مجلة الرسالة/العدد 86/فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 86/فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

مجلة الرسالة - العدد 86
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 25 - 02 - 1935

8 - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا

للأستاذ خليل هنداوي

شوبنهاور

1788 - 1860

هذا هو شوبنهاور الذي طبع الفلسفة الألمانية بطابع التشاؤم، فتركها مظلمة قاتمة، يخال الجانح إليها أنه نازل في أنفاق بعضها أقتم من بعض. نشأ نشأته الأولى بهدوء وسكينة، لا يكاد الناظر إلى وجهه النحاسي يتبين أن وراء هذا الوجه خيوطاً سوداء متصلة بقلبه الأسود؛ وقد خانه الجد في أول عهده كما يخون العظماء، فكبا فاستثقل أن ينهض من كبوته، فما زاده ذلك إلا حقداً على الناس ومبالغة في الانتقام منهم. اتخذ رسله إلى الناس الكتب؛ فكان أول كتبه (الجذور الأربعة لمبدأ السبب الأتم)، فخاض كتابه في صفوف الناس فلم يلق إلا فشلاً، لأنه لا يزال خامل الاسم، ولما تزل سحابة الحزن مخيمة على ألمانيا المغزوة المجرحة، فالناس في شغل عن الفلسفة والفلسفة في شغل عنهم، ولكن شوبنهاور المتشائم لم يثنه ما أصاب كتابه عن مواصلة السعي، فأعد عدته لحدث عظيم يترك وراءه دوياً، فقذف بكتابه (العالم إرادة وتمثيل) وهو خير كتبه، وأكثرها تمثيلاً لشخصيته فيه من فلسفته الشيء الكثير، ومن الشعر الشيء الكثير. . . ولكن ذلك لم يقعد ببعض حاسديه عن أن يحملوا على الكاتب وينالوا منه. فاستهل مطلع الجزء الثاني من كتابه بهذه الأبيات (وهي لغوتي)

(لماذا تنفر منا؟

وترمي بآرائنا. . . .

وترمي بآرائنا. . . .

أنا لا أكتب لأسرك وأبهجك

ولكني أكتب لأعلمك شيئاً) وقد أسلم كتابه إلى المطابع وولي وجهه شطر إيطاليا موطن الفن، دون أن يرتقب ما يتركه كتابه من تأثير، فقضي فيها زهاء عامين يحيا حياة بسيطة، هادئة. ويرود مواطن الآثار متأملا في تلك العظمة الغائرة في تلافيف التراب. وقد كانت له ميول غزيرة للفن؛ وكم متع النفس - في حداثته - بمباهج الحياة! حتى إذا آب إلى برلين افتتح شعبة خاصة في الجامعة، ولبث شوينهاور يرتقب عبثاً من يسمع له، أو يأخذ عنه، حتى يئس من نجاحه، وتبرم بمذهب (هيجل) الذي يحتل ذهن الجامعة، وهو - عنده - مذهب الجنون والمحال، فما أشد مقته لأتباع هذا المذهب، ولليهود ذوي الأثرة، والنساء اللواتي يخرجن الكون من قلق إلى قلق. عاد إلى إيطاليا ليتم دراسته الفنية، ثم أقام في (فرانكفورت) وبعد جهاد خمسة عشر عاماً مشت إليه الشهرة ذليلة بعد صدود، منقادة بعد جموح، ولقي حتفه عام 160، وهكذا قدر لشوبنهاور أن يصرع مذهبه الجديد مذهب (هيجل) الذي تقطعت أسبابه، وتفككت روابطه، وشغرت الأفكار من بعده وأصبحت تتقبل أي مذهب كان يبعثه مجدد!

يعتقد شوينهاور بأنه هو الوارث الحقيقي لتراث (كانت) وأن (فيخت وشيلنغ وهيجل ما هم إلا أطفال فاسدون)، يرى أن كانت نحا بالفلسفة منحى جديداً، وسار بها في منهاج واضح، أما أتباع كانت فقد ذهبوا بالفلسفة مذهباً وعراً لا مأمن فيه لسالكه، وأقحموها في بقاع هي فوق (المحسوس) تتعانق أجزاءها، وتتلاقى أشلاؤها في نقط مظلمة مبهمة. والآن قد آن للفلسفة أن تدرس حقائق الأشياء الموجودة. (وان الطريقة المثلى في تأمل الوجود، والوقوف على أطواره ما يصل بنا إلى بواطن الأشياء، وحقيقة أكناهها الخفية، ويطلعنا على سر ما يكمن وراء كل حادث، لا تسأل الكون من أين أتي؟ وإلى أين يمضي، ولماذا وجد؟ ولكنها في كل لحظة وفي كل خطرة تود أن تعرف ما هو؟) وهكذا تحول مجرى العلم النظري الذي كان يجري وراء الخيال، وعاد ينقل من التجارب ما سلم بها الاختبار، ويشرح لنا ناموس الوجود حسب وضعه

يقول شوبنهاور: العالم هو أين تمثيلي وتصويري، وأين الحقيقة التي تصورها احساساتي التي يحولها الفكر إلى معارف.

