مجلة الرسالة/العدد 86/على مذهب روسو

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 86/على مذهب روسو

مجلة الرسالة - العدد 86
على مذهب روسو
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 25 - 02 - 1935


ثورة على الحضارة

للأستاذ محمود غنيم

ذَرَعْتم الجو أشبارا وأميالاَ ... وجُبتم البحر أعماقا وأطوالاَ

فهل نَقَصْتم همومَ العيش خردلةً ... أو زدتمو في نعيم العيش مثقالا؟

صرعى الهواء وغرقى الماء قد كثروا ... وراكب الحيل جر الذيل مختالا

العيسُ ألْين ظهرا من مراكبَ إن ... جنَّبن هولا فقد قرّبن أهوالا

تسنّم القوم غربَ الجو وانطلقوا ... كأن للقوم في الأفلاك آمالا

أقسمت لو دنت الأفلاك طائعة ... فنالها المرء لم يقنع بما نالا

إني أرى الناس ما زادوا رفاهيةً ... في العيش زاده تعقيدا وإشكالا

كم هان أمر فقلدناه طائفةً ... من الحواشي وحملناه أثقالا

تجاوز العرفُ والعاداتُ حدها ... فأصبحا في رقاب الناس أغلالا

يا طالما حدثتني النفس قائلةً ... أنحن أنعم أم أسلافنا بالا؟

كانت حياتهمو تَضفي بساطتُها ... عليهمو من هدوء البال سر بالا

كم للمحاكم أحكام يقوم بها ... في البدو فيْصَلهُ - والقولُ ما قالا

لا الحق ضاع إذا ما عيَّ مدرهُهُ ... ولا ترقُّبُ يوم الفصل قد طالا

قد رتم الوقت تقدير الشحيح به ... فكدتمو تملؤون الليل أعمالا

أتختمُ الوقت بالأعمال ويحكمو ... هلا أضفتم إلى الآجال آجالا!

تحضر الناسُ حتى ما لمكرمة ... قُدْسٌ لديهم ولكن قدسوا المالا

في كل مملكة حربٌ منظمةٌ ... تضم جيشين: مُلاكا وعمالا

يد السياسة بالأخلاق قد عبثت ... وقرض العلم صرح الدين فانهالا

البدو أكرمُ أخلاقا وأحسبهم ... لله أكثرَ تقديسا وإجلالا

قالوا: تألق نور العلم، قلت لهم: ... بل ناره أصبحت تزداد إشعالا

عهد الحسام بفضل العلم قد درست ... آثاره وزمان الرمح قد دالا

يا رُب حربٍ بغير العلم ما اتقدت ... ورب جيشٍ بغير العلم ما صالا مدمرات وغازات مسممة ... تصور الموتَ ألوانا وأشكالا

لنا جرائمُ لم يسبق بها زمنٌ ... باتت تزلزل ركن الأمن زلزالا

كم وضّح العلم منهاجاً لمختلس ... وبات يحمي من القانون مغتالا

ابْنُ الحضارة جسم دون عاطفة ... يكاد يحسبه رائيه تمثالا

وبرقها خلب يغريك بارقةُ ... جتى إذا شِمتَه ألفيتَه آلا

رسالة الغرب لا كانت رسالته ... كم سامنا باسمها خسفا وإذلالا

وصوّرتْه لعين الشرق أمثلة ... عُليا وصوّرنا الرحمن أمثالا

تغزو الحضارة أقواما لتسعدهم ... والزنج أسعد من أربابها حالا

هي الطبيعة ما بر الأنامُ ... أما وبرت بهم من قبلُ أنجالا

هل تشهرون عليها الحرب ويحكمو ... وكم طوت قبل هذا الجيل أجيالا

عودوا إلى حجرها إن شئتمور غدا ... كما نشأتم بهذا الحجر أطفالا

صوت الهزار وصوت العود أيُّهما ... أفواهما أثراً في النفس فعالا؟

أقسمت ما نظرت عيني بحاضره ... كالرمل أصفَر أو كالماء سلسالا

إذا نظرتُ إليكم من ذُرا جبلٍ ... لاحت قصورُكم الشماء أطلالا

يا رُب قصر له شمسُ الضحى طنفٌ ... بين العيون وبين الشمس قد حالا

يود ساكنهُ لو كان منطلقا ... كالذئب يسكن أحراجا وأدغالا

قودُ والبخارَ وسوقوا الكَهرباء فما ... زلتم بأسرار هذا الكون جهالا

لكم حياةٌ وموتٌ كان سرُّهما ... من عهد آدم مستوراً وما زالا

كوم حمادة

محمود غنيم