنباً أفطر ذلك اليوم) فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا عبد الرحمن لتذهبن إلى أمَّي المؤمنين عائشة وأم سلمة فتسألهما عن ذلك، أما عائشة فقد قالت: ليس كما قال أبو هريرة يا أبا عبد الرحمن: أترغب عما كان رسول الله يفعله؟ فقال عبد الرحمن لا والله. قالت عائشة: فأشهد على رسول الله أنه كان ليصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم. ثم دخلا على أم سلمة فقالت مثل ما قالت عائشة ثم حينا مروان فقال له عبد الرحمن ما قالتا. فقال مروان أقسمت عليك يا أبا محمد لتركن دابتي فلتأتين أبا هريرة وتخبره بذلك، ولما أتى أبا هريرة وذكر له ما سمع، قال أبو هريرة (لا علم لي بذلك إنما أخبرني مخبر. . .)

وفي رواية للحافظ ابن حجر في فتح الباري في (باب الصائم يصبح جنباً) أن مروان قال لعبد الرحمن لتفزِّ عن بها أبا هريرة فكره ذلك عبد الرحمن. ولما اجتمع به بذي الحليفة - وكانت لأبي هريرة أرض هناك قال له إني ذاكر لك أمراً ولولا مروان أقسم على فيه لم أذكره لك! فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال كذلك حدثني الفضل بن العباس.

وبعد أن ذكر ابن حجر أن هذا الحديث قد رواه مسلم قال: وكان هذا بعد أن سمع مروان أن أبا هريرة كان يفتي الناس أنه (متى أصبح جنباً فلا يصوم ذلك اليوم) وأنه كان يرفع ذلك إلى النبي.

وفي رواية للنسائي أن مروان قال لعبد الرحمن: إلق أبا هريرة فحدثه بهذا! أنه لجاري، وإني لأكره أن أستقبله بما يكره! فقال اعزم عليك لتلقينه.

وفي رواية معمر عن ابن شهاب: أن أبا هريرة، لما ذكر له عبد الرحمن قول عائشة وأم سلمة (تلون وجهه).

ولأحمد أن أبا هريرة قال: ورب هذا البيت ما أنا قلت: من أدراك الصبح وهو جنب فلا يصم: محمد ورب الكعبة قاله!!

ولا نتوسع بإيراد أمثلة أخرى مما استدركته عائشة على الصحابة عامة - وعلى أبي هريرة خاصة الذي كان أول راوية اتهم في الإسلام أكذبه عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، قال ابن قتيبة في كتابه (تأويل مختلف الحديث) بعد أن ذكر أسماء الذين كانوا ينكرون عليه من كبار الصحابة ما يلي:

(وكانت عائشة رضي الله عنها أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه)

وكانت عائشة تَردُ كل ما يروي من الأخبار مخالفاً للقرآن وتحمل رواية الصادق من الصحابة على خطأ السمع وسوء الفهم ولم تكن تفعل ذلك إلا لأنها بلغت من الحفظ والفهم منزلة لا تنال.

قال عطاء بن أبي رباح، كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس، وقال عروة: ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بشعر من عائشة. وقال أبو موسى الأشعري (ما أشكل علينا، أصحاب محمد من حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً. وقال الإسماعيلي: كانت عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه.

ولا نستوفي كل ما قيل في فضلها رضي الله عنها

المنصورة

محمود أبو ربه