وشوبنهاور لا يتخطى بهذه الفكرة ما افترضه معلمه (كانت) من قبل. ولكن العالم عنده هو إرادة، هو ميول عمياء أو غريرة قاهرة عند الكائنات، وفاعلية حساسية عند الانسان، ولكنها إرادة متمثلة في كل شيء، هي جهاد عنيف في سبيل الحياة، تسعى لبسط سلطتها وقوتها على ما هو خارج عنها، الإرادة هي الشيء القائم بنفسه الذي لا ينفذ إليه فناء. الحياة هي العمل

وقد يُخيل للبالغ هذه النقطة من فلسفة شوينهور أن صاحبها يريد أن يبشر بالفعالية المستمرة والجهاد المتواصل الذي لابد منه لحي، ولكن شوينهاور لا يبلغ بك هذه النقطة إلا ليحمل إلى نفسك فكرته المسمومة التي تجعل من الدنيا كهفاً مظلماً، ومعتركاً تتطاحن فيه الإرادات. يصرع بعضها بعضاَ: ألم يصرع أملاً، وأمل مغسول بالدمع يصارع أملً مخضباً بالدم

الحياة جهاد عنيف. والجهاد العنيف سبب باعث للألم والشقاء. والكائن كلما زاد سمواً ورقياً زاد تألمه وشقاؤه. وذو النظام المتسق أكثر شعوراً بالألم من ذي النظام الناقص المضطرب. أما الشجرة فلا تتألم، فهي غير حساسة. أما رجل العقل ورجل العبقرية فهما أكثر شقاء وألماً ممن خُلقوا محدودي المدارك، ضيقي الآفاق. والحياة - مهما تجردت - لنا منها حاجات نريد إدراكها، ونريد أن ندركها كاملة، والكمال ظل طارئ لا يثبت، وقد تجر الحاجات حاجات مثلها مما يجعل الحياة - حسب هذا المقياس - لا تنطوي إلا على شقاء، فلا ندرك كل ما نتمنى، ولا نعقد عن التمني:

وشوينهاور إزاء هذه الحالات الغامضة، وجد كماله وراحته في المذهب البوذي الذي يجرد عن النفس الألم لأنه يقصيه عن الاشتغال في الحياة، ويدعوه إلى الفناء المطلق في الوجود، والتأمل في آياته تأملاً ساكناً، خالياً من الرغبة والشعور

هذا هو شاطئ النجاة القائم التي أوت إليه سفينة شوبنهاور بعد أن طافت في أكناف المحيط أعواماً، وهو مذهب كأن، صاحبه قد استمده من تلك الساحبة السوداء التي غشيت ألمانيا في عقلها وشعرها وفلسفتها. ومن خيبة طويلة رافقته أكثر أيامه وقد وجد الناقدون القائلون بتأثير الوارثة أن شوبنهاور قد اقتبس من أمه الأيم نظراتها السوداء، وعن أبيه أخذ الإرادة. ومهما كان تأثير هذه الوارثة المتنقلة بعيداً في نفس شوينهاور، فهو تأثير ضعيف إزاء تلك الموجة التي اكتسحت القطر الألماني جميعاً بما فيه من أدب ومذاهب وشعر وفلسفة وبرغم ما بذله شوينهاور في إعلاء شأن مذهبه، وإظهار خطره، فقد قسما عليه النقد ووجد في مذهبه خطراً يهدد أماني الأنسانية، ويقتل كل ما حملته معها منذ فجر الخليقة حتى الآن، وأرادوا من شوينهاور أن تهديه النتيجة التي بلغها في أول مراحله (الحياة هي جهاد عنيف) لا إلى مناصرة الألم القوي، وتثبيت جذروه السامة في قلوب البشرية، بل إلى تخفيف أثقاله الرازحة على الكواهل والغوارب. فيعمل بذلك على إنماء الحياة وتكثيرها، وجعل رسالته رسالة رضاً وابتسام، لا رسالة سخط وامتعاض

ولكن هب أن شوينهاور كان فاقداً لروح التفاؤل، فما هو سر انتشار مذهبه الأسود بين الناس، وقد علموا أن الحياة لا تغدو بمذهبه إلا متجهمة قاطبة. فهل كان شوينهاور معبراً عما يجول في صدور قومه ويخفق في قلوبهم، كما كان معبراً عما يختلج في صدره وفي قلبه؟ قد يكون احتمال الاثنتين معاً من أكبر العوامل التي جعلت من شوبنهاور نبياً للتشاؤم محترماً في قومه، وإن كان صاحب التشاؤم قريناً لا يقبل صحبته غراب

لقد كان شوينهاور وكمن تظلمه غمامة سوداء، كثيراً هزؤه، نسيج وحده في خلقه. جاءت فلسفته ابنة طبعه، يحاول أن يقنع بها نفسه، لا الناس، لأنه يشعر أن الناس واجد أكثرهم في الحياة نوراً وسعادة، ولكن نفسه لا تبصر من هذا النور شيئاً

على أن أسلوبه الفلسفي هو الذي أحياه، برغم أن اعتقاده - بالبوذية - لم يقم أمره كمذهب. لأن العقول لا تتقبله وإذا تقبلته فلن تفهمه. أما أسلوبه فهو حي يغري ويملأ النفس جلالاً.

فتفكيره فيه جد وصرامة، يغلب المنطق على أقواله حتى في الأشياء البعيدة، يدل استشهاده الكثير على سعة اطلاع، وقد بلغت منه قوة الملاحظة مبلغاً عظيماً، حتى لتأتي الفكرة منه مبنية على خطأ، وتأني أجزاؤها صحيحة سليمة، كأنها البشاعة مبطنة بالجمال؛ وهو فياض الخيال الذي يندمج مع الفكر دون ما نفور. ولعل أعظم ما جاء منه (فكرة الإرادة) التي بان تأثيرها في الأجيال التي عقبت جيل شوينهاور؛ فما زالت هذه الإرادة تتطور وتنمو حتى أوجدت لنفسها كياناً في العالم الفلسفي والعالم المادي، ولعل (نيتشه) هو أكبر مولود وضعته الإرادة الجبارة بين يدي الحياة.

(يتبع)

خليل هنداوي